أبو بسام
05-05-2001, 09:34 PM
حوار / فاطمة الرومي
المجلة العربيـــــة
===================
ثريا العريض شاعرة تمارس همّ الكلمة، فهي أبداً تحمل هموم وطنها الكبير وتؤرقها هموم ومشكلات بنات جنسها.
هي قلب وقلم تثخنه جراحاتنا النازفة فتتدفق حروفها لتروي شيئاً من عطشنا إلى ذلك النوع من الصدق حتى وإن كان صدقاً موجعاً ينقض الجراح، لكنه حتماً سيسهم في عملية الشفاء المأمولة وإن لم يستطع، فإنه على أقل تقدير سيكسب شرف المحاولة وسنحتفظ له بجميل تضميد وتطهير الجراح.
لها العديد من الإسهامات القيمة على الصعيدين المحلي والخارجي.. تنوعت ما بين أمسيات شعرية ولقاءات ثقافية.. حظيت أعمالها بالعديد من الدراسات الجادة وترجم بعض منها إلى اللغة الإنجليزية.. فإلى هذا الحوار الماتع.
\\ من ثريا العريض؟ ومن أي النوافذ تطل على قارئنا العزيز؟
\ هي امرأة عربية الهوى والشعور واللسان، وتطل على القارىء من شرفة الصدق، والاعتزاز بانتمائهما المشترك.. والإيمان بوعي هذا القارىء، وحقه في الوصول إلى جوهر الأشياء.
\\ أنت شاعرة تمارسين فعل الكتابة.. هل الكتابة لديك هم أم ترف؟
\\ لا هذا ولا ذاك.. لا أراها حملاً لقلم أنوء به ولا توقيعاً لاسم على ورقة للنشر.
أراها متعة تأتي من قدرة خاصة، هي قدرة اصطياد الأسئلة الوجودية الملتمعة كأسماك ملونة في تيارات وجودنا. الأسئلة المحتفظة بانفتاح فضاء الطفولة المتعطشة للمعرفة والمغوية بالتفكير والتعبير.. قدرة تتحقق حين تصل أفكاري ومشاعري إلى الآخرين. قد أقول إنها نعمة اصطفاني الله بها ضمن من شاء حين أورثني حب اللغة وسهّل لي التعامل مع الكلمة وأبعادها ثم أتاح لي الفرصة أن أواصل الدراسة فأتثقف في أمور كثيرة يجذب السامع والقارىء للإصغاء والتأمل ومحاورة الأسئلة تلك. ولذا أكتب دون عناء لأقول عن حقائق الوجود ما يرضي الله.. ويمتع القارىء ويسعدني.
\\ ما الذي يعنيه لك نتاج البدايات وكيف تقيمينه؟
\ بداياتي ـ وإن جاءت جد مبكرة ـ هي في النهاية مثل بدايات الآخرين مجرد طلائع إرهاصات تبشر بالقادم. ولكن خطر الطلائع هذه أنها تغوي بإسقاط الثمار قبل النضج. وأنصح المبتدئين بما نصحني به والدي والتزمت به، التريث قبل النشر، لأن المزيد من النضج يحمل العطاء الأفضل. وليس المهم أن ينشر المنجز في وقته وتتعالى الأصداء حوله حقيقية ومفتعلة. فالأصداء قد تحرق المبدع وتوقف قدرته على الحوار مع الذات منصرفاً إلى مطاردة الأصداء بأي ثمن!
كان يمكن أن أفوز بلقب الطفلة المعجزة التي كتبت الشعر والقصة قبل العاشرة، ولكن هل كنت سأظل أكتب بالتجرد والصدق نفسه؟ المهم هو أن يجتاز الكاتب امتحان الزمن فلا ينتهي ما كتب مجرد إضافة إلى تراكم المطبوع والمهمل والمنسي في تاريخ البشرية الحافل.
\\ المرأة في شعر ثريا لا تنفك تحاول الانعتاق.. فعما.. ولماذا هي دون اسم؟
\ كل إنسان طبيعي المشاعر يكره القيد ويحاول الانعتاق مما يقيده.. و«المرأة» التي أعايشها في الغالبية حولي تقيدها الرؤية الذكورية التي تتطلب منها أن تظل دون اسم وأن تظل قيد مشيئة غيرها والتحكم في كل تفاصيلها حتى جوانب مشاعرها الحميمة. هي دون اسم لأن امتلاك الإنسان لاسم يمنحه الاعتراف بتحقق وجوده منفصلاً عن غيره وممتلكاً لحق الوجود.
