|
بقلم/ يسري أبو العينين
(الجزء الاول)
تمر
الثقافة المصرية هذه الأيام بمحنة حقيقية
تمثل إنعطافة خطيرة لمسيرتها التنويرية التى
بدأتها بعد الربع الأول من القرن الثامن عشر ..
محنة تبدو وكأنها امتحان حقيقي لكل المعانى
الجميلة التى تخضع لمنطق الروح .. ( الخيال
وحرية التعبير، الحلم وحرية التعبير ،
الإبداع وحرية التعبير ، العمل الصادق و
الجاد نحو حل مشكلات المجتمع وحرية التعبير ) .
فى مواجهة أشياء أخرى تخضع لمنطق الجهل و
القمع و السيطرة وكل فعل خانق للحياة ، داعى
إلى الموت و الركود ..
نقول
" محنة حقيقية " .. لأننا اقتنعنا الآن و
بعد مرور وقت ليس بطويل على تفجير الأزمة ، أن
كل التصورات المتخيلة وقتها عن أسبابها ، بدت
الآن غير حقيقية وإن كانت قد ساعدت كثيرا فى
تفجيرها .. إنها محنة حقيقية
يبدو فيها صراع واضح المعالم ، واضح الهدف
تتمثل أطرافه غير المعلنة من قوى الظلام و
الجهل و التخلف من ناحية ، وقوى النور والعقل
و التقدم من ناحية أخرى ..
والهدف هو ترك
قاطرة النور والانزواء فى ظلام القهر و
التخلف . الهدف هى سيطرة العقول الجامدة وقطع
ألسنة كل من يعمل على تنوير يؤر الجهل .. الهدف
هو دفن سنوات طويلة من الإبداع و الحرية و
النور والتى ضاع فى سبيلها الكثيرين ، و
العودة بنا إلى سنوات الظلام والثبات دون
حركة حتى ولو كانت النتيجة هى ضعفنا الثقافى
أمام سيادة قوى أكثر حرية وحركة . الهدف هو نزع
الثقة من قلب كل مثقف فيما يكتبه أو يؤمن به ،
وزرع الخوف فى أعماقه وترويعه بحجة الاتساق
مع روح المجتمع ،ومن ثم سيطرة السائد الجامد
على المتخيل الذى يدعو إلى التنوير .. الهدف هو
ترويع المجتمع ذاته وجعله غير قادر على تبنى
الجديد حتى ولو كانت دعوة تنويرية الهدف منها
الرقى و التقدم مع الحفاظ على قيمنا وديننا
وتراثنا وأخلاقنا .
وأبطال المحنة
المعلنين عديدون يمثل كل منهم جبهة مختلفة
لها مصالحها وأهدافها .. نواب مجلس الشعب
المصرى الذين يمثلون التيار الاسلامى
المتشدد ، المثقفون المصريون
، ووزير الثقافة المصرى فاروق حسنى .
ونعود الآن إلى
سيناريو أحداث الأزمة ..
أولا .. خبر يتم
تسريبه فى مجلس الشعب بأن نواب التيار
الإسلامى المتشدد وعلى رأسهم النائب جمال
حشمت ، قد أعدوا نحو ( 16 ) استجوابا و 10 طلبات
إحاطة و 9 أسئلة لتوجيهها
إلى السيد فاروق حسنى تناولت جميعها قضية محددة ، وهى سياسة وزارة
الثقافة فى نشر الروايات التى تخدش الحياء
العام ، وتتعارض مع قيم المجتمع وأصول الدين
الإسلامى ..
ثانيا .. فى ضوء
ذلك يتلقى وزير الثقافة نصيحة من رئيس مجلس
الوزراء ورئيس مجلس الشعب وبعض القيادات
الأخرى بمراجعة الروايات وعلاج الأمر بشكل
جذرى ، خاصة وأن الحكومة لديها اهتمام خاص
بالأزمة الاقتصادية التى تعيشها البلاد
وليست على استعداد لتحمل عبء أزمة ثقافية فى
هذا الوقت بالذات .
ثالثا .. يرتعب
فاروق حسنى ويقرر فى لحظة خوف حقيقية وهو يضع
نصب عينيه .. تهديد مجلس الوزراء بضرورة إنهاء
الأزمات الثقافية .. الأحداث السابقة لأزمة
رواية " وليمة لأعشاب البحر لحيدر حيدر "
والتى تركت صدى غير طيب لدى الرأى العام
المصرى .. الوضع الاقتصادى الصعب .. الوضع
السياسى المرتبط بظروف الفلسطينيين الحالية
.. الجهد المبذول من أجهزة الأمن لقمع أية
محاولات لإحياء أى أحداث عنف ..
