ماذا تعرف عن هؤلاء ؟ (30) ... عبدالله الغذامي

أبو بسام
18-04-2001, 06:10 AM
عبدالله محمد الغذامي.

استاذ النقد والنظرية قسم اللغة العربية كلية الآداب جامعة الملك سعود.

الميلاد: 1365/3/15ه 1946/2/15م. عنيزة السعودية.

الدراسة: في المعهد العلمي بعنيزة حتى الثانوية 1385ه (1965م).

ليسانس لغة عربية/ كلية اللغة العربية الرياض 1389(1969م).

البعثة: بريطانيا في الفترة من 1971/8/24إلى 1978/5/17.حيث حصل على الدكتوراه من جامعة (اكستر) عام

1978.العمل: في جامعة الملك عبدالعزيز جدة في الفترة من 1398ه (1978م) إلى 1409ه (1988م) حيث تولى تدريس مواد النقد والنظرية، وأسس قسم اللغة العربية، وأسس مجلة كلية الآداب، ورأس قسم الإعلام ثم قسم اللغة العربية، وأشرف على صياغة عدد من المشروعات العلمية مثل مركز التعريب ومركز البحث العلمي في الجامعة.

وفي عام 1409ه (1988م) انتقل إلى جامعة الملك سعود الرياض حيث يشغل درجة (أستاذ) النقد والنظرية.

النشاط: عمل نائباً للرئيس في النادي الأدبي الثقافي بجدة، منذ 1980م لمدة اثنتي عشرة سنة، وأسهم في صياغة المشروع الثقافي لهذا النادي في المحاضرات والندوات والمؤتمرات ونشر الكتب والترجمة.

الجوائز:

أ حصل على جائزة مكتب التربية العربي لدول الخليج في العلوم الإنسانية عام 1405ه (1985م).

ب حصل على جائزة مؤسسة العويس الثقافية في الدراسات النقدية، عام

1999.العضويات:

1 عضو هيئة التحرير لمجلة كلية الآداب والعلوم الإنسانية كلية الآداب جامعة الملك عبدالعزيز جدة، للفترة 1401 1403( 1981 1983).

2 عضو هيئة التحرير لمجلة علامات النادي الأدبي الثقافي بجدة للفترة ذي القعدة 1411 شعبان 1418(مايو 1991 ديسمبر 1997).

3 عضو هيئة الاشراف على مجلة (النص الجديد) قبرص، منذ جمادى الأولى 1414، (اكتوبر 1993).

4 عضو هيئة مجلة (كتابات معاصرة) بيروت، منذ

5.1996 عضو هيئة الهيئة الاستشارية ل(مجلة العلوم الإنسانية) كلية الآداب والتربية جامعة البحرين، منذ

6.1998 عضو الهيئة الاستشارية لمشروع (كتاب في جريدة) الذي تصدره اليونسكو بيروت، منذ

7.1997 عضو الهيئة الاستشارية لمركز الانماء الحضاري حلب، سورية.

8 عضو مجمع اللغة العربية بدمشق.نشاطات أخرى:

له اسهامات عربية وعالمية في الندوات والمؤتمرات والجمعيات، وقام بعدد من الزيارات العلمية إلى الجامعات الأمريكية في عام 1983لبيركلي (كاليفورنيا) وعام 1984لانديانا بلومنجتون، وفي الأعوام 1992و 1993و 1995إلى كل من دارتموث نيوهامبشاير، ومينابولس ميناسوتا، وايست لانسنج ميتشيجان.

المؤلفات:

1 الخطيئة والتكفير، من البنيوية إلى التشريحية، النادي الأدبي الثقافي، جدة 1985، (الرياض 1989 طبعة ثانية) و(دار سعاد الصباح، الكويت القاهرة، 1993طبعة ثالثة) و(الهيئة المصرية العامة للكتاب 1997، طبعة رابعة).

2 تشريح النص، مقاربات تشريحية لنصوص شعرية معاصرة، دار الطليعة، بيروت

3.1987 الصوت القديم الجديد، بحث في الجذور العربية لموسيقى الشعر الحديث، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة 1987، و(دار الأرض، الرياض 1991، طبعة ثانية و(مؤسسة اليمامة الصحفية، كتاب الرياض، الرياض 1999، طبعة ثالثة).

4 الموقف من الحداثة، دار البلاد، جدة 1987(الرياض 1992، طبعة ثانية).

5 الكتابة ضد الكتابة، دار الآداب، بيروت

6.1991 ثقافة الاسئلة، مقالات في النقد والنظرية، النادي الأدبي الثقافي، جدة 1992، و(دار سعاد الصباح، الكويت القاهرة 1993، طبعة ثانية.

7 القصيدة والنص المضاد، المركز الثقافي العربي، بيروت الدار البيضاء

8.1994 رحلة إلى جمهورية النظرية، مقاربات لقراءة وجه أمريكا الثقافي الشركة السعودية للأبحاث، جدة

9.1994 المشاكلة والاختلاف، قراءة في النظرية النقدية العربية وبحث في الشبيه المختلف، المركز الثقافي العربي، بيروت الدار البيضاء

10.1994 المرأة واللغة، المركز الثقافي العربي، بيروت الدار البيضاء 1996(طبعة ثانية 1997عن الدار نفسها).

11 ثقافة الوهم، مقاربات عن المرأة واللغة والجسد، المركز الثقافي العربي، بيروت الدار البيضاء

12.1998 حكاية سحارة، حكايات وأكاذيب، المركز الثقافي العربي، بيروت الدار البيضاء

13.1999 تأنيث القصيدة والقارئ المختلف، المركز الثقافي العربي، بيروت الدار البيضاء

14.1999 النقد الثقافي، مقدمة نظرية وقراءة في الأنساق الثقافية العربية، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء بيروت 2000(الطبعة الثانية 2001).
<p align=right dir=rtl>[تم تعديل هذه الرسالة بواسطة أبو بسام وقت التعديل: 03 مايو 2001]

قهر يزيد
18-04-2001, 06:19 AM
أعرف عن عبدالله الغذامي أنه أفضل ناقد في تاريخ الأدب الخليجي ومن النقاد العرب المتميزين بالجدة والجرأة والثقة والثبات ،وأعرف انه عانى كما عانينا من أجله حربا شعواء وصلت حدا خطيرا من القذف والتشهير ممن لاناقة لهم ولا (حتى صخلة)في عالم الأدب والنقد ,وقديما قالوا:اللي ما يعرف الصقر يسويه بروست.<IMG SRC="http://www.arabiyat.com/ubb/smilies/cwm15.gif" border=0>

------------------
قهر يزيد<p align=right dir=rtl>[تم تعديل هذه الرسالة بواسطة قهر يزيد وقت التعديل: 17 ابريل 2001]

أبو بسام
18-04-2001, 06:28 AM
جميلة هذه المعرفة ياقهر يزيد ... اتمنى ان نرى المزيد من هذه المعرفة بالغذامي الافضل .. واللي
وسيقولون حديثا(( ... حط عليه كتشب يحلى ..))

العواجي
18-04-2001, 06:45 AM
استاذي <FONT COLOR="Red">ابو بسام</FONT c>
هذا والله رجل اشهر من نار على علم في ادبنا المعاصر..
وهو ممن تصدى للحداثيين وصدح بالقول الحق وقوم الكثير منهم ..
استاذي اضفت لي الكثير من المعلومات حول حياته ..
تقبل من تلميذك الكسول كل تقدير ومحبه..<IMG SRC="http://www.arabiyat.com/ubb/smilies/cwm38.gif" border=0>
اخوك
العواجي

------------------
صاحبي ماقول عنه أبداً وتوبه..
ياهلابه وبعيوبه وبذنوبه ياهلا
ان وصلني ياهلا….وان خذلني ياهلا…
صاحبي والا فلا
***** صالح الشادي *****

أبو بسام
18-04-2001, 06:55 AM
أخي العواجي ..
شكرا لطيبة قلبك
وشكرا لردك واطراءاك ..
وأتمنى أن اكون أتيت بشي مفيد ...
كما أتمنى أن من يعرف شي اغفلته جهلا او نسيانا مني .. ان يورده هنا لتعم الفائدة للجميع .. فهذه المواضيع ليست حكرا على ابي بسام فقط ..
اكرر شكري اخي العواجي ..
تقبل خالص تقديري
ولك حبي

أبو بسام
20-04-2001, 05:04 AM
بقلم د. عبدالله محمد الغذامي

* ماذا تفعل ان كنت بلا جمهور....؟!

هذا سؤال واجه النادي الأدبي/ الثقافي بجدة عام 1400ه "1980م" وذلك بعد انتخاب "نعم انتخاب" الإدارة الثانية برئاسة عبدالفتاح أبو مدين، خلفا للإدارة الأولى برئاسة العواد، رحمه الله. ولست أعرف شيئا عن فترة العواد إذ ان علاقتي بالنادي ابتدأت مع الفترة الثانية وكنت نائبا للرئيس فيها.

وسؤال الجمهور فرض نفسه من أول جلسة عقدتها الإدارة، وساد الظن وقتها بأن اختيار اسم كبير وموضوع علمي جليل كفيلان باحضار الناس الى النادي، وكانت المبادرة باستدعاء استاذ مصري جليل ليفتتح أول نشاطات ذلك الموسم، وجاء الضيف من مصر، وتمت الدعوات والإعلانات، وفي ليلة الجد اكتشفنا ان القاعة خالية، ولا أحد حولنا، وهنا صار الحرج. فنحن أمام ضيف مهم ونحن أيضا بصدد الشروع في موسم نتوسمه حافلا وقويا، كما اننا تحت ضغط الحماس والتطلع لعمل شيء ذي بال للثقافة في مدينة ينظر إليها، ذلك الوقت، على انها مدينة المال والتجارة، وكنا نود ان نكشف انها ايضا مدينة للثقافة والفعل الثقافي، والحق ان الناس كلهم في تلك الفترة كانوا منهمكين في ما سمي بفترة الطفرة وكان شغل الناس الشاغل ليس الفكر والثقافة. وذلك في كل أرجاء البلاد. وكان في نفوسنا تطلع لكسر تلك الصورة وتغيير الوضع. ولكن....؟

هاهي القاعة خالية وليس بيدنا أ ي حل، غير ان فكرة ماكرة سنحت في ذهن زميلنا الشريف منصور، أحد اعضاء النادي، فخرج إلى الشوارع المجاورة للنادي، وكان في جمع من دكاكين للبنشر، وراح يدور على العمال هناك ويقول لهم ان في النادي حفلة وعشاء وتصويرا تلفزيونيا، ظل يحثهم على حضور تلك الحفلة وتزيينها لهم.

وجاء جمع من العمال الذين امتلأ بهم الصف الأول، غير ان ما كنا نخشاه هو ان يفر هؤلاء العمال أثناء المحاضرة، ولذا قررنا الجلوس من خلفهم وتطويقهم حتى لا يفروا وانشغلنا طول الوقت بالايحاء إليهم بأن الحفلة ستبدأ بعد ان ينتهي هذا الرجل من الكلام. خدعة بيضاء حلت مشكلة تلك الليلة ولكنها فتحت الباب على الإشكال الأكبر وهو ما الحل...؟.

وهنا قرر النادي أن يذهب هو إلى الناس ما داموا لن يأتوا إليه. وظهرت فكرة بأن شريحة طلاب المدارس الثانوية ستكون بمثابة استثمار للمستقبل، وتصورنا ان عقد المحاضرات في احدى المدارس الثانوية سيكون صفقة مجدية تستحق التجريب. وتم الاتفاق مع إدارة مدارس الثغر النموذجية بجدة لكي تقام المحاضرات في قاعتهم، ورحبوا بنا وبدأ البرنامج عندهم مع أمل في حضور الطلاب واساتذة اللغة العربية والاجتماعيات، وأقام النادي هناك بضع محاضرات، غير ان ما كنا نؤمله لم يتحقق، إذ لم يحضر من منسوبي المدارس أحد، لا طلاب ولا اساتذة، واكتفوا بأن وهبونا المكان.

وهنا قررنا التوجه إلى الجامعة، وصرنا نستعير قاعة المحاضرات في جامعة الملك عبدالعزيز، وهي قاعة كبيرة تكشف بشكل فاضح عدد الحضور وقلتهم، وجاء الحل هنا أيضا بالحيلة، وبما انني كنت وقتها رئيسا لقسم اللغة العربية فقد استعنت بأساتذة القسم لكي يجلبوا طلابهم المسائيين معهم في مواد الإعداد العام ومواد التخصص، ويعدونهم بشيء من العلامات مقابل حضورهم، ولم نر في ذلك بأسا لأن المحاضرات تدخل في مجالهم، كما اننا كنا نستشعر معنى الحديث الشريف عن الذين يدخلون الجنة بالسلاسل، ولما سئل الرسول ~ عنهم قال هم الذين يجبرون على العبادة أو ما في معناه .

واستمر أمرنا على هذا المنوال، غير اننا احسسنا ان عملنا من داخل الجامعة قد عزلنا عن المجتمع ولم يحقق لنا وجودا اجتماعيا، وهو ما نطمح إليه.

ثم جاءت فكرة ظنناها جهنمية ورائدة حين شروقها في الذهن وهي ان نتجه إلى الجمهور الرياضي، وجرى الاتفاق مع نادي الاتحاد لاقامة المحاضرات في قاعة النادي من أجل كسب جمهور هذا النادي الجماهيري، ومن أجل تحقيق مقولة العقل السليم في الجسم السليم، ووافقت إدارة الاتحاد مشكورة على استضافتنا في النادي.

