ماذا تعرف عن هؤلاء ؟ (39) ... عبدالعزيز مشري - رحمه الله -

أبو بسام
07-05-2001, 05:35 AM
ولد رحمه الله في قرية محضرة بالباحة عام 1374ه وعمل محررا ثقافيا في ملحق المربد الذي كانت تصدره جريدة اليوم كما شارك في بعض المنتديات والمهرجانات الأدبية داخل المملكة وخارجها واصدر مجموعة أعمال سردية وهي: موت على الماء، اسفار السروي، قال المغني، الزهور تبحث عن آنية، الفيوم ومنابت الشجر، الوسمية، الحصون، أحوال الديار، ريح الكادي، بوح السنابل، صالحة، جاردينيا تتثاءب في النافذة، مكاشفات السيف، الوردة .
كما ساهم في كتابة المقالة الصحفية عبر زاويته (تلويحة) في أكثر من صحيفة سعودية، كان آخرها الجزيرة وعبر ملحقها الثقافي الذي آثر الراحل الكتابة فيه منذ حوالي أربع سنوات وكان النادي الادبي الثقافي بجدة قد اقام حفلا تكريميا للمشري العام الماضي, تخللته العديد من المناقشات والمداخلات الأدبية حول تجربة الكاتب الروائية والقصصية,, وريادته في هذا الشأن, كما اصدرت جريدة الجزيرة ملحقا ثقافيا خاصا بإبداع وأدب المشري وقدمت مؤسسة الجزيرة الصحفية درعها تكريما لجهد الاستاذ المشري في الأدب السعودي.
كما اقام فرع الجمعية العربية السعودية للثقافة والفنون في الباحة مسقط رأس الكاتب الراحل حفلا تكريميا آخر,, احتفاء بتجربته الرائدة,, ومساره الابداعي المتميز,, وكفاحه الانساني العظيم,,
كما قام الشاعر علي الدميني بجمع ما كتب عن المشري من دراسات نقدية ومتابعات وشهادات واصدرها في كتاب حمل اسم ابن السروي,, وذاكرة القرى وظهر متزامنا مع حفل تكريمه في الباحة.
ويعد الراحل اضافة الى تميزه في الكتابة الروائية - التي أشاد بها الناقد المصري الدكتور علي الراعي,,, واصفا روايته الفيوم ومنابت الشجر بأنها تضع كاتبها في مصاف كتاب الرواية في العالم العربي - في طليعة كتاب القصة القصيرة في المملكة والعالم العربي,, متميزا بعالمه المستوحى من البيئة,, وقدرته على استحضار التفاصيل,, ولغته الشعرية المعبرة,.
ولا يكاد المثقفون السعوديون يجمعون على تميز كاتب في التجربة المعاصرة قدر اجماعهم على تميز الخط الابداعي للمشري.
كان أبرز من كتب عن طبيعة الحياة في القرية الجنوبية بل أبرزهم حيث نقل عبر تجربته الروائية والقصصية منظومة العادات والتقاليد والقيم والمكونات الحضارية لهذه القرية في أعماله.
كما استوحى طبيعة انسانها,, ومزاجه وحسه الانساني.
كما كانت تجربة المرض جلية في إبداع المشري,, حيث استمدها كمقومات إبداعية نقل عبرها,, أدق تفاصيل الاحساس الانساني ساعة المرض,, بتلك الشفافية المتناهية,, والوصف الواقعي المنتقى,, الحساسية الاستثنائية.
وكانت تجربته في التحرير الثقافي عبر جريدة اليوم,, للحد الذي انتج مجموعة كتاب ومثقفين كان الراحل قد استوعب وجودهم ونشاطهم الثقافي,, وقدمهم للساحة,, عبر ذلك الملحق.
وقد ارتبط الراحل بعلاقات احترام وتقدير بالغ من المثقفين السعوديين بمختلف فئاتهم وتوجهاتهم,, وكان محور العلاقة من قبله الادب والاحترام المتناهي,, وتقبل وجهة نظر المخالف,, والحيوية في قبول الرأي الآخر,, والتفاعل المعرفي الخلاق مع الآراء بمختلف توجهاتها.
وتبلغ ارادته الاسطورية في مواجهة المرض حدا كان مثار اعجاب واكبار الآخرين,, اذ ظل يكتب حتى اللحظات الاخيرة من حياته.