كل هذا كان فى رأس
الوزير فاروق حسنى دفعة واحدة وهو يتخذ قرارة
..
_ تطالع الناس على
صفحات الجرائد وشاشة التليفزيون السيد
الوزير وهو يعزل السيد / على أبو شادى رئيس
الهيئة العامة لقصور الثقافة ومصادرة
الأعمال الروائية الثلاثة وهى
" ابناء الخطأ الرومانسى " لياسر
شعبان ، و " أحلام محرمة " لمحمود حامد ، و"
قبل وبعد " لتوفيق عبد الرحمن .
_ يكثر الكلام
ويكبر .. يتطاير ، تتكون تكتلات من جموع
المثقفين مع أو ضد . تصنيف الوزير مع
المتراجعين ، ومع من يتحالف مع المتشددين ،
أسف شديد على وزارة الثقافة التى هزمت فى أول
جولة مع الجماعات الإسلامية .
رابعا .. استقالة
كل رؤساء تحرير سلاسل النشر بالهيئة العامة
لقصور الثقافة وعلى رأسهم الروائى محمد
البساطى رئيس تحرير سلسلة " أصوات " التى
خرجت منها الأعمال الروائية الثلاثة . ثم بعد
ذلك بدأ دور الصحف بين مؤيد ومشاطر ، وبين
رافض ومهدد ، وبين مروج ومطبل ، وبين كذاب زفة
وراكب موجة ..
فهل هذه هى كل
تفاصيل الأزمة ، وللإجابة على هذا لابد أن
نعود للجذور ... !
- كانت القيادة
السياسية قد وجهت تحذير لوزير الثقافة من
مغبة المساس بالدين والمعتقدات و التقاليد فى
كل ما ينشر عن وزارة الثقافة واعتبرت أن هذا
خط أحمر يجب ألا يتجاوزه الوزير .
فيما بعد وتحديدا
بعد مصادرة " وليمة لأعشاب البحر " فرضت
رقابة دقيقة على أعمال المثقفين فى مطابع
وزارة الثقافة ، الأمر الذى أشعل أزمة حقيقية
بين الوزير و المثقفين . خاصة وأن الوزير كان
يعلن عكس ما يضمر من ضرورة حرية الإبداع مما
دفع إلى الإعتقاد بأن الوزير لا يريد خصومة
المثقفين والذين كانوا قد وقفوا بجواره فى
أزمة الوليمة.
- كانت سياسة
الوزير ألا تتعارض سياسة النشر مع الدين ، إلا
أنه لا يعارض روايات تتكلم عن الجنس ( وليس فى
الجنس ) فى إطار حرية
الإبداع . مما حدا بالروائى محمد البساطى
الموافقة على نشر الروايات الثلاثة .
- يدخل التيار
الإسلامى مجلس الشعب وعينه على الثقافة ،
خاصة بعد أزمة الوليمة .. فالوزير يعرف أن
رغبتهم الحقيقية هى الإطاحة به . يساعدهم على
ذلك نجاحهم الساحق فى أولى جولاتهم فى
المواجهة تحت قبة البرلمان و التى عبر عنها
الدكتور محمد مرسى المتحدث الرسمى باسم
الكتلة الإسلامية ( الإسم المتفق عليه بين
الأخوان ) بقوله : أن هذه القضية بالنسبة لنا
مجرد تسخين .
وفى أطار ذلك ألقت الأزمة
بظلالها على جموع المثقفين المصريين الذين
أذهلتهم قرارات وتصريحات الوزير ، فبادروا
لعقد الاجتماعات واصدار البيانات التى تعلن
عن موقفهم .. وقد شارك عدد كبير من النقاد
والكتاب منهم .. د. عبد العظيم أنيس ، فاروق عبد
القادر ، صنع الله ابراهيم ، جمال الغيطانى ،
يوسف القعيد ، يوسف أبو رية ، سعيد الكفراوى ،
حلمى سالم ، بهاء جاهين ، وأسرة تحرير أخبار
الأدب .. وأصدروا البيان الأول الذى أعلن عن
رفضهم مصادرة الأعمال الإبداعية ، ومحاولة
تفريغ الخطاب الثقافى من مضمونه ، وأعلنوا
موقفهم من مقاطعة وزارة الثقافة وكافة
أنشطتها من معارض ومؤتمرات وأمسيات فى كافة
هيئات الوزارة .
|