ماذا تعرف عن هؤلاء ؟ (31) ... الطيب صالح

أبو بسام
18-04-2001, 06:50 PM
ولد الطيب محمد صالح أحمد في مركز "مروى"، المديرية الشمالية للسودان عام 1929. تلقى تعليمه في وادي سيدنا وفي كلية العلوم في الخرطوم. مارس التدريس ثم مل في الإذاعة البريطانية في لندن. نال شهادة في الشؤون الدولية في إنكلترا وشغل منصب ممثل اليونسكو في دول الخليج ومقره قطر في الفترة 1984-1989. صدر حوله مؤلف بعنوان الطيب صالح عبقري الرواية العربية لمجموعة من الباحثين في بيروت عام 1976 تناول لغته وعالمه الروائي بأبعاده وإشكالياته. كان صدور روايته الثانية موسم الهجرة إلى الشمال والنجاح الذي حققته سببا مباشرا في التعريف به وجعله في متناول القارئ العربي في كل مكان. تمتاز هذه الرواية بتجسيد ثنائية التقاليد الشرقية والغربية واعتماد صورة البطل الإشكالي الملتبس على خلاف صورته الواضحة، سلبا وإيجابا الشائعة في أعمال روائية كثيرة قبله. يمتاز الفن الروائي للطيب صالح بالالتصاق بالأجواء والمشاهد المحلية ورفعها إلى مستوى العالمية من خلال لغة تلامس الواقع خالية من الرتوش والاستعارات منجزا في هذا مساهمة جدية في تطور بناء الرواية العربية ودفعها إلى آفاق جديدة. مؤلفاته: عريس الزين رواية 1962، موسم الهجرة إلى الشمال رواية 1965، بندر شاه رواية 1971، مريود رواية، نخلة على الجدول، دومة ود حامد رواية.

قهر يزيد
19-04-2001, 04:01 AM
أعرف عنه أنه يكتب الرواية شعرا .<IMG SRC="http://www.arabiyat.com/ubb/smilies/cwm15.gif" border=0>

أبو بسام
19-05-2001, 09:04 PM
نموذج من رواياته ..
الجزء الاول ... من رواية ((عرس الزين))
=============
قالت حليمة بائعة اللبن لآمنة - وقد جاءت كعادتها قبل شروق الشمس - وهي تكيل لها لبنا بقرش :

"سمعت الخبر ؟ الزين مو داير يعرس " .

وكاد الوعاء يسقط من يدي آمنة . واستغلت حليمة انشغالها بالنبأ فغشتها اللبن .

كان فناء المدرسة " الوسطى " ساكنا خاويا وقت الضحى ، فقد أوى التلاميذ إلى فصولهم ، وبدأ من بعيد صبي يهرول لاهث النفس ، وقد وضع طرف ردائه تحت إبطه حتى وقف أمام باب " السنة الثانية " وكانت حصة الناظر .

" يا ولد يا حمار . إيه أخرك ؟ "

ولمع المكر في عيني الطريفي :

" يا فندي سمعت الخبر ؟ "

" خبر بتاع إيه يا ولد يا بهيم ؟ "

ولم يزعزع غضب الناظر من رباطة جأش الصبي ، فقال وهو يكتم ضحكته :

" الزين ماش يعقدو له بعد باكر "

وسقط حنك الناظر من الدهشة ونجا الطريفي .

وفي السوق أقبل عبد الصمد على دكان شيخ علي ، محتقن الوجه ، ليس ثمة أدنى شك في أنه غضبان . كان له على شيخ علي ، تاجر العماري ، دين ماطله عليه شهرا كاملا - وقد قرر أن يخلصه منه ذلك اليوم ، بالخير أو بالشر .


" علي . أنت يعني قايل أنا ما بخلص قروشي منك ، ولا فكرك شنو ؟ "

" حاج عبد الصمد . كدى قول بسم الله واقعد نجيب لك فنجان جبنة "

" يا زول جبنتك طايره عليك ، قوم افتح الخزنة دي ادني قروشي ، ولا كمان أن بقيت ما بي ضمه كمان فهمني "

وبصق شيخ علي على " السفة " من فمه

" كدى اقعد اتحدثك بالخبر دا "

" يا زول أنا مو فاضي لك ولا فاضي لي خبيراتك ، باقي أنا عارفك مستهبل داير تطرتش على قروشي " . " يمين قروشك حاضرات ، كدى اقعد انحكيلك حكاية عرس الزين"
" قلت عرس منو ؟ "

" عرس الزين "

وجلس عبد الصمد ووضع يديه على رأسه وظل صامتا برهة ، وشيخ علي ينظر إليه مغتبطا بالأثر الذي أحدثه . وأخيرا وجد عبد الصمد ما يقول :

" أي لا إله إلا الله محمداً رسول الله . عليك الرسول يا شيخ علي دار حديث شنودا ؟ "

ولم يخلص عبد الصمد دينه في ذلك اليوم

***


ولما انتصف النهار كان الخبر على فم كل أحد . وكان الزين على البئر في وسط البلد يملأ أوعية النساء بالماء ويضاحكهن كعادته فتجمهر حوله الأطفال . وأخذوا ينشدون " الزين عرس .. الزين عرس " فكان يرميهم بالحجارة ، ويجر ثوب فتاة مرة ومرة يهمز امرأة في وسطها ، ومرة يقرس أخرى في فخذها والأطفال يضحكون ، والنساء يتصارخون ويضحكن وتعلو فوق ضحكهم جميعا الضحكة التي أصبحت جزءا من البلد منذ أن ولد الزين .

يولد الأطفال فيستقبلون الحياة بالصريخ ، هذا هو المعروف ولكن يروى أن الزين ، والعهدة على أمه والنساء اللائي حضرون ولادتها ، أول ما مس الأرض انفجر ضاحكا وظل هكذا طول حياته . كبر وليس في فمه غير سنّين . واحدة في فكه الأعلى والأخرى في فكه الأسفل . وأمه تقول أن فمه كان مليئا بأسنان بيضاء كاللؤلؤ . ولما كان في السادسة ذهبت به يوما لزيارة قريبات لها ، فمرا عند مغيب الشمس على خرابة يشاع أنها مسكونة ، وفجأة تسمر الزين مكانه وأخذ يرتجف كمن به حمى ، ثم صرخ . وبعدها لزم الفراش أياما ، ولما قام من مرضه كانت أسنانه جميعا قد سقطت ، واحدة في فكه الأعلى ، وأخرى في فكه الأسفل .

كان وجه الزين مستطيلا ناتئ عظام الوجنتين والفكين وتحت العينين ، جبهته بارزة مستديرة ، عيناه صغيرتان محمرتان دائما ، محجراهما غائران مثل كهفين في وجهه ، ولم يكن على وجهه شعر إطلاقا . لم تكن له حواجب ولا أجفان ، وقد بلغ مبلغ الرجال وليست له لحية أو شارب .

تحت هذا الوجه رقبة طويلة ، ( من بين الألقاب التي أطلقها الصبيان على الزين " الزرافة " ) والرقبة تقف على كتفين قويتين تنهدلان على بقية الجسم في شكل مثلث . الذراعان طويلتان كذراعي القرد . اليدان يظتان عليهما أصابع مسحوبة تنتهي بأظافر مستطيلة حادة ( فالزين لا يقلم أظافره أبدا ) .
الصدر مجوف ، والظهر محدودب قليلا ، والساقان رقيقتان طويلتان كساقي الكركي ، أما القدمان فقد كانتا مفرطحتين عليهما آثار ندوب قديمة ( فالزين لا يحب لبس الأحذية ) وهو يذكر قصة كل جرح من هذه الجروح . مثلا هذا الشلخ الطويل على القدم اليمنى : الممتد من الرسغ على ظاهر القدم إلى الفرجة بين الأصبع الأولى والثانية . يحكي الزين قصته فيقول : " الجرح دا يا جماعة ليه حكاية " ويستفزه محجوب قائلا : " حكاية شنو يا عوير ؟ يا مشيت تسرق ضربوك بي غصن شوك " . ويقع هذا موقعا حسنا في نفس الزين . فيستلقي على قفاه ضاحكا . ثم يضرب الأرض بيديه ويرفع رجليه في الهواء ويظل يضحك بطريقته الفذة . ذلك الضحك الغريب الذي يشبه نهيق الحمار . وكان ضحكه قد أعدى الحاضرين جميعا ، فتحول المجلس إلى قهقهة مدوية . ويتمالك الزين نفسه . ويمسح بكم ثوبه الدمع الذي سال على وجهه من الضحك ، ويقول : أي .. أي .. مشيت أسرق " . ويستفزه محجوب من جديد : " شن مشيت تسرق آمر مد ؟ يمكن قت داير لك شيتن تاكله " . ويمسح الزين وجهه بيديه ويعود للضحك من جديد . ويرجح الحاضرون أن الزين دخل بيتا ليسرق طعاما . إذ أنه كان معروفا بالنهم ، إذا أكل لا يشبع . وفي الأعراس حين تأتي " سُفر " الطعام ويتحلق الناس حلقات يأكلون ، يتحاشى كل فريق أن يجلس الزين معهم ، إذ أنه حينئذ يأتي في لمح البصر على كل ما في الآنية ، ولا يترك أكلا لآكل . وقال له عبد الحفيظ : " مالك طاري العملة العملتها وقت عرس سعيد ؟ " وأجاب الزين وهو يقهقه : " أي طاري .. عليك أمان الله الأكل وكت أكلته عدمته الحبة إن كان موجني إسماعيل مقطوع الطاري لحقني " . كان الزين قد أوكل بنقل الطعام في عرس سعيد فكان يمشي جيئة وذهابا بين " الديوان " حيث اجتمع الرجال و" التٌكل " في داخل اليت حيث تقوم النسوة بالطهي . وفي الطريق من التٌكل إلى الديوان كان الزين يتمهل قليلا ويأكل ما طاب له الأكل من الوعاء الذي يحمله . وحين يصل به إلى الناس يكاد يكون خاليا وفعل ذلك ثلاث مرات حتى لفت انتباه أحمد إسماعيل ، فتابعه حتى وقف في نصف الطريق ، ورفع الغطاء عن صينية مملوءة بالدجاج المحمر . وما أن أمسك الزين بدجاجة منها وقربها إلى فمه ، حتى هجم عليه أحمد إسماعيل وأشبعه ضربا . وسأله محجوب مرة أخرى " ما تقول لنا يا فقر مشيت تسرق شنو ؟ " ولما لاحظ الزين أن الناس حوله قد أرهفوا آذانهم ، اعتدل في قعدته ووضع ذراعية بين ركبتيه وقال " الصيف الفات وقت حس المريق ... كنت متأخر في الساقية ، الدنيا يا زول كان القمر يلجلج ، رميت توبي فوق كتفي وجيت سادر للبيوت ، أقول لك وكت وصلت الرملة العند طرف الحلة ، اسمع لك حس زغاريت ... " وقاطعه محجوب : " أي صدق : دا كان عرس بكري " . واستمر الزين : " أقول لك يا زول قت أمشي أشوف الحكاية شنو . أتاري ناس فريق الطلحة سارّين العرس . مشيت لقيت القيامة قايمة . الزيطة والزمبليطة والدلاليك والزغاريت أول شي مشيت أهبش إن كان ألقى لي شيتن آكله .. ".

