ماذا تعرف عن هؤلاء ؟ (21) ... علي الطنطاوي

أبو بسام
07-03-2001, 10:40 PM
ولد الشيخ علي الطنطاوي في مدينة دمشق في 23 جمادى الأولى 1327 هـ ((12 يونيو 1909 م)) من أسرة علم ودين، فأبوه الشيخ مصطفى الطنطاوي من أهل العلم، وجده الشيخ محمد الطنطاوي عالم كبير، وخاله الأستاذ محب الدين الخطيب الكاتب الإسلامي الكبير والصحافي الشهير.ـ

تفتح وعيه على قنابل الحلفاء تدك عاصمة الأمويين وفلول الأتراك تغادر المدينة وديار الشام مقفرة بعد أن عز الطعام وصارت أوقية السكر (200 غرام) بريال مجيدي كان يكفي قبل الحرب لوليمة كبيرة. وكان أول درس قاس تعلمه وعاشه تفكك الدولة العثمانية وتحول ولاياتها السابقة إلى دويلات. فسوريا أصبحت أربع دول: واحدة للدروز والثانية للعلويين، والثالثة في دمشق والرابعة في حلب.ـ

في أحد الأيام كان على موعد لصلاة الجمعة في مسجد القصب في دمشق فقال له أصحابه: إن المسجد قد احتشد فيه جمهور من الموالين للفرنسيين واستعدوا له من أيام وأعدوا خطباءهم فرأينا أنهم لا يقوى لهم غيرك، فحاول الاعتذار فقطعوا عليه طريقه حين قالوا له إن هذا قرار الكتلة ((كان مقاومو الاحتلال ينضوون تحت لواء تنظيم يسمى الكتلة الوطنية وكان الطنطاوي عضوا فيها)) فذهب معهم وكان له صوت جهور، فقام على السّدة مما يلي ((باب العمارة)) ونادى: إليّ إليّ عباد الله، وكان نداء غير مألوف وقتها، ثم صار ذلك شعاراً له كلما خطب، فلما التفوا حوله بدأ ببيت شوقي:ـ

وإذا أتونا بالصفوف كثيرة * * * جئنا بصف واحد لن يكسرا

وأشار إلى صفوفهم المرصوصة وسط المسجد، وإلى صف إخوانه القليل، ثم راح يتحدث على وترين لهما صدى في الناس هما الدين والاستقلال، فلاقت كلماته استحساناً في نفوس الحاضرين، وأفسدت على الآخرين أمرهم، وصرفت الناس عنهم. ولما خرج تبعه الجمهور وراءه، وكانت مظاهرة للوطن لا عليه.
في 1928 دعاه خاله محب الدين الخطيب للقدوم إلى مصر وكان قد أصدر مجلة "الفتح" قبل ذلك بعامين فسافر علي الطنطاوي إلى مصر للدراسة في كلية دار العلوم، لكن المناخ الثقافي في مصر في ذلك الحين شده للانخراط في العمل الصحفي الذي كان يشهد معارك فكرية وسجالات أدبية حامية الوطيس حول أفكار التقدم والنهضة والإسلام والاستعمار وغيرها، وكان طبيعياً أن يأخذ الشاب علي الطنطاوي موقعه في صفوف الذائدين عن حياض الإسلام المناوئين للاستعمار وأذنابه، وظل الطنطاوي في موقعه لم يتراجع أو يتململ أو يشكو تكالب الأعداء أو قلة الإمكانيات فكان الفارس الذي لم يؤت من ثغره.ـ

لم يكمل دراسته في كلية دار العلوم وعاد إلى دمشق ليلتحق بكلية الحقوق التي تخرج فيها عام 1933، ثم عمل مدرساً في العراق، ولما عاد إلى دمشق عمل قاضياً شرعياً، عن علم ودراسة وتدرج في الوظائف التعليمية والقضائية حتى بلغ فيها مكانة عالية، ثم درّس في العراق سنة 1936 ورجع إلى بلده فلم يلبث أن انتقل إلى القضاء فكان القاضي الشرعي في دوما، ثم مازال يتدرج في مناصب القضاء حتى وصل إلى أعلى تلك المناصب، وكان قد ذهب إلى مصر لدراسة أوضاع المحاكم هناك.ـ

ذهابه إلى السعودية

ثم هاجر إلى المملكة العربية السعودية 1963 م فعمل في التدريس في كلية اللغة العربية وكلية الشريعة في الرياض ثم انتقل إلى التدريس في كلية الشريعة في مكة المكرمة ثم تفرغ للعمل في مجال الإعلام وقدم برنامجاً إذاعياً يومياً بعنوان "مسائل ومشكلات" وبرنامجاً تلفزيونياً أسبوعياً بعنوان "نور وهداية".ـ

ويعد الشيخ علي الطنطاوي أحد رموز الدعوة الإسلامية الكبيرة في العالم الإسلامي وشخصية محببة ذائعة الصيت نالت حظاً واسعاً من الإعجاب والقبول، وله سجل مشرف في خدمة الإسلام والمسلمين.ـ

كان يتمتع بأسلوب سهل جميل جذاب متفرد لا يكاد يشبهه فيه أحد، يمكن أن يوصف بأنه السهل الممتنع، فيه تظهر عباراته أنيقة مشرقة، فيها جمال ويسر، وهذا مكّنه أن يعرض أخطر القضايا والأفكار بأسلوب يطرب له المثقف، ويرتاح له العامي، ويفهمه من نال أيسر قسط من التعليم.ـ

اشتهر الشيخ الطنطاوي بسعة أفقه وكثرة تجواله وحضور ذهنه وذاكرته القوية ولذلك تجيء أحكامه متسمة بصفة الاعتدال بعيدة عن الطرفين المذمومين: الإفراط والتفريط.ـ

وقد كتب في صحف بلده في الشام، فاحتل مكانة مرموقة فيها، ثم أضحى من كبار الكتاب، يكتب في كبريات المجلات الأدبية والإسلامية مثل "الزهراء" و "الفتح" و "الرسالة" و "المسلمون" و "حضارة الإسلام" وغيرها، وكانت له زوايا يومية في عدد من الصحف الدمشقية.ـ

ومن المجالات التي سبق إليها الكتابة في أدب الأطفال والمشاركة في تأليف الكتب المدرسية. وتحقيق بعض كتب التراث، وله جولات في عالم القصة فهو من أوائل كتابها.ـ

كانت مساجلاته تملأ الأوساط الفكرية والأدبية طولاً وعرضاً، وكان لا يكف عن إصدار رسائله التي يحذر فيها من مغبة الانخداع بالنحل الباطلة.ومن طريف ما تعرض له في إحدى مساجلاته ما يرويه عن نفسه ((كنا يوما أمام مكتبة "عرفة" فجاء رجل لا يعرفه فاندس بيننا وحشر نفسه فينا، وجعل يتكلم كلاما عجيبا، أدركنا منه أنه يدعو إلى نحلة من النحل الباطلة، فتناوشوه بالرد القاسي والسخرية الموجعة، فأشرت إليهم إشارة لم يدركها: أن دعوه لي، فكفوا عنه وجعلت أكلمه وأدور معه وألف به، حتى وصلت إلى إفهامه أني بدأت أقتنع بما يقول، ولكن مثل هذه الدعوة لا بد فيها من حجة أبلغ من الكلام، فاستبشر وقال: ما هي؟ فحركت الإبهام على السبابة، وتلك إشارة إلى النقود. قال: حاضر، وأخرج ليرتين ذهبيتين يوم كانت الليرة الذهبية شيئاً عظيماً. مد يده بالليرتين فأخذتهما أمام الحاضرين جميعاً، وانصرف الرجل بعد أن عرفنا اسمه، فما كاد يبتعد حتى انفجرت الصدور بالضحك، وأقبلوا عليّ مازحين، فمن قائل شاركنا يا أخي، وقائل: اعمل بها وليمة، أو نزهة في بستان، قلت سترون ما أنا صانع، وذهبت فكتبت رسالة، تكلمت فيها عن الملل والنحل والمذاهب الإلحادية، وجعلت عنوانها "سيف الإسلام" وكتبت على غلافها "طبعت بنفقة فلان" باسم الرجل الذي دفع الليرتين، وبلغني أنه كاد يجن ولم يدر ماذا يفعل، ولم يستطع أن ينكر أمراً يشهد عليه سبعة من أدباء البلد، وقد بلغني أن جماعته قد طردته بعد أن عاقبته)).ـ

كما كان الفقيد –يرحمه الله- داعية شجاعاً ثابتاً على مبدئه لا يلين، ولا يهادن، كما يقتحم الأهوال، وينازل الرجال، يلج عرين الآساد، وربما عرض نفسه –باختياره- لمخالب تمزق جلد التمساح، كل ذلك في سبيل إيمانه بفكرته الإسلامية، والتضحية من أجل إعلائها مهما كان الثمن.ـ

وقد ترك الشيخ علي الطنطاوي أثراً كبيراً في الناس وساهم في حل مشكلاتهم عن طريق كتابته ورسائله وأحاديثه، وقد كان له دور طيب في صياغة قانون الأحوال الشخصية في سوريا، وهو واضع مشروع هذا القانون على أسس الشريعة الإسلامية، كما وضع قانون الإفتاء في مجلس الإفتاء الأعلى، وانتخب عضواً في المجمع العلمي العراقي في بغداد. وفي كل أعماله كان يبتغي الأجر من ربه ويسعى إلى واسع مغفرته، يقول: ينجيني قانون {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} إني والله أخشى ذنبي ولكني لا أيأس من رحمة ربي.. وآمل أن ينفعني إذا مت صلاة المؤمنين عليّ ودعاء من يحبني، فمن قرأ لي شيئاً أو استمع لي شيئاً فمكافأتي منه أن يدعو لي، ولدعوة واحدة من مؤمن صادق في ظهر الغيب خير من كل ما حصلت من مجد أدبي وشهرة ومنزلة وجاه.ـ

