تسجيل الدخول

Connect

Sign in using Facebook
تسجيل دخول بإشتراك فيسبوك

القائمة البريدية

الاسم
بريدك الإلكتروني

الكتب الإلكترونية

عندما افترشت الشمس زجاج نافذتها

اغتالوا طفولتك ... يوم قصوا جديلتك

سحر الرملاوي

عندما افترشت الشمس زجاج نافذتها و أرسلت دفقات من شعاعها الحاني إلى عيونها بلغتها رسالة تحريرية بأن قد آن الأوان لتستيقظ، استلمت الرسالة و فتحت عينيها بهدوء ، جاست بهما حولها ثم ركزتهما على اللعبة البيضاء في حضنها ... دمية على شكل قطة ، احضرتها لها أمها مؤخرا و لم تفارقها مذ عادت إلى المنزل ... كان هذا الصباح مختلفا ، شعرت أن دماء بدأت تجري في عروقها التي كانت قد تيبست ، شعرت أن حرارة ما تسري في أطرافها ، و رغبة عارمة اجتاحتها لتنهض من فراشها ، لتأكل ، لتتحرك ، لتفعل شيئا مختلفا ، نهضت من فراشها ، سارت خطوات و اتجهت إلى خزانة ملابسها ، فتحتها بحذر و نظرت إلى محتوياتها ، ملابس كثيرة و متنوعة ، أخذت تحرك الأثواب المعلقة ، بعضها قديم كان لديها قبل سنة عندما كانت طفلة ، و بعضها أوجدته ظروف سنة مرت ، كان للكبار فقط ، ألبسة حريرية ملونة و أثواب نوم مزخرفة ، أمسكت إحداها و همست لنفسها :
- هل حقا لبست هذا الثوب يوما ، متى كان ذلك ؟؟؟


طفلة كانت ، جدائلها الطويلة لها رائحة الأرض التي تمرغت عليها قبل قليل ، طعم السكر المسروق مازال على شفتيها ، الضحكات الرعناء لم تغادر بعد محيط حديقة منزلها حيث كانت تلعب مع صديقاتها ، جاءت أمها و هزت رأسها استنكارا :
- ماذا تفعلين ؟
صاحت بملء فمها :
- سعاد أخذت لعبتي ، و افزعت قطتي ...
- مريم ، دعي عنك هذه الملاهي ، متى تكبرين ، بالله أهذا حال عروس ستزف إلى زوجها غدا ؟!!!
( عروس ؟ ثوب زفاف أبيض ، كعكة كبيرة ، و أثواب نوم بلا عدد ؟ و لكن لعبتي ؟ و سعاد و القطة التي ركضت منذ الصباح هاربة و لم تعد ؟)
لا معنى لكل هذا ، الحقيقة الوحيدة أنها ستصبح زوجة ، و أن جدائلها التي كانت تعاني من عقدها يوميا حلت ، الطفلة كبرت بين يوم و ليلة و لم يعد بمقدورها أن تركض متى شاءت ، و لا أن تضحك بملء فيها ، رجل غريب سيمتلكها و يمتلك براءتها ، و تفاهاتها التي تحب ....