وانفجر المجلس بالضحك . فقد كان ما قدروا .. " الحريم في التكل أدّني لحيمات أكلتها . وأدّني شيتن مر شربته ".

وقال محجوب : " يبقي دا عرقي آ مسجم " .

وقال الزين : " لا مو عرقي قال لك أنا العرقي ما بعرفوا .. أقول لك آزول الشي الشربته دا طار لي في راسي . يعدين مرتحت من التكل . دخلت بيت القالك كمشة حريم والأرباح والدلكة والمحلب ما يدّيك الدرب ... عليّ بالطلاق آزول الريحة سكرتني " .

وضحك عبد الحفيظ : " وين المره البطلقها مع الرجال ؟ " لم يعبأ الزين بهذا . ولكنه استمر يحكي في القصة وقد أخذته النشوة " وفي الوسط القالك العروس . بنيتن سميحة مكبرته ومدخنة وملبسنها فركة ترمصيص ". وهنا صمت الزين وأدار عينيه الصغرتين في وجوه الحاضرين . وفمه مفتوح وقد برز سناه . ولم يقو محجوب على الصبر ، فأخذ يستحثه أن يكمل القصة : " بعدين شن سويت ؟ ".

" بعدين نطيب على العروس ".

وحين قال هذا قفز من مكانه كالضفدعة . وضج الحاضرون وانفجر الزين في الضحك واستلقى على بطنه وراح يضرب برجليه في الهواء . ثم انقلب على ظهره وقال وهو ما يزال يشهق بالضحك : " مسكت الشافعة عضيتها في خشمها ". وتشهد محجوب واستغفر . " أقول لك يا زول الحريم طقن الكواريك والبيت فار والشافعة العروس بقت تصرخ . وما القا لك إلا زول ضرب كراعي بي سكين . أقول لك قت يا مين مسكنها فرد جريه لا من وصلت أهلي ". وفجأة استوى الزين جالسا وظهر على وجهه بالغ . وقال يوجه حديثه لمحجوب : " اسمع يا زول . أنت داير تعرس لي بتك علوية ولا عندك كلام ؟ " فأجابه محجوب بجد وحزم كأنه يعني ما يقول : " البت أنا مضيتها ليك . دحين قدام الناس الحاضرين ديل بعد تحش قمحك وتلم تمرك وتبيعه وتحضر القروش نجي نعقد لك " . هذا الوعد أرضى الزين . وصمت برهة وقد قطب حاجبيه وزم شفتيه وكأنه قد أخذ يفكر في مستقبل حياته مع علوية ومسؤولية القيام بأعباء زوجة وأطفال . وقال : " خلاص . اشهدوا يا خوانا . الرجل دا مرقت منه كلمة . باكر بعد باكر ما يجي يفكر " وقال الحاضرون جميعا . أحمد إسماعيل ، والطاهر الرواسي ، وعبد الحفيظ . وحمد ود الريس . وسعيد صاحب الدكان ،قالوا إنهم شهود على الوعد الذي قطعه محجوب وإن الزواج سيتم بإذن الله .

قصة حب الزين لعلوية ابنة محجوب كانت آخر قصة حب له . بعد شهر أو شهرين سيسأمها ويبدأ قصة جديدة ، لكنه في الوقت الحاضر مشغول بها ، يصحو وينام على ذكرها تجده في الحقل في منتصف النهار محنيا على " طوريته " والعرق يتصبب من وجهه وفجأة يكف عن الحفر




------------------
<FONT COLOR="Green">اقرأ ان شئت هذه الموضوعات :</FONT c>
ماذا تعرف عن هؤلاء؟ (http://www.arabiyat.com/ash3ar/qwho.htm)
ملف الامسيات الشعرية (http://www.arabiyat.com/ubb/Forum6/HTML/003152.html)
ملف المحاضرات (http://www.arabiyat.com/ubb/Forum6/HTML/003913.html)
قـ(1)ـراءات (http://www.arabiyat.com/ubb/Forum6/HTML/003273.html) قـ(2)ـراءات (http://www.arabiyat.com/ubb/Forum6/HTML/003915.html) قـ(3)ـراءات (http://www.arabiyat.com/ubb/Forum6/HTML/004073.html)
ابداعات قصصية (http://www.arabiyat.com/ubb/Forum6/HTML/004101.html)
قضية ثقافية (http://www.arabiyat.com/ubb/Forum6/HTML/004100.html)
ملف التجارة الالكترونية (http://www.arabiyat.com/ubb/Forum4/HTML/001290.html)

أبو بسام
10-07-2001, 09:51 PM
الموت في عالم الطيب صالح الروائي
للطيب صالح قصص لا تقل أهمية عن "موسم الهجرة إلى الشمال"..و لكن!
جريدة الوطن :

الطيب صالح ـ موسم الهجرة إلى الشمال: اسم المؤلف والمؤلف نالا من الشهرة مايغري بالكتابة و ـ أحياناً الحسد، فقد لاقت الرواية رواجاً عربياً ودولياً منقطع النظير، وجلبت لصاحبها الشهرة الدائمة و ـ أيضاً ـ أشياء أخرى، على أن للطيب صالح روايات وقصصاً أخرى لا تقل أهمية وإبداعاً عن "موسم الهجرة إلى الشمال".
ومن المفهوم أيضاً ـ وفي التحليل الأخير ـ أن رواية "موسم الهجرة إلى الشمال" نالت شهرتها من كونها من أولى الروايات التي تناولت، بشكل فني راق الصدام بين الحضارات وموقف إنسان العالم الثالث ـ النامي ورؤيته للعام الأول المتقدم، ذلك الصدام الذي تجلى في الأعمال الوحشية دائماً، والرقيقة الشجية أحياناً، لبطل الرواية "مصطفى سعيد".
وآخر الدراسات الحديثة التي تناولت رواية "موسم الهجرة إلى الشمال" ورواية "بندر شاه" للمؤلف نفسه، تلك الدراسة التي نشرت أخيراً في سلسلة حوليات كلية الآداب التي يصدرها مجلس النشر العلمي ـ في جامعة الكويت بعنوان "رؤية الموت ودلالتها في عالم الطيب صالح الروائي، من خلال روايتي: موسم الهجرة إلى الشمال، وبندر شاه" للدكتور عبد الرحمن عبد الرؤوف الخانجي، الأستاذ في قسم اللغة العربية ـ كلية الآداب جامعة الملك سعود.
تتناول الدراسة بالبحث والتحليل رؤية الموت ودلالتها في أدب الطيب صالح الروائي في عملين بارزين من أعماله هما: "موسم الهجرة إلى الشمال" و"بندر شاه"، وتنقسم الدراسة إلى قسمين كبيرين وخاتمة.
يعالج القسم الأول منهما محوري الموت الرئيسيين في هاتين الروايتين: محور موت الأنثى، وهو موت آثم يرتبط في أكثر معانيه بغريزة الجنس ولا يخلو من عنف أم خطيئة، وموت الرجل وهو موت نبيل يرتبط بالكبرياء والسمو ولا يخلو من تضحية ونكران ذات.
هذان العالمان المتمايزان يثير الروائي من خلالهما عدداً من القضايا السياسية والاجتماعية والفكرية والنفسية، توحي بأزمة الصراع المكثف بين حضارتي الشرق والغرب فكأن المقابلة بين الأنثى والرجل ووضعهما في إطارين متمايزين من خلال الموت... وهي مقابلة من صنع مؤلف الدراسة لا الروائي ـ تلك الرؤية الفنية ترمي إلى اختصار الصراع بين عالمين مختلفين حضارياً: شمال ـ جنوب، هي في النهاية المعادل الفني لأزلية الصراع بين الشر والخير ممثلين في الأنثى ـ الشر، الخير ـ الرجل، و: شمال ـ أنثى ـ شر، جنوب ـ رجل ـ خير، بما لذلك من مردود أسطوري في وعي وذاكرة الإنسان الشرقي، وهو ما لم تشر إليه الدراسة مكتفية بتتبع أنواع الموت وطرائقه التي تمارس من قبل الرجل في الروايتين.
فالمرأة في موسم الهجرة إلى الشمال ضحية لرجل ـ دائماً ـ بينما الرجل ضحية ـ أيضاً ـ لظروف مجتمعية ساهم في خلقها مجتمع الضحية الأنثى بشكل ما، فعلاقة مصطفى سعيد بالأنثى هي دائماً علاقة آخرها موت مدمر إذ إن "مصطفى" ـ كما يلاحظ المؤلف ـ ينتقم في شخص الأنثى الغربية لسنوات الذل والقهر والاستعمار لينتهي بها الأمر إلى قتل نفسها بنفسها.
موت الرجل ـ وهو المحور الثاني من القسم الأول ـ فهو دائماً موت علوي تتجلى دلالاته في العودة إلى النيل مصدر الحياة "ذهب من حيث أتى من الماء إلى الماء" كما في بندر شاه.
ويتناول القسم الثاني من الدراسة الدلالات الفكرية المتصلة بعالمي الموت وكيف عبرت الروايتان عن هذه الدلالات في قوالب فنية منتهياً إلى أشكال الموت لدى الطيب صالح توزعت على أطر ثلاثة:
الموت ـ الوفاة
الموت ـ القتل
الموت ـ الانتحار
وكل إطار من هذه الأطر الثلاثة عن رؤى فكرية وفلسفية ونفسية اقتضتها طبيعة الأحداث والمواقف... لكن النمط الأكثر بروزاً من أنماط الموت الثلاثة السابقة هو النمط الثاني الذي يمثله: الموت ـ القتل، حين جعلته رواية "موسم الهجرة إلى الشمال" يفجر طاقات متباينة من الدلالات الفكرية ووظائفها الفنية، وظل الموت ـ القتل في صراع الشخصيات يتراوح بين السلب والإيجاب وبين الرفض والقبول وبين القوة والضعف وتتبع الدراسة التجليات المختلفة لهذا النوع من الموت عبر روايتي: "موسم الهجرة إلى الشمال" و"بندر شاه".
وتخلص الدراسة ـ عبر خاتمتها ـ إلى أن للموت سلطاناً لا ينكر على عالم الطيب صالح الروائي فقد وفق الروائي من خلال بناء هذا العالم في تقديم عطيل جديد هو: مصطفى سعيد عطيل القرن العشرين الذي حاول عقله أن يستوعب حضارة الغرب لا يبالي ولا يهاب، له القدرة على الفعل والإنجاز، يحارب الغرب بأسلحة الغرب.
وبعد: سوف يبقى الطيب صالح وأعماله الروائية والقصصية ذخيرة لا تنضب لبحث الباحثين نقاداً كانوا أم مؤرخين، فهو عالم ثري مليء بقضايا إنسان العالم الثالث الذي آمن به الطيب صالح وعبر عن همومه وآلامه، أفراحه وإحباطاته.