الكتابة هي تعبير عن الحياة ورسم لتفاصيلها المادية والمعنوية وتوضيح لما نرغب في تغييره من تلك التفاصيل. والكتابة التي تترك أثراً هي التي تتسم بصدق التعبير عن الهم الذي يولدها.
أرسم أحياناً هموم الإنسان بغض النظر عن جنسه وعن طموحات البشرية والمثاليات الإنسانية المشتركة ولكنني غالباً أتكلم بلسان امرأة من منطلق إحساسات ومشاعر امرأة. وأعبر بالدرجة الأولى عمّا أعايشه من حياتي ورفيقات جيلي ومن سبقهن من تفاصيل صغيرة ومعالم كبيرة ومظاهر اجتماعية وهموم فردية واجتماعية.
الكتابة فعل تعبير عن الهوية وعن الانتماء الخاص.
ولعل أهم ما يميز هوية المرأة في حضارتنا القائمة والمرأة الشرقية بالذات في فترتنا الآنية هو مطالبتها بانعدام الهوية ومحو التفاصيل والخضوع للفرضيات الخارجية.
بإمكاننا إخضاع الخيال وتقمص انفعالات غيرنا ولكن أوجاعنا الخاصة هي التي تجبرنا على إطلاق الآهات العفوية أو الصراخ المدوي.. وهي التي توجهنا في طلب الحلول الجذرية.
\\ لا أحب تقسيم الأدب إلى قسمين.. وسؤالي هو كيف ترين عطاء المرأة في هذا المجال؟
\ لا خلاف أن الموهبة لا تصطفي جنساً دون آخر، وأن التميزات فردية وليست فئوية أو جماعية. ولا خلاف أن الأسلوب واللغة قد تتفوق أو تمتهن عند حامل القلم بغض النظر عن جنسه. ويظل هناك اختلاف جذري، وفروق فردية وفئوية.
العطاء الأدبي جميل طالما يرتبط بصدق التعبير وطهارة القصد.. صدق التعبير يتطلب أن تعبّر كل ذات كاتبة أو شاعرة عن كل خصوصيتها، وجزء من ذلك ـ حين هي ذات امرأة ـ كونها أنثى تختلف جسدياً، وكونها مواطنة في بقعة جغرافية بعينها وتعايش فرضيات مجتمعية بعينها سواء رضيت عن هذه الفرضيات وباركتها أو رفضتها تظل ضغوطاً تحرك انفعالاتها.
وفوق كل هذا أجد عطاء بعض النساء وبعض الرجال متميزاً.. وعطاء البعض الآخر منهن ومنهم يكافح عند درجة مقبول أو أدنى.
أليس الأهم مصيرياً أن نتخلص من عقدة الجنس والتحيز من الجنسين على السواء ضد إنجاز المرأة وقدراتها. لا أرى الأنوثة وصمة أو لعنة إلا بقدر ما حملناها من تحيّزنا. وأقول تحيزنا ضدها رجالاً ونساء على السواء. أليس الأجدى أن نحكم على ثراء النص وتميّزه وصدقه في التعبير عما يحاول أن يشي به من هموم الذات وأفراحها واحتفاءاتها، من أن نركز على أن ما أكتبه شبيه بما يكتبه غيري، وإنني أعتبر كوني امرأة وصمة يجب أن أمحوها من ترك أي أثر في كتابتي؟
أي امرأة تكتب ثم لا يشي ما تكتب بأنها امرأة، تكتب بنصف وجودها.. والنصف الآخر مغيب بسبق الإصرار سواء وعت ذلك أم لم تع ما تفعل.
\\ البحرين، بيروت، الولايات المتحدة، السعودية. ماذا تعني لك هذه المحطات؟
\ كانت أكثر من محطات عابرة.. عشت في كل منها سنوات تكفي لأن تترك أثراً في تشكيل وجداني.
البحرين مسقط رأسي البلد الطيب، الناس والأرض، لم أعرف فيه سوى الحب والحنان والحضن الدافىء من أمي، وعز والدي الذي ظللني اسمه وسمعته الطيبة وشهرته كأديب. تشجيعهما لي ومكتبته الشاسعة بآلاف الكتب كانت مدخلي إلى تحقيق الذات. وفي البحرين تعلمت أن الحياة والعطاء يتطلبان تقبل وتفهم الآخرين المختلفين في تفاصيلهم ومعتقداتهم.
