في أمسية بالملتقى الثقافي

الدكتورة ثريا عبيد: هذا هو عملي وهذه هي حقيقة وثيقة مؤتمر السكان

عربيات - خاص

في أمسية جديدة من أمسيات (الملتقى الثقافي) وعلى شرف حرم صاحب السمو الملكي ولي العهد الأميرة (حصة الشعلان) وحرم صاحب السمو الملكي أمير منطقة مكة المكرمة الأميرة (سارة العنقري)... كانت سيدات مدينة جدة على موعد مع الدكتورة ثريا عبيد، المدير التنفيذي لصندوق السكان التابع للأمم المتحدة... والتي حضرت في أول زيارة لها للمملكة العربية السعودية بعد حصولها على هذا المنصب لتلتقي سيدات بلدها وتحكي قصة نجاحها منذ ابتعاثها إلى الدراسة حتى أصبحت أول امرأة سعودية وعربية تصل إلى هذا المنصب... تولت الأستاذة الدكتورة سميرة إسلام إدارة المحاضرة التي وضحت فيها الدكتورة عبيد جميع النقاط والمفاهيم التي اختلطت عند البعض بعد مؤتمر السكان في القاهرة وأجابت على جميع الأسئلة التي وجهت لها بصراحة شديدة مطالبة بأن تستمع لجميع وجهات النظر لتتم الإستفادة من هذا اللقاء الذي نترككم معه لمتابعة أهم نقاطه كما وردت من الدكتورة ثريا عبيد.

 أنا ابنة هذا الوطن
في البداية أحب أن أعرف بنفسي فأنا ابنة السيد (أحمد عبيد) الذي كنت أتمنى أن يكون معنا اليوم ليرى حصاد مازرع بداخلي من إيمان بالله وحب للوطن والشجاعة في الإختيار واتخاذ القرار على أن أتحمل مسؤولية القرار الذي أتخذه.. وفي زيارتي الأولى لأول بلد عربي بعد أن حصلت على منصبي لا أملك إلا أن أشكر البلد التي كرمتني والقيادة التي وجهتني والأهل والأقارب الذين أحاطوني.. البعض يعتقدون أنني دخيلة على وطني المملكة العربية السعودية وأنني كنت أعيش طوال حياتي في الولايات الأمريكية، وهذا لم يحدث فأنا تلقيت دراستي الجامعية فقط في الولايات المتحدة وعندما وافق والدي على إرسالي إلى هناك كنت في السابعة عشر من عمري ولم تكن منحة دراسية لكن وزير التعليم آنذاك قال لوالدي ابعثها وإذا نجحت في الفصل الأول تحصل على منحة.. ونجحت وحصلت على المنحة وقيل لي: "ستكونين الفتاة السعودية الوحيدة الحاصلة على منحة دراسية لأمريكا حتى تنتهين من التعليم الجامعي فإذا نجحت فتحت الأبواب وإذا فشلت أغلقتها".

وعندما عملت في منظمة الأمم المتحدة عام 1975م كنت أعيش في لبنان أيام الحرب الأهلية،وانتقلت إلى العراق أيضاً خلال حربها مع إيران،ثم انتقلت إلى الأردن.. ولم أرجع إلى الولايات المتحدة الأمريكية إلا عام 1998م... حيث رفضت قبلها جميع وظائف العمل بالخارج بسبب رغبتي بتنشأة بناتي في البلاد العربية ويتم تأسيسهم دينياً وثقافياً بالشكل الصحيح... وكنت مرتبطة طوال هذه الفترة ببلدي التي أزورها بشكل متواصل، كما أنني أقمت فيها خلال حرب الخليج بسبب مرض والدي ولازمته فترة طويلة عجزت خلالها عن إيجاد عمل فرأى والدي أن أعود لمقر عملي في الخارج.

  هذا هو عملي
أعمل في صندوق الأمم المتحدة للسكان، وقضية السكان شائكة وصعبة خاصة عندما تضع أي دولة خطة لتنمية المجتمع ولإعداد الخدمات التعليمية والصحية وتوفير العمل.. نهتم بالكم (كم عدد السكان، وكم يحتاجون من الخدمات)... وبالنوع (ماهو نوع الحياة والخدمات التي يجب أن نقدمها للمواطن ليعيش حياة كريمة)... تطور هذا المفهوم فيما بعد إلى مفهوم (تنظيم الاسرة) ثم إلى مفهوم أكثر دقة وهو (الصحة الإنجابية).

مؤتمر القاهرة
ولقد عقد مؤتمر السكان في القاهرة عام 1994م وأثار نقلة نوعية تستبدل التركيز على العدد بالتركيز على الحياة الكريمة للسكان... ونتجت عنه وثيقة تسمى (برنامج العمل حول السكان والتنمية) تم اعتمادها من قبل 154 دولة مع تحفظات على عدد قليل من المفردات من جانب بعض الدول الإسلامية والعربية وحتى الغربية.