أبو بسام
02-06-2005, 03:21 PM
الطيب الصالح
عبقرية روائية جديدة

بقلم رجاء النقاش


لم أصدق عيني وأنا ألتهم سطور هذه الرواية وأتنقل بين شخصياتها النارية العنيفة النابضة بالحياة ، وأتابع مواقفها الحارة المتفجرة ، وبناءها الفني الأصيل الجديد على الرواية العربية .. لم أتصور أنني أقرأ رواية كتبها فنان عربي شاب ، ولم أتصور أن هذه الرواية الناضجة الفذة – فكراً وفناً – هي عمله الأول . لقد أخذتني الرواية بين سطورها في دوامة من السحر الفني والفكري ، وصعدت بي إلى مرتفعات عالية من الخيـال الفني الروائي العظيم ، وأطربتني طرباً حقيقياً بما فيها من غزارة شعرية رائعة .

ولم أكد أنتهي من قـراءة الرواية ، حتى تيقنت أنني - بلا أدنى مبالغة – أمام عبقرية جديدة في ميدان الرواية العربية .. تولد كما يولد الفجر الجديد المشرق ، وكما تولد الشمس الإفريقية الصريحة الناصعة .

فمن هو هذا الفنان الشاب ، وما هي روايته ؟ .. إنه كاتب سوداني لم أسمع عنه ولم اقرأ له شيئاً قبل هذه الرواية ، واسمه الطيب الصالح . أما روايته فاسمها " موسم الهجرة إلى الشمال " ... وكل ما عرفته عن هذا الفنان الشاب أنه من مواليد 1929 ، وأنه تخرج في إحدى الجامعات الانكليزية ، ولذلك فليس أمامنا إلا أن نواجه الرواية نفسها بدون أي مقدمة عن المؤلف ، فأثمن ما لدينا عن المؤلف هو الرواية .

إن الرواية تعالج المشكلة الرئيسية التي عالجها من قبل عدد من كبار الكتاب العرب . إنها نفس المشكلة التي عبَّر عنهـا توفيق الحكيم في روايتـه " عصفور من الشـرق" وعبَّر عنها بعد ذلك يحيى حقي في روايته " قنديل أم هاشم " وعبر عنهـا الروائي اللبناني سهيـل إدريـس في روايته " الحي اللاتيني " .. وأقصد بهذه المشكلة : مشكلة الصراع بين " الشرق والغرب " وكيف تواجه الشعوب الجديدة هذه المشكلة .. كيف تعالجها وتتصرف فيها ؟ .. هل تترك هذه الشعوب ماضيها كله وتستسلم للحضارة الغربية وتذوب فيها وتقلدها تقليداً كاملاً ؟ هل تعود هذه الشعوب إلى ماضيها وترفض الحضارة الغربية وتعطيها ظهرها وتنكرها إنكاراً لا رجعة فيه ؟ هل
تتخذ موقفاً ثالثاً يختلف عن الموقفين السابقين ... وما هو هذا الموقف الجديد ؟... تلك هي المشكلة التي تعالجها رواية الطيب الصالح .

وقبل أن نتعرض لمناقشة الرواية ، وما تقدمه إلينا فكرياً وفنياً ، لابد لنا أن نلاحظ ملاحظة أولية ، فهذه الملاحظة بالذات تفسر لنا ما في الرواية من عنف ليس موجوداً في الروايات السابقة التي تناولت نفس الموضوع ، فمشكلة الشرق والغرب كما ظهرت في الروايات السابقة لا ترتبط بتجربة مريرة مثل تلك التي يعبر عنها الطيب صالح ، ذلك أن الشرقي عند هذا الفنان الشاب هو شرقي إفريقي " أسود اللون " ومشكلة البشرة السوداء هذه تعطي للتجربة الإنسانية عمقاً وعنفاً ، بل وتمزجها بنوع خاص من المرارة . إن توفيق الحكيم أو يحيى حقي أو سهيل إدريس أو غيرهم من الادباء الذين عبَّروا عن مشكلة الصراع بين الشرق والغرب ، كانوا جميعاً من آسيا وشمال إفريقيا . وهذا معناه ببساطة أن مشكلة اللون لم تكن عندهم عنصراً من العناصر المشتركة في الصراع الكبير . ولكن ها هو الطيب صالح يصور هذه المشكلة ويعبَّر عنها من خلال إنسان إفريقي ذي بشرة سوداء ، يذهب إلى لندن ويصطدم بالحضارة الغربية اصطداماً عنيفاً مدوياً من نوع غريب . وعنصر اللون هنا له أهميته الكبرى ، فالبشرة السوداء أكثر من غيرها هي التي انصب عليها غضب الغربيين وحقدهم المرير ، وهي التي تفنن الغرب في تجريحها إنسانياً قبل أن يكون هذا التجريح سياسياً أو اقتصادياً أو ثقافياً . إن الإنسان الأسود قد عاش قروناً من التعذيب والإهانة على يد الغرب ، وتركت هذه القرون في النفس الإفريقية جروحاً لا تندمل بسهولة . ومن هنا كانت حرارة المأساة كما رسمها الطيب صالح في روايته الفذة . إنه يصوّر صدام أقدار متضادة إلى أقصى حدود التضاد . فمصطفى سعيد بطل الرواية ، لا ينتقل من السيدة زينب إلى لندن ، أو من السيدة إلى باريس ، أو من بيروت إلى باريس ، كما تجد في الروايات العربية التي صورت نفس المشكلة . إن هذا البطل الروائي الجديد ينتقل من قلب إفريقيا السوداء إلى لندن . والحوادث الرئيسية في الرواية تجري في أوائل هذا القرن حيث كانت إفريقيا تغوص في ظلم وظلام لا حد لهما . على أن هذا كله لا يعني أن رواية " موسم الهجرة إلى الشمال " قد ركزت تركيزاً حاداً على مشكلة اللون ... على العكس تماماً نجد أن الطيب صالح يمس هذه المشكلة برقة وخفة ورشاقة ، وهو يمسها من بعيد جداً ، حتى لا نكاد نلتقي بها إلا بين السطور . ولكن هذا العنصر اللوني مع ذلك يفسر لنا عنف الرواية وحدتها بصورة لا تجدها في أي رواية عربية أخرى عالجـت نفس الموضوع .. إن الجرح الإنساني الذي ينزف في هذه الرواية العظيمة هو اكثر عمقاً من أي جرح آخر ... إنه جرح الإنسان الإفريقي الأسود .
وأول ما يلفت النظر بعد ذلك في هذه الرواية ، هو ما يمكن أن نسميه بالموقف الحضاري للكاتب الفنان ، ولا يستطيع أن يصل إلى هذا الموقف إلا فنان ذو عقل كبير وقلب كبير ، لأن صغار الفنانين ليس لهم موقف حضاري على الإطلاق .. ورواية "الطيب" تعكس موقفاً محدداً واضحاً ، لقد سافر مصطفي سعيد بطل الرواية إلى لندن ، ووصـل هناك إلى أعلى درجات العلم ، وأصبح دكتوراً لامعاً في الاقتصاد ، وإن كانت ثقافته قد امتدت واتسعت حتى شملت كثيراً من ألوان الأدب والفن والفلسفة وأصبح مصطفى سعيد مدرساً في إحدى جامعات انكلترا ومؤلفاً مرموقاً . ولكنه في حياته الخاصة ارتبط بعلاقات وثيقة مع أربع فتيات انكليزيات ، وانتهت هذه العلاقات جميعاً نهايات حادة دامية . وهي نهايات تشبه طبيعة مصطفى سعيد نفسه ، وتشبه عواطفه الساخنة ومزاجه الحاد كالسكين .