بيروت كانت مرحلة الدراسة الجامعية التي أشرعت لي بوابات العالم الأوسع وطريق البحث عن المعرفة ووضحت لي معنى كوني عربية.
والولايات المتحدة كانت مرحلة الدراسات العليا والتخصص جئتها عروساً، وبين التخصص والزواج اكتشفت الأبعاد الأعمق تطلباً للعطاء والتكامل بيني وبين عالم الحقائق العلمية، وبيني وبين رفيق الدرب، وضرورة الصدق في التعامل معهما.
الظهران بعد التخرج والعودة كانت العتبة الأولى للوطن حيث تجذرت العائلة لنكتمل بالأطفال ونشارك في بناء الوطن كل في مجال تخصصه.
محطات تعني لي خطوات في مسيرة مازالت قائمة في انتماء دائم لوطن مستقر.
\\ ما موقفك من هذا التنامي الهائل في المشروع الروائي وهل سيستميلك هذا المشروع السردي الفاتن؟
\ للرواية فتنة خاصة بلاشك، كانت ومازالت تستهويني كقارئة نهمة، بدأت بروايات عنترة وألف ليلة وليلة، ثم روايات «الهلال» ومطبوعات «كتابي» من ملخصات ترجمات الأدب العالمي الشرقي والغربي القديم والحديث وفي مرحلة الدراسة الجامعية كان مطلوباً منا قراءة الرواية بلغتها الأم كجزء من الثقافة العامة المطلوبة من الجميع.
روايتنا العربية والخليجية قطعت شوطاً ملحوظاً في التنامي عددياً والتطور مبتعدة عن السرد المباشر والشخوص في تداخلات مسطحة. وهناك اليوم عطاءات تستوقف القارىء المتذوق. قرأت معظم ما كتب عربياً منذ المنفلوطي وطه حسين والسحار وعبدالحليم عبدالله ويوسف السباعي وعبدالرحمن المنيف ونجيب محفوظ وغادة السمان وأحلام مستغانمي، كما أقرأ ما يستجد خليجياً وسعودياً من عصام خوقير وأمل شطا حتى جديد القصيبي والدميني وقماشة العليان وليلى الجهني.
هل سأجرب كتابة الرواية؟ لست ممن يجربون بقصد التجريب أو محاولة التجديد المخطط مسبقاً. كل جديد عندي جاء عفوياً وفاجأني.
الآن ليس لدي توجه لكتابة الرواية. ولكن ربما إن وجدت نفسي مسكونة بإرهاصات رواية ما سأشرع فيها تلقائياً كما أفعل مع القصيدة.
\\ بعد هذه السنوات من الركض الجميل في ساحة الكلمة الشاعرة، أين وصلت ثريا العريّض؟
\ من يسأل طفلاً يركض أين وصل؟
الانفعال يظل جذوة طفولية فينا والشعر هو لغة الطفولة نلامس بها تأجج ذواتنا بالانفعال. وهو تفاعل ذاتي لا أكتبه لأصل إلى أي موقع بعينه لأنه هو الذي يفرض علي مواصلة الركض وفي أي اتجاه يشاء.. يشرع عيني على الحياة بكل أبعادها في دهشة طفولية ويضيء لي الأعماق لتوضح لي ألوان الذات في شفافية الهدوء إليها وحدنا.
ما نشرته من الشعر لا يتعدى جزءاً بسيطاً مما كتبت وأكتب. وللقصيدة في كل إطلالة نكهة أخرى. وليس المتلقي هدفي في النهاية.
أكتب لأن الانفعال بالحياة ومستجدات الشعور يغلبني فأفيض حواراً مع الذات. ويأتي الحوار بلغتها شعراً.
ومع هذا فلست أتبرأ من المتلقي.. هو الذي حالما تصله أصداء صوتي يتوقف ليدقق في اسمي وتفاصيلي أصبحت اليوم.. بعد كل ذاك الركض الذي يتجمهر العابرون ليتأملوه ـ شاعرة عربية معروفة محلياً وخارج الحدود العربية تفخر بأن القارىء يعرف اسمها.. وربما يأتي إليها بقصد ليقرأ ما تكتب.. وربما يبدأ في البحث عنها.
================================
نماذج من اشعارها ..