يقول الدكتور معجب الزهراني معلقا على هذا الجانب: مرت بي فترة وانا عاجز تماما عن ان ارى عبدالعزيز او ان اقرأ أو اسمع شيئا عنه كنت اضعف بكثير من ألمي، واقوى بكثير من أية مثابرة لاخفائه او التصريح به, كنت أثمن كل ما يكتب عنه واليه وهو في ذروة جديدة من ذرا معاناته المتصلة اتصال ابداعه وحضوره,, لكنني لم استطع المشاركة في هذا النوع من الكتابة لان لعبدالعزيز عندي صورة تختلف كليا عن عبدالعزيز الذي يكتب عنه الآخرون,, لم استطع ابدا الفصل بين الكائن,, والكاتب فيه، ولا بين النص والشخص المشري, كلاهما من الألفة التي بحيث لا يمكن استحضار احدهما دون الآخر، ومن المحال استحضارها خارج فضاء الحياة الخفيفة المرحة البسيطة العميقة التي تحتفل بها كتابته .
كما كان صديقه ورفيق دربه علي الدميني من أبرز من احتفى بتجربته وعني بانتاجه (كائنا وكاتبا) وكان من ابرز نصوصه الشعرية التي كتبها له قصيدة لذاكرة القرى .
,, مثلما سيطل الغريب على محضره
سيطل ابن مشري على نفسه في البيوت التي
نبتت من عروق الجبال
وسيسألها عن فتى ذاهب لحقول البدايات
حيث تسيل ورود الطفولة,.
فوق عيون الحصى
مثلما تتنامى على شجره
وسيبسط كفيه قرب المساء
لتأوي اليه العصافير
من غابة اللوز، والطلح ، والعنب الفارسي
والرعيني كما تهطل المغفرة,,
كما كان إبداع المشري موضعا للعديد من الدراسات النقدية وتناول انجازه القصصي والروائي باعتباره ملمحا مستقلا في مسار الابداع السردي في المملكة وقد تناول أدبه بالدراسة الناقد الدكتور محمد صالح الشنطي، والدكتور معجب الزهراني، والدكتور حسن النعمي، والدكتور يوسف نوفل، والاستاذ عابد خزندار، والاستاذ احمد بوقري، والاستاذ حسين بافقيه، والاستاذ معجب العدواني، والاستاذ عبدالحفيظ الشمري، والاستاذ احمد سماحة، والاستاذة فوزية ابوخالد، والاستاذ حسن السبع، والاستاذ فايز أبا.
ولا يكاد يذكر واقع السرد في المملكة حتى يكون اسم المشري أبرز رموزه.
ولم يتوقف إبداعه عند القصة والرواية بل امتلك تجربة تشكيلية ثرية,, حيث مارس الراحل الرسم بالالوان,, مثلما ابدع بالرسم بالكلمات.
وقد قام بتنفيذ الرسومات الداخلية للمجموعة الشعرية الاولى للشاعرة فوزية ابوخالد الى متى يختطفونك ليلة العرس ,, كما رسم لوحات بعض اغلفة أعماله النثرية مثل: ريح الكادي، والحصون، وموت على الماء، والزهور تبحث عن آنية .
ويعتبر شقيقه الاستاذ احمد بن صالح مشري والشاعر علي الدميني من اقرب اصدقائه الى نفسه.
وقد نشرت الجزيرة اطول حوار صحفي ثقافي حول تجربة المشري الإبداعية والحياتية أجراه الاستاذ علي الدميني,, إبان تكريمه في جمعية الثقافة والفنون بالباحة,, ثم نشر في كتاب ابن السروي وذاكرة القرى .
