حلقات ساخرة

مذكرات " هشومة "  ( الحلقة الثالثة )

حموفوبيا

بقلم عبدالواحد أستيتو

أهلا بكم أصدقائي من جديد .. طبعا لازلتم تتذكرون " هشومة " ، الشاب الذي لا هم له

إلا إزعاج الآخرين ( بدون قصد طبعا ) و الوقوع في ورطات يفلت منها دائما بأعجوبة ، لكنه -رغم ذلك - طيب القلب و شهم .

اليوم سأحكي لكم حكايتي مع ال " حمو فوبيا " . طبعا لم يسمع أحدكم يوما عن هذا النوع من الفوبيا ، لأنها - ببساطة - فوبيا خاصة بي وحدي .. و لكي تعرفوا الحكاية التفوا حولي و انتبهوا فحكاياتي - كعادتها - غريبة حقا ..

                            *                   *                     *

كنت أجلس يوما بغرفتي أمارس هوايتي المحببة : قراءة القصص المصورة ،و إذا بي أسمع ضجيجا و جلبة قوية  بالشارع . فتحت نافذة غرفتي، و إذا بي أشاهد رجلا يلكم أحدهم و يطرحه أرضا ، و بكل قسوة راح يركله رغم سقوطه،و بعد ذلك تدخل بعض السكان و خلصوه من يديه،ثم ابتعد هو و أصبح في مرمى نظراتي .. و كانت الواقعة .. لقد أثار وجهه المنتفخ  - بشاربه الغليظ و عينيه اللتان تطل منهما وحشية لا أظن القرش الأزرق يمتلك مثلها - رعبا لا حدود له بداخلي لست أدري له سببا .. و كان هذا الشخص  يدعى"حمو " كما علمت فيما بعد ، و علمت بعد ذلك أنه قد سجن لمدة خمسة أشهر و رغم ذلك ظل وجهه  يرافقني طويلا سواء في يقظتي أو في بعض أحلامي . و في أحد الأيام و بينما أنا عائد إذا بي أشاهده  و هو يوليني ظهره جالسا بالمقهى المجاور لمنزلنا...نعم....إنه هو .. لا يمكن أن أخطىء بجسمه الشبيه بالفيل . إذن فقد غادر السجن ؟ ارتعدت فرائصي و تبلل جسدي بعرق غزير لست أدري من أين أتى.أسرعت الخطى راجيا من الله ألا يستدير..و أخيرا دخلت إلى المنزل و أنا أحمد الله في سري على أنه لم يلتفت إلي.مرت الأيام على نفس المنوال ، كنت دائما أتخذ الطريق الذي يوليه هو ظهره،فقد لاحظت أنه يجلس يوميا في نفس المقعد  و يولي ظهره للطريق التي توصلني إلى المنزل  .

لم أستطع أن أكتم  هذا الخوف داخلي،و هكذا قررت أن أخبر صديقي ( محمود )الذي يجاورني السكن ..

-  محمود .. سأخبرك أمرا أرجو أن تعطيني رأيك فيه بصراحة ..

- لا داعي لأن تكمل .. إنها تناسبك تماما .. ( قالها بكل خبث محاولا أن يبدو ذكيا ما أمكنه ذلك)

- من تقصد ؟

- لا تتظاهر بعدم الفهم .. تلك الأرملة ، جارتكم ..

- ماذا ؟! هل تظنني أريد الزواج من امرأة في الخامسة و الأربعين من عمرها  ، و لها ثلاثة أولاد يكفي واحد منهم - إذا أطلق له العنان - أن يخرب الحي كله .. لا .. لا .. تفكيرك سطحي كالعادة ، الموضوع أخطر مما تتصور ..

- حسنا ، كلي آذان تصغي ..

بعدما حكيت له حكايتي باختصار سألني و على وجهه تعبير غريب ، هو مزيج من الغضب و السخرية و الحزن :

- هل تقصد ذاك الذي يجالس جارنا ( منير ) ؟

- نعم .. نعم .. هو بعينه .. هل ...؟

قاطعني ( محمود ) بأن جذبني من يدي و مشى بي في الطريق و أنا أستغرب من تصرفه هذا ، ثم اتضح لي أن وجهته هي المقهى  . و هنا .. هنا فقط .. بدأت أحتج بل و أتشنج و أحاول تخليص يدي من يد ( محمود ) الذي لم يهتم باعتراضي هذا ، و بدأت أكافح بكل قوتي للهروب ، فسقطت أرضا ممزقا بنطلوني الذي أكمل اليوم عيد ميلاده الخامس ، و  محمود يجرني كأنه جلاد يسوق ضحيته نحو المشنقة حتى أن أحد المارة

تدخل سائلا إياه لماذا يدحرجني هكذا فالتفت إليه محمود بقامته الطويلة و زمجر صارخا فيه :

- إننا نمزح ، هل تحب التجربة أنت أيضا ؟

- لا .. لا .. يكفيني مزاح زوجتي ..