----------------
قصيدة أضعف عشقي
----------------
مازلت أنتَ
موعدَ صمت
وموسم صمت
وموطن صمت
ومازلتُ
صهداً كما كنتُ
لحظتك الحافلة
* *
أحبُّك,,؟
إذ تتدلَّى على القلب مرتبكاً
كشجيرات قفرٍ مريع
ولا لون له؟
** *
أحبُّك,,؟
أخشاك,,؟
اضعف من عشقي العربي
أحاور ذاتي إذا تستغيثُ
امتدادات همِّك في"
وتغفي على القلب حزناً مطيراً
حسيراً فتطفىءُ قوس قزح
وتنغرس الأسئلة
كأني أعذِّب نفسي بِنفسي
حذام القتيلة والقاتلة
** *
اغشى الحوارات عاريةً من لثاماتها؟
تخشى إضاءاتِ جمرةِ خوفِك
إطلاقَ سرّك
لن تعقلَه
** *
نخشى السكوتَ ونغشى الكلام
ونقترفُ البلبلة
** *
وتنتابُني صولةُ الأسئلة:
على أيِّ عاصفة من غبارٍ تظلين زنبقةً مهملة؟
على ايِّ مفترقٍ في الخواء ستبقين تنتظرين؟
علي أي راعفةٍ من غيومِ ستأتي نبوءتك الغافلة؟
ويستقبلُ القلبُ طير الفرح؟
اسائل ذاتي إذا ما تطيّرتُ
تسعفني اللحظةُ العاقلة
كطيرٍ يغرّد معتفراً عندما ينذبح
وتسمعني صامتاً مثل لغزٍ عتيقٍ
ولا حلَّ له:
أبو الهول ما عاد يحتكرُ الاسئلة
** *
يا أنت
يا وطنَ الصمت
يازهرة العمر والشوكة الحنظلة
أقول، وملء اندحاري حلم الربيع
الذي لم يجىء،,, ومازلت عمراً يضيع:
على القلب أنت تطلّ
وفي القلب يحويك ظلٌ بغير اختيار
امتزاجات نور ونار
نينٍ وثار
كنوع دمي وفصيلة عشقي
وموسم أوردتي الماحلة
* *
----------------
قصيدة همس الزنابق
----------------
زائرٌ مر,.
ألقى بأسئلة ومضى:
كيف أنتِ ودفء الخزامى؟
قلت ما زال صحو الربيع غواية أنفاسنا
يومنا متربٌ بالغبار
والصقيع جاثم سرمدي هنا.
***
قال: بل هو يذكر همس الزنابق
لم أسله كما خالني سوف أفعل:
من هو ذا؟
وأي زنابق يذكرها!
***
هاتف عابر قال لي: هل قرأت الذي قال عنك؟ قلت: لا,.
ما الذي قال عني؟
ردّ: لا أذكر الآن,, كان حوارا معه,.
واسمك فيه
جاء شيء عن اسمك,, لا أذكر الآن فحواه,, تدرين,, مثل الحوار
هكذا؟؟
ومضى ضاحكا في ضجيج النهار
وأنا غيمة موجعة!!
***
استفقت,, بنبضي نفس الحنين
العتيد العنيد الغبيّ
ونبضي سؤال ملحٌّ لجوج
ما الذي قال عني؟
وقافية تستعيد الصدى
ودوّامة الزوبعة:
اسمك اسمي,, اسمك اسمي
كذا خلت يوما,, كذا
عاث فيَّ الربيع
وفوضى الخزامى
وترنيمة الأقحوان الحفيّ
وعاصفة من غبار
***
تذكرتني؟
أخت ولادة الماتعة؟
أنت لم تنسني أبدا!!
واسمي يظل لديك احتفالا بهي
كما ليلك الحقل فيَّ
كما حلمك البدوي العتيّ
ووعد الخزامى العنيد
شرايين وجدك إذ تتعطش
شوقي الذي يتشرب أي صدى
عاطر عنك أو منك,.
يغسل هذا الغبار
الصقيع
ويزرع همس الربيع
***
إذا متُّ يوما
تذكر فقط
بأن هنالك بقعة عشق
بحقل قصي
بقعة من حنين الخزامي,.
تفيض بزرقتها حين يهمس
عابر ما بما ظل في باله من حوار.
وما قلتُ أنك ما زلت فيّ
جذور الخزامى الأبيّ
تردد اسمك اسمي,, اسمك اسمي
شاعرة الأمس؟
صامتة اليوم؟
شوق نقيّ,.