وفي ليلة الفرح كان المحاضر هو الدكتور حسن ظاظا، رحمه الله، وكنت مسؤولا عن تلك المحاضرة، ولذا اتجهت إلى النادي مبكرا بصحبة الدكتور عبدالله المعطاني، وعلى سيارته، وحينما اقبلنا على النادي هالنا وجود اقطار من السيارات الواقفة في مواقف النادي حتى لقد عجزنا عن الحصول على موقف قريب واضطررنا للبحث عن موقف وراء موقف حتى توقفنا بعيدا عن النادي، وهنا عم نفوسنا فرح عجيب إذ احسسنا بالنجاح ونشوة التحقق، وخامرنا في الوقت ذاته نوع من الندم المر على الأيام الماضية وكيف غفلنا عن هذا الجمهور العظيم المتعطش للحضور. وهذه السيارات الواقفة تشهد بنجاحنا الليلة. هكذا كان هاجسنا، ما بين فرح بما نرى وندم على ما فات. وبلاش جامعة وبلاش مدارس ثغر. هذا هو الجسم السليم يستقبل العقل السليم ويا سلام سلم.

وفي غمرة هذا الفرح ولجنا إلى البهو وقد بقي على موعد المحاضرة ربع ساعة، ومن عجب ان البهو كان خاليا لا أحد فيه، غير اننا قلنا ان الناس قد سبقونا إلى قاعة المحاضرات، ورحنا مسرعين إلى القاعة يحدونا الفرح والسؤال وشيء يسير من الشك، غير ان مرأى السيارات الواقفة خلفنا يطارد الشك. وما ان دلفنا إلى القاعة حتى هالنا الفراغ البارد فيها، ولم يك سوى المكيف المركزي الذي يفح وكأنه ينوح من وقع الوحدة والهجر، ومعه الأضواء الباهرة التي تكشف وحشة المكان وخلو المقاعد، وفي الوسط طاولة المنصة وعليها قوارير الماء وسماعات المكرفون لتؤكد كرم أصحاب الدار وأريحيتهم، غير أن لا أحد حولنا.

وهرعنا إلى الإدارة نسألهم أين الناس ولمن هذه السيارات، خاصة أن لا مباريات ولا تمارين في ذلك اليوم، وجاء الجواب بأن الناس يأتون للنادي كل ليلة للسباحة ولعب الألعاب الكثيرة في النادي.. وماذا عن المحاضرة.. ألا يوجد من يود اللعب بالكلمات...؟ سألناهم ليردوا ضاحكين، ولنستأنف نحن غاضبين ومتوترين فنحن بانتظار محاضر سيأتي، ونحتاج لمن يأتي يستمع له، قلنا لهم لنغريهم انه متحدث دمث خفيف الظل وانهم لن يندموا أبداً على الحضور وسيستمتعون به وحديثه. ولم يك بيد المدير إلا ان قال لنا انه سيوجه نداء بالمكبرات على كل الملاعب يقول لهم ان هناك محاضرا لطيفا خفيف الدم وسيجدون ان فكرة العقل السليم في الجسم السليم مسألة تستأهل التجريب.

وظل المكبر الصوتي يصرخ بأصحاب الأجسام السليمة ويعرض عليهم صفقة العقل السليم، ولكن لا أحد، ولا أحد.

ومرت علينا ليلة ليلاء اكتشفنا فيها ان العقل السليم ليس في الجسم السليم ولكنه في الجسم العليل. وقالوا لنا صفوا صفين قلنا حنا اثنين.. وتوتا توتا ولم تنته الحدوتة، وفي الحلقة القادمة مزيد عن حكاية النادي المهاجر أبدا بحثاً عن جمهور.
من جريدة الرياض

أبو بسام
27-04-2001, 03:45 PM
الجزء الثاني من المقال اعلاه والمنشور في جريدة الرياض
-------------

* ظل النادي الأدبي الثقافي بجدة يترحل كترحال البدو الباحثين عن المرعى، حيث ظل يبحث عن جمهور يتعامل مع النادي برغبة في الحضور والاستماع، ومر عليه خمسة اعوام من البحث والتجريب، ما بين عامي 1400الى 1405، وهو يعاني من حالة انسداد في دوائر الاستقبال الجماهيري لما يقدمه النادي، وليس له من جمهور الا ما يمكن ان نسميه الجمهور الرسمي، وهو الجمهور المكون من عدد من الوجهاء في جدة مع عدد من الأكاديميين وعدد من الصحفيين، وهم مجموعة محددة العدد ومعينة بأسمائها وصفاتها. ولم يخرج عن الدائرة المحددة سوى اعداد من طلاب الجامعة، ومن قسم اللغة العربية بالتحديد، كان النادي يوفر لهم حافلات تنقلهم من سكن الطلاب في الجامعة إلى النادي، وقد سهل هذه العملية كون أبي مدين مديراً عاماً لمؤسسة البلاد وكان يرسل حافلات المؤسسة المخصصة أصلاً لنقل منسوبي الجريدة، يرسلها لنقل الطلاب، وكنت في المقابل رئيساً لقسم اللغة العربية ( 1401ـ 1403) وكان لي بعض دالة في دفع طلاب القسم للحضور، وفي التأثير على اساتذتهم لحثهم على ذلك، ولم يك الأمر يخلو من وعد بعلامات يحصل عليها الطالب عبر مناقشة ما كان قيل في محاضرات النادي. وكانت المحاضرات تمس صميم تخصصات أولئك الطلاب.
ظل الأمر على هذا المنوال وكان النادي فعلاً يستجدي الناس لكي يحضروا ويضع لهم المغريات من مثل تقديم عشاء فاخر بعد المحاضرة، وإقامة المحاضرات في المطاعم الفاخرة، ومن مطعم يقع في الدور العاشر على سطح احدى العمارات في دوار فلسطين، وله اطلالة بديعة على شوارع جدة المتلألئة بالأضواء ليلاً، وكان هذا منظراً خلاباً كان النادي يصطاد به خيال الجمهور ورغبة الحضور للمتعة البصرية والعقلية. ولقد عقد النادي عدداً من الفعاليات في ذلك المكان الجذاب فعلاً غير أن هذه الجاذبية المتوخاة لم تكن تجذب إلا أقواماً ليسوا بحاجة إلى أي من هذا الإغراء لكي يحضروا، ومن كنا نأمل حضورهم لم يحضروا، وظل النادي يتنقل بين فنادق جدة من فندق الى فندق، ومعه الصحافة تعلن وتغري، ولكن لا احد.
وفجأة تحولنا من لا أحد إلى ألف شخص في محاضرة واحدة. ولكن كيف ..؟!
لقد جاءت نار الحداثة، تلك النار التي انضجت كل ما هو نيء في جسد الثقافة، وفي عام 1405(1985) وقع ما لم نكن نحلم بوقوعه.
لقد تبنى النادي سؤال الحوار حول الحداثة والبنيوية وما بعد البنيوية من نقد ألسني ونصوصي وتشريحي. ولقد كان لهذا بريق وطرافة.
وكان للحداثة مؤيدون ومناصرون، وكان لها ايضاً خصوم، وهم كثر وكثر، وما بين مؤيد يدعو ويوضح ويبرر، ومخاصم يهاجم ويفند، اشتعل الجو بالحوار وحوار الحوار واشتغلت الصحافة بالإثارة وطرح الأسئلة، وجاء الناس الى النادي، ولم نكن هذه المرة بحاجة إلى علامات للطلاب ولا إلى اغراء العشاء ولا إلى الترحل بحثاً عن الناس. لقد جاء الناس إلينا والتهبت القاعة وتوترت، حتى لقد بلغ عدد الحضور الألف وزاد عن الالف، وكانت الوجوه جديدة، ومن شرائح متنوعة.
كان الناس يأتون من مكة المكرمة ومن الطائف، بل من الرياض والدمام وجيزان والقصيم وحائل، وأحسسنا بالحوار فعلاً.
نعم كان بعض ذلك الحوار صاخباً وحاداً واتهامياً، ولكنه كان حواراً فعلاً، وكانت الكلمة والبرهان والمحاجة والمجادلة هي قاعدة اللعبة، ودخل مجتمعنا لأول مرة في حوار مفتوح، وتقابلت الأطراف كلها وتكلم كل طرف بما يرى، وحضر عندنا اهم خصومنا وأخطرهم وهو أحمد الشيباني، وكان لمحمد عبدالله مليباري موقعه المتقدم في الصف، وكذا علي العمير وعبدالكريم نيازي، الذي أخذ المنصة يوماً ليقول عني ما لم يقله مالك في الخمر، وكنت أنا مدير الندوة، ولم يجد نيازي أي عائق في أن يهاجم ويقول كل ما يريد في موقع أهل النادي وممثلي التيار ومنظريه.
ويشهد على ذلك كله رجال من أهل الحياد والخبرة من مثل محمد حسين زيدان وعزيز ضياء ومحمود عارف وأبو تراب الظاهري وعبدالله بالخير ومحمد عبده يماني، وغيرهم من وجهاء المجتمع، الذين كانوا يحضرون ليباركوا الحوار ويدفعوا للمجادلة في الحسنى، حتى لقد تدخل الاستاذ الزيدان مرة للرد على النيازي الذي زود العيار في هجوم شخصي علي، وبلغ به الأمر أن قدح وعرض بما لا يليق ولم اك انوي الرد عليه، ولكن الزيدان ـ رحمه الله ـ لم يطق صبراً على تعدي الحدود، وكان رد الزيدان غاية في الحكمة والوقار والمصالحة. رحم الله الجميع، وبارك في تلك الايام من الحوار الذي اشرقت به ليالي جدة.
كانت أيدينا في النادي على قلوبنا بعد كل ليلة من تلك الليالي النارية، وكنا نخاف من تدخل المسؤولين لايقاف الحوار، ولو وقف لعدنا إلى أيام عمال البنشر .
ـ كما قلنا في الحلقة الماضية ـ غير ان مما يحمد للمسؤولين أنهم تركونا وشأننا.
وما كنا نشك بوجود ممثلين يرقبون الوضع، وهذا من حقهم، ولم نجهل ذلك.
ولكن التربص جاء من حيث لم نحتسب، حيث اكتشفنا مراراً أن اقواماً محسوبين على الثقافة، ومن لهم اسماء في التأليف والصحافة، وكانوا لا يحضرون للنادي، على الرغم من دعواتنا لهم، رسمياً وشخصياً، وبكل أنواع الوجاهات، ومع عدم اكتراثهم اكتشفنا أنهم يجمعون التواقيع ويكتبون الكتابات السرية الموقعة من مجموعات يطالبون بفصل عبدالفتاح أبو مدين ويشنعون علينا وعلى أفكارنا، مع اأن احدهم كان بعث الى يستجديني كي اكتب عنه، واعتذرت منه بأدب واشعرته ان عمله لا يتوافق مع مقولاتي، ولكنه يستجديك من جهة ويتربص بناديك ورئيسه ونجاحات الفكر في بلدنا من جهة أخرى، ولقد قام هذا الشخص بجمع التواقيع، وساعده رجال من أهل البلد ومن الوسط المتسمي بالثقافة المتنطع بها. وسعوا مراراً وتكراراً لقتل النادي وقتل الفكر وأهله. ولقد افلحوا مرتين وجاء قرار بعزل عبدالفتاح ابو مدين وإبعاده، ونشرت الصحافة الخبر. وتم تعيين البديل، وكانت الكارثة، لولا لطف الله الذي سخر للنادي جنوداً لم نرهم لم نحتسبهم، ومن هؤلاء الدكتورة فائقة بدر، ومجموعة من رجال جدة على رأسهم عبدالمقصود خوجه الذين كتبوا خطابات يدافعون عن النادي. ولقد استجاب المرحوم الأمير فيصل بن فهد، وأعاد الأمور إى نصابها. غير إن أهل الضغينة اقوى من ان يصبروا فانتظروا حتى حانت الفرصة بأن غلط النادي غلطة غير محسوبة، فصارت ضربتهم الثانية. غير أن الله يعلاج بلطفه كل مصائب هذا النادي، وفي المرة الثانية كان الأمير فيصل، هو من رد الامور الى نصابها، وامر بقفل هذا الباب، وختم الله للنادي بخير، ولا شك أن الاستاذ عبدالله الشهيل كان على قدر من المسؤولية في تفهم الموقف ودحر الشكوك. ومن عجب ان زملاء لنا في قسم اللغة العربية كانوا على حال من التربص بالنادي مدفوعين بغيض لا حدود له أدى بهم الى المكيدة للنادي ولأهله والدسيسة، وقد عشت شخصياً مع هؤلاء في جو لا يحتمله بشر، ورأيت كيف تفعل الضغينة بالبشر، ولقد صبرت سنوات حتى أعياني الصبر والتحمل واضطررت إلى الانتقال للرياض فراراً من جو الدسائس والتربص والرغبة في القتل المعنوي والتصفية بوسائل لا تليق دينا ولا خلقاً. ولن افتح صفحة هذا القسم المنكوب بالضغينة الآن، وقد اكتب عن ذلك يوماً وعن كيف يكون للنجاح خصوم من انواع شتى.
مرت الأيام حادة ونارية، والنادي يعمل واكتشف النادي أن العمل الحي والحوار المتابع للقضايا الحية هو ما يجلب الناس، وأن الناس سيأتون إذا قدمت لهم ما يلامس همهم الثقافي والاجتماعي، وليس الى ذلك من طريق سوى الشجاعة المعنوية من جهة والتعرف على القضايا الحية وفتح الحوار حولها، على أن الخصوم يصنعون مجدك أكثر من الأصدقاء، وخصوم الفكرة هم من سيحييها ويعممها، ويقويها من حيث حفزك على شرح موقفك ونظريتك، هذه تجربة النادي. وهذه افضل طريقة لصناعة جمهور.
ولن يفوتني أن أشير إلى مسألتين مهمتين أولاهما موقف الصحافة من النادي وقد كان لها دور كبير، وإن قست وتحاملت احياناً، الا أن الصحافة أسهمت مع النادي في فتح آفاق الحوار، وصار الناس يتابعون عبر الصحف كل ما يحدث في هذا النادي الذي صنع لغة الخطاب عندنا على مدى عقد كامل، ولم يخلفه أحد ولم يفعل فعله احد، والسر هو الحوار الحي حول القضايا الحية.
والثانية مسألة شخصية أسجلها في حق عبدالفتاح أبو مدين وهي أنه لولا هذا الرجل لما جلست أنا شخصياً في النادي عشر سنوات، وذلك ان هذا الرجل على قدر عال من تقدير المشورة والرأي ثم الشجاعة في التنفيذ، مع الفصل التام بين ما يراه هو شخصياً وبين ما يجب عمله ولا يستبد برأيه الخاص في مشاريع عامة تهم الوسط كله، وهذه مزية نادرة، وهي مزية الرجال العاملين وهي ما يمنحهم قدرة على خلق الجو العام وفتح آفاق العمل. ولقد قبل أبو مدين الأسئلة ورحب بالتحديات وتحمل التبعات. فكان العاملون معه يشعرون أنهم مع رجل فتح عقله للآراء وسمح لأفكار العمل أن تأخذ مجراها وترك الحوار هو المتحكم في الموقف. لهذا بقيت في النادي وعملت، وما زلت أحمل أجمل صورة للعمل مع فريق ومن اجل قضية علمية.
أقول هذا القول بمناسبة احتفال النادي بمرور خمس وعشرين سنة على انشائه وعقبال خمسين سنة أيها النادي الفاعل والمؤسس.