من أعماله:
¨ موت على الماء – قصص
¨ الزهور تبحث عن آنية - قصص
¨ الحصون – رواية
¨ ريح الكادي – رواية
¨ مكاشفات السيف والوردة
¨ الوسمية – رواية
¨ الغيوم ومنابت الشجر – رواية
¨ أسفار السروي – قصص
¨ بوح السنابل – قصص
¨ قال المغني
¨ صالحة
¨ أحوال الديار - قصص
¨ جاردينيا تتثاءب في النافذة
من أعماله:
¨ موت على الماء – قصص
¨ الزهور تبحث عن آنية - قصص
¨ الحصون – رواية
¨ ريح الكادي – رواية
¨ مكاشفات السيف والوردة
¨ الوسمية – رواية
¨ الغيوم ومنابت الشجر – رواية
¨ أسفار السروي – قصص
¨ بوح السنابل – قصص
¨ قال المغني
¨ صالحة
¨ أحوال الديار - قصص
¨ جاردينيا تتثاءب في النافذة

أبو بسام
07-05-2001, 05:51 AM
مقالات نشرت في جريدة الجزيرة ضمن زاويته التي كان يكتبها اسبوعيا(تلويحه) وكانت هذه المقالات(الاربع) تحمل عنوان (ذاكرة القرى)اوردها لكم كنموذج من كتاباته ...
==============================
-1-
* قانون التطور الذي يدخل في صنف التطور التاريخي للانسان,, يتعلق اولا، بمستوى نمو الوعي، والوعي لا يعني المعرفة فقط دون المفهوم في توظيفه تجاه المبادىء الانسانية التي تؤدي الى فاعلية الحضارات، الحضارات اليوم لا يمكن عزلها بأي حال عن السلوك والتعامل، في نبذ الصفة التميزية الخاطئة تجاه القبيلة او العنصر بمرجعية الصراع القديم والمتوارث.
التميز القائم على هشاشة غير منطقية بل وبعيدة جدا عن القيمة الإنسانية بعيدة خلقاً وعقيدة، تلك القشية التي تشبه صوت الطبل الذي لا يحمل داخله غير الهواء، وشتان ما بينها وبين الميزة الخصوصية في مذهب الكتابة والصياغة الاجتماعية الموحدة عبر الانتاجية وخصائصها.
***
كنت في (الباحة) والباحة مركز قديم لاسواق القرى، ومكان حكمها واحتكامها ومرافق مصالحها، قريتي ليست بعيدة عنها.
قديما كنا نهبط الى سوقها المركزي كل يوم خميس,, ايام القرى,, على اقدامنا وبمساعدة الحمير،فنقضي في الطريق عبر الجبال ومجرى الماء وصهوات مرتفعة من الربى ساعة أو بعض ساعة، اليوم بالطريق المسفلت نقضي ما يمتد من خمس الى عشر دقائق.
وعندما بلغتها قادما من مدينة جدة بالسيارة (وهو وقت يقاس بالساعة من الخمس الى الست),, لم اتجه الى (محضرة) على ذلك الجبل البعيد كما يرى من (الباحة) آثرت الا ادخلها، فقد تراكم في الذهن ان وقت المعيشة في الصبا بالقرية قد ذبح من وريده الى وريد الطفولة، ولم يبق من البيوت والوديان والشجر بل ومن الناس الا (الكلمات) كما جاء في قصيدة (علي الدميني).
***
بقيت بعض الحصون المتباعدة وعلى اطراف حدود القرية القديمة، بقيت المسميات، لن تجد في القرية ماشية واحدة ولا حتى صياحاً لأذان ديك، ولا صوتاً لمهراس القهوة (النجر) ثمة مسجد على طراز حديث بمئذنة عالية في مكانه القديم,, يقال ان بعض الجماعة يصلون بداخله والبعض في الجمعات يذهب للصلاة حيث يكتب له الله.
عندما جاء وقت بدء الامسية بمبنى ادارة التعليم للابناء,, كنت أظن أن عددا أليفا من اهل القرية سيحضرون,, لكنني لم اشاهد الا واحدا فقط ارسله والده الصديق القديم! لا عجب,.
فقد صادفت مع هذا الوجع العجيب لقرية (محضرة) والتي تحولت الى كلمات,, صادفت امرا طيبا,, فرحت لاجله ايما فرح، ذلك هو تقدم الوعي في المنطقة بحيث لم يعد هناك قبلية ولا اقليمية,, فالكاتب من هنا,, لكن هذا لا يعني انه يكتب ليمجد المكان,, بل يمجد الانسان,, الوطن في كل مناطق المملكة بل العالم.