إن هذا البطل الروائي الوافـد من إفريقيا ، يتعثر في أزمات حادة مريرة ، ولا حل له في آخر الأمر كما تقول رواية الطيب صالح إلا بأن يعود إلى قرية في قلب السودان ، ليشتري بضعة أفدنة هناك ، ويعمل فيها بنفسه ويتزوج بنتاً من بنات القرية السودانية ، ويواصل حياته الجديدة بطريقة منتجة هادئة ، لم يعرفها من قبل في انكلترا حيث عاش هناك حياة عاصفة مؤلمة .

إن الحل الذي يراه الطيب صالح في روايته أمام بطله المضطرب المعذب هو أن يعود إلى أصله ومنبعه ليبدأ من جديد هناك . فهذه هي البداية الصحيحة والسليمة . لم يجد نفسه في لندن مهما أخذ من علمها وثقافتها ، ومهما طاردته نساؤها وتعلقن به تعلقاً جسدياً شهوانياً عنيفاً ، لن يجد الطمأنينة ابداً إلا إذا عاد إلى النبـع ، وألقى وراء ظهره بقشور الثقافة الغربية ، وأبقى على جوهر هذه الثقافة ثم مزج هذا الجوهر بواقع بلاده ... هنا فقط سوف يصبح إنساناً منتجاً ... إنساناً فعالاً له دور حقيقي في الحياة .

وهذا هو نفس الحل الذي ارتآه من قبل توفيق الحكيم لبطله محسن ، فقد عاد به إلى الشرق ليبدأ البداية الصحيحـة . وهذا ما رآه يحيى حقي في "قنديل أم هاشم" لبطله "إسماعيل" ... إن اسماعيل لكل علمه لا يمكن أن يقدم لوطنه شيئاً إلا إذا بدأ من السيدة زينب وتزوج من فاطمة الزهراء ابنة هذا الحي الشعبي .. فالذين يتعالون على واقعهم الاصلي ، أو ينفصلون عنه ، لا يمكن لهم أبداً أن يؤثروا على هذا الواقع أو يغيروا فيه أي شئ ، إن مثل هذا الواقع لم يهضمهم ولن يعترف بهم ، بل سوف يرفضهم تماماً مثلمـا يرفض أي جسم غريب وشاذ . لابد أن تكون البداية من الواقع ، من النبع الأصلي ، من القرية ، من السيدة زينب ، من الناس الذين بدأ بينهم الإنسان وخـرج منهم .

على أن هذه الرؤية الحضارية عند هذا الفنان الشاب ترتبط أشد الارتباط برؤية إنسانية أخرى ، استطاع الطيب صالح أن يصورها ويجسدها لنا في روايته بصورة عميقة تسمو إلى درجة عالية من الشفافية والمقدرة الفنية الخلاقة المبدعة .

وهـذه الرؤية الإنسانية تتضح أمامنا بعد تحليل الرواية وتحليل علاقاتها المختلفة .

فمصطفى سعيد بطل الرواية يرتبط في انكلترا بأربع علاقات نسائية ، وتنتهي هذه العلاقات بانتحار ثلاث فتيات ، كما تنتهي العلاقة الرابعة بالزواج ثم بجريمة قتل قام بها مصطفى سعيد .. لقد قتل زوجته في سريرها ، وبعد محاكمتـه في لندن ، والنظر في ظروف القضية ، تم الحكم عليه بسبع سنوات ، قضاها في احد السجون ، ثم عاد إلى احدى القرى السودانية واشترى أرضاً عمل فيها بنفسه وتزوج من احدى بنات القرية وهي حسنة محمود وأنجب منها ولدين .

والعلاقة بين مصطفى سعيد والفتيات الانكليزيات الثلاث لم تتجاوز العلاقة الجسدية ، لم يكن هناك بين هذه العلاقات علاقة حب حقيقية ، بل كانت كلها علاقة شهوة جامحة ، فالفتيات الانكليزيات يرين في مصطفى سعيد مظهراً للقوة البدائية الوافدة من إفريقيا . إنه بالنسبة إليهن ليس إنساناً يستحق علاقة عاطفية كاملة بكل جوانبها الروحية والمادية معاً ، فهو كائن غريب ، يحمل رائحة الشرق النفاذة ، وهو حيوان إفريقي يستحق أن تلهو به هؤلاء الفتيات ، ويستمتعن به فقط .

إن علاقة مصطفى سعيد بهؤلاء القتيات ليست علاقة عاطفية إنسانية صحيحة قائمة على التوازن والمساواة ، بل هي علاقات حسية قائمة على الاستغلال ، وهذا النوع من العلاقات يذكرنا ولا شك بالعلاقات بين الاستعمار والبلاد المحتلة ، فالاستعمار يستغل بلداً من البلدان ويستنزفها بقسوة لكي يستمتع بما فيها من ثروات وإمكانيات ، ولو أننا لاحظنا تمسك الاستعماريين ببلدان إفريقيا على سبيل المثال لوجدنا أن هذا التمسك فيه رائحة خارجية سطحية من المحبة والعشق بل والهوس العاطفي ، لقد كان الفرنسيون يتركون الجزائر بعد استقلالها وهم يذرفون الدموع الغزيرة ، وفي جنوب إفريقيا نجد أن الاوروبيين لا يريدون أن يتركوا الارض الإفريقية ، إنهم يتمسكون بها كما يتمسـك العشاق بشئ عزيز عليهم ... ولكنهم في حقيقتهم ليسوا عشاقاً ، وإنما هم يستغلون ويستثمرون الأرض والناس .

هكذا كانت فتيات لندن يجدن في مصطفى سعيد صحة وقوة وإثارة لخيالهن الجامح حول إفريقيا وما فيها من عنف وحيوية ، ومن هنا أقبلت عليه الفتيات كالفراشات ، أو أن أردت صورة أقبح وأصدق : فإنهن قد أقبلن عليه كما يقبل الذباب على قطعة من الحلوى .

أكان من الممكن أن يحب مصطفى سعيد مثل هؤلاء الفتيات ؟ كلا بالطبع ولا واحدة منهن أثارت فيه عاطفة سليمة . وقد كان هو نفسه مشحوناً – من الداخل – ضد أوروبا ، وضد التشويه الإنساني الذي حملته أوروبا إلى إفريقيا والإفريقيين في نفس الوقت . ولذا كانت نظرته إلى الاوروبيات إليه نظرة غير إنسانية ، ومن هنا اقتصرت هذه العلاقات كلها على الجانب الجسدي ، ثم سئم منهن في النهاية فتركهن وانتهى بهم الأمر إلى الانتحار ، لا بسبب عاطفة صادقة ، ولكن بسبب عادة جسدية عنيفة ضاعت وضاع معها كل ما حولها من خيال جامح . ثم جاءت علاقة مصطفى سعيد بالفتاة الانكليزية التي تزوجها . ظل في البداية يطاردها وترفضه رفضاً كاملاً ، واخيراً طلبت منه أن يتزوجها . وتم الزواج بالفعل ، ولكنها تعودت على أن تثيره بشتى الوسائل والاساليب العنيفة دون أن تسمح له بالاقتراب منها ، إنها تشتهيه وتحتقره في نفس الوقت . تريده وتنكره بل وتنكر على نفسها أنها تريده . وظلت هكذا تعذبه وتعمل على تهديم أعصابه بلا رحمة حتى هددها بالقتل فلم تعبأ بالتهديد . وجاء يوم قرر فيه أن يقتلهـا بالفعل ، فاستسلمت للقتل كما تستسلم لأي علاقة جسدية تريدها في هوس مجنون . وكان مقتل هذه الفتاة عنيفاً غريباً ، وكانت هي نفسها تشتهي هذا القتل وتطلبه وتتمناه ، لأنها كانت تجد في مصطفى سعيد مثالاً مجسداً للعنف الإفريقي ، وكان لديه ولا شك الكثير من "السادية" أو الرغبة في تعذيب الآخرين ، كما كان لديها أيضاً الكثير من " الماسوشية" أي الرغبة في تعذيب النفس .

وهكذا كانت هذه الزوجة الانكليزية هي الأخرى تحمل نموذجاً معقداً للحب المريض الشاذ . لقد كان الجنس بشتى صوره في علاقاته مع الأوروبيات مطلوباً لذاته، فالجنس أولاً وأخيراً هو الهدف ، هل شرط أن يتحقق الجنس في إطاره الإفريقي الجامح المثير للخيال ، ومن هنا كان الجنس في تجربة مصطفى سعيد مع الفتيات الانكليزيات مجرداً من أي معنى إنساني ، فليس وراء هذه العلاقات كلها أي رغبة في بناء أسرة ولا أي رغبة في إنجاب أولاد ولا أي رغبة في مواصلة حياة منتجة ... الجنس للجنس ، هذا هو شعار أولئك الفتيات الانكليزيات مع هذا الفتى الإفريقي ، كل ذلك رغم ما كانت بعض الفتيات تقمن به من محاولات لتغطية هذه الرغبة المجنونة ، بأساليب مكشوفة من الحديث عن الفن والشرق وإفريقيا .
وهكذا فشلـت علاقاته النسائية في أوروبا فشلاً إنسانياً وانتهت بالجريمة والسجن .
بقى في حياة مصطفى سعيد بطل الرواة حبان ناجحان : أما الحب الأول فهو حي " اليزابيث" وهو نوع من عاطفة الأمومة . إن هذه السيدة الانكليزية كانت تعيش في القاهرة مع زوجها المستشرق الذي تعلم اللغة العربية واعتنق الاسلام وقضى عمره كله في البحث عن المخطوطات العربية ودراستها .. ثم مات ودفن في القاهرة التي أحبها وقضى فيها أعظم سنوات عمره . كانت اليزابيث ، زوجة المستشرق بمثابة الأم الروحية لبطل الرواية مصطفى سعيد . لقد احبته كجزء من حبها للشرق وفهمها له ، وأحبته لأنها أحست بامتيازه وذكائه وصفاته الإنسانية الاخرى ، ولم تفكر فيه أبداً على أنه " لعبة إفريقية" مثيرة . لذلك كان حبها ناجحاً ، وظل مشتعلاً حتى النهاية ، وان طغت عليه جوانب الأمومة بسبب السن .