الشايب
02-05-2001, 07:46 AM
الحقيقة الذي نعلمه أن د. عبدالله الغذامي هو من أعمدة الحداثة ... ماذا تقولون؟

أبو بسام
03-05-2001, 12:16 PM
عبدالله الغذامي في مسعى البحث عن قيمة إبداعية للأنوثة
بقلم/ فاطمة المحسن
"الكتابة عمل مضاد من خلال مسعاها إلى تجاوز كل الآخرين ومحاولة نفيهم بواسطة اختلافها عنهم وتميزها عما لديهم، كما أنها عمل يتضاد مع الذات الكاتبة من حيث ان الكتابة كإبداع هي ادعاء كوني يفوق الذات الفاعلة ويتمدد فوقها متجاوزاً اياها وكاسراً ظروفها وحدودها".

وأجدني في مناقشة نصوص الغذامي، مستعينة بهذا النص الذي ورد في إصداره "الكتابة ضد الكتابة"، قبل عقد من الزمن. والفائدة التي أجنيها هنا كما أتخيل، لا تتحدد بمحاولة فهم آلية تفكير الغذامي حسب، بل لسوق حجة في دور النقد في حياتنا، ذاك لأن الغذامي في كل احواله، ظاهرة في بلده، يمكن أخذها في الأعم الأشمل عربياً، من حيث هي مسعى للتجاوز ومبعث على الأسئلة غير المستقرة فحركة المعرفة لديه مرنة تتحمل نقض مسلماتها، وان تبدو على درجة من التماسك والاندفاع والثقة العالية بموضوعها وقناعاتها.

ويجد القارئ في مادة الغذامي ما يغذي تصوره عن ثنائية الوظيفة النقدية، تلك التي تكمن خلف الموقف الجمالي فيها، رغبة في ارساء الأصول، ذلك لأن الغذامي الذي يقول في كتابه (الخطيئة والتكفير) أنه نزاع إلى النقد الألسني، هو أقرب إلى تربوي يدرك أهمية دوره في مجتمع تحتاج ذائقته الأدبية إلى قدر من الجرأة، لا لتجلي جماليات النص الأدبي، بل لتعرف كيف تتفاعل مع الحياة وتتذوقها.

على هذا اختار الغذامي من خلال محاورته العملية النقدية أو التورط فيها، المناطق الأشد وعورة في عصب المسلمات الاجتماعية والأدبية، متمترساً بثقافة تراثية، ومواكبا حقل الأفكار والتنظيرات الغربية. فالغذامي حظي بزاد علمي وفير، وأكسبته خبرة التدريس قدرة على الاستفاضة في الشرح والتفصيل مع وضوح يقرب مقاصده إلى القارئ. وهذه الإبانة في مادته تتطلب فيما تتطلب، نظاماً معرفياً لا يؤدي بصاحبه نحو التشتت أو يعوق مسعاه عن الوصول إلى هدفه. وهو مجتهد في هذا الميدان ويصاحب اجتهاده نزعة حماسية تؤدي به إلى مواقع الخلاف لا التوافق، الخلاف لا مع الآخرين حسب، بل مع أفكاره هو التي يعيد انتاجها في بعض المواقع على نحو يقوضها. ولعل هذا الامر يبدو في عرفنا العربي نقيصة تتطلب الاستدراك، في وقت تحتاج فيه الثقافة العربية باستمرار إلى ديناميكية الاختلاف، فهي النافذة التي يتجدد عبرها هواء المعرفة، وينبت في حاضنتها المهاد النظري للعقل النقدي وتضعف بواسطتها ثقافة البروتوكولات.

ولأن الغذامي ميال إلى استجلاء مراكز التوحيد في الخطاب الأدبي، فهو يتخذ من علم اللغة المبني الذي يصله بالمعنى الأشمل وبفائدته الأعم، مستهدياً بما استطاعت الدراسات اللغوية المعاصرة تجاوزه من مديات الأدب لتناوش بالنقد مظاهر الحياة الأخرى.

وبهذا المعنى يغدو الغذامي متميزاً في التقاط روح العصر وخطابه النقدي ليستدرك مشكلات مجتمعه أو روح عصره هو وسردياته الخاصة به. هي مهمة عسيرة. فالتأويل، والحالة هذه، من الحساسية بمكان ما يجعله يخضع إلى امكانية تجويز ما لا يجوز بمعنى اسقاط ظاهرة مجتمعات متقدمة على مجتمعات متخلفة مثل مجتمعاتنا.

بيد أن الأمر عند الغذامي يتخذ مظهر الحملات المظفرة التي يشن فيها الحرب على القديم والبالي من الأفكار بأسلحة تتجنب مزالق التغريب أو الغربنة، بل تتجه بحججها في رحلة عكسية نحو تلك المواقع غير المستثمرة في التراث أو العادات والمعتقدات، لتجلو عنها الغبار ولتخرج منها وجهيها الانساني والمستهجن معاً، ومع هذا ليس من السهولة بمكان ان نقول ان دبلوماسية الغذامي النقدية، قد وقته في الجانب الآخر، الحملات المضادة التي شنها عليه الحداثيون، تلك التي تنعى عليه منهجاً يأخذ من التراث والمحلية بصيغتها القديمة، أدوات لمناقشة الحداثة والتحديث الأدبي، أي أنه يجمع في سلة ما لا يجتمع من المتناقضات.

الغذامي في تمايزه، يأخذ في اعتباره ليس فقط الوضع العربي، بل وضع بلاده كون السعودية مركزاً اسلامياً لا تضاهيه كل المراكز الأخرى من حيث الموقع والدور. على هذا الاعتبار تخضع حركة الفكر فيه إلى تجاذب صورة الموقع المثالية عن نفسه، وصورة تشكّلها كل اسقاطات تخلف العالم الإسلامي عليه. كيف يقيض لرجل ثقافة مثل الغذامي التصدي بتلك المنهجية النادرة في مثابرتها وتكريس وقته وكتاباته إلى موضوع المرأة من دون ان يدرك حجم ورطة مجتمعه ومجتمعاتنا العربية، وورطة الرجل قبل المرأة في مسألة التخلف، تلك التي تنسحب إلى الذوق والحساسية الإنسانية؟ كيف له أن يدرك القيمة الجمالية للوجود، ان لم يكن على بينة من أن عصب التقدم العلمي ومبعث الابداع والابتكار لا يتماشى مع مجتمعات تقصي وتشل نصف طاقاتها، وتحول النصف الآخر بسبب هذا الخلل، إلى تمركز طفلي على الذات، مشوه العاطفة وغير قادر على ادراك غنى التحاور الانساني؟

لعل الغذامي الذي كرس جل كتاباته إلى تتبع جذور ظاهرة التخلف في الخطاب الأدبي الذكوري، كان رائداً على أكثر من صعيد، رائداً على مستوى دراسة الظاهرة الاجتماعية من حيث هي تعبير جمالي، كما كان رائداً على مستوى الأخذ بمرجعيات تتبع الظاهرة منذ منشأها الأول ومحاججتها بالوسائل التي تعكزت عليها في بلورة تصوراتها عن العالم. ومن النادر ان نقف عند جهد لأديب عربي على هذه الدرجة من المثابرة في ربط مصير مقترحاته الجمالية مع هذه القضية. لماذا اختار الغذامي المرأة والعلاقة اللغوية بها كقرينة تعبيرية على نوع الثقافة العربية ومنطقها؟ وهل يصح ان نقول ان بحثه في منطق الفحولة والفحل في السياق الأدبي العربي ينطلق من احتمال أخذه بمنهج النقد النسوي الذي يرى في الثقافة الغربية، ثقافة بطرياركية، أي ثقافة الفحولة في النهاية؟

في التصور الأول يبدو الغذامي على صلة بهذه وتلك من النشاطات المتعددة المستويات والمتواشجة الأهداف. فهو اختار في الأصل موضوعاً لم يشبع في ثقافتنا العربية المعاصرة والقديمة، كما أن بحثه في الميدان الأدبي يقربه بالضرورة من مهمة النقد النسوي الذي تكاد تختص به النساء في الغرب،بيد ان المتورطات فيه من العربيات قلة شبه نادرة، وهو حقل مهمل في الترجمات التي تتبناها دور النشر العربية.

غير أن تلك الجوانب مجتمعة تستجيب إلى حاجة إنسانية وحضارية ما عادت تقبل التأجيل. فإثراء الممارسة المنهجية لتقصي الأبعاد الخفية في هذا الموضوع ومن قبل ناقد من الرجال، يفضي بالضرورة إلى حقائق إنسانية تقع خارج نطاق الأدب وتشمل حقولاً أوسع من الأدبية.

دراسة الأداء التعبيري بجماعيته التاريخية وبمدلوله السايكولوجي الذاتي، يستطيع بالضرورة ملء الفجوات بين تاريخ الأدب وعلم اللغة والأسلوب. وهي فجوات بيّنة في ثقافتنا العربية. فالاستقراء النفسي من خلال تلك الدراسات هو سعي إلى ادراك الروح الجماعية في حركة الكتابة، وهي حركة فردية قدر ما هي نتائج تصور الكتّاب عن عصرهم ومراحلهم، فالحاجات الاجتماعية والاهواء التي تنطوي عليها واهدافها المضمرة والمعلنة، تحدث تبدلات لغوية في غاية الاهمية ودراسة الدلالات التي تنطوي عليها في اللغة الأدبية تؤدي بالضرورة إلى متابعة حركة الذهن الاجتماعي في مراحل نكوصه وتطوره، فسيادة الشعر والشاعر في ثقافتنا، واعلاء الشاعر لأناه، كما يقول الغذامي، هو انعكاس لشعرنة الوجدان العربي الذي لا يستطيع مواجهة العالم على نحو واقعي وموضوعي، فيغدو خطابه بالضرورة خطاباً سلطوياً يكرس اناه على حساب الأضعف والمهمش ثقافياً. جادل الغذامي في المكون اللغوي بعلائقه السايكولوجية والسوسيولوجية، الذي جعل الشعر العربي يتمسك بثقافة الفحل والفحولة خلال تاريخه الطويل، تلك الثقافة المهيمنة التي جعلته يرتد في رحلة حداثته الثانية من خطاب يأخذ بالأنوثة مكوناً لأنسنة الكتابة وتقريبها من الواقع والحياة، إلى فكرة تأهيل البطل الفحل كي يعود إلى موقعه.

بدأ الغذامي رحلته تلك منذ الثمانينات في دراسات متفرقة، لحين ما أصدر كتابه (المرأة واللغة) 1996م وكانت قد سبقته محاولات في المغرب العربي ولعل من أبرزها دراسة محمد نور الدين أفاية (الهوية والاختلاف) 1988م ودراسة رشيدة بنمسعود المهمة (المرأة والكتابة) 1994م وعند عدد من كتاب وكاتبات المشرق العربي مثل يمنى العيد، خالدة سعيد، جورج طرابيشي، عفيف فراج، وإن على هيئة نقود تطاول النتاج النسوي العربي وبعض تصورات عن الكيفية التي يرى الكاتب العربي فيها المرأة موضوعاً وذاتا، وكيف ترى الكاتبة ذاتها من خلال ما تنتجه هي من تصورات عن العالم، إضافة إلى مباحث النسوية التي كانت فيها نوال السعداوي رائدة ثم تطور خطابها على يد فاطمة المرنيسي.

غير ان الغذامي انطلق من مكونات النتاج المحلي فكراً شعبياً وثقافة تتعاطاها الكتابة المدونة. هذا الربط يطاول الحالة الاجتماعية قبل ان يحاور الأدبي فيها، مستشهداً بثلاثة نصوص تكتب على الطريقة القديمة والحديثة والرومانسية، مقاصد البحث في هذا الميدان كانت في بدايتها تتجاوز غاية الموضوع لتؤكد على وسيلته ففي مقاله (نماذج المرأة في الفعل الشعري المعاصر) الذي نشره في دورية محلية في العام 1987م، ثم صدر في كتابه "الكتابة ضد الكتابة" 1991م، في هذا الكتاب يطلب المؤلف من الشعراء الذين كانوا موضوع بحثه، الرد على مادته، كما يطلب من ناقد محايد المشاركة فيه، لا لإيمان بقوة حججه، بل لإثارة النقاش الذي يحمل بين طياته امكانية التخطي أو امكانية مراقبة الذات الكاتبة لنفسها وتصوراتها عن الحب والعلاقة بالمرأة. ولعل حماس الغذامي في اشراك الآخرين في موضوعه، يدرج في باب توقه إلى ما يمكن ان نسميه إحداث الصدمة والزعزعة. فهو يبحث عن مغامرة خارج حدود التوقع كمن يلقي حجراً في البركة الساكنة. غير ان مسعاه بتدرجه يلقي الضوء على امكانية تشكل وعي عربي نقدي لا يترفع عن الخوض في موضوع لطالما اعرض عنه الكتاب الرجال استصغاراً لأهميته أو اعتباره من المشاغل الثانوية التي قد تتطلبها بحوث مبتسرة ولكنه لا يحتل ضمن مسعاهم مكانة مركزية. وعي الغذامي يمضي بعزم لا يكل إلى فتح تلك الصفحة المطوية التي كانت موضع سخرية واتهام بالتعصب يحاصر الكاتبات اللواتي خضن في ميدانها، ليس من قبل الرجال ، بل من قبل البيئة الثقافية بمجموعها. فالمرأة التي تخوض غمار هذا الموضوع تصبح عرضة سهلة إلى النقد الذي يحاربها بكل الموروثات الثقافية، القديمة منها والمعاصرة.