الطنطاوي مربياً

رزق الشيخ الجليل خمساً من البنات، وقد كن لفقد إحداهن "بنان" –وقد قتلت اغتيالاً في مدينة "آخن" الألمانية مع زوجها عصام العطار- أكبر الأثر على نفسه ولكنه احتسب الله فيها وتمسك بالصبر والتسليم بقضاء الله، وقد كان لفضيلته أسلوبه المتميز في التربية ومعاملة البنات.ـ

تقول حفيدته عبادة العظم: نشأت وترعرعت في كنف جدي وأمي وأنا أعتقد –كما يظن ويعتقد كل طفل- أن كل الناس يتربون ويتوجهون في بيئة إن لم تماثل بيئتي فهي مشابهة لها، وكنت أسمع الناس يمتدحون جدي فلا أدرك من الحقيقة إلا أن الناس عرفوه لنه يحدثهم في الراديو والتلفزيون، فأحبوه، فامتدحوه، وكنت أنا مثلهم أحبه كثيراً، لما أراه منه، فلم أعر الأمر اهتماما.ـ

مؤلفاته
قصص من الحياة
من حديث النفس

قصص من التاريخ

مع الناس


رجال من التاريخ

شاعر يرثي نفسه

من غزل الفقهاء

بركة التقوى مع الغافلين

لا تتزوج ملكة جمال

ذكريات ( 1- 8 )

فتاوى

تعريف عام بدين الإسلام

أبو بكر الصديق

أخبار عمر وأخبار عبد الله بن عمر

الجامع الأموي في دمشق

هتاف المجد

في سبيل الإصلاح

صور وخواطر

دمشق (صور من جمالها، وعبر من نضالها)

فكر ومباحث

بغداد (مشاهدات وذكريات)

فصول إسلامية

مقالات في كلمات

في إندونيسيا (صور من الشرق)

من نفحات الحرم

صيد الخاطر للإمام بن الجوزي، تحقيق الطنطاويين

حكايات من التاريخ (جابر عثرات الكرام، المجرم ومدير الشرطة، التاجر والقائد، قصة الاخوين، وزارة بعنقود عنب، ابن الوزير)

أعلام التاريخ (عبد الرحمن بن عوف، عبد الله بن المبارك، القاضي شريك، الإمام النووي، أحمد بن عرفان الشهيد)

قصة حياة عمر

من شوارد الشواهد

القضاء في الإسلام

يا بنتي ويا ابني

إرحموا الشباب

طريق الجنة وطريق النار

صلاة ركعتين

قصتنا مع اليهود

طريق الدعوة إلى الإسلام

موقفنا من الحضارة الغربية

تعريف موجز بدين الإسلام

المثل الأعلى للشاب المسلم

وله مئات من البحوث والمقالات في عشرات من الصحف والمجلات.

أبو بسام
07-03-2001, 10:43 PM
من قصص الشيخ الرائعة .. اورد لكم مجموعة من القصص .. اولها بعنوان ..
((لاتتزوج ملكة الجمال ))
قابلت صديقا لي فوجدته ضيق الصدر كأن به علة في جسده أو هما في قلبه فسألته أن يكشف لي أمره فتأبى ساعة وتردد ثم قال لي أنت الصديق لا يكتم عنه وأنى مطلعك على سري ومستشيرك فيه أني أريد الزواج

قلت: وما فعلت ربة دارك وأم أولادك؟

قال: هي على حالها

قلت: وهل أنكرت شيئا من خلقها أو من دينها أو من طاعتها لك وميلها إليك؟

قال: لا والله

قلت: فلم إذن؟

قال: إني رجل أحب العصمة وأكره الفجور وقد ألفت زوجتي حتى ما أجد فيها ما يقنع نفسي عن أن تميل إلى غيرها وبصري عن أن يشرد إلى غيرها وبصري عن أن يشرد إلى سواها وأطلت عشرتها حتى مللتها وذهبت في عيني فتنتها

قلت: ما أقبح والله ما جزيتها به عن صحبتها وإخلاصها وما أعجب أمرك تسمع صوت النفس وأن تظنه صوت العقل وتتبع طريق الهوى وأنت تحسبه سبيل الصلاح وهذا تلبيس إبليس أو من وساوسه

وهل تحسب أن المرأة الجديدة تقنعك وتغنيك وإن أنت لم تقهر نفسك وتزجرها؟ إن الجديدة تمر عليها الأيام فتصير قديمة وتطول ألفتها فتصير مملولة وتستقري جمالها فلا تجد فيها جمالا فتطلب ثالثة والثالثة تجر إلى الرابعة ولو أنك تزوجت مائة ولو أنك قضيت العمر في زواج لوجدت نفسك تطلب امرأة أخرى

وهل يمضى زوج عمره في تقبيل وعناق؟ إن لذلك لحظات؟ وباقي العمر تعاون على الحياة وتبادل في الرأي وسعي للطعام واللباس وتربية للولد.. واسترجاع الماضي وإعداد للمستقبل

وهل تظنك تسعد بين زوجتين وتعرف إن جمعتها ما طعم الراحة؟ وهل تحسب أن ولدك يبقى معك وقد عاديت أمه وصادقت غريبة جئت بها تشاركها مالها ودارها وزوجها؟ فهل يرضيك أن تثير في أسرتك حربا تكون أنت أول ضحاياها كلا يا صاحبي لقد تغير الزمان وحكم الله في التعدد باق أبدا ولكنه مباح؟ ليس واجبا أو مندوبا.. فعليك بزوجك عد إليها وانظر إخلاصها لا تنظر إلى وجهها ولا إلى جسمها فإني قرأت كتبا في تعريف الجمال كثيرة فلم أجد أصدق من تعريف طاغور "إن الجمال هو الإخلاص" ولو أن ملكة الجمال خانتك وغدرت بك لرأيتها قبيحة في عينك ولو أخلصت لك زنجية سوداء كأن وجهها حذاء السهرة اللماع لرأيتها ملكة الجمال

وثق أن ما حدثتني به سيبقى سرا بيننا ولا أفشيه أبدا ولا اطلع عليه أحدا

وهل سمعت أديبا (أفشى) سرا!!؟؟

أبو بسام
07-03-2001, 10:44 PM
المُوْسِيْقِي العَاشِقْ

قال لي أمس صديقي حسني: إني لأعلم شغفك بالموسيقى، وحبك الفن القديم، فهل لك في سماع رجل وهو أحد أعمدة هذا الفن في دمشق ومن أساطينه، وهو هامة اليوم أو غذ، فإذا انهار أوشك ألا يقوم مثله أبدا؟

قلت ما أحوجني إلى ذلك، فمن هو هذا الموسيقي الذي لا أعرفه إلى اليوم؟

قال: هو شوقي بك رجل تركي، كان من موسيقيي القسطنطينية أيام السلطان عبد الحميد، وانتهت إليه رياسة (العود) فيها، وله أسطوانات هي عند الموسيقيين، كرسائل الجاحظ عند جماعة الأدباء، واسمع فعندي واحدة منها

وقام إلى (الحاكي) فأداره، ووضع أسطوانة عتيقة، فسمعت شيئا ما حسبت مثله يكون، وبدا لي كل ما سمعت إلى اليوم من ضرب الموسيقيين كأنه إلى جانبه لعب أطفال، وخربشة مبتدئين

قلت: ويحك قم بنا إليه الآن

فقمنا وأخذنا معنا شيخ الموشحات في دمشق الشيخ صبحي واثنين من مجودي المغنين، وذهبنا إليه

**********

ضربنا في الجبل حتى جاوزنا الدور الفخمة والقصور العامرة، ووصلنا إلى طائفة من المساكن هي أشبه بأكواخ، قد بنيت من الطين وقامت دوين الصخر، فوقفنا عند واحد منها، وقرع الباب دليلنا الأستاذ حسني كنعان، ففتح لنا رجل طويل، عريض الألواح، حليق الوجه محمره، ولكن الكبر ظاهر عليه، قد جعد وجهه وإن لم يحن ظهره، ولم يهصر عوده، ورحب بنا على الطريقة التركية، وبالغ في الترحيب بنا ودعانا إلى الدخول فدخلنا، فإذا رحبة نظيفة خالية من الأثاث، ما فيها إلا أشباه كراسي، وسدة من الخشب مفروشة ببساط هي السرير وهي المجلس، وإذا الفقر باد، ولكن مع الفقر ذوقا ونظافة… فقعدنا، وحلفنا عليه أن لا يصنع لنا شيئا، فما نريد إكراما منه إلا بإسماعنا ضربه

أخذ قيثارته (كمانه) وقسم (تقاسيم) هزت حبة قلبي، فأحسست بلذة ما عرفتها من قبل، ومع اللذة شيء من السحر، يجعلك تتطلع إلى المجهول، وتسمو إلى عالم الروح، ويوقظ فيك ذكرياتك وآمالك كلها دفعة واحدة

