|
أهلا بكم أصدقائي من
جديد .. طبعا لازلتم تتذكرون " هشومة
" ، الشاب الذي لا هم له
إلا إزعاج الآخرين ( بدون قصد
طبعا ) و الوقوع في ورطات يفلت منها دائما
بأعجوبة ، لكنه -رغم ذلك - طيب القلب و شهم
.
اليوم سأحكي لكم
حكايتي مع ال " حمو فوبيا " . طبعا لم
يسمع أحدكم يوما عن هذا النوع من الفوبيا
، لأنها - ببساطة - فوبيا خاصة بي وحدي .. و
لكي تعرفوا الحكاية التفوا حولي و
انتبهوا فحكاياتي - كعادتها - غريبة حقا ..
*
*
*
كنت أجلس يوما
بغرفتي أمارس هوايتي المحببة : قراءة
القصص المصورة ،و إذا بي أسمع ضجيجا و
جلبة قوية بالشارع
. فتحت نافذة غرفتي، و إذا بي أشاهد رجلا
يلكم أحدهم و يطرحه أرضا ، و بكل قسوة راح
يركله رغم سقوطه،و بعد ذلك تدخل بعض
السكان و خلصوه من يديه،ثم ابتعد هو و
أصبح في مرمى نظراتي .. و كانت الواقعة ..
لقد أثار وجهه المنتفخ
- بشاربه الغليظ و عينيه اللتان تطل
منهما وحشية لا أظن القرش الأزرق يمتلك
مثلها - رعبا لا حدود له بداخلي لست أدري
له سببا .. و كان هذا الشخص
يدعى"حمو " كما علمت فيما بعد ، و
علمت بعد ذلك أنه قد سجن لمدة خمسة أشهر و
رغم ذلك ظل وجهه يرافقني
طويلا سواء في يقظتي أو في بعض أحلامي . و
في أحد الأيام و بينما أنا عائد إذا بي
أشاهده و هو يوليني ظهره جالسا بالمقهى
المجاور لمنزلنا...نعم....إنه هو .. لا يمكن
أن أخطىء بجسمه الشبيه بالفيل . إذن فقد
غادر السجن ؟ ارتعدت فرائصي و تبلل جسدي
بعرق غزير لست أدري من أين أتى.أسرعت
الخطى راجيا من الله ألا يستدير..و أخيرا
دخلت إلى المنزل و أنا أحمد الله في سري
على أنه لم يلتفت إلي.مرت الأيام على نفس
المنوال ، كنت دائما أتخذ الطريق الذي
يوليه هو ظهره،فقد لاحظت أنه يجلس يوميا
في نفس المقعد و
يولي ظهره للطريق التي توصلني إلى المنزل
.
لم أستطع أن أكتم
هذا الخوف داخلي،و هكذا قررت أن أخبر
صديقي ( محمود )الذي يجاورني السكن ..
-
محمود .. سأخبرك أمرا أرجو أن تعطيني
رأيك فيه بصراحة ..
- لا داعي لأن تكمل ..
إنها تناسبك تماما .. ( قالها بكل خبث
محاولا أن يبدو ذكيا ما أمكنه ذلك)
- من تقصد ؟
- لا تتظاهر بعدم
الفهم .. تلك الأرملة ، جارتكم ..
- ماذا ؟! هل تظنني
أريد الزواج من امرأة في الخامسة و
الأربعين من عمرها ،
و لها ثلاثة أولاد يكفي واحد منهم - إذا
أطلق له العنان - أن يخرب الحي كله .. لا ..
لا .. تفكيرك سطحي كالعادة ، الموضوع أخطر
مما تتصور ..
- حسنا ، كلي آذان
تصغي ..
بعدما حكيت له
حكايتي باختصار سألني و على وجهه تعبير
غريب ، هو مزيج من الغضب و السخرية و
الحزن :
- هل تقصد ذاك الذي
يجالس جارنا ( منير ) ؟
- نعم .. نعم .. هو
بعينه .. هل ...؟
قاطعني ( محمود ) بأن
جذبني من يدي و مشى بي في الطريق و أنا
أستغرب من تصرفه هذا ، ثم اتضح لي أن
وجهته هي المقهى .