ماذا أثار هذا المؤتمر؟
تحدث المؤتمر عن حق الإنسان في تلبية مطالبه الأساسية التي تتلخص بالتالي:

محاربة الفقر: فغالبية أفراد العالم فقراء وأكثر هؤلاء الفقراء من العالم الإسلامي.

النمو الإقتصادي: يتطلب أن ينمة الإقتصاد في هذه البلاد لتحسين نوعية حياة الفئات المحرومة.

تعليم الفتاة: حيث توجد بعض الدول التي تمنع تعليم الفتاة ونحن نطالب ولو بإتاحة الفرصة لها لتلقي التعليم الإبتدائي.

تكامل العلاقة بين الرجل والمرأة.

تخفيض وفيات الأمهات: أثبت الدراسات أنه بسبب إنعدام الخدمات الصحية تموت سيدات أثناء الولادة،وكذلك تخفيض وفيات الأطفال وإيقاف العنف الذي يمارس عليهم.

إرشاد الإستهلاك: بحيث نلبس ما نصنع، ونأكل ما نحتاج... ونحقق الأمن الغذائي حتى لايأكل 5% من البشر ويجوع 95% منهم.

وعندما نتكلم عن (الصحة الإنجابية) فنحن نعني حق الأزواج في التقرير بحرية ومسؤولية عدد الأطفال والمباعدة بين الولادات...والحق في الحصول على معلومات لصحة الزوجة.

وتحتوي الوثيقة على فقرة مهمة جداً غابت عن الإعلام وعن كل من يهاجمني الآن بوصفي رئيسة للصندوق.. هذه الفقرة تقول"لكل بلد الحق السيادي في تنفيذ التوصيات في برنامج العمل بما يتماشى مع القوانين والأديان والأخلاق والخلفيات الثقافية لكل شعب ووفقاً لحقوق الإنسان".. بمعنى أن كل دولة تختار ما يلائمها ولا يوجد إلزام أو فرض... كما أننا لا نقدم قرارات بل تقدم توصيات فقط.


ويطرح السؤال نفسه: إذن لماذا الصراع والإختلاف في وجهات النظر؟

أولاً: لأن في هذه اللقاءات في الأمم المتحدة هناك 185 دولة ولكم أن تتخيلوا صعوبة الوصول إلى قاسم مشترك بين كل هؤلاء مع تنوع ثقافاتهم وأديانهم.

ثانياً: محاولة الوصول لإجماع عالمي تتطلب أن تكون الوثيقة مرنة لتجد كل دولة نفسها فيما نطرح ثم تبدأ بتنفيذها في بلدها وتركز بما تختاره من برامجها وفق ما يناسبها.

قام الإعلام كذلك بالتركيز على ماهو خلافي وترك 90% مما ورد في الوثيقة دون ذكر ولم يطلع على الوثيقة بل اعتمد على السماع عنها.

والسؤال الآخر كيف يتعامل الصندوق مع هذه الأمور؟

نحن لا ندخل لأي دولة إلا بإذن منها ولا نستطيع فرض أي شيء عليها.

عندما تدعونا الدولة لتقديم برامجنا يكون دافعها من ذلك أن تصبح جزءًا من الحوار الدولي وهذا ما نحتاجه فالعزلة الإسلامية غير صحيحة لأننا عندما لانتواجد لانستطيع أن نرد ولا نعرف ما يدور حولنا.

نقوم أيضاً بمساعدة وزراء التخطيط ومراكز الإحصاء لجمع المعلومات وتحليلها حتى تستطيع الدولة أن تتخذ قرارات صحيحة.

نحاول أن ندرس أسباب الهجرة من الريف إلى المدينة أو حتى إلى خارج الدولة.

نهتم بالمشردين بداخل كل دولة وفي حالات الحروب والكوارث الطبيعيةوخاصة النساء فالغريب أنه حتى في الإطار الدولي ينسى العالم مثلاً أن المرأة تلد في هذه الظروف وهناك إهمال كامل لأي خدمات تقدم في مراكز اللجوء للمرأة...إلى جانب أنها تغتصب في الحروب وجزء من عملنا إعادة التوازن النفسي لها ثم نتعامل مع أسرتها لتتقبلها.

ويتركز إهتمامنا بثلاث فئات (المرأة،والطفل،والمسنين) وبما أنه في حالات الحروب والحوادث الطبيعية يغيب الرجل وتأخذ المرأة زمام المسؤولية لتصبح ربة الأسرة المسؤولة عن الأطفال والشيوخ فيكون السؤال هل لها الحق أن نعترف بها كرئيسة أسرة ونمنحها نفس الإمتيازات الني كان يأخذها الرجل؟

يقول البرنامج: "الأسرة هي نواة المجتمع"... ثم يقول:"وهناك أشكال مختلفة من الأسر"... وهذا ما اشتبه على الإعلام الذي تحدث عن الأسرة المكونة من نفس الجنس.