سرحت ببصرها خارج حدود علاقات ثوب النوم الوردي في يدها ..
ترى كيف مضت ليلة العمر على طفلة الامس القريب ؟
ابتسمت بألم و هي تطوف بذاكرتها في ذاك المساء ، كان يوما مرهقا منذ البداية ، عندما خضعت لعمليات التجميل المؤلمة ، كانت صرخاتها تثير ضحكات من حولها ..
- هيا تشجعي عما قريب تصبحين امرأة ...
إنها تذكر الآن بكثير من الفزع ملامح وجه تلك المرأة السمراء البدينة التي كانت تخترق حدود وجهها ، تقترب و تبتعد في حركة مكوكية تضم بين أسنانها خيطا أبيض متسخا و تزم شفتيها بتصميم لا تعرف له سببا ، كانت تتسلمها الأيدي النسائية المختلفة ، و كل يد تعرف تماما ما تصنع شعرت بنفسها و كأنها كرة مطاطية تتناقلها الأيدي مستمتعة باللعب بها و العبث بخصوصياتها ، بأدق خصوصياتها ، و لم تكن تعترض ، كل ما كان يشغل تفكيرها آنذاك هو غياب القطة غير المبرر ، و كيف يمكن أن تنتقم من سعاد التي دأبت على انتزاع لعبها منها دون أن ينصفها أحد ، طبعا مع الكثير من الألم ، و القليل من التقزز ..
- لماذا تفعلون بي كل هذا ؟.
تغامزت النسوة حولها و ضحكن ضحكات خبيثة ، و هن يواصلن العمل و تنهدت أمها و تنهدت خالتها ، و لم تسمع جوابا الآن أصبحت عروسا لائقة ، أضافت الأقلام الملونة إلى عمرها عشرة أعوام على الأقل ، زاد اتساع العينين و تحددت الشفتين و تكوم الشعر البريء حلقات فوق الهامة ، جميلة صرت يا مريم ، و عندما حشروا قدمها الصغيرة في حذاء ذي كعب عال ، لم تلبس مثله من قبل صاحت :
- لا ... لا يمكنني أن اتحمله ..
اكتفت السيدات بالتغامز و التضاحك و لم تتطوع احداهن لتخفيف المعاناة .. و دفعها الجميع بثوبها الابيض إلى الامام ، تلفتت حولها فخورة بنفسها و سعيدة بأنها انتهت ، سمعت مواء قطتها قبل أن تغادر باب المنزل مباشرة ، اتجهت بعيونها تبحث عنها و صاحت :
- قطتي ..
وخزتها أمها في جنبها و أخرجتها بسرعة و خرج الجميع و اغلقوا الباب على مواء القطة ..


انتبهت إلى صوت آت من الشباك ، اتجهت اليه و فتحته بحذر ، لم تكن إلا الرياح ، عاودت اغلاقه ، و تنهدت ، مثلما كانت أمها و خالتها يفعلن و همست بإعياء :
- متى تخطئ الرياح طريقها إلى نافذتي ؟
تأبى ذاكرتها المستيقظة للتو إلا أن تطوف بها في اجواء ليلة العمر ها إن قارعات الطبول ، و عشرات القبلات المهنئة ، و القرصات الآملة ، و الصخب غير المنتهي يعلنون عن اقتراب الحفل من نهايته ، و قدمها التي ادماها حذاء الزفاف تصرخ طالبة الراحة ، و رأسها يكاد ينفجر من كل شئ ، إنها ما زالت تذكر جيدا صديقتها سعاد ، كم كان الفرق شاسعا بينهما تلك الليلة ، لم يسمحوا لها حتى بوضع احمر الشفاه لأنها صغيرة !! كانت جدائلها مازالت منعقدة و نظراتها حائرة و لم تقترب من كرسي العروس أبدا ، كانت تنظر إلى مريم بشك و ريبة و تتساءل بدورها عن سر هذا الانقلاب الخطير في صديقتها الوحيدة ... و عندما أوصلوها إلى منزلها الجديد ، و اغلقوا الباب عليها ، عقد الخوف لسانها ، فقد ظنت أن الحفل هو كل شئ ، و كانت قد وطدت العزم على تحمله حتى النهاية ، بعدها تعود لمنزلها و تطعم قطتها التي لم يتسنى لها أن تراها قبل مغادرة المنزل ، لم يستوعب عقلها وقتها أن النهاية مختلفة عما اعتقدت و أن منزل والدها لم يعد لها فيه مكان ، و عندها عندها فقط فطنت إلى الرجل الذي زفوها إليه ، لقد تركوه معها و لم يأخذوه معهم كما تقتضي أصول الحشمة ، نظر إليها في ضوء الصالة الناصع و اتسعت ابتساماته و هو يقيسها بنظراته ، و ضاقت عيونه و هو يطلب منها بصوت أجش :
- لفي ...
نظرت إليه بلا فهم فأعاد عليها الأمر ، تعالت دقات قلبها ، تفصد عرق جبينها ، تحول خوفها فزعا و تساءلت في نفسها عن حتمية أن تنفذ طلبه ، و قاست بنظراتها قوته إلى قوتها و أدركت أنها يجب أن تلف ... و منذ ذلك الحين و هي تلف ...