و هنا .. هنا فقط .. بدأت أحتج بل و أتشنج و
أحاول تخليص يدي من يد ( محمود ) الذي لم
يهتم باعتراضي هذا ، و بدأت أكافح بكل
قوتي للهروب ، فسقطت أرضا ممزقا بنطلوني
الذي أكمل اليوم عيد ميلاده الخامس ، و
محمود يجرني كأنه جلاد يسوق ضحيته
نحو المشنقة حتى أن أحد المارة
تدخل سائلا إياه
لماذا يدحرجني هكذا فالتفت إليه محمود
بقامته الطويلة و زمجر صارخا فيه :
- إننا نمزح ، هل تحب
التجربة أنت أيضا ؟
- لا .. لا .. يكفيني
مزاح زوجتي ..
قالها الرجل ثم
ابتعد بسرعة تاركا إياي و قد استسلمت
لمصيري و تلوتُ الشهادتين و أغلقت عيني.
- افتح عينيك فقد
وصلنا .
أردت أن أقول شيئا من
باب الاعتراض ، لكنني وجدت أفتح عيني
مرغما لأجد نفسي وجها لوجه أمام ....
لكن ، مهلا ... إنه نفس
الشخص الذي يوليني ظهره دائما .. لكنه ليس
( حمو ) .. بل هو شخص آخر أعرفه جيدا .. إنه
جارنا ( عبد الحق ) .. أخيرا أدركت سر
التعبيرات التي ارتسمت على وجه ( محمود ) و
لماذا أرغمني على المجيء .. إذن فالرجل
الذي اعتقدته ( حمو) هو جاري ( عبد الحق ) ..
يالي من أحمق ! لقد أعماني الخوف تماما ..
إذن ، فقد انتهى الكابوس
. و من شدة سعادتي أمرت للسيد عبد الحق
- الذي فوجئ بمظهري و بكرمي الحاتمي - بكأس
شاي على حسابي الخاص بل و تماديت فعانقته
و قبلت رأسه الأصلع و هو ينظر لي في حذر ..
و طبع لم أنس أن أشكر صديقي محمود على قوة
ملاحظته و بما أنه من النوع الذي لا يقبل
الشكر النظري ، فقد كان لزاما علي أن
أمنحه شكرا ملموسا لم يتجاوز السيجارة
الواحدة تقبلها - هو - في رضى ..
***
***
***
استمرت سعادتي
ليومين آخرين و كنت كلما مررت قرب المقهى
رفعت يدي عن آخرها ملوحا لعبد الحق ..
و في اليوم الثالث
كانت سعادتي قد بلغت ذروتها فأتيت متسللا
خلف جاري ( عبد الحق ) و هو جالس
بالمقهى ، و ضربته على قفاه بقوة لا
بأس بها من باب المزاح .. كان مزاحا ثقيلا
، لكنه كان معتادا عليه كما اعتدت أنا
مقالبه .. و عندما استدار اكتشفت متأخرا -
نظرا لقصر النظر الذي أعاني منه - أنه ليس
أبدا عبد الحق .. إنه ، و هذه المرة دون
أدنى شك ، إنه الكابوس ... إنه (حمو ) ...
لحظتها فعلت ما
يفعله أي شخص يحترم نفسه في مثل هكذا موقف
... فقدت الوعي ..
***
***
***
كنت أسمع جلبة شديدة
.. و ما إن فتحت عيني حتى وجدت بجانبي
والدي و أخي الصغير ( مراد ) ، و تساءلت في
حيرة لا داعي لها :
- ماذا حدث ؟ أين أنا
؟
تنهد والدي ثم
أجابني :
- حسبما أخبرني رواد
المقهى أنك ضربت حمو على قفاه ثم سقطت
فاقد الوعي ، و تكفل ذوي القلوب الرحيمة
بنقلك إلى البيت ، ثم أتى رجال الشرطة و
قبضوا على ( حمو ) ، ليكمل مدة سجنه الذي فر
منه ، و هي عشر سنوات .
أخيرا .. ياللراحة ..فيما
بعد أخبرني بعض الأصدقاء أن ( حمو ) لم
يلتفت إلي عندما فقدت الوعي و لم يبالي
أبدا بضربتي تلك ..و أن رجال الشرطة كانوا
يترصدون له منذ مدة ..
و
هكذا انزاح الكابوس من حياتي ..
آن لي الآن أن أستريح
فعلا .. اندسست تحت الأغطية و شريط
الأحداث يدور في
مخيلتي ، ثم بدأت
المرئيات تهتز أمامي
فأغلقت جفني و رحت في نوم عميق و .. إلى
حكاية أخرى .
|