ولعل هشاشة الكثير من الابداع النسوي الذي يتمركز حول موضوع المرأة ومساواتها، وقلة المباحث التي ناقشت اللامساواة في عالمنا العربي وتجلياته في الحقل الأدبي، ساعدا على بقاء هذا الموضوع مهمشاً وغير فاعل في المحاور الثقافية العربية الراهنة. فهو حقل جديد وغريب على موروثنا الأدبي والفكر الاجتماعي العربي بمجموعه، مع ان ادراك ضرورته واهميته القصوى قد بدأ منذ النهضويين الأوائل، أي منذ الطهطاوي إلى قسم أمين الذي دشن المعارف العربية مطلع القرن العشرين بكتابه الرائد (المرأة الجديدة) 1900، اضافة إلى اسهامة مي زيادة وباحثة البادية (ملك حفني ناصف) وعائشة التيمورية وغيرهن من الرائدات.

كتاب الغذامي (المرأة واللغة) 1996م هو النقلة الثانية في تاريخه النقدي، والأكثر جذرية وإقداماً على محاورة النص العربي والتاريخ والمكان، لتقصي موقف الاقصاء الذي تعرضت له المرأة. فعلاقة المرأة باللغة هو استقصاء معرفي في امكانية المرأة على تخطي موقعها من موضوع لغوي إلى ذات فاعلة، ف"طريق المرأة كما يقول إلى موقع لغوي ابداعي لن يكون إلا عبر المحاولة الواعية نحو تأسيس قيمة ابداعية للأنوثة تضارع (الفحولة) وتنافسها من خلال كتابة تحمل سمات (الانوثة) وتقدمها في النص اللغوي لا على أنها (استرجال)، وإنما بوصفها قيمة ابداعية تجعل (الانوثة) مصطلحاً ابداعياً بازاء مصطلح "الفحولة".

إن الغذامي يتقدم نحو مواقع راديكالية عندما يطالب بلغة (انثوية)، فالتمايز بين لغتين هو اعتراف بالفصل اللغوي، وهي قضية شائكة تبدو للكاتبات انفسهن صعوبة تثبيتها حقيقة واقعة في حياتنا الأدبية، وعندما ينكر الغذامي الثقافة الفحولية واللغة التي تعبر عنها، فهو ملزم والحالة هذه، بالدفاع عن أدب بديل ولغة بديلة، أدب يكتبه الرجال والنساء معاً ولكنه يخلو من نبرة التسلط والانا العليا التي تلغي الآخرين. غير ان الغذامي يصوغ ممهدات لموضوعه تنطلق من غياب النص الانثوي المدون وغياب حضور المرأة ككاتبة، وعندما تتيقن المرأة من قدرتها على أن تكتب بوصفها امرأة. فالخطوة الأولى تبدأ في تخليص القراءة من سلطة الرجل وذلك بتحويل القارئة إلى فاعلة واعية تعي المقروء وتقاوم نوازعه الاستلابية، ولا تستسلم لإرادة ذلك الذي استبد باستعبادها ثم أخذ يستبد في تحريرها حسبما استشهد به الغذامي من أقوال لباحثة البادية، مؤكداً أن مصطلح القراءة انثوياً لن يتحقق الا بمقاومة الشوفينية الذكورية.

في الحالة العربية يرى الغذامي أن تدوين الانوثة هو النقلة التي بقيت معلقة تنتظر التنفيذ بعد ان نسب التاريخ للمرأة الحكي وجعل الكتابة للرجل. وهو عندما يقف عند صورة شهرزاد باعتبارها ممثلة لحالة المرأة الحكواتية لا المرأة التي تدون ابداعها، ينظر من جهة أخرى إلى موقعها الذي يصبح بالضرورة، شاهداً على زمن ثقافي وحضاري كامل. فهي تمثل كما يقول، صورة التحدي والصراع من أجل بقاء الذات وبقاء الجنس جسدياً ومعنوياً. وهذا الصراع ينبني على سحر اللغة (سحر البيان) وعلى لعبة المجاز والسرد، وهي لعبة متجذرة في صميم الفعل اللغوي والاسطوري، عبر شهرزاد وقصها يدلف المؤلف إلى تفسير ما يسميه النص/ الأنثى، بطاقة الخصب فيه أي قدرته على التوالد، ثم محاولته تغيير موقع الفهم لدور المرأة من خائنة حسب الميثولوجيات القديمة التي تبيح دمها والغاء وجودها، إلى مبادرة تحتاجها الحياة كأم ولود، وهي معادلة تعيد اليها المكانة والاحترام بازالة صفة الجارية عنها.

وعندما خرجت المرأة حسبما يقول الغذامي من ليل الحكي إلى نهار اللغة، كما حصل مطلع القرن العشرين وما قبله، تحول الجيل الرائد من الكاتبات العربيات إلى (حكاية حضارية) فيها من الألم أكثر مما فيها من المتعة، وفيها من الخسارة أكثر مما فيها من المكاسب. دخول المرأة إلى عالم الكتابة كما يقول الغذامي، مثل دخول قروية إلى المدينة أول مرة، فهي مهددة بالضياع والخوف وفقدان الأمان، وهذا ما حصل مع الكثير من الرائدات وبينهن مي زيادة وباحثة البادية (ملك حفني ناصف" فقد دفعن عقلهن ثمنا لهذا المصير الذي نذرن أرواحهن له. ذلك لأن فعل الكتابة يرتبط بالوعي، والوعي مقلق، فالمرأة المثقفة أكثر وعياً بوجودها. وهي نهب لمرض الاكتئاب حين تقع في الهوة الممتدة بين الهوية المكتسبة والهوية المفقودة، بين الجزء المقتول من الذات والجزء الذي يحتاج إلى صراع مرير للحفاظ عليه. هكذا يمضي الغذامي في تقصي ظاهرة اكتئاب الكاتبة التي ينتجها تاريخ من الحصار، فهي تدخل حقلا احتله الرجل ولا يريد فيه منافسا.

عندما يناقش الغذامي فكرة الفحولة في الثقافة واللغة الادبية، يرفض فكرة المرأة ضد انوثتها التي يرى في كتابات غادة السمان امثولة تنكر فيها المرأة نفسها كقيمة عندما تتماهى مع ما يريده الرجل منها. فهي تعود من كل معارك الرفض إلى موقع الاستسلام في مجازها القصصي. وهي والحالة هذه تغدو عاجزة عن تجاوز مملكة الفحولة وغير قادرة على تأنيث المكان والذاكرة.

ويعود الغذامي إلى افكار النسوية عندما يرى بان المرأة ان كتبت فهي تكتب وتحكي وتبدع ضد نفسها، لأنها تتكلم بلغة الرجل وثقافته وتفكر بتفكيره. وهو تفكير احتل اللغة واستعمر الثقافة حتى صارت اللغة رجلا وصارت الثقافة ذكرا. أهمية هذا الكتاب تتحدد في منظومته المعرفية التي ترتكز على نواة اعاد انتاجها في كتابه اللاحق "النقد الثقافي/ قراءة في الانساق الثقافية العربية" وان على نحو أكثر شمولية، ولا يخص المرأة وحدها. ما بين الكتابين صلة رحمية تقوم على محاججة مفهوم الفحل والفحولة في النص العربي، وتلك المحاججة تمتد إلى مواقع البحث في طبيعة هذا النص الذي يتحرك ضمن انساق المراتبية البطرياركية في تحديد أولوياته النص الذي يعلي مكانة الشاعر باعتباره مركزا كونيا تدور حوله كل مجرات المعرفة متجاوزا الأصوات الأخرى. ومفهوم الفحولة الذي استخدم منذ التصنيفات الشعرية العربية الأولى، ينسحب الى يومنا هذا على ما تنتجه سلطته من إقصاء للآخر الأضعف ذكرا كان أم أنثى.

في كتابه "تأنيث القصيدة والقارئ المختلف" 1999يجد ان الفتح الشعري الحديث تم على يد امرأة وهي نازك الملائكة، وهو بالطبع تطور في مفهوم الغذامي نفسه الذي انكر على نازك الملائكة الأولوية في كتابه "الصوت القديم الجديد" 1991.وهاجم كل تصوراتها عن أولوية قصيدة "الكوليرا" التي يرى انها كانت مسبوقة بتجارب منذ مطلع القرن، وتدعي الشاعرة الجهل بها كي تنسب الريادة إلى نفسها، في حين انها كانت "حرة في صياغة المقطع الأول فحسب، بينما هي ملتزمة في ما تلاه من مقاطع. وهذا ليس بالشعر الحر". ص

41.رحلة الغذامي في نص نازك الملائكة قد اختلفت بعد أقل من عقدين، غير ان المهم فيها تلك المرونة التي استطاع فيها الغذامي التعامل مع تصوراته النقدية، فلم يكن على رغبة في التمسك بها بعد ان وجد نفسه وقد عاد من رحلة المعرفة المضنية بحصيلة كانت مخاض توافق النزعتين لديه: نزعة الاحساس بالخلل الإنساني في قول الشعر العربي الرجولي، ونزعة البحث عن البديل أو الجديد في الخطاب الادبي عموما. المهم في الأمر ان مقال الغذامي في "الصوت القديم الجديد" الذي هاجم فيه ريادة نازك الملائكة كان قد كتبه في الاصل عام 1981ونشره في مجلة جامعية، كان قد استدركه في كتابه الآخر "الكتابة ضد الكتابة" 1991أي سنة صدور الكتاب الذي حواه المقال، وفيه يحاور الشعر السعودي من موقع علاقة هذا الشعر بالمرأة كموضوع، ومن خلاله يناوش موضوع أو مفهوم الفحولة في الشعر العربي وان على نحو أولي لا يوازي سبره الدقيق لهذا الموضوع في كتابه "المرأة واللغة" 1996أو في كتابه "تأنيث القصيدة والقارئ المختلف" 1999.في كتابه الأخير يكرس الغذامي دفاعه عن نازك المنظرة لا الشاعرة فقط، كما يؤكد ان حركة الشعر الحر في العراق كانت تهدف إلى تأنيث اللغة سواء صدر شعرها عن الرجل أو المرأة ويرى في شعر السياب مثالا لهذا المسعى. اختارت نازك الملائكة البحور الصافية لكتابة الشعر الجديد وتركت البحور الأخرى كالطويل والمنسرح وغيرها، ويرى في خيارها هذا استعانة بالنصف المؤنث من بحور العروض. انه ينظر إلى حركة الشعر الحر باعتبارها "حادثة ثقافية" لها دلالتها الحضارية. فالشاعر الحديث أقرب إلى البشرية والواقعية الانسانية، فهو ابتعد عن القول الذي يظهر الفحولة بوصفها ذاتا مغلقة لا تقيم وزنا للآخر، فالآخر ليس سوى صدى للذات كما صاغه المتنبي "انا الصائح المحكي والآخر الصدى". في حين دخل الهامشي واليومي والمقموع في قول الشاعر الحديث.

على هذا يقول: "ان التأنيث مرتبط بالخطاب اللغوي، لهو نسق ثقافي يصدر عن الرجال كما ان التذكير نسق ثقافي آخر يصدر عن النساء مثلما يصدر عن الرجال". والغذامي عندما يناقش الانوثة لا يحصرها بفعل لغوي بل يراها كقيمة انسانية ينبغي ان يحتويها الخطاب الشعري للرجال والنساء معا، مثلما هي قيمة جمالية. ويرى ان الشاعرة العربية لم تسع في السابق إلى تأنيث القصيدة لأنها سعت إلى مساواتها مع الرجل، أي مع الفحل. فهي تتبرأ من أنوثتها لأنها تنظر إليها مثلما ينظر إليها الرجل الفحل، على انها دونية وضعف.

تطورت متابعة الغذامي لموضوع الفحل والفحولة في كتابه "النقد الثقافي/ قراءة في الانساق الثقافية العربية" الصادر في العام

2000.وهو بحث في السلوكيات الجمالية العربية التي تنتج أعرافها الأدبية واشاراتها الاجتماعية. فتلك السلوكيات، ليست مجرد "رؤى" تولدها دوافع نفسية فردية وتجارب تعود على الفنان وحده، بل هي تشكل في المحصلة سياق المتعارفات والقيم في الحياة الجمعية.