صوت تكسر بعض الاواني خارج الغرفة نبهها من ذكرياتها ، ماذا يفعلون بالخارج ؟ منذ أسبوع و هي تلاحظ تغيرات على أهل البيت ، أمها لا تفصح و أبوها كالعادة لا تراه ، و لا شئ تعمله سوى أن تغلق بابها على ذكرياتها ، و أحلامها و تنام ، إنها منذ أربعة شهور لا تفعل شيئا ، منذ أن عادت إلى بيت أبيها مطلقة لأسباب لا تعني لها شيئا ، لا تعرف لماذا كان زوجها يصيح و الزبد يخرج من فمه و هو يحدث الأب عنها ، كان يقول كلاما كثيرا عن الصمت الذي لا يقطعه صوتها ، و التصرفات التي لا تقوم بها إلا طفلة أو مجنونة ، و عدم قدرتها على تحمل مسئولية بيت و زوج ، كان يبدو مغتاظا جدا و هو يروي وقائع لا تدري ماذا يغضبه فيها ، قال إنها لا تهتم بطعامه ، بملابسه ، بمنزلها ، لا تعرف و لا تريد أن تتعلم كيف تتعامل مع زوجها ، باختصار شديد - هكذا قال - هي لا تصلح كزوجة .. هي ايضا لا تذكر تفاصيل ثمانية اشهر عاشتها خارج هذا المنزل ، لا تستطيع ان تتذكر كيف كانت تمضي بها الايام هناك ، مهما حاولت أن تعمل ذاكرتها لا تستطيع أن تتذكر ، شيئا ما أسقط تلك الايام من ذاكرتها ، شئ مفزع لكنها لا تذكره ، شيئا حولها إلى مجرد كائن يشهق الصبر و يزفر الصمت ... و اصبحت مطلقة ...


خطواتها الحذرة أخذتها إلى مرآة غرفتها تطلعت فيها و غمامة الدمع تكسب صورتها منظرا طيفيا كأنها قادمة من عالم آخر ، مدت يدها إلى شعرها ، تحسسته ، فقد لمعانه ، و عفويته ، و بعضا من طوله ، لمعت عيناها و قررت أن تعاود تجديله كما كان قبل سنة ، قسمته نصفين ، و قسمت النصف الاول ثلاثة خصل ، و قبل أن تبدأ بلف الخصل بعضها على بعض فتحت أمها الباب ، وقعت عيناها على ثوب النوم الوردي فوق الفراش ، ابتسمت بحنان ..
قالت :
- الحمد لله أنك اخيرا مستيقظة ، أبشرك يا ابنتي مأساتك انتهت ، جاءك خاطب آخر ....


تمت


 

سحر الرملاوي
sahar@alriyadh-np.com

No votes yet

أضف تعليقك

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.
 
  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a> <em> <strong> <cite> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.

معلومات أكثر عن خيارات التنسيق

للتحقق
نرجو الإجابة على هذا السؤال الحسابي البسيط قبل إرسال المشاركة
9 + 9 =
نرجو كتابة نتيجة العملية الحسابية، مثلاً إذا كانت العملية 1+3 فنرجو كتابة رقم 4 في الحقل أعلاه

التعليقات

تقييم الموضوع

No votes yet

اشترك بخدمة الملخصات

لَقِّم المحتوى