ومن الواضح أن اليزابيث قد تدربت كثيراً حتى استطاعت أن تصل إلى هذا المستوى من العاطفة النقية الصافية ... لقد عاشت في القاهرة طويلاً مع زوجها ، وتعلمت العربية وعاشرت الناس في الشرق وأحبتهم ، لقد اكتشفت الشرق من جانبه الإنساني لا من جانبه الجسدي والمادي . ولذلك أحبت مصطفى سعيد ووجدت سعادة غامرة في هذا الحب ، ولم تطلب من مصطفي شيئاً ، بل كانت تساعده كلما احتاج إلى المساعدة ، إن لذتها الكبرى هي في هذا الحب الصافي نفسه ، وفي اكتشافها لروح الشرق الجميل : بتراثه وتاريخه وشمسه وناسه – ولقد نظرت اليزابيث إلى مصطفى سعيد في ضوء رؤيتها للشرق كله .

أما الحب الثاني الحقيقي الناجح ، فقد التقى به مصطفي سعيد بعد أن خرج من سجون لندن وعاد إلى السودان واختار إحدى القرى ليقيم فيها ، هناك تزوج فتاته السودانية " حسنة بنت محمود" وعاش فيها سعيداً كل السعادة حتى مات غريقاً في أحد الفيضانات التي التهمت بعض أهل القرية وكان بينهم مصطفى سعيد .

وهذا الحب هو وحده الذي أنجـب مصطفى سعيد – من خلاله – ولدين .. هنا " الجنس" له دور في بناء الحياة ، والحب مبني على الاقتناع والمساواة والرغبة الصادقة في إقامة علاقة إنسانية صحيحة .. ومصطفى سعيد في تلك القرية السودانية معشوق حقيقي بسبب صفاته الأصيلة فيه ، مثل ذكائه وعمق شخصيته ، وحبه للقرية ، وقدرته على العمل والإنتاج . إنه ليس كما كان في أوروبا : حيواناً عنيفاً متوحشاً ، تجري وراءه الفتيات لغرابته وشذوذه ، إنه هنا إنسان طبيعي ، والحب في هذه القرية السودانية بسيط وصادق وأصيل . ومصطفى سعيد لم ينجب إلا من زوجته السودانية ، وليست هذه الفكرة في الرواية تعبيراً عن أي تعصب قومي ، ولكنها فكرة تكشف عن معنى إنساني بالدرجة الاولى فالزوجة السودانية هي الحب الوحيد الحقيقي ، ولذلك فهي ليست عقيماً مثلما كان الامر مع القتيات الاوروبيات وعواطفهن الغريبة الشاذة .

وبعد موت مصطفى سعيد ، رفضت زوجته السودانية " حسنة بنت محمود " أن تتزوج من " ود الريس" وهو عجوز سوداني من ابناء القرية ، لقد كانت " حسنة" تفضل الموت على أن تتزوج من " ود الريس" . لقد ذاقت عذوبة الحياة في ظل مصطفي سعيد ذلك الإفريقي الذي صقلته الحضارة والتجربة ثم عاد في نهاية المطاف إلى أرضه ، ليبدأ منها بداية حقيقية ، لقد وجدت فيه وهي البنت الإفريقية البسيطة شيئاً جديداً : فهو منها ولكنه غريب عنها وجديد عليها ... ولذلك كله احبته بعد أن تسد عينيها إلى عالم أوسع واعمق من عالمها البسيط .

وما اشبه حسنة بنت محمود بالسودان نفسه ، بل ما اشبهها بمصر وبكل بلد شرقية متطلعة إلى الجديد .. تريد أن تخطو إلى الامام دون أن تنزع جذورها من الأرض .

وكانت " حسنة " ، بعد أن مات زوجها مصطفى سعيد تريد أن تتزوج شخصاً آخر هو " الراوي" الذي يقدم لنا القصة بلسانه . وهذا " الراوي" هو في الحقيقة الامتداد الوحيد المقبول لمصطفى سعيد .. سافر إلى أوروبا وعاد إلى وطنه يحمل مشعلاً هادئاً وصادقاً ، ولذلك جعله مصطفى وصياً على أولاده وثروته وزوجته وأسراره جميعاً .
ولكنهم فرضوا على " حسنة" أن تتزوج من العجوز " ود الريس " فكانت النتيجة أن قتلته وقتلت نفسها . وبذلك تكون " حسنة " قد قتلت التقاليد القديمة التي تعودت أن تجعل من المرأة شيئاً من المتاع المادي وليست "إنسانة" ذات عاطفة خاصة مستقلة . انها قتلت رمزاً من رموز الماضي بتقاليده ونظرته الخاطئة إلى الحياة ، وأحدثت بهذه "الجريمة" صدمة مفجعة لمجتمع قريتها الإفريقي الهادئ البسيط ... لقد استيقظ هذا المجتمع فجأة على هذه الجريمة الحادة القاسية . وفي هذه الجريمة سقطت حسنة شهيدة حبها ، وشهيدة حرصها على ألا تتراجع عن العالم الجديد الجميل الذي خلقه لها زوجها الأول مصطفي سعيد .

وما اشبه جريمة " حسنة" بجريمة مصطفى نفسه في لندن " جريمة حسنة " هي ثورة ضد التقاليد التي تحول المرأة إلى لعبة . وجريمة مصطفى سعيد هي قتل للوجدان الأوروبي المعقد ، والذي يعلن كراهيته واحتقاره لإفريقيا ثم يتمسك بها ويقبض عليها بأصابعه ، بل وينشب أظافره فيها حتى لا تضيع .. فموقف أوروبا من إفريقيا هو تظاهر بالكره يقابله حرص على إفريقيا وتمسك بها مستبد وعنيف . وهذا هو نفسه موقف الزوجة الانكليزية من زوجهـا الإفريقي مصطفى سعيد ... كانت تبدي له كرهاً وتمنعاً واحتقاراً ، وهي في الحقيقة تريده لتعتصره وتحقق متعتها ثم تعامله بعد ذلك كالكلب .

جريمة " حسنة " هي قتل للوجدان الإفريقي بتقاليده القديمة بحثاً عن وجدان إفريقي جديد ، وجريمة مصطفى سعيد قتل للوجدان الاوروبي باستبداده وعنفه ورغبته في السيطرة بحثاً عن وجدان أوروبي خال من التعقيد والمرض .

كل شئ في هذه الرواية الكبيرة له معناه : الحب والجنس والجريمة . بقى ان نلاحظ كيف مات مصطفى سعيد في الرواية ، لقد مات غريقاً في ماء النهر دون أن تطفو جثته أو تظهر بعد ذلك ، وهكذا اختارت أنامل الفنان الموهوب لبطله أن يذوب في النيل رمز الارض والاصل وإفريقيا .. رمز المنبع الكبير والبداية الصحيحة .

لقد مات مصطفى سعيد ميتة كبيرة لها مغزاها ، كما كان كل شئ في حياته له مغزاه ... ولعل النهر نفسه أراد أن يتطهر بالنور الذي وصل إليه مصطفى سعيد بعد تجارب شاقة وبعد اصطدام حاد وامتزاج عنيف بالحضارة الاوروبية . ولعل مصطفى سعيد أراد أن يتطهر هو ايضاً من آثامه الفكرية والجسدية في هذا النهر المقدس لأنه مصدر الحياة التي تدب على شطآنه !

ولعل مصطفى سعيد أراد أن يبعث ويعود إلى الحياة بعد امتزاجه بالنهر ... ليكون نوراً جديداً ينتشر في الرض الإفريقية ويبدد الظلام ويهدي السائرين الحائرين إلى الطريق ..
وأخيراً ماذا نجد في هذه الرواية من القيم الفنية ؟ .. نجد فيها كل شئ يحتاج إليه الفن العظيم . فعباراتها الجميلة ، تعتمد على لغة عربية في غاية الصفاء والاناقة والشاعرية . انها لغة ناصعة مصقولة مغسولة في نهر من الفن المقدس . لغة غنية بالأضواء والظلال ، مليئة بالشحنات العاطفية ، بعيدة عن التبذير والثرثرة . وموقف الطيب صالح من الحوار في هذه الرواية هو موقف نجيب محفوظ . انه يستعين بروح اللهجة العامية ويحافظ على الصياغة الفصيحة البسيطة ، لذلك تشعر وانت تقرأ الرواية بالروح الشعبية الصيلة ، دون أن تضيع في غابات لهجة محلية صعبة معقدة .

ففي حديث على لسان محجوب أحد شخصيات الرواية يقول " الراوي " عندما حزن حزناً عميقاً لانتحار حسنة بنت محمود :

" يا للعجب ، يا بني آدم اصح لنفسك ، عد لصوابك ، أصبحت عاشقاً آخر الزمن . جننت مثل ود الريس . المدارس والتعليم رهفت قلبك ، تبكي كالنساء ، أما والله عجايب . حب ومرض وبكاء ، إنها لم تكن تساوي مليماً ، لولا الحياء ما كانت تستاهل الدفن ، كنا نرميها في البحر ، ونترك جثتها للصقور " .