لعل الذي تطور في منهج الغذامي هو تلك المحاولة وبتصديه للشعر والشاعر وشعرنة الواقع، يكون قد اجتاز الخط الاحمر في ثقافة تجد تعبيراتها في تنوع أجناسها الادبية. الشعر في ثقافتنا يملك سلطة لا تقتصر على الادب بل تشمل الحياة. ونتخيل ان صوت الغذامي هو صدى ارتطام اجتماعي يحتاج فيما يحتاج، إلى زعزعة الاسس الراسخة في البناء الذهني الذي لا يقتصر على الفن وحده. انه نتاج حراك اجتماعي من القوة والاندفاع، ما يجد في تورياته النقدية للانماط المهيمنة في الثقافة، القدرة على تجاوزها إلى ما هو أعم واشمل منها. فرغبته في تعريف انماط الهيمنة الثقافية العربية منذ الشعر الجاهلي حتى اليوم، والتصدي لها لا تحتاج الى منطق حداثوي أو ما بعد حداثوي، كي تمسك بمنهجها الواضح وغايتها المرجوة. وجهده النظري في مقدمة كتابه "النقد الثقافي" على اهميته، يبدو وكأنه توطئة لعلمانوية تحمل في اهابها بعض الرهبة من مادتها الاساسية. فهو يدرك ان تاريخ الافكار في منطقتنا يحتاج إلى التواري خلف مجازه اللغوي منذ الافغاني حتى اليوم. فالتصدي لمفهوم البطرياركية في الشعر وتقويض بنيانه، يبدو في المحصلة مناوشة للواقع بمنظوماته الاجتماعية والسياسية. ومهمته والحالة في هذه، مهمة تنويرية، ولكنها مهمة مكبلة أيضا بتعاليمها على اليومي والواقعي والقارئ العادي. فهي تلجأ إلى ثقافة أخرى تملك تاريخها ومنظومتها المعرفية التي انتجها احداثيات ووقائع حضارية، لم يقيض لنا ان نمر بها، ورجع صداها في عالمنا لا يتشابه مع تأثيراتها في عالم المنشأ. وعلى أهمية التثاقف في نشوء كل المنظومات المعرفية العربية، غير ان تأثيرات إعادة انتاج الثقافة والمصطلح الغربي وراء الكثير من فجوات المعرفة العربية. الغذامي في معركته المزدوجة مع الماضي والحاضر الثقافي، يدرك دوره كرجل تنوير يبغي انتشال القارئ المضلل من ضلالته، وهو لا يقصر تلك المواجهة على هذا القارئ، بل يضع في اعتباره ثقافة الرطانة ذاتها، ثقافة التعويم التي تأخذ بالمصطلح الغربي باعتباره ايقونة، فيقدم هو ايقوناته في تلك المقدمة التي لا يحتاج من زادها إلا القليل. ولكن الغذامي في واقعية مناقشته لاستخدام المصطلح الذي يبني عليه قوله، يجتهد في تكوين بيئة مناسبة تقربه من لب القول ومقاصده، وبهذا يبعده عن تأويلاته الموغلة في تغريبها، وهو اجراء يوسع دائرة الجدل التي يتحرك في اطارها بما فيها جدله مع المصطلح وكيفية فهمه له.

يحاول الغذامي في كتابه هذا التحرك داخل مساحة التواصل الادبي وفي المقدمة منها الاعراف والثوابت والتقاليد المشتركة بين الكاتب والمتلقي. وفي تلك المساحة أو الحيز حيث تنشأ الألفة بين النص والقارئ تتقدم اشارات ومعايير اجتماعية وتاريخية هي مرجعيات هذا النص.

النسق الذي يتخذه الغذامي ما يشبه الشيفرة في محاور موضوعه، هو نظام علاقات حسب مفهومه الحديث، علاقات تعمل على بلورة منطق التفكير الادبي في النص كما تحدد الابعاد والخلفيات التي تعتمدها الرؤية. وكل حقبة لها نسقها الفكري ونسقها الاجتماعي التي هي نماذج ومفاهيم عن الواقع تتحول الاحتمالات فيها إلى بنية ذات معنى. ونجدنا هنا في معرض العودة إلى ما يراه الغذامي، في وارد استبعاد تعريفه المجرد إلى وضع محدد في هذا النسق، حينما يؤكد على التعارض بين نسقين أو نظامين من انظمة الخطاب الواحد احدهما ظاهر والآخر مضمر، ويكون المضمر ناقضا وناسخا للظاهر، ويشترط في النص الذي يخضع للقراءة هنا ان يحقق اتفاقا على جماله وقوة تأثيره أي ان يكون جماهيريا. والغذامي يتجه في مشروعه هذا كما يقول الى كشف حيل الثقافة في تمرير انساقها تحت اقنعة ووسائل خفية، واهم حيله هي الحيلة "الجمالية" التي من تحتها يجري تمرير اخطر الانساق واشدها تحكما فينا. ويرى ان هذا الكشف، ينبغي ان يسلم بالقيمة الفنية وغيرها من القيم النصوصية التي تلعب دورا خطرا من حيث هي اقنعة تختبئ تحتها الانساق.

تأتي وظيفة النقد الثقافي من كونه نظرية في نقد المستهلك الثقافي وليس نقد الثقافة بالمطلق، كما يقول وهو يرصد هذا النتاج في تلبسه ورطة التخالف بين الجمالي فيه والعقلي حيث يناقض المقبول فيه، المعقول الفكري. ويدعو إلى نظريات في "القبحيات" لأن الجماليات البلاغية تضمر اضرارها وقبحياتها". على هذا يرى الغذامي ان الشعر باعتباره ديوان العرب، كان المخزن الخطير لهذه الانساق وهو الجرثومة المستترة بالجماليات، والتي ظلت تفرز نماذجها جيلا بعد جيل في كل التجليات الثقافية بدءا من النثر الذي تشعرن، إلى الخطاب الفكري والسياسي والتأليفي بما فيه النقدي، وكذلك في انماط السلوك والقيم ولغة الذات مع نفسها ومع الآخر.

يكرس الغذامي محاور تتبع ما يسميه قبحيات الثقافة العربية بموضوع اختراع الفحل. وهو موضوع يسائل فيه التاريخ عن الكيفية التي اجتمعت فيها عند شاعر مثل المتنبي سمتان: مبدع عظيم وشحاذ عظيم. وعلته تلك التي هي علة الشعر وورطته جعلت خطاب الثقافة العربية خطابا منافقا ومزيفا، وغير واقعي وغير حقيقي وغير عقلاني، كما يقول. هل صورة "الأنا" الطاغية صيغة متجذرة واصيلة أم انها اختراع شعري تسرب إلى سائر الخطابات والسلوكيات؟ هذا السؤال المدخل يفضي بالغذامي إلى قلب المقولة التي تقول ان الثقافة والنتاج الادبي هما انعكاس لواقع مادي واجتماعي، أي انه يراها النتاج الروحي للصفوة. وهي مقولة وجيهة ان كانت تؤدي في اعتباراتها الى انتاج شعر المديح والهجاء التي تؤطر صورة الشاعر عند الغذامي بمحددات هجائية: شخصية الشحاذ البليغ والمثقف المنافق والطاغية الفحل والشرير الذي يخاف عداوته الناس. والغذامي لا يرى افقا في الثقافة العربية المتشعرنة حتى بعد ان احتل النثر فيها موقعا متقدما، فالشعر عند العرب كما يؤكد، ثقافة طاردة للغة المخالفة وهي تسكن جلد النثر ليتحول الى سجع لا قيمة عقلية له. وبهذا يحذف الغذامي تاريخا مهما للنثر بدأ في أقل تقدير عند اخوان الصفا ومنهم التوحيدي كما تقول الروايات، ليصل الفلسفة العربية في عهد الدويلات في الاندلس بزهو ذلك المنجز الذي قامت نهضة أوروبا العقلية على يد أحد صناعه ونقصد ابن رشد. هل نحذف والحالة هذه التصور الذي يقول ان اهمية النثر تبرز في المجتمعات التي يتطور فيها المنجز العلمي والعقلي، هذا ما تؤكده الوقائع في تاريخ العرب منذ عهد المأمون على اقل تقدير وصولا الى عهد الدويلات في المغرب العربي؟.

مع كل الذي حصل بقيت الثقافة الشعرية راسخة في الوجدان العربي ومتسيدة، وبقيت عيوب خطابها النسقي هي عيوب تلك المجتمعات التي تجعل من مثقف من عيار التوحيدي أو ابن رشد أو ابن خلدون، يقدم خلاصة جهده إلى أمير أو حاكم. وحصل مثل هذا في أوروبا وكل حضارات العالم. لعل الصفوة الثقافية بما فيها الشاعر تتفاعل مع مكونات البنى الاجتماعية التي تسهم في تشكيلها مثلما تسهم تلك البنى الاجتماعية في بلورة تصورات تلك النخبة عن العالم والواقع. فشعر المديح نشأ في حاضنة القبيلة التي انتجت قيم الافتخار الكاذب بالذات، التي تحتاجها في معارك البقاء؟.

ونحسب ان الشاعر المداح والهجاء لم يبتعدا عن القيم القبلية كما حاول ان يبرهن الغذامي، بل كان خطابهما نتاجا لهذه القيم حتى بعد ان تطورت القبيلة لتغدو مؤسسات سياسية في عهد الأمبراطورية الإسلامية.

لعل استنتاجات الغذامي حول الفحل والفحولة والشعر في عالمنا العربي فيها الكثير من الواقعية والموضوعية، فهي تنطلق من موقع شجاع تتحدى فيه الافكار السائدة وتتقصى في نقدها التطبيقي مواقع الخلل في منظومة العرب الفكرية، والاهم فيها موقفها الاخلاقي الذي تحتاجه الثقافة كي تكتسب قيمتها الانسانية. غير ان المعيار الموضوعي للاخلاقية يبقي معيارا تاريخيا يتبدل تبعا للنظام الاجتماعي، وقد تسفر عملية التطور عن عود الى القديم، ولكن العلاقات السببية التي تنتج العطوب القيمية في هذه الفترة وتلك، تبقى متعددة ولا يمكن ردها الى نسق معين هو النسق القديم ذاته، أو توحيدها وفق خطاب اسبارطي، فأنا المتنبي غير أنا ادونيس المتفرنسة، وفحولة الشاعر القديم غير فحولة نزار قباني المتغنجة المتغندرة!.. ربما يشكل هذا الموضوع ورطة جمالية ان لم نضعه على محك التوصل الى حكم تقريبي، يجنب الكاتب منزلق اليقينيات. فالنظرة المثالية الواحدية حجبت عن الغذامي علل الداء في مجتمعنا التي سبب تخلفها تدهور موقع المرأة والمثقف والثقافة والابداع فيها. فإن نظرنا الى المثقف حتى وهو في حالة غياب وعيه، على انه كل معطى بذاته وليس نتيجة انظمة وقوانين وظروف وبنى اجتماعية تكون ثقافته وتوجه منطقه، مثلما يفعل هو في ترسيخ مفاهيمها، نكون والحالة هذه قد حملناه وزرا كي نبعد الوزر دون ان ندري ربما، عن الأقوى منه وهو السلطة السياسية العربية التي لم تكن يوما بحاجة إلى شاعر أو مثقف كي تسود على هذا النحو المشوه في عالمنا العربي. وان اصبح هذا المثقف أو الشاعر أداة من أدواتها، أو تماهى خطابه مع خطابها حتى ولو كان معارضا لها، ذاك لاننا نعيش في مجتمعات ما تزال تشكو من العزلة والتخلف والخوف وشيوع الخرافة في كل مروياتها، وكلها تبعدنا سنوات ضوئية عن حضارة اليوم التي لم تعد بها حاجة إلى شاعر يقرر مصير ذائقتها، أو طاغية يدفع بها إلى مزيد من العزلة والخوف.

(لندن)

أبو بسام
03-05-2001, 12:17 PM
الغذامي والنقد الثقافي ومشاعر الخطيئة والتكفير
بقلم / نادر كاظم
* استطاع عبدالله الغذامي، بجدة أطروحاته وأصالتها وصدقها، أن يكون ظاهرة مركزية في الثقافة العربية الحديثة، ظاهرة يتحلق حولها معجبون كثر، ويتربص بها غرماء أكثر، حيث تسمر المعجبون بما يكتب من سحر بديع أيام كان الغذامي ناقداً أدبياً، وبنقد جاد ومجتهد للأنساق الثقافية المضمرة في ذهنية الأمة الثقافية حين انتقل الغذامي، مع انتقال النقد والأداة والجهاز الاصطلاحي، إلى النقد الثقافي. في حين يتهامس الغرماء مشككين حيناً، وناقمين احياناً. غير أن المعجبين والغرماء ظلوا يتعاملون مع الغذامي بوصفه موضوعاً، يختلف فيه أو يتفق معه بناء على النظر في الأبعاد العلمية والمعرفية أو منهجية الطرح، أي الحمولة النظرية والعلمية والمعرفية التي يكتنز بها هذا الطرح.

لقد غاب عن الجميع أهمية تلمس الحمولة النفسية/ الانفعالية في أطروحات هذا الناقد، كما غاب عنهم الاحساس بأهمية البعد العاطفي والانفعالي وتقلبه مع تقلب وانتقال طرح هذا الناقد. ولقد تعرضنا في مقالة سابقة نشرت في جريدة الأيام البحرينية بملحق رؤى، العدد (4369)، إلى أهمية الكشف عن التعارض العاطفي الذي وقع فيه الغذامي وهو يتناول الدلالات الثقافية في تجربة وسيرة كل من أدونيس (بوصفه شاعراً فحلاً)، ونازك (بوصفها شاعرة أنثى)، وهو ما جعل الغذامي يعيش وضعية شبيهة بوضعية أوديب، حيث تشعر الذات بتمزقها، وتقع فريسة تصارع وتضارب بين مشاعر الكره والحب لذات الموضوع. ولكن إلى أي مدى سوف يمكننا هذا الكشف عن ابعاد النفسية في مؤلفات الغذامي من الوقوف على خصوصية تجربته في الممارسة النقدية والثقافية؟ إلى أي مدى يمكننا القول بأن طرح الغذامي كان يتحرك بدفع من الأبعاد النفسية بقدر ما كان يتحرك بدوافع معرفية وعلمية ونقدية؟ ثم هل كان للأبعاد النفسية/ الانفعالية دور في الحالة الانتقالية التي يعلنها الغذامي من النقد الأدبي إلى النقد الثقافي؟ إلى أي مدى سيفيدنا الإصغاء الحميم إلى مقاطع البوح الحميم المنتشرة في تضاعيف مؤلفات الغذامي في الوقوف على خصوصية نقد هذا الرجل؟ هل بالامكان القول مثلاً أن الغذامي كان واقعاً تحت مشاعر الخطيئة والتكفير، والكتب التي تحدّرت منه بمثابة الخطيئة/ الجرم الذي اقترفه الغذامي، مما اضطره إلى التكفير عنه ب"النقد الثقافي"؟ للإجابة عن هذه الأسئلة سوف نستعين بأهم كتابين للغذامي، وهما قطبا تجربة الغذامي، أي الكتاب الأول "الخطيئة والتكفير" 1985، والكتاب الأخير "النقد الثقافي"

2000.كل من قرأ "الخطيئة والتكفير"، وأعقبه مباشرة بقراءة "النقد الثقافي" سيشده هذا التشابه اللافت بين بنية الكتابين السردية، فالكتابان مبنيان على ثلاثة حركات أساسية، الأولى عرض للمناهج والنظريات الأدبية في "الخطيئة والتكفير"، أو الثقافية في "النقد الثقافي"، والحركة الاثنية هي بمثابة تمثل لجملة النظريات من أجل تكوين منهج "نظرية" نموذج خاص بالغذامي من ناحية المفهوم والمصطلح، والحركة الثالثة هي تطبيق هذا الأخير على نصوص أدبية أو ثقافية بحيث تكشف عن قدرة هذه النظرية المكونة على تحقيق ما وضعت له من غايات جمالية أو ثقافية.