فلما انتهى، عرض عليه حسني العود، فابى واعتذر وقال: إنه لا يضرب عليه

قال حسني: كيف وأنت إمام الضاربين

قال: إنني لا أستطيع

فلما ألحفنا عليه وألححنا قال: إن لذلك قصة ما قصصتها على أحد، فاسمعوها، ولو أني وجدت ما أكرمكم به لما قصصتها عليكم، ولكني لا أملك شيئا، ولن اجمع عليكم حرمان السماع وكتمان السبب

**********

وهذه هي القصة مترجمة إلى لغة القلم:

قال: كان ذلك منذ أمد بعيد نسيه الناس وأدخلوه في منطقة التاريخ المظلمة، فلا يرون منه إلا نقطا مضيئة مثلما يرى راكب الطيارة من مدينة يمر بها ليلا. أما أنا فلا أزال أحس به بجوارحي كلها، ولا يزال حيا في نفسي، بل أنا لا أزال أحيا فيه، وما عشت بعده قد إلا بذكراه. ولقد مر على قصتي زمن طويل عندكم لأنكم تقدرونه بعدد السنين، نصف قرن… أما أنا فأقدره بذكراه الحية في نفسي فأجده ساعة واحدة… لحظة… إني أنظر الآن إلى عينيها، وأشم عطرها، وأجلس في مجلسها. إن ما أراه حولي ظلال، وتلك المشاهد هي الحقيقية. أفعلمتم من قبل أن ذكرى قد تضح وتظهر حتى تطمس المرئيات، وتغطي على الحقائق، هذه هي ذكرياتي

كان أبي من الباشوات الكبار المقربين من السلطان، فلما علم أني اشتغلت

بالموسيقى، كره ذلك مني، وصرفني عنه، وعاقبني عليه، فلما أصررت عليه، أهملني واطرحني، وطردني من داره، فلبثت أتنقل في بيوت أقربائي وأصدقاء أبي، أمارس تعليم الموسيقى لأبناء الأسر الكبيرة، وكان (فلان) باشا من الآخذين بأسباب الحياة الجديدة، يحب أن يقبس عن أوروبا طرائقها في معيشتها ويقلدها في السير عليها لا يدري أنه لا يأخذ عاداتها لحياته، بل سمومها لدينه وخلقه، فدعاني لأعلم ابنته، وكنت يومئذ في الثلاثين، ولكنهم كانوا يقولون عني: ((إنه أجمل شاب في حاضرة الخلافة))… وأحسب أني كنت كذلك، ولكني –ولست أكذبكم- ما عرفت طريق الحرام، والحلال ما استطعت سلوك طريقه

قابلت الباشا، فأدخلني على ابنته لأعلمها، فنظرت إليها، فإذا هي ملتفة بـ (يمشق) من الحرير الأبيض، لا يبدو منه إلا وجهها، وإنه لأشد بياضا ولينا من هذا الحرير، لا البياض الذي تعرفونه من النساء، بل بياض النور، لا، لم أستطع الإبانة عما في نفسي، إنه ليس كذلك، هو شيء ثمين عذب مقدس، يملأ نفسك عاطفة لا شهوة، وإكبارا لا ميلا، وتقديسا لا رغبة، وكانت عيناها مسبلتين حياء وخفرا، تظهر على خديها ظلال أهدابها الطويلة فلم أر لونها، وكانت في نحو السادسة عشرة من عمرها، مثل الفلة الأرجة إبان تفتحها

وانصرف أبوها بعدما عرفني بها وعرفها بي، وبدأ الدرس على استحياء مني ومنها. ورفعت عينيها مرة، فمشى بي منهما مثل الكهرباء إن لمست سلكتها… عينين واسعتين، فيهما شيء لا يوصف أبدا، ولكنك تنسى إن رأيتهما أن وراءك دنيا… إنها تصغر دنياك حتى تنحصر فيهما، فلا تأمل إن رأيتهما في شيء بعدهما… العفو يا سادة‍ أنا لست أديبا، ولا أحسن رصف الكلام، ففسروا أنتم كلامي، وترجموه إلى لسان الأدب، وأين الأديب الذي يملك من الكلام ما يحيط بأسرار العيون؟ إنه العلم أوسع وأعمق من الفلسفة والكيمياء والفلك… أعندكم في وصفها إلا أن تقولوا: عينان سوداوان أو زرقاوان، واسعتان أو ضيقتان، حوراوان دعجاوان، وتخلطوا ذلك بشيء من تشبيهاتكم؟ اعرضوا عيون الفتيات تروا أنكم لم تصفوا شيئا، هاتان عينان متشابهتان في سعتهما ولونهما وأهدابهما، ولكن في هذه، الجمال الوادع الحالم، وفي تلك الجمال الشرس الأخاذ، وفي أخرى العمق والرهبة، وفي هذه الأمل، وعين فيها فتنة، وعين فيها خشوع، وعيون فيها شيء لا تعرف ما هو على التحقيق، ولكنه يبدل حياتك، ويقلب عليك دنياك باللمحة الخاطفة

ولا تكلمت سمعت صوتها كأنما هو… مالي وللتشبيهات التي لا أحسنها؟ وأين ما يشبه به صوتها، وفيه الخفر وفيه الرقة وفيه فتنة وفيه رفاهية؟ لا تعجبوا فإن من الأصوات الصوت المهذب والصوت الوقح، والصوت المرفه، والصوت البائس، وصوتا خليعا وآخر صينا. إن الصوت لينطلق من غير حروف. ورب ناطقة بلا إله إلا الله، وصوتها يدعو إلى الفحشاء‍، وقائلة كلمة الفجور وصوتها ينهى عنه‍، وإنك لتستطيع أن تتخيل المرأة من صوتها. ولم يكن في زماننا هذا الهاتف (التلفون) ولكني أعذر من أسمع عنهم أنهم يعشقون بالتلفون. فالأذن تعشق قبل العين أحيانا

لم أجاوز الدرس ولم أقل فوقه كلمة واحدة. وكنت أشد منها حياء وخجلا، ولم يكن أبناء زماننا أولي وقاحة وجرأة كهذه الجرأة التي نراها اليوم، وندر فيهم من كان مثل (الباشا) يسمح لابنته الناهد أن تتلقى العلم عن الرجال –وهو يعلم أن الشاب والشابة في الطريق أو المدرسة يتخاطبان بلغة العيون خطاب الرجل والمرأة، قبل أن يتحرك اللسانان بحديث المعلم والتلميذة. وانقضى الدرس بسلام، ولكني لما فارقتها رأيت كل شيء قد تبدل، فقد تعلقت بالحياة وكنت بها زاهدا، ورأيت ضوء الشمس اشد نورا وأحسست بالوجود من حولي وقد كنت أنظر إليه غافلا، وكان لي أصحاب لم أكن أعدل بمجلسهم وصحبتهم شيئا ففارقتهم تلك الليلة وهربت منهم، وذهبت إلى غرفتي لم أطق فيها قرارا، ولا اشتهيت طعاما ولا شرابا، ووجدتني أخرج على الرغم مني، فأؤم دارها، فيردني بابها فاهيم حولها، أوغل السير في التلال الشجراء عند (بيوغلي) لا أستطيع النأي عن دارها.

صارت هي كوني ودنياي، قد تبدلت قيم الأشياء في نظري، فعز ما كان منها يمت بصلة إليها، وهان كل شيء سواه، وانطويت على نفسي أفكر فيها وأتصور أدق حركة أو سكنة منها. وكلما ذكرتها يهز شيء قلب فيخفق كجناح طائر علقت رجله بالفخ، ثم يندفع الشيء إلى عيني فيفيضان بالدمع. ولا أدري كيف أمضيت ليلتي، حتى أزف موعد الدرس الثاني شعرت كأني عدت إلى جنتي التي خرجت منها، وعشت ساعة في لذة لو جمعت لذاذات الأرض كلها ما بلغت نقطة من بحرها. وعندما ودعتها نظرت إلي نظرة شكت كبدي وزلزلتني زلزالا، وكدت من سروري بها أطير فوق رؤوس الناس خفة وفرحا، فقد علمت أن لي عندها مثل الذي لها عندي، على أني ما كلمتها في غير موضوع الدرس كلمة ولا لمست لها طرف ثوبها، وما هي إلا نظرة واحدة ولكنها قالت فأبلغت، وحدثت فأفهمت

**********

وسكت الموسيقي وجال الدمع في عينيه، ثم قال وهو يكاد يشرق بدمعه وقد ضاع في رنة البكاء صوته:ِ

أتدرون ما عمري اليوم؟ أنا فوق الثمانين، وقد مر على هذا الحب دهر، ولكني أراه كأنه كان أمس، وكأني لا أزال شابا ينطوي صدره على قلب صبي. ولقد حسبت أني أستطيع أن أتحدث عنه كما يتحدث الشيوخ عن ماضيات لياليهم فوجدتني لا أستطيع، لا أستطيع فاعذروني. إن هذه الذكرى قد خالطت شغاف قلبي، ومازجت لحمي وعظمي، وإني لأحس وأنا أحدثكم أني أمزق جسدي لأستل منه هذه الذكريات

قلت: فأخبرنا ماذا كان بعد ذلك؟ِ

قال: كان ما أخشى التحدث عنه، إني لا أحب أن أهيج الذكرى وأثيرها، إنكم لا تدرون ماذا تصنع بي؟ إنها تحرقني، تنتزع روحي

