فضاء الرغبة وتناثر الذات

د. رمضان بسطاويسى محمد

 

قراءة فى ديوان " رواحل " لنجوم الغانم

 

تجربة هذا الديوان فريدة ، ولها طابع خاص ، لأنها تتوسل بكل الحواس فى نسج صورة هى أقنعة للذات وتمثيل حكائى لحالتها العميقة فى إحساسها بالوجود وبالآخر .

 

 الكتابة أشبة بحالة من حالات الحلم و التوهم ، التى ترى الذات نفسها فى عصفور مبتل على النافذة ، وفى الطفل الذى حين ينام تتراءى له طيوفه البنفسجية ، وفى الكرنفال البشرى لحركة الرجال الذين يلثمون عيون النساء  .. الذات تتخارج فى حالات وبشر وصور من الطبيعة التى تنفتح عليها نافذة الذات .

سألت نفسى : هل يمكن لذات أن ترى تناثرها الخاص على هذا النحو ، فتصبح الكتابة و الحياة أشبة بتجربة المشى على الصراط ، وتقف بين هاويتى الجنون و الحياة ، فترى الجنون / التناثر وهى تعيش الحياة ، وتكتبها فى قصيدة ، وتعى الجنون وهى فى حالة تأمل الحياة ، وتعيش جحيم التناثر المشبع بالألم القاسى التى تحاول أن ترسمها بألوان عذبة ، أشبه بألوان الجواش . فرواحل لا تستقر إلا فى فضاء الغرفة ( الذات ) ، ولا تتيقن من استقرار صورة فى المخيلة ، لا تلبس أن ترحل إلى غيرها ..

 

ترددت وعاودت القراءة مرة تلو أخرى .. وجدت فضاء الرغبة فى اليقين يعذب ويثقل كاهل الوجود .. وجدت كتابة تحاول خلق الذات ، ليس وفق ما يقرأها الناس ، لكن وفق ما تشعره وتحسه وتلمسه حواسها ..

 لكن الحواس تبهت بجانب هذا الحلم الصوفى المجنون فى الاستشهاد احتفاء بكل ذرة من الوجود ، وبكل حركة وومضة يشعرها الناس .. هل تسأل دوما هل أنا هو ؟ هل أنا ما اكتبه ، ما ألتقطه ، كأن الكتاب لَمّ حبات العقد وجمعها فى خيط الزمان الذى لا يلبث أن يبعثرها وينثرها كلما حلت صيرورة .. لقد جعلت الوجود تناثر حبات العقد ، والكتابة عملية جمعها .

وكلما ظنت أن العقد اكتمل ، ينفرط وتهرب العيون كالغزلان الراجفة ، فتعيد الكتابة إعادة خلق الذات ، وهى هذه المرة ليست كما تقرأ نفسها ، ولكن كما تستشعر بكارة العيون والصحراء و الكلمات ، كأنها تسمعها للمرة الأولى ..

الشاعرة هنا تمارس الكتابة في الترحال عبر هذه الحالات و الصور ، وهى ترى أنها تغزل التراب ، وإن أوجعتها التجربة فإنها تلجأ للبحر لعله يستوعب بلثماته كل هذه الحالات التى يشتد فيها حضور الغياب .. ويغيب اليقين و التوحد ، ويشتد حضور عذاب الحلم ، ونكاد نشعر بصمت الصرخة الرهيب الذى يدوى فى أعماقنا إذا كنا ننصت إلى الصوت الذى يتوارى وراء الصور وأساور الليل ، ويستظل بمواعيد نزقة ، ويعبر الأسيجة ، ورؤية الزائرين .

 

 أن الديوان يرصد بارقة الغياب التى قد تراها فى بروق كُحلية وتماثيل ليلكية وظلال يقظة وقمر منتصف الليل .. إنه الجنون المستحيل ، فالخيوط السردية التى يمتلأ بها الديوان وتصف بحكائية فريدة ، تسلمنا لخيوط متكسرة لا تكتمل ، وترحب بانكسارها وتستعذب الألم المبارك ، وهى تنتقل من لحظة الآنية إلى طموح تعجز الروح عن الأتيان به ..

الديوان يسعى عبر قصائده لتجربة تمزيق حجاب اللا معرفة ، ومنحنا الوسيلة لاتمام هذا بأنفسنا ، فهى تنتقل بنا عبر حالات وصور تستدعى موقف جديد من أنفسنا ومن الحياة : ( أنظر الخردلات المذهبة ولاسيما المدخل : ص 9 ، وص 15 ) ، وهذا يقتضى الدفع والاختراق ، وهتك الاستنامة للكلمات والادعاءات التى قد نحاول إظهارها ، و الرغبة المحركة لهذا الفعل الذى يقتضى تغيير موقع المراقب ، أو اللعب على الذات أو على الآخر . فحين نسعى لكشف تناثرنا ، ومحاولة اكتساب رؤية واضحة يجرى التحول علينا وعلى الموقف الذى نعيشه : ( أنظر مملكة الظنون ص 16 ) .

إنها الأحلام تلوح ، وتغيب فى العتمة كطائر روعته الريح ..

إنها الصرخة .. تقترب دون أن تعرف لمن ترتد .

إن تجربة الكتابة فى الديوان لا تصف لنا تمرين من تمارين العقل و الشعر ، ولا طقسا من طقوس التلقين و التعرى بحيث يكون متاحا للنخبة فقط . بل إنه  ينادى الجميع إلى الاهتداء لتغيير الموقف من الذات و الحياة و الخروج من اللعبة اليومية ، وتبشرنا بأن تغيير الموقف ، ينتج عنه إدراك جديد .

غير أن الشاعرة تبين فى قصيدة " اختلاج " أن إدراك التناثر ، وتغيير موقف الحياة ، ومساءلة الذات يكون من أصعب الأشياء ، حيث تبين لنا فى قصائدها كيف تكون الآلام مرعبة لأنها الطريق الوحيد للوصول إلى نقطة البداية .. فكيف يمكن أن تقنع شخصا ما _ أن تقنع نفسك ، بأنك تعيش داخل غرفة الأحلام / الحجاب .. كيف نرى الحجاب الذى يعوقنا على أن نرى أنفسنا ونرى الآخرين ؟ ، كيف تقنع شخصا بأن الملاذ الذى يحيط به ، ويتخمه الصلابة و الجدية الظاهرتين لعالم اليقين الصاخب ، إنه ليس فى الحقيقة غير نسيج عابر وهش من الطيات المتعمدة و الشراك الزائفة وكم مهمل يتداعى من مجرد لمسه .

حين تمارس الشاعرة هذا مع نفسها تصرخ بصوت قاس : أخ

( أنظر ص 18 19 ) ، وددت لو أنقلها كاملة ، حيث  تصبح الكتابة محاولة للنجاة من فخ وهم المعرفة الكاذبة وجهلها التى لا تحتمل نظرة العين الصافية ..

يتبع

الجزء الثاني من القراءة في العدد القادم

 

أسرة التحرير
 
 
 
 
 

الملحق الشعري

 
دعوة لصديقك
بريد صديقك الالكتروني اسم صديقك اسمك
 

 

القائمة البريدية     سجل الزوار     للاعلانات     اتصل بنا     الصفحة الرئيسية

جميع حقوق الطبع والنشر محفوظة لعربيات © 2000
Copyright © 2000 Arabiyat. All rights reserved
في حال وجود أي ملاحظة نرجو مراسلتنا
info@arabiyat.com