***
بقيت الذاكرة تزحف ببطء شديد، وبقيت الاشياء كلمات ومسميات، وبقي للانسان في تلك البقاع شمس اخرى وقمر آخر وغيوم أخرى,, لا يحتاجها من اجل بذور كان يدفنها تحت سن المحراث وانما يحتاج اليها فقط من اجل شجيرات واعشاب بقين على الحافة ليكسبن البصر بعض منعته ان حصل وإلا (فرج الله قريب).
---------------------
-2-
لا أدري ما الذي حول ذاكرة القرى في زاوية الأسبوع الفائت إلى ذاكرة العرب !.
ولعل الشفاعة الأولى والأخيرة تستعار من القارىء الذي سيجد فارقا منيعاً بين المضمون والعنوان، وطالما أن الذاكرة في هذا الشأن لم تأت عند حد قاطع تجاه المكان خارج وجود الإنسان الذي أصبح لنا مع الذاكرة فيه بناء معلوم، وبالتالي فإن فكرة الوطن في النمط التعريفي الذي لا يتجاوز مساحة الأرض بجغرافية حدودية ومناخية, يظل معنى أجوف، فعندما نعتبر الوطن هو المساحة المحدودة بكذا من الحدود والمساحة فقط,, فقد الغينا الإنسان,, لذا كان من الواقع الضروري لمعنى كلمة الوطن الموطن الذي يحمل خصائص إنسانه وتراثه وكيانه ومستقبله، والذي أصبح مع الزمن جزءا كائننا مرتبطا بتضاريس مكانه الإنتاجية والجغرافية والمناخية.
أقول:
أدركت ذلك عندما تساءلت وأنا لا أرغب في أن تكون محطة نزولي في مهذرة قريتي التي بها ولدت ودرست ونشأت,, فضلت أن أسكن بقرية أخرى تمديت مع الباحة وهي قرية رغدان ويبدو ان اسم القصر الأردني برغدان قريب بهذا، وكذلك الزرقاء بالأردن باسم قرية الزرقاء أقول ربما إذا ربطناها بهجرة الحجازيين إلى الأردن وشرقها قبل قيام المغفور له الملك عبدالعزيز بتوحيد المملكة.
***
لماذا لم أنطلق بلهفة إلى قريتي؟
لأنني علمت خلال زيارة سابقة قبل سنوات وعبر مداركي أن القرية لم تعد تلك القرية شكلا، وهذا طبيعي بحكم التغير أو التطور، أو الوجه الجديد المستبدل، والذي أصبح فيه الأهالي بمضمونهم جماعة متفرقة جدا ومتباعدة في السكن ولا تجمعهم ألفة أو مصلحة وأساسا لا تلمهم أو تلملمهم أداة انتاجية مشتركة واحدة,, إذاً كان لابد من وجود إنشراخ نفسي ذائقي تربوي إنساني ومفهومي فكري أيضا تجاه هذا الأمر.
أذكر أن الكاتب الفرنسي غاستون باشلاركان له رأي جميل في كتابه جماليات المكان إذ وضع لهذا الأمر قراءة فلسفية جمالية مهمة استنبط علاقة الكاتب بأدواته وملابسه وأوراقه وأدراجه ومسكنه,, علاقة متآلفة حميمة، تبقى تغذي ذاكرته بغذاء استرجاعي يظهر أثناء كتابته الإبداعية.
أظن بعد هذا أن ما يسمى في كتاباتنا بالانسنة أي تحويل الجمادات من خلال العلاقة إلى إحيائها حسب الحس الإنساني المفرد اتجاهها.
نعم,.
لقد وجدتني منزوعا بوجع أهل الأرض من هذه الصفة تجاه البيت الذي نشأت فيه والقرية التي عشت تفاصيل بيوتها ومواشيها وزراعتها,, بل تجاه إناسها الذين أصبحوا كما قلت سابقا كلمات وأسماء داخل المباني القديمة التي لا يسكنها أحد، أو داخل القبور أما جيل اليوم فكل همهم (أن يتخرج أحدهم مدرساً، يشتري عراوي، ويتزوج من"مدرّسة .