كان يا سادة، أني تدلهت بحبها، وهمت بها، وجعلتها هي كل شيء لين إن كنت معها لم أذكر غيرها، وإن فارقتها ذكرتها وفكرت فيها. فهي ماضي وحاضري ومستقبلي، وهي ذكرياتي كلها وآمالي، أراها طالعة علي من كل طريق أسير فيه، وأرى صورتها في صفحة البدر إن طلع علي البدر، وفي صحيفة (النوطة) إن جلست إلى (البيان)، ومن سطور الكتاب إن عمدت إلى القراءة في كتاب، فإذا جلست إليها والعود في حجري، وعيناها في عيني، وأذناها إلى عودي، تخيلت أني معانقها هي، لا العود، وغبت عني، وسمت روحي إلى عالم أعرفه ولا أعرف ما اسمه، فرجعت منه بالسحر فجرت به يدي على العود، فمن هناك تلك (الأسطوانات) التي كنتم تعرفونها لي

لا، لا تلحفوا علي (سألتكم بالله)، لن أذكر لكم هذه التفاصيل، إنني انتزعتها من لحمي ودمي، فدعوها لي، إنها حظي من حياتي أتعلل بها وحدي. لا أحب أن تلوكها الأفواه ويلتهي بها قراء المجلات. لقد كانت الخاتمة أن أصدقاء أبي عطفوا علي، فخطبوها لي وكان العقد وصارت زوجتي، ولكن الله لم يشأ أن تتم سعادتي فمرضت ثم …ِ

وغلب عليه البكاء، فلم يستطع أن يخرج الكلمة، فأداها بإشارة مبتلة بالدمع، محروقة بأنفاس الألم

وسكتنا –فقال بعد هنية:ِ

وقد ذهبت أودعها، فأخذت يدها بيدي، كأني أنازع الموت إياها، وأسحبها منه، فقالت لي:ِ

َ- إنك غذا، تحب غيري، وتضرب لها على عودك

قلت: لك علي عهد الحب، لا نظرت بعدك إلى امرأة، ولا أجريت يدي على عود

**********

وسكت، ونظر إلى العود كأنه يريد أن يعتنقه لينطقه بالمعجزات، ويترجم به لواعجه، ثم غلبه البكاء مرة ثانية فقام، وانسللنا واحدا بعد واحد، وأغلقنا الباب ونحن نسمع نشيجه

أبو بسام
13-08-2001, 10:46 PM
الخَادِمَة
من كتابه (( قصص من الحياة ))

قال: لدي قصة أحب أن أقصها عليك، وإنك لتعلم أني لست ممن يؤلف القصص، ولست ممن يحسن الاستعارة والتشبيه وسائر أبواب المجاز التي تعلمنا أسماءها في المدرسة، فلا تأمل أن تسمع مني قصة أدبية معقودة من وسطها بعقدة فنية، مردودة الأول على الآخر، فيها الصورة النادرة، والفكرة المبتكرة، والأسلوب البارع، فليس عندي من ذلك شيء، وإنما هي واقعة أرويها كما رأيتها وسمعتها، وإن فيها لدرسا نافعا لمن يرى الحياة مدرسة، فهو يدأب على الاستفادة منها والانتفاع بها، فهل تحب أن تسمعها؟ِ

قلت: نعم

قال: لا أدري من أين أبدأ القصة لتجيء محكمة الوضع يرضى عنها أهل الأدب، فدعني أبدأها من نصفها، فما لك في أولها كبير نفع، وإن أولها ليلخص مع ذلك في كلمة، هي أن لي أقرباء إخوة ثلاثة شبابا أعزابا يقيمون مع أمهم العجوز التي ربتهم وقامت عليهم منذ تركهم لها أبوهم أيتاما صغارا، حتى إذا كلّت وهرمت، وعجزت عن خدمة الدار، ذهبوا يفتشون لها عن خادم تعينها، ولو فتشوا عن ثلاث زوجات لهم لكان ذلك أهون عليهم وأدنى إليهم، فلما طال التفتيش وزادت الحاجة، وجدوا بنتا من (التواني) فقنعوا بها، وأنت تعلم أن (التواني) قرية منزوية ضائعة بين الأدوية المقفرة والجبال، وأن أهلها من أقذر القرويين وأجفاهم وأبعدهم عن المدنية، على صحة فيهم وجمال. وكانت بنتا –كما يقولون- ذكية، فسرعان ما ألفتهم وألفوها، وأقامت فيهم مدة طويلة ما أنكروا منها شيئا، ولم أرها أبدا على كثرة ما كنت أتردد على الدار، حتى كان اليوم الذي جعلته مبدأ قصتي هذه....ِ

وكنت أزور أقربائي هؤلاء، فدعوني إلى الشاي، فإذا هي تدخل فتقدمه إليّ، وإذا فتاة في نحو السادسة عشرة، قد تخمرت بخمار أبيض لفّته من فوق رأسها إلى ما تحت ذقنها، فعل القائمة إلى الصلاة، فسترت به شعرها وجيدها، وبدا منه وجهها مدوّرا أبيض مورّدا يطفح بالصحة والصبوة، ويشع منه السحر والدلال، وكانت تلبس ثوبا قصيرا لا يكاد ينزل علن الركبتين، يكشف عن ساقين بضّتين غضّتين ممتلئتين في غير سمن، ممشوقتين في غير هزال، مصبوبتين صب التمثال، وفوق الثوب صدار من وشي رقيق كالذي تتخذه أنيقات الخادمات، قد شدّ شدّا، فهو يبرز من ورائه نهدين راسخين، يلقيان عليه ظلا لهما خفيفا لا يعرف موقعه من النفس إلا من قرأ سطور النهود في صدور العذارى.... وكانت تحمل الشاي بأكف كأنها خلقت بلا عظام، وكان جسمها ينبض بالعاطفة التي تلين أقسى الرجال، وتستخرج الصبوة من قرارات النفوس فتظهرها، ولو قيدتها قيود من الخلق المتين، ولو غطّتها ستور من الهمّ الدفين، ولو أنساها صاحبها علم يشتغل به، أو مال يسعى وراءه، ولو أن الصبوة قد ماتت، لردّها هذا الجمال المطبوع حيّة.... أما عيناها، فدعني بالله من وصفهما، فما أدري ما لونهما وما شكلهما، فإن لهما سرا يشغلك عن التفكير في وصفهما.... إنهما تروعانك فتبقى معلقا بهما، فإذا حاولت أن تضبط نفسك وتعود إلى ما كنت فيه، لم تشعر إلا وأنت قد عدت إليهما.... إن فيهما مغناطيس يجذب الأبصار والقلوب....ِ

فلما خرجت، قلت: أهذه هي الخادمة القروية التي جئتم بها من (التواني) ؟ِ

قالوا: نعم

قلت: فأخرجوها من هذه الدار، فإنها أخطر من البارود! فضحكوا وعدوها نكتة

*********

وعدت مرة أخرى، فإذا هي بلا خمار، فسألتها عنه، فقالت –وياليتها لم تقل، فما كنت أدري أن لها مع جمالها هذا الصوت الذي يرنّ كأجراس الفضة في مواكب الأحلام.. أو كرنّات العيدان في خيال متذكر ليلة غرام- قالت: إني قد استثقلته فألقيته أمام الأقرباء، وأنت منهم (مُشْ هيك) ؟ِ

وشفعتها ببسمة من فيها، وغمزة من مقلتيها، وهزة من كتفيها…. فما هذه البنت؟! ومن أين لها هذا كله؟! صدقني لو أنها ربيت في مسارح (مونمارتر) في باريس لكان هذا كثيرا منها، فكيف تعلمته في مزابل (التواني) ؟!ِ

وعبست فما أحببت أن أوغل معها في هذا الطريق، فولّت ترقص رقصا لا تمشي مشيا، وشعرها الذهبي حقا لا تشبيها، المنشور على كتفيها وظهرها، البالغ حقويها يرقص معها!ِ

وعدت بعد ذلك، فإذا هي قد جزّت شعرها على (الموضة)، وأمرّت يد الزينة على وجه ما يحتاج إلى زينة، وطرحت صدارها، ولبست ثياب فتاة غنية مدللة، لا ثياب خادم، فانفردت بأكبر الإخوة من أقربائي فقلت له: إنك أنت وإخوتك من أمتن الناس خلقا وأقومهم سيرة، ولكن هذه البنت تفتن والله العابد، وتستزل الزاهد، وتحرك الشيخ الفاني.... وإنها لتسحر بكل نظرة وكل حركة، ويكاد جسمها يتفجر إغراء بالمعصية، وإذا أنتم بقيتموها في هذه الدار فما أظن الأمر ينتهي بسلام!ِ

واستجاب لما قلته له، ورآه حقا، فأخرجها وأدخل مكانها زوجة صالحة

*********

قال: ودخلت البنت دارا أخرى، دار قوم مترفين منعّمين لا يسألون عن المال أين ذهب، وكانوا كلهم ثلاثة أبا تاجرا جاهلا، همه عمله في النهار، وسهراته في الليل، وأما شغلها ثيابها وزياراتها واستقبالاتها، وولدا شابا في العشرين طالبا في الجامعة صاحب جد ودراسة وخلق ودين، غير أنه كان –ككل الصالحين من لداته- يطوي صدره على مثل البارود المحبوس في القنبلة إذا طار منها مسمار الأمان، أو صدمتها فرجّتها تمزقت ومزقت من حولها! وكانت الصدمة لها هذه الخادمة اللعوب!ِ