وهذا نموذج للحوار الفصيح الذي يحمل الكثير من الروح الشعبية ، بل وحتى من الصياغات الشعبية بعد قليل من الصقل والتعديل . وفي هذه الرواية قدرة خارقة على الوصف ، فالقرية الإفريقية مرسومة في هذه الرواية بريشة عبقرية ، انك تحس بها لوحة حية نادرة بكل ما فيها من بشر وحيوانات ونباتات وليال مقمرة وليال مظلمة ، إن هذا كله يتحرك ويصرخ من فرط حيويته وحراراته .

وفي الرواية شاعر كبير ، أدواته الفنية في منتهى الطاعة لرؤاه الفنية الفياضة .

ولنقف أمام بعض النماذج والمقاطع المختلفة من هذه الرواية ، فسوف ترى فيها قدرة الكاتب والفنان على الوصف ، وسوف نلمس بين السطور شاعرية أصيلة نادرة وصياغة فنية الأسلوب العربي ... لا شك أنها صياغة منفردة بشخصيتها الخاصة ... وهي صياغة قادرة على أن تمنح صاحبها مكاناً بارزاً بين كبار اصحاب الأساليب العربية اللامعين .

يقول الطيب في وصفه للصحراء :

" هذه الارض لا تنبت إلا الأنبياء . هذا القحط لا تداويه إلا السماء . هذه أرض اليأس والشعر " .

ويقول الطيب عن الصحراء ايضاً :

" تحت هذه السماء الرحيمة الجميلة أحس اننا جميعاً إخوة . الذي يسكر والذي يصلي والذي يسرق والذي يزني والذي يقاتل والذي يقتل . الينبوع نفسه . ولا أحد يعلم ماذا يدور في خلد الاله . لعله لا يبالي . لعله ليس غاضباً . في ليلة مثل هذه تحس أنك تستطيع أن ترقى إلى السماء على سلّم من الحبال . هذه أرض الشعر والممكن وابنتي اسمها آمال . سنهدم وسنبني وسنخضع الشمس ذاتها لإرادتنا وسنهزم الفقر بأي وسيلة . السواق الذي كان صامتاً طوال اليوم قد ارتفعت عقيرته بالغناء ، صوت عذب سلسبيل لا تحسب انه صوتـه .. يغني لسيارته كما كان الشعراء في الزمن القديم يغنون لجمالهم " .

وعندما كان مصطفى سعيد بطل الرواية يحاكم في لندن وقف يقول ، وما أروع ما يقوله الفنان على لسان بطله :

" إنني أسمع في هذه المحكمة صليل سيوف الرومان في قرطاجة ، وقعقعة سنابك خيل " أللنبي" وهي تطأ أرض القدس . البواخر مخرت عرض النيل لأول مرة تحمل المدافع لا الخبز ، وسكك الحديد انشئت أصلاً لنقل الجنود ، وقد أنشأوا المدارس ليعلمونا كيف نقول نعم بلغتهم . انهم جلبوا إلينا جرثومة العنف الاوروبي الأكبر الذي لم يشهد العالم مثيله من قبل ، جرثومة مرض فتاك اصابهم اكثر من ألف عام : نعم يا سادتي انني جئتكـم غازياً في عقر داركم . قطرة من السم الذي حقنتم به شرايين التاريخ . أنا لست عطيـلاً . عطيل كان أكذوبة " .

وعلى لسان محجوب أحد شخصيات الرواية يقول عن البطل مصطفى سعيد :

" تريد أن تعرف حقيقة مصطفى سعيد ؟ مصطفى سعيد هو في الحقيقة نبي الله الخضر يظهر فجأة ويغيب فجأة . والكنوز التي في هذه الغرفة هي كنوز الملك سليمان حملها الجان إلى هنا . وأنت عندك مفتاح . افتح يا سمسم ودعنا نفرق الذهب والجواهر على الناس " .

والنموذج الأخير الذي أود أن أقدمه هنا هو وصف الراوي لجده العجوز الذي يقترب من المائة :

" يا للغرابة .. يا للسخرية . الإنسان لمجرد أنه خلق عند خـط الاستواء ، بعض المجانين يعتبرونه عبداً وبعضهم يعتبرونه إلهاً . أين الاعتدال ؟ أين الاستواء ؟ .. وجدي بصوته النحيل وضحكته الخبيثة حين يكون على سجيته أين وضعه في هذا البساط الأحمدي ؟ هل هو حقيقة كما أزعم أنا وكما يبدو هو ؟ هل هو فوق هذه الفوضى ؟ لا أدري . ولكنه بقي على أي حال رغـم الأوبئة وفساد الحكام وقسوة الطبيعة ، وأنا موقن أن الموت حين يبرز له سيبتسم في وجه الموت " .

هذه النماذج كلها تكشف لنا ما في حوار الطيب صالح وأسلوبه وتصويره للشخصيات والمواقف من عذوبة وخصوبة وغنى فني وفكري عظيم .

وفي الرواية فوق ذلك كله امتزاج خصب أصيل بين فضائل الرواية التقليدية مثل التصوير الدقيق العميق للشخصيات وخلق الحكاية الممتعة التي تشد الأنفاس حتى النهاية ، وفضائل الرواية الحديثة التي تعتمد على تصوير الأحلام والعالم الداخلي للإنسان . لقد استخدم الطيب صالح في روايته جميع الأساليب المناسبة في مزيج فني سليم خصب وأصيل . ولذلك جاءت روايته في النهاية رواية عصرية من ناحية ، ولكنها من ناحية ثانية تفوح بالأصالة والارتباط بالتراث الروائي العربي والعالمي معاً . انها بعبارات اخرى "رواية عربية متطورة " تمثل خطوة جديدة في أدبنا الروائي ، بل وتفتح في تاريخ الرواية العربية صفحة جديدة مشرقة ... انها علامة من علامات الطريق في أدبنا العربي المعاصر .

وقد تصطدم هذه الرواية في النهاية ببعض البيئات الأدبية المحافظة ، وذلك بسبب بعض الفقرات التي تتحدث عن الجنس ، ورغم ان الرواية تحتفظ بجانب كبير من قيمتها أو استغنت عن هذه الفقرات ، إلا أنها بالتأكيد سوف تفقد شيئاً جوهرياً .. سوف تفقد ما فيها من صدق وحرارة ، وسوف تفقد ما فيها من طعم لاذع لاسع مرّ . إن هذه الرواية رغم صراحتها وجرأتها قد عالجت الجنس كجزء أساسي من بناء الرواية ونبضها الفني والإنساني ، وهذا ما يعطي لهذه الرواية الفذة كل الحق في أن تبقى نصاً كاملاً لا يتصرف فيه أحد حتى ولا كاتبه نفسه .
إن رواية " موسم الهجرة إلى الشمال " تعتبر من انضج نماذج الرواية العربية ، بل الرواية العالمية أيضاً في معالجتها لموضوع الجنس . إنها تواجه هذا الموضوع بجرأة فنية " بدائية " ولكنها شديدة الصدق والاصالة ، فالرواية رغم جرأتها لا تستسلم أبداً لموضوع الجنس . إن الجنس في هذه الرواية عنصر من عناصرها ، يخدم العمل الفني ، وتظهر المواقف الجنسية طبيعية في موضعهـا من الرواية وفي تعبيرها عن ضرورة فنية وموضوعية ، ومن واجـب حياتنا الأدبية أن تقابل هذا الموقف بجرأة وشجاعة ، ولا يجوز أن نخفي رؤوسنا في الرمال .. فنجعل حراماً على أدبائنا ما ليس حراماً على غيرهم ونمنعهم من أن يقتربوا من موضوع الجنس إذا دعاهم إلى ذلك فنهم وفكرهم وصدقهم مع الفن والحياة ، والواجب – هنا أن تتحقق حريتنا الفكرية والفنية بمواجهة الحقيقة لا بالهروب منها ، ولو استطاعت حياتنا الفنية أن تهضم الفقرات الجنسية من رواية الطيب صالح بدون مضض أو امتعاض ، فإنها بذلك تكون قد خطت مائة سنة أدبية إلى الأمام .... وإني لأتمنى أن يحدث هذا تماماً .

بقيت ملاحظة مؤسفة هي أن هذه الرواية العظيمة لم تنشر إلا في عدد واحد سابق من مجلة " حوار" التي كانت تصدر في بيروت ، ثم عصفت بها رياح الفكر الوطني الحر حيث كانت هذه المجلة تمثل منظمة حرية الثقافة العالمية ، التي تستمد التمويل والتوجيه من المخابرات الأمريكية . ولست اشك في أن الطيب صالح لا علاقة له بالمنظمة العالمية لحرية الثقافة ، فهو – كما تقول روايته في كل حرف منها – عبقرية عربية تنبض بوطنية صحيحة غير مريضة ولا ملتوية ، واذا كان من المؤسف أن هذه الرواية لم تنشر إلا في مجلة حوار ، فإنني اتمنى ان تنشرها دار نشر عربية في القاهرة أو بيروت بنصها الكامل (*) في أقرب وقت وتقدمها إلى القراء العرب في كل مكان لكي يلمسوا بعقولهم وعواطفهم ميلاد عبقرية جديدة في سماء الرواية العربية ن ولكي يشهدوا هذه الصفحة الجديدة المشرقة التي يفتحها في تاريخ الأدب العربي هذا الشاب الإفريقي الذي شرب من ماء النيل ، ولم ينس لونه ولا طعمه عندما سافر إلى لندن وشرب من مياه " التايمز " الانكليزي ، بل بقى إفريقيا وعربياً وإنساناً وقياً لجدوره الأصيلة . "

(*) صدرت الرواية عن دار العودة فيما بعد وصدرت ايضا جميع اعمال الطيب عن نفس الدار.