وبقدر ما يتشابه الكتابان على المستوى السردي/ البنيوي، فإنهما يتفارقان على مستوى النظرية والأداة النقدية والاصطلاحية والموضوع المدروس والغايات وطريقة المقاربة. وفوق هذا الاختلاف الذي يتكشف على مستوى الابعاد النظرية والعلمية والعرفية، فإن بين الكتابين اختلافاً عميقاً على مستوى الأبعاد النفسية التي تتحرك داخل كلا الكتابين. لقد كان "الخطيئة والتكفير" أول كتب الغذامي وأخطرها آنذاك، وهو كتاب يكشف عن وضعية الذات الكامنة خلفه والمتسترة وراءه. فخلف هذا الكتاب ذات واثقة من قدرتها وتميزها وتفردها أشد ما تكن الثقة، ذات مندفعة بحماس وقوة لا يضاهيها إلا حماس الغازي أو الفاتح المنتصر أو الفارس الممتطي صهوة فرسه، بل وزمنه في لحظة من لحظات وضع التاريخ الإنساني.

ليست هذه التعبيرات من تأولينا، بل هي أصلاً من عبارات الغذامي التي افتتح بها "الخطيئة والتكفير"، فالذات تتخيل أنها تقف على وضع نهار التاريخ، وتقف على صهوة الزمن مواجهة قروناً يتضاعف مدها الحضاري ومعطياتها النقدية، عربيها. وإذا حصل أن وقعت هذه الذات الناقدة في لحظات ضعف أمام الموضوع أو المنهج أو المعطيات المعرفية الإنسانية على مدى التاريخ بأكمله، إذا حصل شيء من ذلك فما هي إلا لحظات عابرة، حيث يزول الضعف والحيرة، ليحل محلها الوثوق من النجاح والقدرة. يقول الغذامي في الصفحات الأولى من "الخطيئة والتكفير" في لحظة من لحظات البوح الذي ينضح حيرة وتوتراً: ولذلك احترت امام نفسي، وامام موضوعي، ورحت أبحث عن نموذج استظل بظله، محتمياً بهذا الظل عن وهج اللوم المصطرع في النفس، غير ان هذه الحيرة وهذا الاصطراع في النفس لم يلبث ان انتهى وتلاشى حين وجدت الذات منفذاً ومخرجاً، يقول الغذامي: "ومازلت في ذلك المصطرع حتى وجدت منفذاً فتح الله لي مسالكه، فوجدت منهجي، ووجدت نفسي، واستسلم لي موضوعي طيعاً رضياً، وامتطيت صهوته امتطاء الفارس للجواد الأصيل".

إن استعارة الفارس والجواد لم تأت اعتباطاً، فهي تصور مدى قدرة الذات، ومدى وثوقها، ومدى انتشائها بهذه الثقة والقدرة، إن الدخول إلى الأدب ، كما يكتب الغذامي، "عمل يشبه حالة الفروسية، فهو غزو وفتح" ومغامرة، غزو للنص وفتح لمكنوناته وسرد لتلك المغامرة، ألا يمكن أن يكون هذا هو السر وراء اعجاب الغذامي برولان بارت، فارس للنص وغازيه وفاتحه وكاشف أسراره؟

في مقابل الحالة النفسية التي تتكشف في "الخطيئة والتكفير"، والتي تنم عن وثوق الذات وامتلائها، فإن الحالة النفسية التي تتكشف في "النقد الثقافي" هي أبعد ما يكون عن هذه المشاعر والأبعاد. لا يخلو هذا الكتاب الأخير، من حضور لمقاطع البوح النفسي كما كانت في "الخطيئة والتكفير"، غير أننا في "النقد الثقافي" أمام حالة نفسية/ انفعالية متوترة وموتورة وناقمة ومتأسفة. فبين تضاعيف الكتاب يندس شعور دفين بالنقمة على الذات وعلى الموضوع وعلى المنهج والأداة النقدية التي استغلت، دون وعي من الذات وشركائها، في تمرير وتسويق الانساق الثقافية المعيبة انسانياً وأخلاقياً، وقد يتوارى هذا الشعور بالنقمة لصالح شعور بالأسف على الدور الذي اضطلعت به الذات في تحالفها مع الجمالي، وصمتها عن مساوئه وعيوبه، وعدم وعيها بخطورته في الشخصية وذهنية الأمة الثقافية. ويكفي ان نقرأ عبارات التأسف ولوم الذات التي تظهر في تضاعيف "النقد الثقافي" للتأكد اننا أمام ذات تعيش فعلاً وضعية أوديبية/ آدمية/ شحاتية، أي وضعية "الخطيئة والتكفير" من جديد. كثيرة هي العبارات التي يعبّر فيها الغذامي عن أسفه ولومه لذاته الفردية أو الجمعية التي انخدعت بجمال الجمالي المسموم، وحداثية الحداثي المزعوم وغيرها. يكفي ان نقرأ أسفه من مدى اعجاب العقلية العربية بالمتنبي: "ولن يكون غريباً للأسف أن المتنبي يحظى باعجابنا المفرط"، ويكفي أن نقرأ عن أسفه من مدى انخداعنا بحداثة أبي تمام وحداثة نزار وأدونيس، وهو الأسف الذي يتكرر في أكثر من موضع في الكتاب.

لقد مارس الغذامي النقد الأدبي حوالي عقد من الزمن ( 1985 1996)، وكان فيها مثال الناقد الساحر البديع في تأويله وتحليلاته السلسة، وقدم مثالاً نموذجياً للناقد/ المبدع الذي يجري النص بين يديه سلساً طيعاً. لقد مارس الغذامي هذا الدور ببراعة واقتدار، غير انه لم يكن على وعي بالدلالات الثقافية المترتبة على هذه البراعة والاقتدار، لم يكن ليدور في خلد الغذامي في تلك اللحظة خطورة ما يفعله وما يمارسه، ليس عليه فحسب، بل على جمهور القراء الذين يجلسون متسمّرين وهم يتأملون بصيرة الغذامي تجوس في صمت بين تضاعيف النصوص، وتلعب بخفة أيد بين دلالاته وتأويلاته المتكاثرة. ألم يكن الغذامي بهذا الصنيع يبرر للنسق ويسوّق للجمالي؟ ألم يجن الغذامي على قرائه ببراعته التي حببت إليهم جماليات النص أكثر مما احبوها قبل أن يقرأوا تحليلات الغذامي؟ ألم يسهم الغذامي بدور كبير في حضور نصوص كثيرة في وعي قرائه، وذلك قبل أن يثبت لاحقاً أنها متسرطنة بسرطان "النسق المتشعرن"؟ وإذا كانت الإجابة عن هذه الأسئلة بالإثبات فإننا سنكون أما "نموذج انساني" آخر يهجس كثيراً بمشاعر الخطيئة والتكفير، وهو ما سيسمح لنا بالقول بأنه إذا كان كتاب "الخطيئة والتكفير" استكشافاً للصراع الدائم بين مشاعر الخطيئة والتكفير في تجربة الغير (حمزة شحاته)، فإن "النقد الثقافي" سيكون تمثيلاً لقصة الخطيئة، والتكفير في حياة الذات الناقدة (عبدالله الغذامي)!! ومن أجل اكتشاف عناصر نموذج الخطيئة والتكفير يلزمنا وقفة أطول نأمل أن تتاح لنا في الأيام المقبلة. ويبقى أن نعرف ما الذي تغيّر منذ لحظة "الخطيئة والتكفير" حتى لحظة "النقد الثقافي"؟ ما الذي اختلف في اللحظتين في الكتابين لتختلف الحالة النفسية من الفاتح المنتصر إلى الناقم الأسف؟

في "الخطيئة والتكفير" كان الغذامي يبحث عن "التميز والتفرد، وان كان على وعي بصعوبة تحقق ذلك، غير أنه في "النقد الثقافي" أمام مهمة أكبر، لا يعنيه التميّز عن الغير كثيراً بقدر ما يعنيه إحداث تحويل في التفكير النقدي وفي التذوق الجماهيري، وفي السلوك العام، وشخصية الأمة الثقافية. ولإحداث هذا التحويل بحث عن نظرية/ أداة نقدية واصطلاحية تعينه على ذلك. في الحالة الأولى كان يبحث عن التفرد، لأن نظريات ومناهج كالبنيوية والتشريحية لم تكن جديدة على الثقافة العربية، فالغذامي ليس أول من كتب عنها، وإن كان دوره لا ينكر في تطبيقها وإزالة حالة التغرب عنها، إلا أن الغذامي يكاد يكون أول من يطرح مشروع "النقد الثقافي" في الثقافة العربية بهذه الطريقة الشاملة وشبه الجذرية. وعلى هذا فليس امام الغذامي منافسين كثر يبحث عن تميّزه بينهم، بل هو أمام مهمة ثقافية كبرى تتعلق بانقاذ "ذهنية الأمة الثقافية" من حالة "العمى الثقافي" التي تقع فريسة لها، في الحالة الأولى تكون الذات بارزة وحاضرة بقوة، وهو ما قاد إلى انشائها بغزوها وفتحها وفروسيتها، أما في الحالة الثانية فإن ذات الفرد تتضاءل أمام جمعية المهمة وشمولية المشكلة. وإذا حضرت الذات في الحالة الثانية فإنما تحضر لتمارس أدواراً تحذيرية وتنبيهية استنهاضية كما لو ان ذهنية الأمة وثقافة الأمة في كارثة ثقافية حقيقية، وهو ما يستلزم تحركاً قوياً وجمعياً وهذا بالضرورة سيقود إلى إعادة طرح السوال المغيّب عن "مسؤولية الناقد" تجاه أمته وثقافته وتجاه الإنسانية جمعاء، وامام هول الكارثة الجمعية سيتلاشى، وبصورة تلقائية، أي حضور لما هو فردي، ولما يميّز الذات أو النص (الأسلوبيات مثلاً)، حيث سيصطبغ كل شيء بصبغة جمعية كلية ثقافة بدءاً بالنظرية وانتهاء بالأدلة الاصطلاحية. ولهذا وجدنا أنفسنا أمام نقلة نقدية/ اصطلاحية لا تشدد على شيء بقدر ما تشدد على جمعية الأداة وكليتها، فنحن أمام (مجازكلي/ جمعي، وتورية ثقافية، ودلالة نسقية/ كلية/ ثقافية، وجملة ثقافية، ومؤلف نسقي/ ثقافي، ونسق ثقافي، ومضمر جمعي، والذهن الثقافي للأمة)، كما لهذا اشترط الغذامي في حالات تحقق النسق الثقافي أن يكون النص أو ما هو في حكم النص جماهيرياً، ويحظى بمقرونية عريضة، وذلك لكي يرى "ما للأنساق من فعل عمومي ضارب في الذهن الاجتماعي والثقافي".البحرين

أبو بسام
03-05-2001, 12:18 PM
النقد الثقافي
مطارحات في النظرية والمنهج والتطبيق

بقلم / د.عبدالله إبراهيم *
* يدور جدل فكري عميق في الأوساط الثقافية العربية منذ أكثر من عقدين حول المناهج النقدية، وطرائق التفكير المناسب التي بها نستطيع تحليل أدبنا وفكرنا، وكل المنظومة الثقافية التي تشكل تراثنا بجوانبه الدينية والفكرية والأدبية، وهذا الجدل علامة صحة؛ لأنه الخطوة الأولى التي ندشن بها امر البحث عن مناهج تسعفنا في ذلك. وقد أسهم فيه نقاد ومفكرون شغلتهم هذه القضية المعقدة، ومنهم الناقد عبدالله الغذامي الذي دعا إلى تغيير الوظيفة التقليدية للنقد الأدبي، واقترح الوظيفة الثقافية بديلاً عنها، وبذلك يكون عملياً قد اقترح "النقد الثقافي" بديلاً عن النقد الأدبي الذي تستأثر بتحليلاته الخصائص الجمالية للنصوص الأدبية.

ظهر الغذامي كناقد في مجال الأدب في مرحلة التمخضات الكبرى التي عرفها النقد العربي الحديث، مرحلة الثمانينات من القرن العشرين. وأصفها بذلك لأنها شهدت بداية انهيار نسق في التفكير النقدي، وبداية ظهور نسق مختلف. ليس من الخطأ القول بأن الظواهر المختلفة والجديدة قد انبثقت من صلب تناقضات الأشياء القديمة التي بدأت تتأزم وتُظهر عجزاً في تفسير موضوعاتها، وقد ضمرت روح الفاعلية والجدوى فيها، وبدأت قوالبها الجامدة تحول دون الوفاء بوعودها. ولم يتم كل ذلك بمعزل عن الموجهات الثقافية السائدة في العالم آنذاك؛ فنحن نعترف بأن كثيراً من مما يشكل الثقافة العربية الحديثة، يستند إلى "مرجعيات مستعارة". على أن ذلك لا يعني غياب الأسباب الذاتية المتصلة بذبول نسق من التفكير والبحث عن آخر. لقد تفاعلت أسباب كثيرة فأفضت إلى ذلك التمخض الذي ان من نتيجته حركة استبدال واسعة في كثير من المفاهيم الأيدلوجية والثقافية والأدبية.