وبدأت من اليوم الأول تولي اهتمامها صاحبنا الذي أسميه (الشاب) كراهة أن أصرح باسمه، وتنسج حوله خيوطها.... فإذا ناداها لحاجة له –ولم يكن له بدٌّ من أن يناديها- قفزت قفزة الغزال وأقبلت تحف بها شياطين الشهوة.... فتراه منصرفا عنها، فتبسم له، وتساله عما يريده، بصوت يقطر فتونا، وتسلط عليه من عينيها مغناطيس مكهربا يذيب القلوب، ولو كانت من صفا الجلمود، وإن أعانته في رفع نضد أو تسوية كرسي أو ناولته شيئا، دنت الملعونة منه حتى لامست بهذا الجسم اللدن الدافئ المكهرب، جسمه القوي القرم إلى (اللحم) ! أو قرّبت وجهها الفاتن من وجهه حتى ليحس لسع أنفاسها، ويشم رائحة جسمها، وإنها لأفتن من كل عطور الدنيا وطيبها، وأين العطر من ريح جسم المرأة؟ أو تتعمد حركة تزيح ثوبها القصير لحظة عن بياض فخذيها. وكان المسكين بشرا، اجتمعت عليه صبوة الحب في نفسه، وإغراء الجمال في خادمته…. وحماقة أبويه اللذين جاءاه بها وغفلا عنه وعنها، وصارا يتركانه معها وحيدين في الدار طول النهار، حتى لقد بعثاها مرة تناوله الصابون في الحمام…. وثار في أول الأمر عليها، وأعرض عنها، ثم أحس أن سمّها سرى في جسده وروحه، فاستنفر آخر قوى الفضيلة في نفسه وألح على أبويه في إخراجها من المنزل، فأبيا، وكيف يفرطان فيها وقد وجداها بعد طول البحث، وكبير العناء؟ وهل تدع (السّت) زياراتها وسينماها، وتشتغل هي: بالطبخ والكنس لمجرد أن البنت الخادمة جميلة و (دلّوعة) ويخشى منها؟ كلام فارغ!ِ

هكذا كان يفكر الأبوان المحترمان…. وضربا بالعمى عن حقيقة لا تخفى على عاقل، هي أن الرجل والمرأة حيثما التقيا وكيفما اجتمعا: معلما وتلميذة، وطبيبا وممرضة، ومديرا وسكرتيرة، وشيخا ومريدة، وشيخا ومريدة، فإنهما يبقيان رجلا وامرأة، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ما خلا رجل بامرأة (هكذا، على الإطلاق) إلا كان الشيطان ثالثهما"ِ

ومرض الشاب، وعجز عن الاحتمال.... فكانت الخادمة هي التي تقوم على خدمته، وتصرم الليل كله ساهرة عليه، وتبدل ثيابه فتراه كما هو وتستبيح بالنظر واللمس كل إصبع في جسده، وهو لا يحس بها، حتى إ‘ذا تماثل للشفاء، ومرّ في طريق النقاهة رآها إلى جانبه، وكان المرض قد أضعف عزمه وأوهن إرادته، فانكسر السد وطغى الحب.... وفي ليلة كان النعاس قد نال منها، حلف عليها إلا أن تستريح وتنام، وكان في الغرفة سرير آخر فاستلقت عليه أمامه.... وكان هذا أكثر من أن تتحمله أعصاب رجل في الدنيا، فطار النعاس، وكانت النتيجة المحتومة لهذه المقدمات! ودخلت (الست) في الصباح، فرأت الخادمة بين ذراعي ابنها!!ِ

صحت البنت من سكرتها، وصحا الأهلون وأرادوا إصلاح ما فسد، وهيهات! إن الماء قد انسفح على الرمل فمن يردّ الماء المسفوح؟ وعود الكبريت قد احترق فمن يعيد العود المحروق؟ وعرض البنت قد مزق فمن يرتق العرض الممزق؟ لا أحد!ِ

ووثبوا يفتشون كالمجانين عن طريق الخلاص، وأقبل الشيطان مرة ثانية، وكانت المؤامرة، وانجلت عن ستر هذه الجناية بجناية أخرى، هي أن ترد البنت إلى أبيها الذي يطلبها ليزوجها من ابن عمها، وقبلت، وماذا تصنع إذا هي لم تقبل؟ِ

وكان الفصل الآخر من المأساة وإني سأختصره اختصارا:ِ

دبّر الأمر على عجل، وعقد العقد، وسيقت العروس (الشامية....) إلى الشاب القروي، وحسب المسكين كأنما رأى ليلة القدر فدعا فهبطت عليه حوراء من حور الجنان.... وكان الدخول، واحتوى بين ذراعيه الخشنتين ذلك الجسم الذي تتقطع عليه نفوس أبناء الأمراء حسرات و.... فإذا الثمرة مقطوفة!ِ

قلت: ثم ماذا؟ِ

قال: ماذا؟ صار ابن العم في السجن، والبنت في القبر! وأسدل الستار على فصل جديد من هذه المأساة التي تتكرر فصولها دائما في بيوت الشام

أبو بسام
13-08-2001, 10:47 PM
قِصَّةُ أبْ
من كتابه (( قصص من الحياة))


دخل عليّ أمس بعدما انصرف كتّاب المحكمة ولبست معطفي رجل كبير في السن يسحب رجليه سحباً لا يستطيع أن يمشي من الضعف والكبر.فسلّم ووقف مستنداً إلى المكتب وقال

إني داخل على الله ثم عليك أريد أن تسمع قصتي وتحكم لي على من ظلمني

قلت: تفضل، قل أسمع

قال: على أن تأذن لي أن أقعد فوالله ما أطيق الوقوف

قلت: اقعد وهل منعك أحد من أن تقعد؟ اقعد يا أخي فإن الحكومة ما وضعت في دواوينها هذه الكراسي وهذه الأرائك الفخمة إلا ليستريح عليها أمثالك من المراجعين الذين لا يستطيعون الوقوف. ما وضعتها لتجعل من الديوان(قهوة)يؤمها الفارغون ليشتغل الموظف بحديثهم عن أصحاب المعاملات ويضاحكهم ويساقيهم الشاي والمرطبات والناس قيام ينتظرون لفتة أو نظرة من الـ(بك)!

لا. لسنا نريدها(فارسية)كسروية في المحكمة الشرعية فاقعد مستريحا فإنه كرسي الدولة ليس كرسي أبي ولا جدي، وقل ماتريد

قال: أحب أن أقص القصة من أولها فأرجو أن يسعني صبرك ولا يضيق بي صدرك وأنا رجل لا أحسن الكلام من أيام شبابي فكيف بي الآن وقد بلغت هذه السن ونزلت علي المصائب وركبتني الأمراض ولكني أحسن الصدق ولا أقول إلا حقاً

كنت في شبابي رجلاً مستوراً أغدو من بيتي في حارة(كذا)على دكاني التي أبيع فيها الفجل والباذنجان والعنب وما يكون من(خُضر)الموسم وثمراته فأربح قروشاً معدودات أشتري بها خبزي ولحمي وآخذ ما فضل عندي من الخُضر فيطبخه(أهل البيت)ونأكله وننام حامدين ربنا على نعائمه لا نحمل هماً ولا نفكر في غد ولا صلة لنا بالناس ولا بالحكومة ولا نطالب أحداً بشيء ولا يطلب منا شيئاً ولم أكن متعلماً ولا قعدت في مدرسة ولكني كنت أعرف كيف أصلي فرضي وأحسب دراهمي...ولقد عشت هذا العمر كله ولم أغش ولم أسرق ولم أربح إلا الربح الحلال وما كان ينغّص حياتي إلا أنه ليس لي ولد فجرّبنا الوسائل وسألنا القابلات ولم يكن في حارتنا طبيب ولم نحتج إليه فقد كان لنا في طب(برو العطار)وزهوراته وحشائشه ما يغنينا عن الطبيب والصيدلي.وإذا احتجنا إلى خلع ضرس فعندنا الحلاق أما أمراض النساء فمردّ أمرها إلى القابلة ورحم الله أم عبد النافع قابلة الحارة فقد لبثت أربعين سنة تولّد الحاملات ولم تكن تقرأ ولا تكتب

أقول إنّا سألنا القابلات والعجائز فوصفن لنا الوصفات فاتخذناها وقصدنا المشايخ فكتبوا لنا التمائم فعلقناها فلم نستفد شيئا، فلم يبق إلا أن ننظر أول جمعة في رجب لنقصد(جامع الحنابلة)فلما جاءت بعثت(أهل البيت)فقرعت حلقة الباب وطلبت حاجتها فنالت طلبها-خرافة دمشقية وثنية من آمن لها أو بأمثالها من الخرزة الزرقاء لرد العين والسحر والشعوذات واعتقد أن لغير الله نفعاً أو ضرراً فيما وراء الأسباب الظاهر فقد خالف الإسلام-فنالت طلبها وحملت

وصرت أقوم عنها بالثقيل من أعمال المنزل لأريحها خشية أن تسقط حملها وأجرمها وأدللها وصرنا نعدّ الأيام والساعات حتى كانت ليلة المخاض فسهرت الليل كله أرقب الوليد فلما انبلج الفجر سمعت الضجة وقالت(أم عبد النافع):البشارة يا أبا ابراهيم!جاء الصبي

ولم أكن أملك إلا ريالاً مجيدياً واحداً فدفعته إليها

وقلّبنا الصبي في فرش الدلال، إن ضحك ضحكت لنا الحياة وإن بكى تزلزلت لبكائه الدار وإن مرض اسودّت أيامنا وتنغّص عيشنا وكلما نما أصبعاً كان لنا عيد وكلما نطق بكلمة جدّت لنا الفرحة وصار إن طلب شيئاً بذلنا في إجابة مطلبه الروح...وبلغ سن المدرسة فقالت أمه:إن الولد قد كبر فماذا نصنع به