وأجزم: شعراً ستأتي غدا!!!
المجلة العربيـــــة
===================
ثريا العريض شاعرة تمارس همّ الكلمة، فهي أبداً تحمل هموم وطنها الكبير وتؤرقها هموم ومشكلات بنات جنسها.
هي قلب وقلم تثخنه جراحاتنا النازفة فتتدفق حروفها لتروي شيئاً من عطشنا إلى ذلك النوع من الصدق حتى وإن كان صدقاً موجعاً ينقض الجراح، لكنه حتماً سيسهم في عملية الشفاء المأمولة وإن لم يستطع، فإنه على أقل تقدير سيكسب شرف المحاولة وسنحتفظ له بجميل تضميد وتطهير الجراح.
لها العديد من الإسهامات القيمة على الصعيدين المحلي والخارجي.. تنوعت ما بين أمسيات شعرية ولقاءات ثقافية.. حظيت أعمالها بالعديد من الدراسات الجادة وترجم بعض منها إلى اللغة الإنجليزية.. فإلى هذا الحوار الماتع.
\\ من ثريا العريض؟ ومن أي النوافذ تطل على قارئنا العزيز؟
\ هي امرأة عربية الهوى والشعور واللسان، وتطل على القارىء من شرفة الصدق، والاعتزاز بانتمائهما المشترك.. والإيمان بوعي هذا القارىء، وحقه في الوصول إلى جوهر الأشياء.
\\ أنت شاعرة تمارسين فعل الكتابة.. هل الكتابة لديك هم أم ترف؟
\\ لا هذا ولا ذاك.. لا أراها حملاً لقلم أنوء به ولا توقيعاً لاسم على ورقة للنشر.
أراها متعة تأتي من قدرة خاصة، هي قدرة اصطياد الأسئلة الوجودية الملتمعة كأسماك ملونة في تيارات وجودنا. الأسئلة المحتفظة بانفتاح فضاء الطفولة المتعطشة للمعرفة والمغوية بالتفكير والتعبير.. قدرة تتحقق حين تصل أفكاري ومشاعري إلى الآخرين. قد أقول إنها نعمة اصطفاني الله بها ضمن من شاء حين أورثني حب اللغة وسهّل لي التعامل مع الكلمة وأبعادها ثم أتاح لي الفرصة أن أواصل الدراسة فأتثقف في أمور كثيرة يجذب السامع والقارىء للإصغاء والتأمل ومحاورة الأسئلة تلك. ولذا أكتب دون عناء لأقول عن حقائق الوجود ما يرضي الله.. ويمتع القارىء ويسعدني.
\\ ما الذي يعنيه لك نتاج البدايات وكيف تقيمينه؟
\ بداياتي ـ وإن جاءت جد مبكرة ـ هي في النهاية مثل بدايات الآخرين مجرد طلائع إرهاصات تبشر بالقادم. ولكن خطر الطلائع هذه أنها تغوي بإسقاط الثمار قبل النضج. وأنصح المبتدئين بما نصحني به والدي والتزمت به، التريث قبل النشر، لأن المزيد من النضج يحمل العطاء الأفضل. وليس المهم أن ينشر المنجز في وقته وتتعالى الأصداء حوله حقيقية ومفتعلة. فالأصداء قد تحرق المبدع وتوقف قدرته على الحوار مع الذات منصرفاً إلى مطاردة الأصداء بأي ثمن!
كان يمكن أن أفوز بلقب الطفلة المعجزة التي كتبت الشعر والقصة قبل العاشرة، ولكن هل كنت سأظل أكتب بالتجرد والصدق نفسه؟ المهم هو أن يجتاز الكاتب امتحان الزمن فلا ينتهي ما كتب مجرد إضافة إلى تراكم المطبوع والمهمل والمنسي في تاريخ البشرية الحافل.
\\ المرأة في شعر ثريا لا تنفك تحاول الانعتاق.. فعما.. ولماذا هي دون اسم؟
\ كل إنسان طبيعي المشاعر يكره القيد ويحاول الانعتاق مما يقيده.. و«المرأة» التي أعايشها في الغالبية حولي تقيدها الرؤية الذكورية التي تتطلب منها أن تظل دون اسم وأن تظل قيد مشيئة غيرها والتحكم في كل تفاصيلها حتى جوانب مشاعرها الحميمة. هي دون اسم لأن امتلاك الإنسان لاسم يمنحه الاعتراف بتحقق وجوده منفصلاً عن غيره وممتلكاً لحق الوجود.