أبو بسام
03-06-2005, 03:55 AM
*في لجنة تحكيم جائزة الابداع الروائي العربي، كان الروائي السوداني الطيب صالح رئيساً للجنة، وحينها رفض الروائي صنع الله ابراهيم الجائزة فوق المنصة وأمام لجنة التحكيم مما دفع الطيب صالح إلى توجيه نقد شديد إلى صنع الله، وقال إنه كان من المفترض أن يرفض تسلم الجائزة ولا يأتي، وما فعله هو اهانة للجنة التحكيم فقط.
وهذا العام فاز الطيب صالح بالجائزة، ولم يرفض تسلمها واعتبرها أعظم تكريم له منذ بدأ كتابة الرواية.وبالفعل اكتسبت الجائزة هذا العام في دورتها الثانية أضواء غير عادية، تفوقت على الأضواء التي سلطت عليها في العام الماضي بفعل صدمة إعلان صنع الله ابراهيم رفضه لها في حضور وزير الثقافة فاروق حسني، معلنا رفضه للجهة المانحة التي تشرف على الجائزة وهي وزارة الثقافة.
كان اسم الطيب صالح في الثقافة العربية سببا في تلك الأضواء المبهرة للجائزة في العام الحالي، فمنذ حصل عليها، والاجواء الاحتفائية تسيطر على المنتديات الثقافية في مصر، وكان النجم الأول فيها صاحب «موسم الهجرة إلى الشمال» بثقلها الروائي العالمي.
في هذا الحوار مع الطيب يتحدث عن فعاليات الجائزة، وآخر ابداعاته والتغييرات التي يشهدها الوسط الأدبي والثقافي.
سألته في البداية عن فوزه المفاجئ بجائزة الابداع الروائي العربي؟..ولماذا انتقد في العام الماضي موقف صنع الله ابراهيم عندما كان رئيساً للجنة التحكيم بسبب رفضه الجائزة .. وهنا قال بصراحته الشديدة وبأسلوبه السوداني في الحديث الذي لا يزال يحتفظ به برغم سنوات الغربة الطويلة..
لم أكن أتوقع الفوز بالجائزة هذا العام، ولكني رغم حصولي على العديد من الجوائز إلا أن هذه الجائزة لها مذاق خاص بالنسبة لي، وأنا اشعر بالفخر والعزة لحصولي على أكبر جائزة للرواية بالعالم العربي، واهديها للسودان، هذا البلد الأفريقي الذي له تأثير واضح في التاريخ، ورغم ذلك لقي الاهمال في الثقافة العربية.

لم انتقد موقف
صنع الله ابراهيم
يواصل الطيب صالح حديثه قائلا:أما بالنسبة لموقفي في العام الماضي فأنا لم أنتقد موقف صنع الله ابراهيم حينما رفض الجائزة في الدورة السابقة، ولكنني انتقدت طريقة الرفض وقلت إن رفض أي كاتب للجوائز من أهله وبلده هو أمر لا جدوى له وليس له أي تأثير.
ورغم ان الكاتب حر في قبول الجائزة أو رفضها لكن عندما يرفضها عليه أن يرفضها بشكل مقبول بدلاً من رفضها بهذا الشكل الذي قام به صنع الله بعد أن صعد المسرح، كان عليه أن يرفض الجائزة ولا يأتي الحفل فهنا الاساءة بالرفض كانت نوعا من الاساءة إلى لجنة التحكيم العليا.
وأنا قبلت الجائزة لأنها اضافة إلى اسمي، وصنع الله ابراهيم حر في القبول أو الرفض كما إنني كذلك حر في القبول أو الرفض.
ولا يذكر اسم الطيب صالح بدون ذكر روايته الشهيرة عالميا «موسم الهجرة إلى الشمال»..بطل هذه الرواية (سعيد)سافر إلى انجلترا وصادف الحضارة الأخرى.. فهل كان المؤلف في هذه الستينيات يستبق ما تحاول أن تصل إليه ثقافة الحوار في الوقت الحالي من أن هناك ضرورة للتكامل مع الحضارات الغربية بدلا من صدام الحضارات الذي اصبح سمة سائدة بعد وقائع 11 سبتمبر.
يلتقط الطيب صالح الخيط بسرعة فيضيف:لا أرى داعيا لمسمى صدام الحضارات، وذلك لأن هناك مواجهات بين الحضارات وليس صدام. لقد كانت الرواية تعكس شخصية «سعيد» الآتي من مجتمع إسلامي إلى مجتمع غربي في وقت ما بين الحربين العالميتين، تلك الفترة التي بدأ فيها الاستعمار يتعمق داخل السودان ومصر، حاولت أن أؤكد من خلال هذه الرواية بأن البطل هو نتاج عالم عربي، ولكن بحكم دراسته المتطورة صار نتاج عالم آخر وهو العالم الأوروبي مما أحدث نوعاً من الانفصام في شخصيته وقد جعلني ذلك أستخدم الدلالة الرمزية في أسلوب تعامله مع هذا الواقع باعتباره من أمة مغلوبة على أمرها مما جعله يشعر بأنه هو أيضاً مستعمر ولكن بشكل آخر.

مسرح رواياته
وفي معظم روايات وأعمال الطيب صالح يتجلى المكان والبيئة القروية فهل يعني ذلك رسوخ الكاتب في عالمه الخاص وحياته التي نشأ فيها؟..والطيب صالح يقول عن ذلك: بالفعل اتخذت بلادي مسرحاً لمعظم كتاباتي فأنا مثل أي كاتب يتأثر بالبيئة التي نشأ فيها وتربى فيها، فرغم هجرتي إلى العديد من الدول إلا أن كتاباتي عن هذه البيئة تجعلني أشعر بالحنين دائماً إلى الوطن، هذا بالإضافة إلى أن البيئة السودانية غنية جداً وتعد مسرحاً ممتازا لنسج أحداث شتى، فهي تقع على وادي النيل وهي أيضاً امتداد لبادية أكبر في السودان وتعيش فيها قبيلة عربية تسمى الكبابيش، وظني أن هذه البلاد مليئة بالتراكمات الحضارية التي تثري المشهد البيئي لمعظم أحداث الروايات والكتابات التي قمت بكتابتها.
هنا قلت له:ما دمت ترى أن البيئة السودانية مليئة بالتراكمات الحضارية فهل انعكس ذلك على روايتك «عرس الزين»؟..يرد الطيب صالح:عرس الزين رواية مليئة بالحديث عن بيئة عشت فيها وأحببتها فحاولت أن أرسم وأرصد الحياة الاجتماعية والحضارية لهذه البيئة من كل جوانبها، وبالتالي حاولت رصد تلك المجموعات والقبائل التي نزحت إلى ديار البربر الكائنة على النيل، ومع اختلاطهم بالناس أصبحت بعد ذلك حياتهم مليئة بالثراء الاجتماعي والثقافي بالمنطقة وفي ظني أنني استطعت في هذه الرواية أن أرصد التواصل الإنساني والحضاري معاً ولكن في شكل مصغر مما يعطي دلالة رمزية لوجوب ذلك التواصل بين القبائل والحضارات الأخرى.

الثلاثية ومشهد الوضع
السوداني الحالي
يرى نقاد كثيرون أن ثلاثية الطيب صالح «بندر شاه وضو البيت ومريود» ترصد الوضع الحالي للسودان..ورؤيته شخصيا لذلك تعكس جانبين متناقضين فهو يقول إن هذا الكلام رغم أنه يسعدني إلا أنه يحزنني من جانب آخر، وعموماً الأديب لا يستطيع أن ينفصل عن واقعه لأن لديه إحساسا لاستشراف المستقبل ..وأرى أن الروايات هي نوع من الاكتشاف الفني لهذه البيئة الغنية التي هي عبارة عن تراكمات حضارية، حاولت من خلال هذه الأعمال أن أوضح إلى أي حد يؤثر الماضي والحاضر في المستقبل.
وما يحدث عندنا في السودان الآن، خاصة ما يتعلق برسم الخريطة السياسية لبلادنا التي يجب ان يكون الفصل فيها من قبل أهل السودان أنفسهم، فهو بلد واسع متنوع الحضارات، جنوبه أفريقي وشماله عربي وغربه نوبي، وشرقه له خصائص أخرى وانتماءات مختلفة، ومن هنا جاءت الصراعات، وما يحدث الآن هو مجرد توازن من جديد بين هذه القوى المتصارعة سياسياً وبناء على عقد اجتماعي جديد بين المجتمع بكل طوائفه.

ثلاثيتي وثلاثية نجيب محفوظ
كان لا بد أن أعقد مقارنة هنا بين ثلاثية الطيب صالح وثلاثية نجيب محفوظ التي رأى البعض أنهما قريبتان أو متشابهتان..لكن صالح يرد فورا على هذه المقارنة بقوله: لا أظن أنني حاولت تقليد ثلاثية الأديب الكبير نجيب محفوظ بل استطيع أن أقول إن الأسلوب واحد وهو محاولة الانغماس في البيئة.
رغم أن هناك اختلافا حتى في اسلوب التعامل في الانغماس لكلتا البيئتين، وأسلوبي هو انغماس في بيئتي ولكن على المستوى الأسطوري، بينما نجيب محفوظ تعامل مع واقعه بشكل أفضل مني لأن أسلوبه مليء بالواقعية وليست الأسطورية، فنجد «عرس الزين» تنفصل عن بندر شاه التي خرج منها جزءان (ضو البيت ومريود) لكن الذين يزعمون بأن هناك تشابها ربما وصلوا إلى ذلك من التشابه في مسرح الأحداث نفسها، أي في اختيارنا لبيئتنا وواقعنا رغم الاختلاف بين الواقعين.
ولا يختلف أحد على موهبة الطيب صالح وتفرده في الأدب العربي المعاصر، لكن الكثيرين يأخذون إنه لم يقدم من حيث الحجم روايات تتناسب مع هذه الموهبة لكي يثري بها الأدب العربي..وربما يكون السبب في قلة أعماله الروائية انشغاله بالكتابات النقدية..
بتعبير طريف يرد الطيب صالح:دائماً أقول إن الفن أشبه بالمعابد التي بها الساحرات تحرسها وأظن أنها ساحرات شريرة، واذا استسلم الكاتب لهذه الساحرات فبالتأكيد سوف يخسر كثيراً، لذلك احاول الدخول أو الخروج لهذا العالم ولكن بحذر..وأعتقد أن الكتابة بالنسبة لي هي نشاط ضمن أنشطة كثيرة اخرى أهتم بها مثل السفر والقراءة وسماع الموسيقى ومقابلة الأصدقاء.
أما بالنسبة للنقد فأنا لا أعتبر نفسي ناقداً وإنما مجرد قارئ جيد للآخرين وأرصد انطباعاتي عنهم من خلال مقالاتي..أحياناً ينظر إلى هذه المقالات على أنها نقدية.. ربما!