يطلب الغذامي من النقد أن ينخرط في كشف العيوب النسقية المختبئة خلف النصوص أو فيها، ومن ذلك يريد القول بأن الوظيفة التقليدية للنقد أفضت إلى نوع من "العمى الثقافي". والوظيفة المقترحة ستقود إلى "البصيرة الثقافية". العمى والبصيرة.. وهو عنوان كتاب بول دي مان يتساجلان في أطروحة الغذامي، وهو ينتصر منذ البداية للبصيرة، البصيرة وهو عنوان كتاب بول دي مان يتساجلان في أطروحة الغذامي، وهو ينتصر منذ البداية للبصيرة ،البصيرة النقدية النافذة التي لا تتردد في كشف العيوب النسقية في الثقافة والسلوك. وهو قبل هذا يعزو إلى الشعر صنع الاستبداد وإشاعاته في حياتنا، فأدى إلى "شعرنة الذات وشعرنة القيم". شعرنة القيم أي تحميلها بالأبعاد الشعرية، فهو يعتبر ديوان العرب مدونة تضخ عبر الزمن منشطاتها النسقية في تضاعيف الشخصية العربية، إلى حد جعلها شخصية "متشعرنة".

النقد الثقافي يقوم بوظيفة فك الارتباط بين المؤثر والمتأثر، بيين سلبية الأثر الذي تركه الشعر والشخصية العربية، ومن خلال ذلك يقرر بأن الوظيفة التقليدية للنقد قد كرّست تلك العلاقة، كرستها لأنها شُغلت فقط بالأبعاد الجمالية لها. لم تجرؤ أبداً على اختراق الحجب التي تقع ما وراء ذلك. كانت ممارسة مصابة بالعشو. بشكل من الأشكال كانت عمياء، غير قادرة على التمييز؛ لأنها تفتقر إلى الوظيفة النقدية الجذرية التي تقوم بتنشيط دائم للمضمرات الدلالية القابعة خلف الغلالة الجمالية للنصوص. هذه المهمة لوحدها تعتبر ناقصة، لكي تكتمل لا بد من التوسع بمهمة النقد ليشمل نقد المؤسسة المنتجة للثقافة التي تروض العقل والذوق والسلوك، وتُسبغ على الثقافة صيغاً نمطية، وتصطنع قيماً ثقافية هزيلة، وتشيع ضروباً من الإنتاج الثقافي الدعائي الذي يسهم في إذابة فاعلية الأسئلة، وحجر المزعجة منها، وإقامة الحد على الجريئة التي يدفعها الفضول المعرفي إلى كشف المسكوت عنه. تلك هي الدوغمائية بعينها.

ترهن المؤسسة الثقافية التي تقيم علاقات متواطئة مع مؤسسة السلطة ومؤسسة المجتمع النسقي المثقف لسلسلة من القيود والشروط والضوابط لا ينفذ من خلالها أحد يمكن أن تنطبق عليه صفة مثقف، تلك الصفة التي كانت دائماً تحيل على منظومة متنوعة وشاملة من المواقف والمنظورات غير المنصاعة لمركز يصادر تطلعات الآخرين وإرادتهم ورغباتهم. ما نحتاج إليه هو: نقد الوظيفة التقليدية للنقد، والمؤسسة التي تحرص على تثبيت تلك الوظيفة. النقد الثقافي لو مورس كما ينبغي له، يبطل مفعول ذلك النشاط المخدّر والمدمّر لتلك المؤسسة ونقدها.

يؤكد الغذامي كثيراً على الأهداف التي يتوخاها من النقد الثقافي، لكنه أبعد ما يكون عن الادعاء بأنه هو المبشر الأول به. ولأجل هذا يقدم عرضاً وافياً بما اصطلح عليه (الذاكرة الاصطلاحية) للمشروع. وفي هذا يقوم بتشكيل سياق ثقافي لهذا النمط من الممارسة النقدية. فالنص ليس الغاية القصوى للدراسات الثقافية، وإنما غايته المبدئية: الأنظمة الذاتية في فعلها الاجتماعي في أي تموضع كان. لا يقتصر الأمر على قراءة النص في ظل خلفيته التاريخية ذات الأنماط المصطلح عليها، فالنص والتاريخ منسوجان ومدمجان معاً كجزء من عملية واحدة والدراسات الثقافية تركّز على أن أهمية الثقافة تأتي من حقيقة أن الثقافة تعين على تشكيل وتنميط التاريخ.

يبدي الغذامي امتعاضاً واضحاً من الفهم الرسمي للأدب، وتظل احتجاجاته يقظة ضده إلى النهاية، ويدعو بوضوح إلى استبعاد ذلك الفهم الذي أجرى تنميطاً مهيناً للنشاطات الابداعية، هو تنميط يقوم على الاستبعاد لأنه يقر بالمفاضلة، وهي مفاضلة تنزع شرعيتها لحيازتها جملة من الشروط التي توافق الأعراف التي تحكم المؤسسة الثقافية، وكل ما لا يتوافر عليها مصيره النبذ والاقصاء والتهميش. كل هذا متعلّق بتحرير الفهم التقليدي لوظيفة النقد من قيوده الموروثة، وهو أمر يقود إلى تحرير الأداة النقدية. وذلك يدفع بالنقد من وظيفته الأدبية إلى وظيفته الثقافية. ولن يكون ذلك ممكناً إلا إذا تلازمت مجموعة من الاجراءات هي: 1 إجراء نقلة في المصطلح. 2 إجراء نقلة في المفهوم 3 اجراء نقلة في الوظيفة. 4 اجراء نقلة في التطبيق.

يشكل مفهوم النسق محوراً مركزياً في مشروع النقد الثقافي، وهذا المفهوم يتحدد أولاً عبر وظيفته، وليس عبر وجوده المجرد، فالوظيفة النسقية لا تحدث إلا في وضع محدد ومقيد. ثم يلزم ثانياً ان تُقرأ النصوص قراءة ثقافية ليس باعتبارها تعبيرات أدبية وجمالية فحسب، إنما حادثة ثقافية تقتضي تشريحاً يتجه إلى كشف الدلالات النسقية فيها، تلك الدلالات التي تكون موضوعاً للتحليل والكشف والتأويل. إلى ذلك ثالثاً فإن الدلالة النسقية ليست من صنع مؤلف فرد، لكنها منكتبة في الخطاب بفعل سيطرة نموذج ثقافي شامل يقوم بضخ محولاته في ثنايا الخطاب. والنسق رابعاً ذو طبيعة سردية وله حبكة متقنة، ولهذا فهو بارع في التخفي، لكنه بارع أيضاً في جذب الاهتمام، والسيطرة على الرغبات وبعثها وتنشيطها، فيحدث انقساماً بين الوعي الظاهر المنضبط، والرغبات السرية الخفية، ويقود إلى ازدواج مكشوف في السلوك والعلاقات والمواقف، ثم خامساً يتصف النسق بأنه تاريخي أزلي وراسخ، وله الغلبة في تحييد حاجات الناس تحت اغطية جمالية وبلاغية، وهو في الوقت نفسه يوجه السلوك الاجتماعي العام، ويتدخل في أسلوب اشباع الحاجات الكامنة. ويشكل النسق سادساً جبروتا رمزياً يحرك الذهن الثقافي للأمة، ويقوم بتنميط ذائقتها، وطرائق تفكيرها، وميولها واحكامها، ويجب سابعاً واخيراً ان يتوافر في النسق الذي هو موضوع النقد الثقافي تعارض قائم في الخطاب، مهما كانت الصفة النوعية لذلك الخطاب.

هذا هو النسق الذي يتجرد النقد الثقافي لمباشرته. أما وظيفة ذلك النقد فهي الانتقال بالممارسة النقدية من نقد النصوص والعناية بجمالياتها الأسلوبية والبنائية إلى نقد الانساق المطمورة فيها، أي نقد محمولاتها الثقافية، وكشف مصادراتها المتخفية فيها، وهذا النقد ينصرف إلى متابعة عملية الاستهلاك الثقافي، أي كيفية تلقي الثقافة، ومتابعة حيلها وموارباتها، يبدأ الغذامي باستنطاق الاخطاء النسقية التي غزت الشخصية العربية بفعل الشعر، أو بفعل فهم قاصر ومحدد له. وتستأثر بتحليلاته إلى نهاية الكتابة فكرة جوهرية، مؤداها ان العيوب النسقية في الشعر العربي هي السبب في عيوب الشخصية العربية، فقد انبنت تلك الشخصية في ضوء الموجهات الشعرية الفاعلة، وفي مقدمة ذلك شخصية الطاغية/ المستبد التي هي احدى تجليات الفحولة، ذلك المفهوم المستقر في الشعر العربي القديم. وبما ان الشعر هو اهم المقومات التأسيسية للشخصية العربية، فقد ورثت تلك الشخصية القيم الشعرية، وتمثلتها فأصبحت مكوناً أساسياً من مكوناتها في العلاقا والسلوك. استثمر العربي تركة الشعر قيمياً، فتشربها، فاستبدت به، وامتثل لها فصاغته صوغاً شعرياً.

صار الشعر مغذياً لشخصية العربي، ومنهلاً لقيمه وأخلاقياته فالذات العربية ذات شعرية، وقيم الشعر هي الدعامة الأولى لها، لقد "تشعرنت" الذات العربية، و"تشعرن" الخطاب الثقافي العربي. صار الشعر مصدراً لنماذج عليا في السلوك والأذواق والعلاقات. وقعت عملية غزو كبرى احتل فيها الشعر الذاكرة العربية، وامتدت هيمنته إلى المخيلة، فصار الخيال العربي يولد صوراً نمطية عن نفسه وعن الآخر تطابق المهيمنات الشعرية، كالتمركز حول الذات، والغاء الآخر، والافتخار بالفحولة، والتباهي النفاجي بها، والطرب للوجدانيات؛ والتنكب عن العقلانيات، وإعراض عن القيم الجماعية، وتعلّق بالفردية. سمات نسقية زرعها الشعر في الشخصية العربية، وغذاها الوهم يوماً بعد يوم، وعصراً بعد عصر،صارت علاقة دالة، ولما كانت هذه الشخصية هي التي تعيد انتاج ذاتها بصيغ شعرية تستعيد النسق الأول، فإن ما تتصف به الثقافة العربية، هو "اللافاعلية واللاعقلانية"، كل شيء تشعرن كما يقرر صاحب النقد الثقافي.

لقد تجمعت محولات هذا النسق، فأصبحت مغذياً سلوكياً وعقلياً للذات العربية،فصناعة الطاغية ميسورة في تاريخنا وبلادنا، لأنها تجسيد وتحقق لتلك المحولات النسقية التي دعا إليها ورسخها الشعر منذ القدم، شخصية الطاغية بمقدار ما هي صناعة شعرية، فهي الوسيلة التي بها نعيد انتاج محولات شعرنا منذ نهاية العصر الجاهلي إلى الآن. فالطاغية كالشاعر المدّاح مفرط في أنانيته، مستبد برأيه، متطابق بهوس مرضي مع نفسه، استعراضي ونفاجي، لا يقبل شراكة الآخرين في الرأي والسلطة وحتى المال، وهو فحل. الطاغية صناعة عربية.

هذا هو الأفق الذي يتحرك فيه مشروع النقد الثقافي، انه أفق مشبع بالآمال العريضة، ومعبر عن حاجة حقيقية لتحديد فاعلية النقد، والغذامي جدير بمواصلة تعميق وظيفة هذا النقد، وتجريبه في تحليل ظواهر أخرى لها فعل سحري في تاريخنا وحياتنا أكثر ما للشعر من فعل.
* جامعة قطر

أبو بسام
03-05-2001, 12:19 PM
المجاز والإنسان
المجاز الكلي في "النقد الثقافي" أنموذجاً

بقلم / علي أحمد الديري

* الفكرة الأساسية التي انشغلت بها الورقة هي محاولة قراءة تحولات للتفكير النقدي والمعرفي الذي دار حول موضوع المجاز وعلاقته بالإنسان، ابتداء من التراث العربي في عصوره الكلاسيكية ومروراً بالعلوم الانسانية والفلسفة حديثاً وانتهاء بنظرية الغذامي في النقد الثقافي.

وقد حاولت الورقة ان تربط هذه التحولات بتغير مفاهيم الإنسان للحقيقة والوجود والذات والآخر والعالم التجربة واللغة والعقل والتمثل...الخ.

إن أهمية هذه التحولات لا تكمن في أنها تمثلاً كشفاً لحقيقة المجاز أو غيره من الأشياء، بقدرما تتمثل أهميتها في تغيير علاقتنا به، فمع كل تحول مفهومي (أي على مستوى المفهوم) تحول علائقي (أي على مستوى علاقتنا بالشيء المفهوم). ونظرية الغذامي مثلاً تكتسب اهميتها في قدرتها على تغيير علاقتنا بالمجاز والخطاب المجازي، لا من كونها تمثل حقيقة المجاز، فحقائق الأشياء ستبقى أخطاء مصححة كما يقول باشلار.

يمثل المجاز، خطاباً وأداة ونظرية، اهمية بارزة في مشروع الغذامي "النقد الثقافي"، فالمجاز يحضر في النقد الثقافي، بوصفه أداة تشتغل ضمن أفق نظري، لقراءة خطاب ثقافي (الشعر)، يؤدي المجاز فيه، بوصفه آلية من آليات الخطاب، دوراً مركزياً في صياغته.

وإذا كان المجاز يتجلى كذلك في خطاب النقد الثقافي فإننا سنعمد إلى قراءته في مستويين:

الأول: المجاز بوصفه نظرية أو أداة قراءة.

الثاني: المجاز بوصفه آلية إنتاج خطابية.

سنقرأ في المستوى الأول التنظير المنهجي للمجاز في مشروع الغذامي، وما أنتجه هذا التنظير من مفاهيم قرائية خاصة بتفكيك الخطاب المجازي

وستتسع دائرة القراءة في هذا المستوى، لتشمل اسهامات العلوم الإنسانية والفلسفة في التنظير للمجاز، اضافة إلى اسهامات العلوم التراثية.