الكتابة هي تعبير عن الحياة ورسم لتفاصيلها المادية والمعنوية وتوضيح لما نرغب في تغييره من تلك التفاصيل. والكتابة التي تترك أثراً هي التي تتسم بصدق التعبير عن الهم الذي يولدها.
أرسم أحياناً هموم الإنسان بغض النظر عن جنسه وعن طموحات البشرية والمثاليات الإنسانية المشتركة ولكنني غالباً أتكلم بلسان امرأة من منطلق إحساسات ومشاعر امرأة. وأعبر بالدرجة الأولى عمّا أعايشه من حياتي ورفيقات جيلي ومن سبقهن من تفاصيل صغيرة ومعالم كبيرة ومظاهر اجتماعية وهموم فردية واجتماعية.
الكتابة فعل تعبير عن الهوية وعن الانتماء الخاص.
ولعل أهم ما يميز هوية المرأة في حضارتنا القائمة والمرأة الشرقية بالذات في فترتنا الآنية هو مطالبتها بانعدام الهوية ومحو التفاصيل والخضوع للفرضيات الخارجية.
بإمكاننا إخضاع الخيال وتقمص انفعالات غيرنا ولكن أوجاعنا الخاصة هي التي تجبرنا على إطلاق الآهات العفوية أو الصراخ المدوي.. وهي التي توجهنا في طلب الحلول الجذرية.
\\ لا أحب تقسيم الأدب إلى قسمين.. وسؤالي هو كيف ترين عطاء المرأة في هذا المجال؟
\ لا خلاف أن الموهبة لا تصطفي جنساً دون آخر، وأن التميزات فردية وليست فئوية أو جماعية. ولا خلاف أن الأسلوب واللغة قد تتفوق أو تمتهن عند حامل القلم بغض النظر عن جنسه. ويظل هناك اختلاف جذري، وفروق فردية وفئوية.
العطاء الأدبي جميل طالما يرتبط بصدق التعبير وطهارة القصد.. صدق التعبير يتطلب أن تعبّر كل ذات كاتبة أو شاعرة عن كل خصوصيتها، وجزء من ذلك ـ حين هي ذات امرأة ـ كونها أنثى تختلف جسدياً، وكونها مواطنة في بقعة جغرافية بعينها وتعايش فرضيات مجتمعية بعينها سواء رضيت عن هذه الفرضيات وباركتها أو رفضتها تظل ضغوطاً تحرك انفعالاتها.
وفوق كل هذا أجد عطاء بعض النساء وبعض الرجال متميزاً.. وعطاء البعض الآخر منهن ومنهم يكافح عند درجة مقبول أو أدنى.
أليس الأهم مصيرياً أن نتخلص من عقدة الجنس والتحيز من الجنسين على السواء ضد إنجاز المرأة وقدراتها. لا أرى الأنوثة وصمة أو لعنة إلا بقدر ما حملناها من تحيّزنا. وأقول تحيزنا ضدها رجالاً ونساء على السواء. أليس الأجدى أن نحكم على ثراء النص وتميّزه وصدقه في التعبير عما يحاول أن يشي به من هموم الذات وأفراحها واحتفاءاتها، من أن نركز على أن ما أكتبه شبيه بما يكتبه غيري، وإنني أعتبر كوني امرأة وصمة يجب أن أمحوها من ترك أي أثر في كتابتي؟
أي امرأة تكتب ثم لا يشي ما تكتب بأنها امرأة، تكتب بنصف وجودها.. والنصف الآخر مغيب بسبق الإصرار سواء وعت ذلك أم لم تع ما تفعل.
\\ البحرين، بيروت، الولايات المتحدة، السعودية. ماذا تعني لك هذه المحطات؟
\ كانت أكثر من محطات عابرة.. عشت في كل منها سنوات تكفي لأن تترك أثراً في تشكيل وجداني.
البحرين مسقط رأسي البلد الطيب، الناس والأرض، لم أعرف فيه سوى الحب والحنان والحضن الدافىء من أمي، وعز والدي الذي ظللني اسمه وسمعته الطيبة وشهرته كأديب. تشجيعهما لي ومكتبته الشاسعة بآلاف الكتب كانت مدخلي إلى تحقيق الذات. وفي البحرين تعلمت أن الحياة والعطاء يتطلبان تقبل وتفهم الآخرين المختلفين في تفاصيلهم ومعتقداتهم.