قلت: آخذه إلى دكاني فيتسلى ويتعلم الصنعة

قالت: أيكون خضرياً

قلت: ولم لا؟ أيترفع عن مهنة أبيه

قالت: لا والله العظيم! لابد أن ندخله المدرسة مثل عصمة ابن جارنا سموحي بك.أريد أن يصير(مأموراً)في الحكومة فيلبس(البدلة)والطربوش مثل الأفندية

وأصرّت إصراراً عجيباً فسايرتها وأدخلته المدرسة وصرت أقطع عن فمي وأقدم له ثمن كتبه فكان الأول في صفه فأحبه معلموه وقدروه وقدّموه

ونجح في الامتحان ونال الشهادة الابتدائية فقلت لها:يا امرأة!لقد نال ابراهيم الشهادة فحسبنا ذلك وحسبه ليدخل الدكان

قالت: يوهْ! ويلي على الدكان...أضيّع مستقبله ودراسته؟!لابد من إدخاله المدرسة الثانوية

قلت: يا امرأة من علّمك هذه الكلمات؟ما مستقبله ودراسته؟أيترفع عن مهنة أبيه وجده؟قالت:أما سمعت جارتنا أم عصمة كيف تريد أن تحافظ على مستقبل ابنها ودراسته؟قلت:يا امرأة اتركي البكوات…نحن جماعة عوام مستورون بالبركة فما لنا وتقليد من ليسوا أمثالنا

فولولت وصاحت.ودخل الولد الثانوية وازدادت التكاليف فكنت أقدمها راضياً...ونال البكالوريا

قلت: وهل بقي شيء

قال الولد: نعم يا بابا.أريد أن أذهب إلى أوربا

قلت: أوربا؟ وما أوربا هذه

قال: إلى باريس

قلت: أعوذ بالله تذهب إلى بلاد الكفار والله العظيم إن هذا لا يكون

وأصر وأصررت وناصرته أمه فلما رأتني لا ألين باعت سواري عرسها وقرطيها وذلك كل مالها من حلي اتخذتها عدة على الدهر ودفعت ثمنها إليه فسافر على الرغم مني

وغضبت عليه وقاطعته مدة فلم أردّ على كتبه ثم رق قلبي وأنت تعلم ما قلب الوالد وصرت أكاتبه وأساله عما يريد...فكان يطلب دائما

أرسل لي عشرين ليرة...أرسل لي ثلاثين...فكنت ابقى أنا وأمه ليالي بطولها على الخبز القفار وأرسل إليه ما يطلب

وكان رفاقه يجيئون في الصيف وهو لا يجيء معهم فأدعوه فيعتذر لكثرة الدروس وأنه لا يحب أن يقطع وقته بالاسفار

ثم ارتقى فصار يطلب مئة ليرة...وزاد به الأمر آخر مرة فطلب ثلاثمئة

تصور يا سيدي ما ثلاثمائة ليرة بالنسبة لخضري تجارته كلها لا يساوي ثمنها عشرين ليرة وربحه في اليوم دون الليرة الواحدة؟وياليته كان يصل إليها في تلك الأيام التي رخت فيها الأسعار وقل العمل وفشت البطالة ثم إنه إذا مرض أو اعتل علة بات هو وزوجته على الطوى…فكتبت إليه بعجزي ونصحته ألا يحاول تقليد رفاقه فإن أهلهم موسرون ونحن فقراء فكان جوابه برقيّة مستعجلة بطلب المال حالاً

وإنك لتعجب يا سيدي إذا قلت لك أني لم أتلق قبلها رقية في عمري فلما قرع موزع البريد الباب ودفعها إلي وأخذ إبهام يدي فطبع بها في دفتره انخرطت كبدي في الخوف وحسبتها دعوة من المحكمة وتوسلت إليه وبكيت فضحك الملعون مني وانصرف عني،وبتنا بشر ليلة ما ندري ماذا نصنع ولا نعرف القراءة فنقرأ ما في هذه الورقة الصفراء حتى أصبح الله بالصباح ولم يغمض لنا جفن وخرجت لصلاة الغداة فدفعتها لجارنا عبده أفندي فقرأها وأخبرني الخبر ونصحني أن أرسل المبلغ فلعل الولد في ورطة وهو محتاج إليه

فبعت داري بنصف ثمنها أتسمع يا سيدي؟بعت الدار بمئتي ليرة وهي كل ما أملك في هذه الدنيا واستدنت الباقي من مرابٍ يهودي دلوني عليه بربا تسعة قروش على مل ليرة في الشهر أي أن المئة تصير في آخر السنة مئتين وثمانية!وبعثت إليه وخبرته أني قد افلست

وانقطعت عني كتبه بعد ذلك ثلاث سنوات ولم يجب على السيل من الرسائل التي بعثت بها إليه

ومر على سفره سبع سنين كوامل لم أر وجهه فيها وبقيت بلا دار ولاحقني المرابي بالدين فعجزت عن قضائه فأقام علي الدعوى وناصرته الحكومة عليّ لأنه أبرز أوراقاً لم أدر ما هي فسألوني:أأنت وضعت بصمة أصبعك في هذه الأوراق

قلت: نعم. فحكموا علي بان أعطيه ما يريد وإلا فالحبس.وحبست يا سيدي.نعم حبست وبقيت(المرأة)وليس لها إلا الله فاشتغلت غسّالة للناس وخادمة في البيوت وشربت كأس الذل حتى الثمالة

ولما خرجت من السجن قال لي رجل من جيراننا:أرأيت ولدك؟قلت:ولدي؟!بشّرك الله بالخير.أين هو؟قال:ألا تدري يا رجل أم أنت تتجاهل؟هو موظف كبير في الحكومة ويسكن مع زوجته الفرنسية داراً فخمة في الحي الجديد

وحملت نفسي وأخذت أمه وذهبنا إليه وما لنا في العيش إلا أن نعانقه كما كنا نعانقه صغيراً ونضمه إلى صدورنا ونشبع قلوبنا منه بعد هذا الغياب الطويل.فلما قرعنا الباب فتحت الخادمة فلما رأتنا اشمأزت من هيئتنا وقالت:ماذا تريدون؟قلنا نريد إبراهيم.قالت:إن البك لا يقابل الغرباء في داره اذهبا إلى الديوان.قلت:غرباء يا قليلة الأدب؟أنا أبوه وهذه أمه

وسمع ضجتنا فخرج وقال:ما هذا؟وخرجت من وراءه امرأة فرنسية جميلة

فلما رأته أمه بكت وقالت:إبراهيم حبيبي؟ومدّت يديها وهمّت بإلقاء نفسها عليه.فتخلى عنها ونفض ما مسته من ثوبه وقال لزوجته كلمة بالفرنساوي،سألنا بعد عن معناها فعلمنا أن معناها(مجانين)

ودخل وأمر الخادم أن تطردنا…فطردتنا يا سيدي من دار ولدنا

وما زلت أتبعه حتى علقت به مرة فهددني بالقتل إذا ذكرت لأحد أني أبوه وقال لي:ماذا تريد أيها الرجل؟دراهم؟أنا أعمل لك راتباً بشرط ألا تزورني ولا تقول أنك أبي

ورفضت يا سيدي وعدت أستجدي الناس وعادت أمه تغسل وتخدم حتى عجزنا وأقعدنا الكبر فجئت أشكو إليك فماذا أصنع

فقلت للرجل: خبرني أولا ما اسم ابنك هذا وما هي وظيفته

فنظر إليّ عاتباً وقال: أتحب أن يقتلني

قلت: إن الحكم لا يكون إلا بعد دعوى والدعوى لا تكون إلا بذكر اسمه

قال: إذن أشكو شكاتي إلى الله

وقام يجرّ رجله يائساً...حتى خرج ولم يعد

أبو بسام
24-08-2001, 11:49 PM
هذه المقالة المؤثرة نشرها الشيخ علي الطنطاوي قبل أكثر من نصف قرن بعد أن مر بحالة غرق كاد أن يفقد حياته لولا عناية الله..
في لجج البحر- الشيخ علي الطنطاوي يرثي نفسه
مات علي الطنطاوي.

وليس عجبا أن يموت، والموت غاية كل حي، ولكن العجيب أن يرجع بعدما مات، ليصف للقرء الموت الذي رآه‍

وكان ذلك من شهرين، وكان على سيف البحر في بيروت، وكان البحر هائجا غضبان، يرمي بأمواج كأنها الكثبان، وقد فرّ منه الناس، فليس في الشطوط كلها، على طولها وامتدادها (من سان سيمون إلى الأوزاعي) إلا نفر قليل.

ولم يكن يعرف من السباحة إلا درسا واحدا، كان قد تلقاه من أكثر من ثلث قرن، على معلم لم يسبح أبدا، هو أن يقف حيث لا يصل الماء إلى الصدر، ثم يحاول أن ينبطح، ويسيب قدميه، ويخبط بيديه، ويبقى على ذلك مقدار ما يبتلع من ماء البحر (وهو كشربة الملح الإنجليزي) ما يملأ معدته وأنفه.. ثم يخرج. وكان مع شاب تونسي من علماء جامع الزيتونة، ولا يمتاز في السباحة عنه إلا بأنه أجهل فيها منه، حتى هذا الدرس لم يحضره لأنه لم يكن ولد، فلما كبر لم يستطع ان يأخذ مصله، لأن ذلك (المعلم) كان قد مات.