قالها الرجل ثم ابتعد بسرعة تاركا إياي و قد استسلمت لمصيري و تلوتُ الشهادتين و أغلقت عيني.

- افتح عينيك فقد وصلنا .

أردت أن أقول شيئا من باب الاعتراض ، لكنني وجدت أفتح عيني مرغما لأجد نفسي وجها لوجه أمام ....

لكن ، مهلا ... إنه نفس الشخص الذي يوليني ظهره دائما .. لكنه ليس ( حمو ) .. بل هو شخص آخر أعرفه جيدا .. إنه جارنا ( عبد الحق ) .. أخيرا أدركت سر التعبيرات التي ارتسمت على وجه ( محمود ) و لماذا أرغمني على المجيء .. إذن فالرجل الذي اعتقدته ( حمو) هو جاري ( عبد الحق ) .. يالي من أحمق ! لقد أعماني الخوف تماما .. إذن ، فقد انتهى الكابوس  . و من شدة سعادتي أمرت للسيد عبد الحق - الذي فوجئ بمظهري و بكرمي الحاتمي - بكأس شاي على حسابي الخاص بل و تماديت فعانقته و قبلت رأسه الأصلع و هو ينظر لي في حذر .. و طبع لم أنس أن أشكر صديقي محمود على قوة ملاحظته و بما أنه من النوع الذي لا يقبل الشكر النظري ، فقد كان لزاما علي أن أمنحه شكرا ملموسا لم يتجاوز السيجارة الواحدة تقبلها - هو - في رضى ..

***             ***                ***

استمرت سعادتي ليومين آخرين و كنت كلما مررت قرب المقهى رفعت يدي عن آخرها ملوحا لعبد الحق ..

و في اليوم الثالث كانت سعادتي قد بلغت ذروتها فأتيت متسللا خلف جاري ( عبد الحق ) و هو جالس  بالمقهى ، و ضربته على قفاه بقوة لا بأس بها من باب المزاح .. كان مزاحا ثقيلا ، لكنه كان معتادا عليه كما اعتدت أنا مقالبه .. و عندما استدار اكتشفت متأخرا - نظرا لقصر النظر الذي أعاني منه - أنه ليس أبدا عبد الحق .. إنه ، و هذه المرة دون أدنى شك ، إنه الكابوس ... إنه (حمو ) ...

لحظتها فعلت ما يفعله أي شخص يحترم نفسه في مثل هكذا موقف ... فقدت الوعي ..

                                ***            ***                    ***

كنت أسمع جلبة شديدة .. و ما إن فتحت عيني حتى وجدت بجانبي والدي و أخي الصغير ( مراد ) ، و تساءلت في حيرة لا داعي لها :

- ماذا حدث ؟ أين أنا ؟

تنهد والدي ثم أجابني :

- حسبما أخبرني رواد المقهى أنك ضربت حمو على قفاه ثم سقطت فاقد الوعي ، و تكفل ذوي القلوب الرحيمة بنقلك إلى البيت ، ثم أتى رجال الشرطة و قبضوا على ( حمو ) ، ليكمل مدة سجنه الذي فر منه ، و هي عشر سنوات .

أخيرا .. ياللراحة ..فيما بعد أخبرني بعض الأصدقاء أن ( حمو ) لم يلتفت إلي عندما فقدت الوعي و لم يبالي أبدا بضربتي تلك ..و أن رجال الشرطة كانوا يترصدون له منذ مدة ..

 و هكذا انزاح الكابوس من حياتي ..

آن لي الآن أن أستريح فعلا .. اندسست تحت الأغطية و شريط الأحداث يدور في

مخيلتي ، ثم بدأت المرئيات تهتز  أمامي فأغلقت جفني و رحت في نوم عميق و .. إلى حكاية أخرى .

awraq@maktoob.com

 

أسرة التحرير
 
 
مقالات

في الصميم

شروخ في بؤبؤ العين

نقر القلم

ثرثرة كيبورد

ورقة في مهب الريح

صدى الآفاق

صور مقروءة 

كتابة على جدران الزمن           

بورتريه

حلقات ساخرة

من الأدب العالمي

             بأقلامكم

 

الملحق الشعري

دعوة لصديقك
بريد صديقك الالكتروني اسم صديقك اسمك
 

 

القائمة البريدية     سجل الزوار     للاعلانات     اتصل بنا     الصفحة الرئيسية

جميع حقوق الطبع والنشر محفوظة لعربيات © 2000
Copyright © 2000 Arabiyat. All rights reserved
في حال وجود أي ملاحظة نرجو مراسلتنا
info@arabiyat.com