----------------------------
-3-
الحقيقة التي لا يمكن لتغيرات الزمان ان تغيرها,, هي اني وقفت طويلا امام بعض الجبال التي استحالت الى اجزاء تفصلها الطرقات وبعضها اصبح مسكونا من حلمة رأسه الى آخر تراخيه في الوادي ,, مسكونا بالناس الذين لاتراهم او تسمعهم,, بل انهم يستهلكون انفسهم نساء واطفالا وشيوخا في البيوت الاسمنتية التي غطت الجبل,, لقد قضت الصياغة الظرفية العجيبة عليهم بانفاق اعمارهم داخل صناديق الاسمنت هذه، ثمة شيء واحد يمكننا ان نعتبره دليلا على وجود احياء في هذه المساكن اليوم في القرى الجنوبية,, ذلك هو طريق السيارة الذي يحملها عددا من المرات في اليوم بين المسكن ذاته وبين الاماكن البعيدة عنه,, كالذهاب لاحضار مطالب الاستهلاك بما فيها اولا الاستهلاك البطني.
***
وقفت طويلا امام الجبال التي ورد ضرب المثل العربي بها,, بانها (,,لا تتقابل) وانها (لا تتحرك) وانها ليست ثمة في الحياة امام الانسان ما هو اصعب وارفع واقوى منها، ولا اريدك ان تنظر الى هذا,, فهو لا يذهلني او يذهلك امام جبروت وتطور الالة في زماننا,, بحيث جعلت الجبال مسواة بالارض او غيره وانما تعال معي الى مسألة غاية في الاهمية وهي:
كيف يمكن ان تعتبر الجدلية التاريخية التي نشأت معها الاجيال الشعبية في القرى وهل يمكننا ان نمحها بممحاة قلم الرصاص ونهيل عليها تراب وغبار الذاكرة لاننا اليوم لم نعد بحاجة الى سفسطة الامور وادخالها في مواثيق التاريخ اذ ان الملامح الشعبية - القروية - تحديدا- لم يعد لها ولا حتى بقايا في الواقع,, اين ذهب تاريخ الناس وهل تطوره كان متمرحلا مستوعبا,, ام انه كان واثبا بل طائرا بحيث لم يمر على اية مرحلة تمكنه من معرفة هويته الانسانية ذات الجذور العميقة جدا؟!
***
وقفت لأتساءل:
هل وعينا باجترار التاريخ الذي مر خفيفا وثقيلا وحزينا وسعيدا وقويا وضعيفا وجافا ورطبا مع حوار الانسان - مع الطبيعة - لاستنتاج طرقه المعيشية,, هذه الثقافة البعيدة المتراكمة التي تكونت عبر آلاف السنين فخلقت الكلام المعبر شعرا وحكمة ومثلا، وملبسا وشعائر ونوع غذاء ونحت اداة للانتاج وتعامل مع المواسم وادارة في العادة واستنباط قانون و,, و,,,, الخ؟
هل جمعت في صندوق داخل كيس بلاستيكي لترمى مع الفضلات,, ام انها محفوظة في ثلاجة - ثلاجة امريكية الصنع لا تتسرب منها البرودة,, ام انها ذهبت الى المقابر مع الآباء والاجداد,, واوكلناها امانة الله القوي على كل الدهور؟!
مالذي بقي من كل الماضي,, وهل الماضي في حركته خارج فعل وثقافة الانسان؟
أذكر شعرا ل(محمد العلي) اراه هنا مناسباً حين تساءل بألم:
ما الذي سوف يبقى
اذا رحت اجرد عنك الزمان
انزع عنك الاساطير
ارمي بالمحار الذي في الذاكرة
الى الوحل)؟!
ربما تبقى صور مغطاة بالغبار,, ربما تبقى - هنا - ذاكرة القرى.
---------------------------
-4-
كنت قد تناولت في تلويحات ثلاث بعضاً مما جاء منفعلاً حول ذاكرة القرى وها أنذا لم ازل انسج بانفعال شبه حارق عن تفاصيل عريضة وليست دقيقة فكم تشبه تلك الغيمات التي تحاذ مطرها بين صدرك وعقلك او بين ذاكرتك وفكرك,, كم تشبه غيوم رسالة متجمعة في دمائك,, تحتاج ان تقولها وبلغتك تقولها على الورق.
