المؤتمرات والملتقيات وورش العمل المحلية لم تعد تعقد لمنافسة الحفلات الخطابية والخروج بتوصيات تشبه نصوص المحفوظات المدرسية

الملتقيات المحلية بين الأمس واليوم

رانية سليمان سلامة

أعترف بأنني كنت من أكثر الناس عزوفاً عن الحضور أو المشاركة في الفعاليات المحلية من ملتقيات ومنتديات ومؤتمرات وغيرها بغض النظر عن مجالها بعد أن ترسخت في ذهني صورتها النمطية التي لاتعدو عن كونها متحدثاً يؤدي واجبه الروتيني وجمهوراً يتخلل أحاديثه الجانبية تصفيق لايعبر عن إعجاب أو استيعاب حقيقي بقدر مايحاول أن يؤكد أنه (على مستوى الجلسة).

إلى ماقبل عامين أو ثلاثة أعوام تقريباً كان مصير أي دعوة أتلافاها أن تذهب إلى (مخرطة) الورق إلا مارحم ربي واضطررت إلى تلبيته من باب المجاملة أو الفضول وأعتقد أن الكثيرات غيري كن يفضلن نفس العزلة الاختيارية عن فعاليات كانت المرأة معزولة فيها مما حد من نطاق الاستفادة منها.

حتى سنوات قليلة مضت كانت الفعاليات النسائية عبارة عن عروض أزياء وبازارات خيرية ومناسبات اجتماعية بالإضافة لبعض الملتقيات الثقافية والمحاضرات الأكاديمية التي تقدمها امرأة لجمهور من النساء بمعزل عن الرجل وعن أصحاب القرار، وعندما أقول بمعزل لا أقصد الصالات المفصولة أو حتى الدائرة التلفزيونية المغلقة، كما أنني عندما كنت أشعر بأنها غير مفيدة لم أكن أعزو ذلك إلى كونها نسائية فقط ولكن عندما أقارنها اليوم بالفعاليات التي تستهدف المرأة والرجل وتشركهما في الطرح أدرك بأن هذا حقاً ماكانت تفتقده المحاولات النسائية التي تعثرت فيما مضى فكانت تكتفي بالتسلية أو تقتصر على بث شجون وممارسة هواية (الفضفضة).

بوسع الملتقيات النسائية/النسائية أن تكون تجربة ممتازة في أي مكان آخر في العالم ولكن لأن المرأة السعودية لم يكن يتسنى لها الوصول لمناصب قيادية، كانت بحاجة إلى مشاركة الرجل صانع القرار في ملتقياتها وملتقياته حتى تتحقق الفائدة. تجربة الغرفة التجارية الصناعية بجدة اليوم نموذج، فمنذ دخول المرأة إلى مجلس إدارة الغرفة توسعت المشاركة النسائية لتصبح أساسية في اجتماعات وملتقيات تعقد على مدار العام بنشاط وفعالية عوضاً عن اللجان القطاعية والمنتديات السنوية التي تستهدف قضايا معينة دون إغفال عنصر المشاركة للمعنيين بأمرها رجالاً كانوا أو نساء.

تجربة الحوار الوطني كانت نموذجاً آخر لجدوى مشاركة الرجل والمرأة في نفس المحاور وفي آن واحد، ولأن الحوار هو الأداة التي يمكنك أن ترى فكر الآخرين من خلالها أصبح الرجل أخيراً يرى فكر المرأة وأصبح طرحها يوضع جنباً إلى جنب مع طرح الرجل على طاولة صناع القرار.

وبعيداً عن الفارق والتطور الملموس الذي تستشعره المرأة تحديداً بين ملتقيات الأمس واليوم هناك تطور عام ونقلة نوعية يمكننا أن نرصدها لو نظرنا فقط إلى ورش العمل والمؤتمرات التي عقدت خلال الأسابيع القليلة الماضية.

ورشة عمل استراتيجية تطوير منطقة مكة المكرمة وحدها قد تكون بحاجة لملف خاص من المقالات للكشف عن النقلة النوعية التي أحدثتها في رؤية كل من شارك فيها حيال المشاركة في ورش العمل وفي آلية وضع الخطط الاستراتيجية قصيرة وبعيدة المدى، كما قدمت صورة نموذجية لبيئة ورش العمل المنتجة التي تذوب في قالبها المصالح الشخصية والتوجهات الفردية حتى تتحول إلى عمل جماعي ممتع لم يكن لينجح دون رؤية وتحفيز قائد العمل الأمير خالد الفيصل الذي وصف نفسه بأنه لاعب كرة يدرك بأن المنتخب لايفوز بلاعب واحد متميز مهما اجتهد لأن الفوز الكبير يصنعه فريق متكامل ومتجانس تتجه أنظاره نحو الهدف بخطة مدروسة وآلية تنفيذ محكمة.

مؤتمر تقنية المعلومات والأمن والوطني كان نموذجاً آخر لفعاليات تتجاوز الاستفادة من أوراق العمل التي تم اختيارها بدقة فائقة تثري الجانب المعرفي إلى هدف آخر هام هو كسر الحواجز النفسية بين المواطن والمؤسسات الأمنية، وهي تجربة لايمكن تناولها دون التطرق إلى اهتمام قائدها الأمير مقرن بن عبدالعزيز بالتقنية وهو الذي سبق وأن سعى إلى توظيفها لتفعيل برامج الحكومة الإلكترونية وتطبيقات الإدارة الرقمية في إمارة منطقة المدينة المنورة، مما يعكس الاهتمام الواضح بالأخذ بأسباب الحضارة وتوظيف أدواتها والنظر إلى انعكاسات استخدامها السلبية والإيجابية بواقعية.

منتدى الرياض الاقتصادي كان نموذجاً آخر لايمكن إلا أن تقف أمام توصياته بتحية إعجاب وإكبار للمجهود الكبير الذي بذل حتى تكون التوصيات قابلة للتنفيذ ومستندة إلى دراسات ومواكبة للتطلعات.

كل ما سبق يؤكد أن المؤتمرات والملتقيات وورش العمل المحلية لم تعد تعقد لمنافسة الحفلات الخطابية والخروج بتوصيات تشبه نصوص المحفوظات المدرسية وسط هالة من استعراض الوجاهة الاجتماعية مع الخشية من الارتطام بسقف الحرية، بل أصبحت تقام بأهداف واضحة ولاتقبل إلا بالخروج بنتائج وحلول عملية وخطط مدروسة تنفيذها محكوم بمؤشرات قياس تفادياً للاندفاع والعشوائية. أما بعد فكل تلك التجارب الناجحة قد وضعت الكرة في ملعب الأجهزة التنفيذية لتسجل بها أهدافاً وطنية أو تهدر فرص الفوز بمستقبل أفضل رسمت ملامحه القيادة وريشة المشاركة الشعبية.