|
تجربة
هذا الديوان فريدة ، ولها طابع خاص ،
لأنها تتوسل بكل الحواس فى نسج صورة هى
أقنعة للذات وتمثيل حكائى لحالتها
العميقة فى إحساسها بالوجود وبالآخر .
الكتابة
أشبة بحالة من حالات الحلم و التوهم ،
التى ترى الذات نفسها فى عصفور مبتل على
النافذة ، وفى الطفل الذى حين ينام
تتراءى له طيوفه البنفسجية ، وفى
الكرنفال البشرى لحركة الرجال الذين
يلثمون عيون النساء
.. الذات تتخارج فى حالات وبشر وصور من
الطبيعة التى تنفتح عليها نافذة الذات .
سألت
نفسى : هل يمكن لذات أن ترى تناثرها الخاص
على هذا النحو ، فتصبح الكتابة و الحياة
أشبة بتجربة المشى على الصراط ، وتقف بين
هاويتى الجنون و الحياة ، فترى الجنون /
التناثر وهى تعيش الحياة ، وتكتبها فى
قصيدة ، وتعى الجنون وهى فى حالة تأمل
الحياة ، وتعيش جحيم التناثر المشبع
بالألم القاسى التى تحاول أن ترسمها
بألوان عذبة ، أشبه بألوان الجواش .
فرواحل لا تستقر إلا فى فضاء الغرفة (
الذات ) ، ولا تتيقن من استقرار صورة فى
المخيلة ، لا تلبس أن ترحل إلى غيرها ..
ترددت
وعاودت القراءة مرة تلو أخرى .. وجدت فضاء
الرغبة فى اليقين يعذب ويثقل كاهل الوجود
.. وجدت كتابة تحاول خلق الذات ، ليس وفق
ما يقرأها الناس ، لكن وفق ما تشعره وتحسه
وتلمسه حواسها ..
لكن
الحواس تبهت بجانب هذا الحلم الصوفى
المجنون فى الاستشهاد احتفاء بكل ذرة من
الوجود ، وبكل حركة وومضة يشعرها الناس ..
هل تسأل دوما هل أنا هو ؟ هل أنا ما اكتبه
، ما ألتقطه ، كأن الكتاب لَمّ حبات العقد
وجمعها فى خيط الزمان الذى لا يلبث أن
يبعثرها وينثرها كلما حلت صيرورة .. لقد
جعلت الوجود تناثر حبات العقد ، والكتابة
عملية جمعها .
وكلما
ظنت أن العقد اكتمل ، ينفرط وتهرب العيون
كالغزلان الراجفة ، فتعيد الكتابة إعادة
خلق الذات ، وهى هذه المرة ليست كما تقرأ
نفسها ، ولكن كما تستشعر بكارة العيون
والصحراء و الكلمات ، كأنها تسمعها للمرة
الأولى ..
الشاعرة
هنا تمارس الكتابة في الترحال عبر هذه
الحالات و الصور ، وهى ترى أنها تغزل
التراب ، وإن أوجعتها التجربة فإنها تلجأ
للبحر لعله يستوعب بلثماته كل هذه
الحالات التى يشتد فيها حضور الغياب ..
ويغيب اليقين و التوحد ، ويشتد حضور عذاب
الحلم ، ونكاد نشعر بصمت الصرخة الرهيب
الذى يدوى فى أعماقنا إذا كنا ننصت إلى
الصوت الذى يتوارى وراء الصور وأساور
الليل ، ويستظل بمواعيد نزقة ، ويعبر
الأسيجة ، ورؤية الزائرين .
أن
الديوان يرصد بارقة الغياب التى قد تراها
فى بروق كُحلية وتماثيل ليلكية وظلال
يقظة وقمر منتصف الليل .. إنه الجنون
المستحيل ، فالخيوط السردية التى يمتلأ
بها الديوان وتصف بحكائية فريدة ، تسلمنا
لخيوط متكسرة لا تكتمل ، وترحب بانكسارها
وتستعذب الألم المبارك ، وهى تنتقل من
لحظة الآنية إلى طموح تعجز الروح عن
الأتيان به ..
الديوان
يسعى عبر قصائده لتجربة تمزيق حجاب اللا
معرفة ، ومنحنا الوسيلة لاتمام هذا
بأنفسنا ، فهى تنتقل بنا عبر حالات وصور
تستدعى موقف جديد من أنفسنا ومن الحياة : (
أنظر الخردلات المذهبة ولاسيما المدخل :
ص 9 ، وص 15 ) ، وهذا يقتضى الدفع والاختراق
، وهتك الاستنامة للكلمات والادعاءات
التى قد نحاول إظهارها ، و الرغبة
المحركة لهذا الفعل الذى يقتضى تغيير
موقع المراقب ، أو اللعب على الذات أو على
الآخر . فحين نسعى لكشف تناثرنا ، ومحاولة
اكتساب رؤية واضحة يجرى التحول علينا
وعلى الموقف الذى نعيشه : ( أنظر مملكة
الظنون ص 16 ) .
إنها
الأحلام تلوح ، وتغيب فى العتمة كطائر
روعته الريح ..
إنها
الصرخة .. تقترب دون أن تعرف لمن ترتد .
إن
تجربة الكتابة فى الديوان لا تصف لنا
تمرين من تمارين العقل و الشعر ، ولا طقسا
من طقوس التلقين و التعرى بحيث يكون
متاحا للنخبة فقط . بل إنه
ينادى الجميع إلى الاهتداء لتغيير
الموقف من الذات و الحياة و الخروج من
اللعبة اليومية ، وتبشرنا بأن تغيير
الموقف ، ينتج عنه إدراك جديد .
غير
أن الشاعرة تبين فى قصيدة " اختلاج "
أن إدراك التناثر ، وتغيير موقف الحياة ،
ومساءلة الذات يكون من أصعب الأشياء ،
حيث تبين لنا فى قصائدها كيف تكون الآلام
مرعبة لأنها الطريق الوحيد للوصول إلى
نقطة البداية .. فكيف يمكن أن تقنع شخصا ما
_ أن تقنع نفسك ، بأنك تعيش داخل غرفة
الأحلام / الحجاب .. كيف نرى الحجاب الذى
يعوقنا على أن نرى أنفسنا ونرى الآخرين ؟
، كيف تقنع شخصا بأن الملاذ الذى يحيط به
، ويتخمه الصلابة و الجدية الظاهرتين
لعالم اليقين الصاخب ، إنه ليس فى
الحقيقة غير نسيج عابر وهش من الطيات
المتعمدة و الشراك الزائفة وكم مهمل
يتداعى من مجرد لمسه .
حين
تمارس الشاعرة هذا مع نفسها تصرخ بصوت
قاس : أخ …
(
أنظر ص 18 – 19 ) ،
وددت لو أنقلها كاملة ، حيث تصبح الكتابة محاولة للنجاة من فخ
وهم المعرفة الكاذبة وجهلها التى لا
تحتمل نظرة العين الصافية ..
يتبع
|