اظنني قارئي الكريم سأعض اصابعي او اقضم قلمي غضباً لو شككت في انك تقرأ العمل الابداعي الانساني بصورة اقليمية او بهيئته تقيس احاسيس الكاتب بالبوصلة ذات الاتجاه المغناطيسي واذا كان الكاتب - كما يظن البعض - مخلوقاً من خامة متميزة عن طبيعة المخلوق الآدمي,, فهذا يعني انه لن يكتب أو يحاكي واقعه أي واقعه الاجتماعي العام بهمه وطموحه ومناشدته للعدل والمحبة والأمل والابتكار فما القضية,, ما الاشكال في ان تكون ذاكرة القرى او المدن او غيره!.
* * *
لا يعنيني ان تتحول نوافذ المباني الحجرية في القرية من الخشب الى اطارات من الالومنيوم او الذهب,, لا يعنيني ان الخبز الذي كان يصنع في البيوت ليلاً ويدفن بين الرماد وبقايا الجمر حتى ينضج الصباح يصبح اليوم مستبدلاً بخبز آلي في أكياس البلاستيك جاهزاً فورياً من المخابز التجارية,, لا يعنيني هذا ولا يشغلني ولا اعتبر هذا او غيره من التحولات الاستهلاكية حضارة او تقدماً والانسان يفقد آدميته باستلاب هادىء وزخرفي مدني لا صلة له بما نعرفه عن الحضارة فهل الحضارة كامنة في استبدال الانسان لأداته ام لمعرفته للاداة الحديثة ووعيه الطبيعي المرحلي لتوظيف الاداة وضرورة تبديلها.
* * *
اذا كانت الجبال تتخم بالألم الذي يتشرب بالاوجاع في وديان صدرك,, فانت لا تستطيع ان تتحول الى اغنية راقصة ل مايكل جاكسون او مستمتع ب الهمبرجر وللأسف فإنهم يبيعون همبرجراً شعبياً وانت على هضبة بطرف الوادي القروي الذي تعرف كم كان مؤنسناً وكريماً وعزيزاً من قبلك لأجيال تعاقبت تجده اليوم يرفض حتى ان يعطيك صدى على ضفتيه الجبليتين كما تعودت,, الوادي ليس الوادي والجبال ليست بذات الجبال,, لأن الطبيعة قيمتها في انسانها الذي تعايش معها ونحت فيها بعرق معيشته واداته.
ان التاريخ لا يعيد نفسه ابداً فهو ليس بأوراق يسجل عليها الايام والشهور والسنين انه فعل الانسان ومفهومه وامكاناته المعرفية في طريقة التعامل مع التحول,, فهل ما ذكرته بكاء على الاطلال؟.
لا تقل هذا فسوف اعلم حينها مع سبق الاصرار والترصد انك اول محرض لي للعض على اصابعي فقلمي ليس قطارة دموع على الماضي,, انها الذاكرة وما اسوأ ان نبقى بلا ذاكرة لاننا نجري ولا ندري الى اين، ولاننا اليوم نتجرد عن ماضينا واصول انتماءاتنا لنستبدلها بما هو مصدر لنا طعاماً ولبساً وتقنية,, بكل ما هو حديث وورقي,, في وقت لا تزال فيه على قمة التناقض بين فهم الحداثة في الفن والتعبير وبين الاستهلاك اليومي الحياتي,, الحياتي وحياتي كلها خبز وطبيخة !.

أبو بسام
07-05-2001, 10:40 PM
<FONT COLOR="Red">عبدالعزيز مشري: صورة الحياة في جسد ميت</FONT c>
<FONT COLOR="green">بقلم: د. علي سعد الموسى</FONT c>

هذه سطور تشبه المكاشفات عنيت بها مسائل لم أجد إلا إبانتها في الماضي سبيلا وحاولت ألا يكون لـ"السيرة الشخصية" كما يصطلحون - إقحام - إلا بقدر احتياجي الكتابي إلى شواهدها". بهذه العبارة يبدأ الراحل عبدالعزيز مشري كتابه "مكاشفات السيف والوردة" حين يتجرد من سيرة "الأنا" الشخصية ويسطر أحرفا "لا ترغب أن تتعرف بها عن كاتبها" ليسجل مفهوما جديدا في تأطير السيرة يذهب بعيدا عن التلميع الذاتي وكشف الأضواء إلى الشخصية المتضخمة ليسلطها بدلا عن ذلك إلى المنتج الإبداعي وإلى الظروف التي حكمت بناء ذلك المنتج ولهذا عاش عبدالعزيز مشري كشخصية أو كإنسان بعيدا عن الذاكرة ومات مائلا كعشبة تحت الظل. لكن الشجرة المظلة لم تكن إلا أعماله التي استأثرت بالمساحات والأضواء على حساب الكاتب نفسه.