أعاني من الكتابة
والغريب أن صاحب «موسم الهجرة إلى الشمال» لا يحب الكتابة، برغم أنه ساحر في مفرداتها، موهوب في إنتاجها..يقول عنه من اقترب منه إنه يجد معاناة مع الورق..وهو هنا يعترف بذلك:بشكل عام أنا لا احب الكتابة، وأجد معاناة نفسية في التعبير، وأعتقد أن الحياة مليئة بالأشياء الأخرى التي يمكن ان ننشغل بها، وهذا عندي أفضل من الجلوس آخر الليل لأكتب، في الحالة الأخيرة أكون في أتعس حالاتي، وتزداد تعاستي حينما أملأ هذا الورق بالشخصيات الوهمية، ومشكلتي الكبرى هي كيفية التعبير عن هذا العالم الوهمي الذي قد يكون لا صلة له بالواقع، والحقيقة أن تلك الشخصيات صلتها بالواقع قليلة جداً.

الشعر والرواية
ولأن الطيب صالح روائي كبير، فمن المتوقع أن يكون مناصرا للرواية على حساب الشعر، أمام المتسائلين دوما عن الزمن الذي نعيشه، هل هو زمن الشعر أم زمن الرواية..لكنه يفاجئك بالعكس تماما عندما يرد:
أظن أنه رغم ازدهار الرواية في الفترات الأخيرة ومع أنني كاتب روائي إلا أنني أرى ان الزمن العربي زمن شعري والمزاج العربي مزاج شعري، الرواية الآن تبدو وكأنها ظاهرة على الساحة ولكن الشعر يحتفظ بتقدمه دوماً، ورغم كل ذلك فإن الرواية استطاعت أن تحفر لها مجرى في أرض الأدب العربي، ولا يمكن اغفال هذا الكم من الروايات الذي ملأ الحياة الثقافية.وأنا أرى أن هذا الشكل الأدبي من التعبير مريح للشباب ومشاكله وهذا شيء جيد، فنجد روائيين الآن من كل بلد مثل اليمن والسودان والصومال، بلاد كانت في الأطراف ولم تكن داخل سوق الأفكار العربية، ولكننا استطعنا أن نستفيد من الانتاج الثقافي للناس المنتجين للأفكار في العالم العربي مثل مصر وليبيا والعراق وسوريا، حتى تقدمنا نحن بالرواية الآن.

عقدة الخواجة
وقد استفاد الطيب صالح بلا شك من معايشته الطويلة لأقوام آخرين خارج حدود العالم العربي، وخرج بعناصر مشتركة بين الابداع الروائي العربي والابداع الروائي العالمي الذي بالتأكيد تطلع على كثير من أعماله..وعندما طرحت عليه هذا الافتراض قال:
من منظوري فإن الابداع العربي مزدهر جداً ولا يقل مستواه الأدبي عن أي مكان آخر في العالم، لكن مشكلتنا الرئيسية اننا نعتقد أن ما يأتي من الخارج هو أفضل مما عندنا، فنحن مصابون «بعقدة الخواجة» حتى في الأدب، وعلينا الآن ان نطرح أقلامنا وكتاباتنا في سوق الافكار لدى العالم.من حوالي عدة سنوات بدأنا نقرأ عن ادب أمريكا اللاتينية لانه أدب أصبح متاحا وجيدا..وللأسف أدبنا العربي تعوقه مشكلة التسويق للكتاب وبالتالي أصبح غير متاح بسبب ارتفاع أسعار الكتب أحياناً.

النقد والإبداع
لا بد لمن يحاور الطيب صالح أن يبحر معه إلى النقد كونه يكتب كثيرا من المقالات النقدية.. سألته: هل النقد يسير متوازيا مع الابداع الروائي؟.. فرد على مقولتي مؤكدا:
أنا أول من قال إن النقد يسير في تواز مع الإبداع، فالنقد ليس ذيلاً للعمل الإبداعي ولكنه مواز له، فهو في حد ذاته ابداع، وأنا أقرأه للمتعة كما أقرأ الشعر والروايات، وهناك نقاد عرب يمتعونني جداً مثل رجاء النقاش ومحمود أمين العالم وهناك شباب سعودي واعد في هذا المجال منهم (سعيد السريحي) و(فهد الحارثي).

المثقف والسلطة
هل ينبغي أن يكون المثقف في حظيرة السلطة وفق تعبير فاروق حسني وزير الثقافة المصري، أم أنه لا بد أن يبتعد عن السلطة وعن جوائزها المالية وفق رؤية صنع الله ابراهيم.
يقول الطيب صالح:
كلما بعد المثقف عن السلطة كان ذلك أفضل، ولكن يجب ان تكون بينهما ضوابط وطرق مفتوحة وقنوات للحوار، وعلى رجل السلطة أن يكون واعيا لما يقوله المفكر لأن رجل السلطة عادة ينصرف إلى الفعل ويقلل من الفكر، ولذا يجب ان يمده المثقف بالأفكار وتنشأ بينهما علاقة تكاملية قوية، الآن هناك خوف لدى رجال السلطة من المفكرين، وهذا الخوف لا محل له من الاعراب، فلم نسمع عن مفكر قام بانقلاب سياسي من قبل. أتذكر لصلاح جاهين في رباعياته ما يتناسب مع هذا القول :
أنا قلبي كان شخشيخة أصبح جرس..
ضربت بيه صحيوا الخدم والحرس أنا المهرج خفتوا ليه.. قمتوا ليه..لا في إيدي سيف ولا تحت مني جرس التهميش من الآخر
بعض المثقفين تسيطر عليهم نظرية المؤامرة..ويرون الآخر معاديا لهم محاولا تهميشهم..لثقافة العربية تعاني من هذه الرؤية الضبابية..فأي تهميش..ولماذا هي مستهدفة؟..
الطيب صالح على العكس لا يرى ذلك صحيحا وهو هنا يقول:
ليس هناك محاولات لتهميشنا ولا يستطيع أحد تهميش الثقافة العربية، ولا يوجد ما يسمى بالهجمة الشرسة، ربما هناك ضغوط ومشاكل، ولكن هذا موجود في العالم كله فلا نعول على أنفسنا لدرجة أن يصيبنا الشلل.وعادة الانسان الناهض تواجهه المشاكل، ولذا بدأنا نشعر بها لأننا نتقدم وننهض ونثير غيرة وحنق آخرين.وعلى الذين يكتبون مراثي عن العالم العربي أن يكفوا فنحن أمة لها حضارة عظيمة وامكانات لا حدود لها، أميركا فقط هي التي ارتكبت حماقات وجرائم عظمى في طمس معالم وحضارة بلد من حواضر العالم العربي، فنصف التاريخ العربي والإسلامي في العراق وهذه مأساة، ولكن هل تريد أميركا أن تفعل هذا بكل بلد عربي؟..لا أظن ولا تستطيع فنحن عالم راسخ التاريخ فقد مرت علينا أزمات ولم نمت ولن نموت وستظل ثقافتنا ولغتنا قائمة ومزدهرة، فالناس يجب ألا يفقدوا الثقة في أنفسهم.
سيرتي الذاتية
في النهاية يتساءل محبو أعمال الطيب صالح عن سيرته الذاتية..متي يكتبها..يفاجئنا بقوله:رصدت بالفعل جزءا كبيرا من سيرتي الذاتية في «مريود»و«ضو البيت» أما (دومة ود حامد) فقد تناولت فيها فكرة التمسك بالقديم وصعوبة التجديد والتناقض أحياناً ما بين العلم والخرافة والتراث، وأعتقد أن الكاتب لا بد أن يكشف بيئته وجذوره ويتمثل في ذلك تناوله لشخوص أعماله دون أن يدري ذلك، فأنا أحياناً أجد شبها ظاهريا بيني وبين سعيد في رواية «موسم الهجرة إلى الشمال» لأنه عاش وتزوج في لندن مثلما فعلت.. أما فيما يتعلق بسيرتي الذاتية فلا أجد داعياً لكتابتها.
سألته: توفيق الحكيم قال ان الرواية عنده تبدأ بفكرة ..كيف تبدأ الرواية عندك؟..أجابني الطيب صالح:
أبدأ بهيكل القصة، فأنا أكون قد فكرت في بعض الشخصيات وفي البيئة وأتركها عادة لمدة طويلة، لكن يمكن أن أبدأها من أي نقطة سواء أولها او منتصفها، ثم أعود للبداية قبل أن اكمل بالخاتمة، لكن دائماً يكون عندي تصور كامل تقريبي للموضوع، وأستخدم أسلوب التقطيع حينما أرى جزءا لا ينسجم مع السياق، فمثلاً في (موسم الهجرة إلى الشمال) قطعت أجزاء كثيرة من النص الأساسي، فقد كتبت مثلاً قضية المحكمة وصورتها تصويراً واقعياً وكنت قرأت قصصاً عن أشخاص قتلوا زوجاتهم وبعد ذلك قطعت هذا الجزء لأني وجدته يخل بتواتر العمل .

المصدر : مجلة المجلة