وتركا (الحمام) حيث النساء العاريات، ثم أخذت أسبح السباحة التي أعرفها: أرفع رجليّ، وأحرك يديّ، فإذا تعبت خرجت أستمتع بالشمس والهواء، وكنت ممتلئا بالصحة، أكاد أتوثب من النشاط توثبا، وكان الموت بعيدا عن فكري، والموت أبدا أبعد شيء في أفكارنا عنا، وإن كان أقرب شيء في حقيقته منا، نتناساه وهو عن أيماننا وشمائلنا، نشيع الجنائز ونمشي معها ونحن في غفلة عنها، نتكلم كلام الدنيا، ونرى مواكب الموت تمر بنا كل يوم، فلا نفكر ولا نعتبر، ولا نقدّر أننا سنموت كما ماتوا، ومات من كان أصح منا صحة، وكان أشد منا قوة وأكبر سلطانا، وأكثر أعوانا، فمنا دفعت عنه الموت لما جاءه صحته ولا قوته، ولا حماه منه سلطانه ولا أعوانه، نعرف بعقولنا أن الموت كأس سيشرب منها كل حي، ولكننا ننسى هذه الحقيقة بشعورنا وعواطفنا، وتحجبها عنها شواغل يومنا، وتوافه دنيانا، يقول كل واحد منا بلسانه: إن الموت حق وإن مقدّر على كل حي، ويقول بفعله: لم أموت، لقد كتب الموت على كل نفس إلا نفسي، فلا يزال في العمر فسحة لي دائما، ولن يأتي أجلي أبدا.

وعاودت الدخول في الماء، وأطلت البقاء فيه، وما أحسست وأنا أتزحزح شبرا فشبرا، أني جاوزت هذه البركة، وبلغت موضعا من البحر عميقا، علمت بعد أن فيه تيارا يتحاماه السباحون القادرون، فكيف بمن لم يكن يتقن من السباحة إلا فن الرسوب.

* * * * * * * * * *

وحاولت الوقوف فإذا أنا لا أجد الأرض الصلبة من تحتي، وحاولت أن أرفع رأسي فأنظر، فإذا أن لا أجد الهواء ولا أبصر شيئا، وأحسست أن الماء المالح قد تدفق على فمي، وأنفي، فأنا لا أملك إلا أن أبلعه وأنشقه، وبدأت أحس آلاما لا تصوّر ولا توصف، ليست في الرأس، وليست في عضو من الأعضاء وحده، ولكنها في كل ذرة من جسدي، وروحي، وشعرت كأن قد ألقيت على صخرة ضخمة، وأن أعصابي تجذب من تحتها وتقلع، كما تجذب خيوط الحرير مما خالطها من الشوك، وصار كل همي من دنياي أن أجد نسمة واحدة من الهواء فلا أجدها، فقلت: هذا هو الموت، هذا هو الموت الذي أفر من الكلام فيه والحديث عنه، والذي أراه بعيدا عني، لم يحن حينه، ولم يدن موعده، لذلك كنت أؤجل التوبة من يوم إلى يوم، أقول إذا بلغت من الشباب تبت، فلما بلغتها قلت: أتوب في الأربعين، فلما جاوزتها قلت: أنتظر حتى أتم بناء الدار، فلما أتممتها قلت: أتوب وأتفرغ إلى الله، إذا بلغت سن التقاعد، كأني أخذت على مَلَك الموت عهدا، ألا يطرق بابي حتى أبلغ سن التقاعد، فها هو ذا قد جاء على غير ميعاد‍

* * * * * * * * * *

وكان أول ما خطر على بالي، أني كنت أتمنى ميتة سهلة سريعة تكون على الإيمان، وأن هذه الأمنية تلازمني من أزمان، فخشيت أن أكون قد سعيت إلى هذه الميتة فأكون (والعياذ بالله) منتحرا، ورحت أفكر فيما صنعته من لدن دخلت الماء، فإذا أنا لا أذكر من ذلك شيئا، وإذا أنا أشعر أنه غدا بعيدا عني كأنه قد كان من سنة، لا من دقائق معدودات، وصغرت الدنيا في عيني، كأني أراها من طيارة قد علت في طباق الجو، ومن كان على سفر، يسرع ليلحق القطار، هل يرى من الشوارع التي يجتازها شيئا؟ هل يغريه منها جمال ساحر، أو فن طريف؟ إنه يحس بها غريبة عنه، وأنها ليست له، يغدو منظرها في عينه كصورة زائفة فكيف ينظر إلى هذه الدنيا من أيقن الموت‍؟

لقد أمحت (والله) صورة الدنيا كلها من أمامي. ومالي وللدنيا، ولم يبقى لي فيها إلا لحظات معدودات، أنا أتجرع فيها ثمالة كأس الآلام؟ لم يبقى لي منها ما يغريني بها، حتى الأهل والولد شغلت بنفسي عنهم، فلا تصدقوا ما تقرؤونه في القصص من أن المشرف على الغرق، يفكر في أحبائه أو في أعماله، أو في أدبه وعلمه ومقالاته وأشعاره، أو يهمه ما يقال فيه من بعده رما كان ذلك من غير المسلم، أما المسلم فلا يرى في تلك الساعة إلا ما هو قادم عليه.

* * * * * * * * * *

وازدحمت عليّ الخواطر فيما أفعله، فحاولت التشهد والتوبة أولا، فلم أستطع النطق بشيء مما كان في فمني من الماء، وازدادت علي الآلام ولكنها لم تقطع خواطري، وكان ذهني في نشاط عجيب ما أحسست مثله عمري كله، وكنت بين خوف من الموت ورغبة فيه: أرغب فيه أرجو أن تكون هذه الميتة على الإيمان، وأخاف لأنه ليس لدي ما أقدم به على الله، وقد فاجأني الموت، كما يفاجئ التلميذ المهمل، الذي لا يزال يؤجل المطالعة والحفظ، ويقول: الامتحان بعيد، وتمضي الأيام، حتى إذا رآه صار أمامه قطع أصابعه ندما، وأذهب نفسه حسرة، وما نفعه ذلك شيئا.

هذا هو امتحان يسير، أسوأ ما فيه أن تذهب بالسقوط فيه سنة من عمره سدى، فكيف بالامتحان الأعظم، الذي ما بعده إلا النعيم الأبدي في الجنة، أو الشقاء الطويل في النار، الامتحان الذي ليس فيه (إكمال) و لا تعاد له دورة، و لا يجبر فيه (كسر) درجة، و لا تنفع فيه شفاعة شافع، و لا وساطة ذي جاه أو مال، و رأيت موقف الحساب رأي العين، و قد شغلت كل أمري نفسه، و الناس يدعون ليأخذوا نتائج الامتحان، فمن أخذ كتابه بيمينه، و حمل إلى الجنة فهذا هو الفائز، و من أخذ كتابه بشماله و سيق إلى النار فهذا هو الخاسر، و هذا هو الخسران المبين.

و عرضت عملي، فلم أجد لي عملاً من أعمال الصالحين، فلا أنا من أهل المراقبة الذين لا يغفلون عن الله طرفة عين، و لا أنا من المبتعدين الذين يقومون الليالي الطوال و الناس نيام، و يناجون ربهم في الأسحار، و ما أنا من المتقين الذين يتجنبون المحرمات، ما أنا إلا واحد من الغافلين المذنبين، أي والله فبم أقدم على الله؟

* * * * * * * * * *

و نظرت فإذا كل ما ربحته من عمري لحظات، لحظات كنت أحس فيها حلاوة الإيمان، و أخلص فيها التوجه إلى الله تقابلها عشرات من السنين كنت سابحاً فيها في بحار الغفلة، تائهاً في بيداء الغرور، أحسب من جهلي، أن الأيام ستمتد بي، لم أدر أن العمر ساعات محدودة، و أن ذلك هو رأس مالي كله، فإن أضعته لم يبق لي من بعده شيء.

و ذكرت حديثاً كنت حفظته في صباي ((اغتنم خمساً قبل خمس: شبابك قبل هرمك، و صحتك قبل سقمك، و فراغك قبل شغلك، و غناك قبل فقرك، و حياتك قبل موتك)). و ندمت لأنني لم أكن وضعته في صدر مجلسي، و اتخذته منهجاً لحياتي، و لكني لم أعرف (مع الأسف) معناه، و لم أدرك حقيقته، إلا عندما انتهت حياتي.

و فكرت فيما كنت أكابد من ألم الطاعة، فإذا الألم قد ذهب و بقي الثواب، و نظرت فيما استمتعت به من لذة المعصية، فإذا هو قد ذهب و بقي الحساب، فندمت على كل لحظة لم أجعلها في طاعة.

* * * * * * * * * *

و نظرت فإذا المقاييس كاملة تتبدى ساعة الموت، و إذا كل ما كنت أحبه و أنازع عليه، قد صار عدماً! و إذا أنا لم آخذ معي شيئاً، بنيت داراً فما حملت معي منها حجراً، و اقتنيت مالاً فما كان لي منه، إلا ما ظننت من قبل أني خسرته، و هو ما أخرجته لله، و كتبت آلفاً من المقالات في عشرات من السنين، و كان لي من القراء و المستمعين ملايين و ملايين، فما نفعني كلمة قلتها لوجه الله، و أين هي؟ لقد تركني هؤلاء المعجبون (كما يقولون) بأدبي و بياني أموت الآن و حدي، ما جاء واحد منهم ليأخذ بيدي، و ما أقبل واحد منهم يدفع الموت عني!