مكاشفات السيف والوردة لم تكن إلا سيرة ذاتية للكتابة نفسها، لمؤثرات الكتابة لظروف الكتابة ومحيطها الاجتماعي. عبدالعزيز مشري مع الكتابة، قصة خاصة تكشف بعض فصولها أحواله الكتابية الخاصة. يقول عبدالعزيز مشري: "لست سعيدا ولا تهدهدني مسرة خارجية. دمي غسلته اليوم في المستشفى صباحا، وقلمي عبأته قبل قليل بالحبر الأسود وهناك في واجهة وجهي الباب مغلق، لا شيء يمكن ذكره: فهل أستطيع أن أكتب؟" ومع ذلك يخرج من بين الحبر الأسود ومكائن غسيل الدم ما يمكن اعتباره أعظم عمل روائي سعودي في تاريخ الكتابة المحلية بل أكاد أجزم أنها أول إصدار لثقافتنا المحلية إلا الإطار الخارجي بتشعباته وجغرافيته.
ولماذا أبحر هذا المقعد "الضرير" إلى عالم الكتابة؟ إنه حب العالم الذي أمده بالكتابة حبا طفوليا أليفا حين يقول "فقد وجدتني بعيدا أو منفيا عن ذلك المحيط القروي آلاف الأميال.. "القاهرة"، في شتاء ممض، لقد كنت محاطا بالبرودة الطبيعية والنفسية والحنينية فكان الحنين القروي المشتعل في الذاكرة.. هو حمايتي الوحيدة في الإقامة الطويلة الجبرية".
كانت الطفولة أول بقايا الاشتعال القروي التي أججت القرية فيه روح الكتابة، إنها صورة الذاكرة القديمة التي تحملها بعض الخطوط في مسجد قريته الصغير الذي لا زال يحمل الآيات القرآنية المشوقة على جدرانه ونوافذه وهو في ذلك يقول: "حين تكتب فإنك تجر خلفك قافلة طويلة محملة بكل ماضيك، كل حياتك الماضية". الكتابة لدى عبدالعزيز مشري لا تأتي إلا من خلال المنفذ الأول الذي تطل عبره العين وتبدأ منه "قصص الحياة" وهي الرواية الأبرز غير المكتوبة في أعمال المشروع الإبداعي لعبد العزيز مشري. رمق الاشتعال الثاني في أقلام المشري لم تكن إلا القرية، وهو يوجه سؤالا طالما سئل عنه من قبل: إلى أي مدى أثرت القرية في كتاباتك؟ وعنه يقول: "منذ أن تعلمت الكتابة، وهي تعلن بعالم القرية... ذلك العالم الذي عجنني وخبزني في كل دهاليز الحياة.. في أدوات الزراعة والمأكل والملبس وشعائر العبادة وصرفيات المعيشة بكامل تفاصيلها". تسلسلات المرض والعزلة كانت الدافع الأكبر في أعمال عبدالعزيز مشري وهنا يبرز وجه التناقض بين واقع المشري الحياتي ورغبته في الحياة التي سلبت منه قهرا. وعندما حاول المقاومة لم يجد إلا المسميات كدليل على الحياة تصدر عن جسد ميت. إقرأوا الحياة في "الوسمية" أو في "منابت الشجر" ثم إقرأوا تفسيره للعزلة حين يقول إنها قد تأخذ شكل الرفض للخارج، لكنه يبقى رفضا إيجابيا ذلك أن مردوده بالقياس الإبداعي.. هو الإنتاج، فكثير من الأعمال الخالدة، أنتجت في الأقباء بعيدا عن المخالطات والأضواء، بعيدا عن دائرة البشر التي عاش معها عبدالعزيز مشري كاتبا وفنانا وكأنه يرسم لوحة تخيلية لعالم لم يعشه بعد.

mmaghm
10-11-2005, 06:30 PM
مشكور والله يعطيك العافية اخي ابو بسام
مع التحية