بيروت كانت مرحلة الدراسة الجامعية التي أشرعت لي بوابات العالم الأوسع وطريق البحث عن المعرفة ووضحت لي معنى كوني عربية.
والولايات المتحدة كانت مرحلة الدراسات العليا والتخصص جئتها عروساً، وبين التخصص والزواج اكتشفت الأبعاد الأعمق تطلباً للعطاء والتكامل بيني وبين عالم الحقائق العلمية، وبيني وبين رفيق الدرب، وضرورة الصدق في التعامل معهما.
الظهران بعد التخرج والعودة كانت العتبة الأولى للوطن حيث تجذرت العائلة لنكتمل بالأطفال ونشارك في بناء الوطن كل في مجال تخصصه.
محطات تعني لي خطوات في مسيرة مازالت قائمة في انتماء دائم لوطن مستقر.
\\ ما موقفك من هذا التنامي الهائل في المشروع الروائي وهل سيستميلك هذا المشروع السردي الفاتن؟
\ للرواية فتنة خاصة بلاشك، كانت ومازالت تستهويني كقارئة نهمة، بدأت بروايات عنترة وألف ليلة وليلة، ثم روايات «الهلال» ومطبوعات «كتابي» من ملخصات ترجمات الأدب العالمي الشرقي والغربي القديم والحديث وفي مرحلة الدراسة الجامعية كان مطلوباً منا قراءة الرواية بلغتها الأم كجزء من الثقافة العامة المطلوبة من الجميع.
روايتنا العربية والخليجية قطعت شوطاً ملحوظاً في التنامي عددياً والتطور مبتعدة عن السرد المباشر والشخوص في تداخلات مسطحة. وهناك اليوم عطاءات تستوقف القارىء المتذوق. قرأت معظم ما كتب عربياً منذ المنفلوطي وطه حسين والسحار وعبدالحليم عبدالله ويوسف السباعي وعبدالرحمن المنيف ونجيب محفوظ وغادة السمان وأحلام مستغانمي، كما أقرأ ما يستجد خليجياً وسعودياً من عصام خوقير وأمل شطا حتى جديد القصيبي والدميني وقماشة العليان وليلى الجهني.
هل سأجرب كتابة الرواية؟ لست ممن يجربون بقصد التجريب أو محاولة التجديد المخطط مسبقاً. كل جديد عندي جاء عفوياً وفاجأني.
الآن ليس لدي توجه لكتابة الرواية. ولكن ربما إن وجدت نفسي مسكونة بإرهاصات رواية ما سأشرع فيها تلقائياً كما أفعل مع القصيدة.
\\ بعد هذه السنوات من الركض الجميل في ساحة الكلمة الشاعرة، أين وصلت ثريا العريّض؟
\ من يسأل طفلاً يركض أين وصل؟
الانفعال يظل جذوة طفولية فينا والشعر هو لغة الطفولة نلامس بها تأجج ذواتنا بالانفعال. وهو تفاعل ذاتي لا أكتبه لأصل إلى أي موقع بعينه لأنه هو الذي يفرض علي مواصلة الركض وفي أي اتجاه يشاء.. يشرع عيني على الحياة بكل أبعادها في دهشة طفولية ويضيء لي الأعماق لتوضح لي ألوان الذات في شفافية الهدوء إليها وحدنا.
ما نشرته من الشعر لا يتعدى جزءاً بسيطاً مما كتبت وأكتب. وللقصيدة في كل إطلالة نكهة أخرى. وليس المتلقي هدفي في النهاية.
أكتب لأن الانفعال بالحياة ومستجدات الشعور يغلبني فأفيض حواراً مع الذات. ويأتي الحوار بلغتها شعراً.
ومع هذا فلست أتبرأ من المتلقي.. هو الذي حالما تصله أصداء صوتي يتوقف ليدقق في اسمي وتفاصيلي أصبحت اليوم.. بعد كل ذاك الركض الذي يتجمهر العابرون ليتأملوه ـ شاعرة عربية معروفة محلياً وخارج الحدود العربية تفخر بأن القارىء يعرف اسمها.. وربما يأتي إليها بقصد ليقرأ ما تكتب.. وربما يبدأ في البحث عنها.
================================
نماذج من اشعارها ..