و عرفت لذائذ الحياة كلها، فما الذي بقي في يدي و أنا أموت غرقاً من لذائذ، و ما الذي استبدلته بالعمل الصالح الذي لا أرجو النجاة الآن إلا به؟

لقد كان إبليس يشغلني عن الخشوع في الصلاة بالتفكير في ((البنطال)) أن يفسد كيه السجود، و يخوفني أن تذهب صحتي، بقطع المنام لصلاة الفجر أو صيام أيام الحر من آب، و أن أخسر حسن رأي الناس في إن جهرت بقولة الحق، أو أن ينالني من ذلك أذى في جسدي أو في رزقي!

فوجدتني الآن أخسر الناس، إذ بعت الباقي، بهذا الوهم الزائل، كزنوج إفريقية الذين يعطون كنوز بلادهم وخيراتها، ليأخذوا خرزات لماعة، أو ساعة طنانة، أو هنة هينة من هينات الحضارة.

أما العاقل فيبذل ما لديه من متاع، ويعلم أن الذي يعطيه اليوم، هو الذي يبقى له غدا، وأن الذي يحتفظ به ويخفيه يخسره ويخرج من يده، ويكون مستعدا للسفر في كل لحظة.. وأما الأحمق فيتمسك يخيمته ومتاعه القليل ويقول: أنا باق هنا، هذه هي داري، وهذا متاعي، وما الدار الآخرة إلا كاذيب جرائد، وأساطير محررين، وأن أكون أحمق فأبيع عاجلا حاضرا، بآجل موهوم، ويرى الناس يطيرون كل يوم فلا يفكر ويظن أنه وحده هو الباقي، حتى يجيء دوره، فيحمل قسرا لا يملك دفعا ولا منعا، ويخسر ما كان له في الجزيرة، ولا يلقى في أمريكا إلا جحيم الفقر والحاجة إلى الناس.

وغلبني ألم الموت، ولم يعد في طوقي أن أفكر، فترجعت إلى الله وتصورت كرمه وعفوه، وكان يغلب عليّ الأمل وحب الحياة، فأضرب بيدي ورجلي وأرفع يميني أشير بها، ثم يدركني اليأس فأسلم أمري إلى الله، ولم اكن أتمنى بعد المغفرة، إلا شيئا واحدا، هو أن يخفف الله عني بتعجيل موتي، أخشى أن يطول بي هذا الألم فوق ما طال.

* * * * * * * * * *

وقد خيّل إليّ أني بقيت على ذلك ساعات، ولكن تبين لي من بعد، أني لم ألبث أكثر من دقيقتين، في دقيقتين أحسست هذه الآلام، ومرت في ذهني هذه الخواطر.

وهذا من العجائب التي أودعها الله النفس البشرية، فأنت ترى حلما تعيش فيه عشرين سنة بأحداثها، ولا تكون قد نمت اكثر من خمس دقائق.

ثم لما خارت قواي، وأوشكت أن أغوص فلا أطفوا أبدا، خيّل إليّ أني أسمع أصواتا تناديني، وأحسست بيدي تمس شيئا صلبا، أدركت أنه طرف من زورق، ففرحت فرحة ما فرحت قط مثلها، وشعرت أني أرفع إلى الزورق، ثم غبت عن نفسي وهم يمسكون برجلي لأخرج بعض ما في جوفي من ماء البحر.

* * * * * * * * * *

لقد خرجت بنفس جديدة، واتعظت موعظة أرجو أن تدوم لي، وعرفت قيمة الحياة، وحقيقة الموت، ونحن لا نعرف من الموت إلا ظاهره دون حقيقته، نراه عدما، ونندب القريب والحبيب إن وضعناه في حفرة باردة، وخلفناه وحيدا، تأكله الدود، وليس حبيبك الذي أودعته الحفرة، ولكن جسده، والجسد ثوب يخلع بالموت، كما تخلع الحية ثوبها، فهل يبكي أحد على ثوب خلع!؟

وما الموت إلا انتقال إلى حياة أرحب وأوسع، إلى النعيم الدائم أو الشقاء الطويل، ولو كان الموت فناء لكان نعمة.

ولو أنا إذا متنا تركنا لكان الموت راحة كل حي

ولكنا إذا متنا بعثنا ونسأل بعدها عن كل شيء

فإذا كان الموت سفرة لابد منها، فالعاقل من تهيأ لها، وأعد لها الزاد والراحلة، وذكرها دائما كي لا ينساها، ونظر في كل شيء، فإن كان مما يستطيع أن يحمله فيها حرص عليه، وإن كان مجبرا على تركه وراءه زهد فيه وانصرف عنه.

* * * * * * * * * *

وبعد.. فلا يهنئني أحد بالسلامة، بل ليدع لنفسه ولي بحسن الخاتمة، فإني أخاف والله ألا أجد ميتة أكون فيها حاضر القلب مع الله، مستشعرا التوبة، متصورا الدار الآخر، كما كانت هذه المرة.

أبو بسام
24-06-2005, 02:32 AM
الرياض: شاكر أبو طالب
كان دائماً ما ينظر إلى ساعته اليدوية التي تلبسها طاولته البسيطة، حتى لا يتجاوز الوقت المحدد له، من قبل المشرف «على مائدة الإفطار» الرمضانية. ويتفقد أيضا جهاز تسجيل صوته العتيق، حتى يكون شاهداً عليه بعد انتهائه من كل حلقة، وكان حديثه عفوياً، وكأنه فردٌ من كل بيت في السعودية، فبرهة يسند ظهره للكرسي، خاصة عند ابتسامه أو ضحكه أو سرده لقصة أو طرفة ما، فإذا ما انتهى منها ضغط بيديه على طاولته، وعاد يقرأ محاور حديثه أو رسائل متابعيه، الذين لا يكتمل إفطارهم في رمضان، إلا بسماعه ومشاهدته، وكان افتتاحه لأي حلقة من برنامجه الشهير في رمضان، يتم بكل سهولة وأريحية، بينما يجبره منفذ البرنامج، في الغالب، على ختم حلقاته، وهو يتحدث بأن المخرج أشار إليه بانتهاء الوقت، كان الوقت شاغله الأول، رغم أنه عاش 90 عاماً في القرن الماضي.
في فجر الـ 12 من يونيو (حزيران) 1909، وفي دار صغيرة في حارة العقيبة «حي الأوزاعي قديماً»، إحدى حارات دمشق القديمة، صرخ الشيخ علي بن مصطفى بن أحمد الطنطاوي، أي قبل سقوط الدولة العثمانية بخمسة عشر عاماً فقط، ونشأ في أسرة متدينة ومتعلمة، تنحدر أصولها من طنطا عاصمة إقليم الغربية في مصر، وانخرط في التعليم والمقاومة تجاه الفرنسيين منذ سنّ مبكرة، حيث خطب وعمره 14 عاماً ضد استقبال المفوض الفرنسي الجنرال ويفان، وفي 1928 دعاه خاله محب الدين الخطيب للقدوم إلى مصر للصحافة والدراسة، غير أنه لم يكمل دراسته في كلية دار العلوم المصرية، لكنه اقتحم عالم الكتابة في الصحافة، فعاد إلى الفيحاء ليلتحق بكلية الحقوق، التي تخرج فيها عام 1933، انتقل بعدها إلى العراق ليعمل مدرساً، ثم قاضياً شرعياً في دمشق، إلى أن حاز أعلى المناصب القضائية في سورية، عقب ذلك هاجر إلى السعودية في عام 1963، فكان مدرساً في كلية اللغة العربية وكلية الشريعة في الرياض، ثم انتقل إلى التدريس في كلية الشريعة في مكة المكرمة، بعدها تفرغ لتقديم البرنامج الإذاعي اليومي «مسائل ومشكلات»، إلى جانب برنامج تلفزيوني أسبوعي حمل عنوان "نور وهداية" في عام 1967، وكتب الطنطاوي في مجلات «الزهراء» و«الفتح» و«الرسالة» و«المسلمون» و«حضارة الإسلام»، وألّف في أدب الطفل والكتب المدرسية وعالم القصة، وحقق بعض كتب التراث، وكان له دور في صياغة قانوني الأحوال الشخصية والإفتاء في سورية، وكان من أبرز زملائه دراسياً ميشيل عفلق، وحصل على جائزة الملك فيصل العالمية في مجال خدمة الإسلام عام 1990.

ورزق الشيخ علي خمساً من البنات، منهن بنان التي اغتيلت في مدينة آخن الألمانية، فأصبحت المرأة كل ما يملك في الدنيا، ولذا كان يحترمها ويدافع عنها، وكان يردد دائماً: «ان الدرجة للرجل على المرأة درجة واحدة، وليست سلماً»، وكان يتمتع بالفكاهة والبساطة أمام الشاشة، من خلال الابتسام والتعليق وسرد الطرائف والقصص، وتبسيط الأحكام والأقوال، الأمر الذي مكنه من دخول العقول والقلوب بلا استئذان، فكان لا يقل أهمية عن التمر والماء والإفطار للصائم في رمضان، لا سيما في السعودية.

رثى نفسه ذات مرة، عندما تعرض لمحاولة غرق في سيف البحر في بيروت، فكتب: «مات علي الطنطاوي، وليس عجباً أن يموت، والموت غاية كل حي»، لكنه لم يمت في بيروت، بل دفن في ثرى مقابر العدل في مكة المكرمة يوم الجمعة، الثامن عشر من يونيو (حزيران) 1999 .

جريدة الشرق الاوسط