البرامج المقدمة للدول الإسلامية

أغلب الدول الإسلامية تعاني من الفقر وزيادة عدد السكان فنقدم لها برنامج تنظيم الأسرة أو(المباعدة بين الولادات)فمثلاً لو كانت الأسرة تخطط لإنجاب 4 أطفال بدلا من أن تنجبهم الأم في خلال 5 سنوات ننصحها بأن تنجبهم خلال 8 سنوات لتمنح لكل طفل العناية اللازمة وتمنح لجسدها الراحة المطلوبة طوعاً وليس فرضاً... والبعض يقول أن هذا مخطط من الغرب لإضعافنا ولكي يقل عدد المسلمين وأرد على هؤلاء(المسلمون أكثر عدداً من كل العالم ومع ذلك اسرائيل تتفوق علينا بعددها الصغير... هو النوع وليس الكم)... كذلك نوفر الخدمات الصحية ونحارب الأمراض التي بدأت تتفشى مثل (الإيدز) و(المخدرات) وغيرها... ففي افريقيا مثلاً تفشى الإيدز إلى درجة أنهم يضطرون لتعيين موظفين على كل وظيفة لأن احتمال وفاة أحدهم وارد في أي لحظة بسبب هذا المرض... كذلك نوجه إلى نبذ العادات الضارة مثل (ختان الفتيات) والذي يؤدي لمشاكل في الحمل والولادة والحياة الزوجية... ونركز على المراهقين والشباب لتوعيتهم على لا يقعوا فريسة لأمراض العصر (الإيدز،المخدرات... ألخ).

ونتعامل في برامجنا مع الوزارات والجمعيات ذات الصلة والقيادات الفكرية والعلمية ورجال الدين  إذا سمحت لنا الدولة أولاً بممارسة عملنا.

أفغانستان

في عام 1997م اختارني الأمين العام لأشارك في مهمة في أفغانستان والتفاوض مع طالبان حول قضايا المرأة...فطرحنا عليهم قضية تعليم الفتاة وسألناهم: لماذا لا تفتتحون مدارس للبنات؟ فكانت الإجابة أن المدرسات تعلمن في العصرالشيوعي وبالتالي سيخربون عقول البنات! وسألتهم: ولماذا لا يخرب الأساتذة عقول الشباب؟... ولم أجد إجابة... كذلك كانوا يمنعون عمل المرأة بشكل نهائي لكنهم عادوا وسمحوا بعمل المراة الطبيبة فقط،لأنهم وجدوا أنه لا يمكن الإستغناء عنها... وأعتقد أنهم مشرفون على مشكلة حقيقية لأن جيل بأكمله سينشأ أمياً.

 العقبات

أول العقبات التي نواجهها هي عدم فهم المصطلح أو استيعابه فيصل مثلاً معنى (الصحة الإنجابية) للبعض بمفهوم الإجهاد الذي لا نقصده أبداً.. ويحدث خلط بين االقرار والتوصية فنحن نقدم توصيات لا تلزم الدولة بها لأنها ليست قرارات... من جهة أخرى لا يوجد سياسات تتعامل مع البعد الصحي في بعض الدول.. وكذلك لا يوجد وعي كافي للتعامل مع هذه المفاهيم... أيضاً من دورنا أن نقوم بتدريب الكوادر في كل بلد ليتولى أبناؤها فيما بعد مواصلة العمل ونجد أنفسنا أحياناً بحاجة للبدء من الصفر لعدم توفر الكوادر البشرية الوطنية المؤهلة لممارسة هذه الأعمال... إلى جانب ذلك نحاول مناقشة مشاكل المراهقين ونصطدم بحاجز يرفض مناقشة قضايا المخدرات والإيدز والنتيجة أنها تستفحل إلى أن تصبح آفة.

 دور الإسلام

أرى كما يرى غيري أن لا تبتعد الدول الإسلامية عن الساحة الدولية حتى يكون لنا صوت واضح وصورة مختلفة عن ما يعكسه الإعلام الغربي.. ودورنا أن نوضح حقيقة الإسلام وتكريمه للمرأة فلدينا نقاط تحلم بها المرأة الغربية مثل الذمة المالية التي تبهرهم كثيراً عندما نتحدث عنها... كذلك دور منظمة المؤتمر الإسلامي بالتوجه إلى الخارج بدلا من أن يكون دورها موجه للدول الإسلامية فقط... ونحن نتعامل مع مؤسسات إسلامية كبرى من بينها (الأزهر الشريف) الذي أخرج دراسات كثيرة حول الصحة الإنجابية في الإسلام،وعن الإيدز ومقاومته، وهذه الأعمال هي نتاج مشترك فيما بيننا وبينهم.

والتحدي الذي أمامي الآن أن أوضح إيجابيات الإسلام بتشريعاته للمرأة المسلمة.