----------------
قصيدة أضعف عشقي
----------------
مازلت أنتَ
موعدَ صمت
وموسم صمت
وموطن صمت
ومازلتُ
صهداً كما كنتُ
لحظتك الحافلة
* *
أحبُّك,,؟
إذ تتدلَّى على القلب مرتبكاً
كشجيرات قفرٍ مريع
ولا لون له؟
** *
أحبُّك,,؟
أخشاك,,؟
اضعف من عشقي العربي
أحاور ذاتي إذا تستغيثُ
امتدادات همِّك في"
وتغفي على القلب حزناً مطيراً
حسيراً فتطفىءُ قوس قزح
وتنغرس الأسئلة
كأني أعذِّب نفسي بِنفسي
حذام القتيلة والقاتلة
** *
اغشى الحوارات عاريةً من لثاماتها؟
تخشى إضاءاتِ جمرةِ خوفِك
إطلاقَ سرّك
لن تعقلَه
** *
نخشى السكوتَ ونغشى الكلام
ونقترفُ البلبلة
** *
وتنتابُني صولةُ الأسئلة:
على أيِّ عاصفة من غبارٍ تظلين زنبقةً مهملة؟
على ايِّ مفترقٍ في الخواء ستبقين تنتظرين؟
علي أي راعفةٍ من غيومِ ستأتي نبوءتك الغافلة؟
ويستقبلُ القلبُ طير الفرح؟
اسائل ذاتي إذا ما تطيّرتُ
تسعفني اللحظةُ العاقلة
كطيرٍ يغرّد معتفراً عندما ينذبح
وتسمعني صامتاً مثل لغزٍ عتيقٍ
ولا حلَّ له:
أبو الهول ما عاد يحتكرُ الاسئلة
** *
يا أنت
يا وطنَ الصمت
يازهرة العمر والشوكة الحنظلة
أقول، وملء اندحاري حلم الربيع
الذي لم يجىء،,, ومازلت عمراً يضيع:
على القلب أنت تطلّ
وفي القلب يحويك ظلٌ بغير اختيار
امتزاجات نور ونار
نينٍ وثار
كنوع دمي وفصيلة عشقي
وموسم أوردتي الماحلة
* *
----------------
قصيدة همس الزنابق
----------------
زائرٌ مر,.
ألقى بأسئلة ومضى:
كيف أنتِ ودفء الخزامى؟
قلت ما زال صحو الربيع غواية أنفاسنا
يومنا متربٌ بالغبار
والصقيع جاثم سرمدي هنا.
***
قال: بل هو يذكر همس الزنابق
لم أسله كما خالني سوف أفعل:
من هو ذا؟
وأي زنابق يذكرها!
***
هاتف عابر قال لي: هل قرأت الذي قال عنك؟ قلت: لا,.
ما الذي قال عني؟
ردّ: لا أذكر الآن,, كان حوارا معه,.
واسمك فيه
جاء شيء عن اسمك,, لا أذكر الآن فحواه,, تدرين,, مثل الحوار
هكذا؟؟
ومضى ضاحكا في ضجيج النهار
وأنا غيمة موجعة!!
***
استفقت,, بنبضي نفس الحنين
العتيد العنيد الغبيّ
ونبضي سؤال ملحٌّ لجوج
ما الذي قال عني؟
وقافية تستعيد الصدى
ودوّامة الزوبعة:
اسمك اسمي,, اسمك اسمي
كذا خلت يوما,, كذا
عاث فيَّ الربيع
وفوضى الخزامى
وترنيمة الأقحوان الحفيّ
وعاصفة من غبار
***
تذكرتني؟
أخت ولادة الماتعة؟
أنت لم تنسني أبدا!!
واسمي يظل لديك احتفالا بهي
كما ليلك الحقل فيَّ
كما حلمك البدوي العتيّ
ووعد الخزامى العنيد
شرايين وجدك إذ تتعطش
شوقي الذي يتشرب أي صدى
عاطر عنك أو منك,.
يغسل هذا الغبار
الصقيع
ويزرع همس الربيع
***
إذا متُّ يوما
تذكر فقط
بأن هنالك بقعة عشق
بحقل قصي
بقعة من حنين الخزامي,.
تفيض بزرقتها حين يهمس
عابر ما بما ظل في باله من حوار.
وما قلتُ أنك ما زلت فيّ
جذور الخزامى الأبيّ
تردد اسمك اسمي,, اسمك اسمي
شاعرة الأمس؟
صامتة اليوم؟
شوق نقيّ,.
وأجزم: شعراً ستأتي غدا!!!