وسنقرأ في المستوى الثاني قراءة النقد الثقافي للخطاب المنتج مجازياً، أي الخطاب الذي انتجه المجاز الشعري، وسنحاول أن نجيب على السؤال التالي كيف يرى المجاز الكلي بوصفه أداة قراءة المجازات الشعرية التي صاغت الخطاب الشعري؟

يبقى هناك مستوى مهم للقراءة إلا أن الورقة لن تتمكن من التطرق إليه؛ وذلك لكونه يمثل محوراً مستقبلاً لا يمكن إدراجه هنا. وهذا المستوى يتعلق بصياغة المجاز لخطاب الغذامي النقدي. وفيه يمكن التطرق إلى الاستعارات والمجازات التي كان يرى من خلالها الغذامي موضوعه.

المجاز الكلي

تمثل مقولة (المجاز الكلي) في نظرية الغذامي أهم أداة نقدية، وتأتي اهمية هذه الأداة من ما تنطوي عليه من حمولات معرفية تتشكل سماتها من ثلاثة أبعاد:

1 البعد التراثي:

فقد استأثر المجاز باهتمام جميع العلماء، وقدموا حوله اجتهادات معرفية جديرة بالاعتبار، واختصموا وله مذاهب شتى؛ وذلك بسبب اختلاف المواقع العقائدية، وتنوع المداخل الكلامية والفقهية والمنطقية والبلاغية والتأويلية.

هناك سؤال مضمر وجهه النقد الثقافي إلى المجاز البلاغي، يمكن صياغته على النحو التالي: كيف يمكن ان نعيد صياغة جهاز البلاغة العربية في مقاربته للمجاز، ليتمكن من قراءة الأنساق الثقافية المضمرة التي صاغتها مدونات النصوص الشعرية في الذات العربية.

2 البعد الحديث:

شغلت مقولات المجاز، والاستعارة خصوصاً اهتمام العلوم الإنسانية، وهذا ما دفع (محمد مفتاح) لتقرير هذا الاهتمام في صيغة لافتة يقول فيها "قد لا يبالغ المرء إذا قال: إن اهم ما يشغل الدارسين للغات الانسانية حالياً هو الاستعارة، فهي موضع اهتمام من قبل اللسانيين وفلاسفة اللغة والمناطقة وعلماء النفس والانثروبولوجيين... وعلى مستوى النقد الأدبي لعب المجاز دوراً في تفسير أدبية النص الأدبي، كما سيلعب دوراً في (النقد الثقافي) في كشف عمى هذه الأدبية، وعلى المستوى الفلسفي أخذت الفلسفة، وهي تعيد اعتبارها إلى أهمية اللغة في تشكيل الفكر، تولي مقولة المجاز أهمية كبيرة، وقدمت اسهاماتها الحديثة تفسير كيفية ادراك الانسان للعالم من خلال مجازات اللغة والذهن.

3 البعد الخاص:

واعني به البعد الخاص ببلورة الغذامي لهذه الأداة واضافته إلى مفهومها ونظرته إلى طريقة تشكيلها للكائن.

إن حضور هذا الكم من الاشتغالات على مفهوم المجاز، يدفعنا للبحث في (ذاكرة هذا المصطلح) على غرار الطريقة التي تكلم فيها الغذامى عن ذاكرة مصطلح "النقد الثقافي".

إن الحديث عن ذاكرة هذا المصطلح، سيكشف لنا طبيعة حضور هذه الدراسات في مفهوم الغذامي للمجاز الكلي، فهو يتقاطع معها في جوانب كثيرة، وفي الوقت نفسه هو يختلف عنها ويتفرد. إن هذه المراوحة تدفعنا إلى قراءة مفهوم (المجاز الكلي) في ضوء البعدين الأوليين "التراثي والحديث" لنتمكن من فهم خصوصية البعد الثالث.

إن جميع أدوات النقد الثقافي (المجاز الكلي والتورية الثقافية والمؤلف النسقي والدلالة الضمنية باستثناء الجملة الثقافية) يحكمها بعدان كليان يتجاوزان الحالة المفردة ليشملا الحالات الثقافية الكلية، أي أن هذه الأدوات لم تعد تقرأ جملاً بسيطة أو معاني فردية أو أفعالاً مباشرة، بل غدت تقرأ حالات نسقية كبرى تقع على مستوى وعي الثقافة ولا وعيها، وهذا ما يسمح لنا بالقول ان جميع هذه الأدوات تقرأ في عمقها حالات مجازية. الحاضر منها في مستوى الوعي مجاز (سواء كان معنى قريباً أو بعيداً لا يتجاوز نطاق المفردة أو الجملة كما في التورية أو كان مولفاً ضمنياً أو نموذجياً أو فعليا كما في مفهوم المؤلف النسقي أو كان دلالة صريحة أو ضمنية كما في مفهوم الدلالة النسقية) والغائب منها في مستوى اللاوعي حقيقة.

معنى ذلك ان مفهوم المجاز يخترق جميع مفاهيم هذه الأدوات، وبذلك تغدو جميعها أنواعا لمفهوم اكبر يمكن ان نسميه المجاز النسقي أو الجبروت الرمزي، ولن يمكننا قراءة تجليات هذا المجاز النسقي الثقافية إلا عبر هذه الأدوات التفصيلية.

ويمكننا بذلك ان نقرأ الثقافة بما تحمله من ازدواجية دلالية بوصفها مجازاً، تتطلب قراءته مفاهيم وأدوات حاذقة، تفوق حذقه الذي يتلاعب من خلاله بالذات، في بعدها الجمعي والفردي وستتطلب قراءتنا له مفاهيم من نوع: التلاعب والهيمنة والمكر والحجب والازدواج والتزييف والخداع. في هذه الغابة المجازية (الثقافة) لا مكان للحقائق الجلية، ولا للمعاني الواضحة، ولا للأقوال الفاصلة، فهناك الالتباس والغموض والتلون والتبدل. وعبر هذه الالتباسات والتلونات استطاع المجاز أن يطمس حقيقته ان كانت له حقيقة واحدة يمكن النص عليها ويورثنا قيماً ضارة وعيوباً خطيرة، كما يقول الغذامي. من هنا يجب أن يتحول إلى أداة مفهومية قارئة تستطيع إدراك لعبته الثقافية، وهذا ما تفطن إليه الغذامي في صياغته لمفهوم المجاز الكلي الذي تجاوز به ضعف امكانيات التركة البلاغية. ولكن إلى أي حد ساهمت هذه التركة في صياغته الحديثة لهذا المفهوم؟

أبو بسام
03-05-2001, 12:20 PM
استجابة الشعر للنسق
قراءة في مشروع الغذامي حول النقد الثقافي

زهرة المذبوح

* لقد رسم الغذامي مساراً للشعر؛ منطلقاً منه باتجاه المنظومة الثقافية بمقوماتها السياسية والاجتماعية؛ وذلك بالنظر إليه بوصفه محركاً لتلك المنظومة، ومن ثم المسؤول الأوحد عما انطبعت عليه شخصية الانسان العربي بمقوماتها التي ينظر إليها على أنها السبب وراء حالة التراجع والانتكاسات الحضارية التي تسم راهننا العربي. والقراءة تحاول إعادة رسم هذا المسار من الثقافة إلى الشعر بحيث يبدو الشعر مدفوعاً لا دافعاً، وهو متأسس على منظومة من القيم الاجتماعية والسياسية لعب فيها دور الوسيط أو هكذا قرأ على الأقل مع بداية مرحلة التدوين بظهور البواكير الأولى للنقد.

من هنا عمت هذه القراءة على استقصاء مقولة "الشعر ديوان العرب" التي هي مقولة إسلامية بامتياز، ومناقشتها ضمن المرحلة التاريخية التي انتجتها والبحث في دلالاتها التي حددت شكل العلاقة مع الشعر (الجاهلي) بوصفه المرجع الوحيد لحياة العربي في فترة ما قبل الإسلام. وعلى هذا النحو قرأ الشعر قراءة استثمارية ونظر إليه بوصفه مرآة عاكسة لحياة (الجاهلي)، وهكذا جرد من وجاهته المعرفية بوصفه مكوناً ثقافياً مستقلاً وفاعلاً بخلاف التصور الذي يطرحه الغذامي.

إن هذا التجريد من الخصوصية المعرفية قد انسحب أيضاً على تجريد الإنسان ذاته من خصوصيته؛ وليس أدل على ذلك من أن فن المديح الذي يقترب من ان يكون تاريخاص للأشخاص، وهو من ثم أولى بأن يؤسس لتفرد شخصي قد أسس لشخصية نمطية قوامها القيم النبيلة المتمثلة في الكرم والشجاعة .. وفي الوقت الذي تتكرس فيه هذه القيم بقوة المؤسسة القبلية يمتثل إليها الحاكم الذي غالباً ما يكون هو المعني بغرض المديح، فيندرج ضمن السائد القبلي، ومن ثم يضمن بقاءه في موقع السلطة.

وحين تم تمييز الشاعر لم يكن ذلك على أساس تمييز الشخص وجعله نموذجاً بحسب ما توصل إليه الغذامي، وإنما كان ذلك التمييز طبيعياً بحكم اشتغال الشاعر على اللغة بوصفها مادة التعبير شأنها في ذلك شأن أي مادة تعبيرية اخرى. وان ما اتيح إليه من خروجات يندرج جميعه ضمن اطار اللغة، لافتراض تمكنه منها. ومن ثم فإن أي خروج عليها هو ناتج وعي لا جهل بقواعدها. وعلى هذا الأساس فإن النماذج الشعرية التي استدل بها الغذامي قد شكلت حضوراً ثقافياً فاعلاً. لكن ان يكون هذا الحضور قد امتد اجتماعياً إلى المدى الذي صوره الغذامي، فإن ذلك يصعب تلمسه في واقعنا العربي. والوصول إلى نتيجة جازمة في هذا الخصوص يتطلب دراسة ثقافية لا تقف عند حد بعض القيم الاخلاقية أو السياسية لتشكل نموذجاً يقدم في نهايته تصوراً منقوصاً، عمل على تغييب نماذج هي أقرب إلى أن تكون نماذج حياة أيضاً في ثقافتنا الشعرية، والوقوف عندها ضروري من أجل استكمال الصورة أو إعادة بنائها على الأرجح، هذه النماذج من مثل أبي نواس والمعري وابن الرومي وبشار وغيرهم ممن كان لها حضورهم الفاعل على مستويي الشعر والممارسة. إذ لم ينفصل القول عند هؤلاء عن الفعل، كما لم ينفصل لدى ابن المقفع (فحل النثر) من منظور الغذامي، وكما لم ينفصل في المدونة السردية التي اكتسبت فاعليتها من استجابتها للحياة مرة ومن اقتراحها لحياة بديلة مرة أخرى.

أبو بسام
03-05-2001, 12:22 PM
في البحرين: حلقة نقاشية حول (عبدالله الغذامي والممارسة النقدية والثقافية)


* يعتزم المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بدولة البحرين اقامة حلقة نقاشية تتمحور حول قراءة مشروع الدكتور عبدالله الغذامي أستاذ النقد والنظرية بجامعة الملك سعود، وذلك احتفاء به، وبمشروعه المتفرد في الممارسة النقدية الثقافية على مستوى منطقة الخليج والعالم العربي. وسوف تقام الحلقة على مدى يومين في 5، 6مايو 2001بمتحف البحرين الوطني، وسوف يشارك في الحلقة عشرة باحثين من البحرين ومنطقة الخليج، وهم: د.عبدالله ابراهيم (جامعة قطر)، د.معجب الزهراني (جامعة الملك سعود)، د.منذر عياشي (جامعة البحرين)، نادر كاظم (ناقد من البحرين)، علي الديري (كاتب وناقد من البحرين)، ضياء الكعبي (ناقدة من البحرين)، زهرة المذبوح (ناقدة وشاعرة من البحرين)، حسن مصطفى (كاتب من السعودية)، حسين السماهيجي (ناقد وشاعر من البحرين)، محمد البنكي (ناقد وكاتب من البحرين)، وسوف تكون الجلسات صباحاً ومساء وفق البرنامج التالي:

برنامج الحلقة النقاشية حول (عبدالله الغذامي والممارسة النقدية والثقافية) 5 6مايو 2001 متحف البحرين الوطني.

اليوم الأول: السبت 5مايو 2001، الجلسة الصباحية: من الساعة 9.30صباحاً حتى 1.30ظهراً، رئيس الجلسة: الدكتور ابراهيم عبدالله غلوم.

* افتتاح الحلقة النقابية بكلمة لسعادة الدكتور عبدالله عبدالرحمن يتيم الوكيل المساعد للثقافة والتراث الوطني، الأمين العام للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب.

* كلمة الدكتور عبدالله محمد الغذامي حول تجربته في الممارسة النقدية والثقافية.

الورقة الأولى: النقد الثقافي مطارحات في النظرية والمنهج والتطبيق، المحاضر: الدكتور عبدالله ابراهيم، الوقت: 10.00 11.00صباحاً، استراحة.

الورقة الثانية: قراءة الأنوثة في الأيقونة الادونيسية، المحاضر: الأستاذ حسين السماهيجي.

الوقت: 11.30

12.00.الورقة الثالثة: فتنة الأنثوي: المرأة بوصفها نسقاً ثقافياً، المحاضر: الأستاذة ضياء عبدالله الكعبي، الوقت: 12.00 12.30ظهراً.

مناقشة عامة: 12.30 1.30ظهراً، الجلسة المسائية، من الساعة: 6.00حتى 8.00مساء، رئيس الجلسة: الدكتور ابراهيم عبدالله غلوم.

الورقة الرابعة: بين العلم والمنهج.. قراءة في كتاب عبدالله الغذامي (النقد الثقافي)، المحاضر: الدكتور منذر عياشي، الوقت: 6.00 7.00مساء.

الورقة الخامسة: تعارضات النقد الثقافي.. أو رحلة النسق المتناسخ، المحاضر: الأستاذ نادر كاظم، الوقت: 7.00 8.00مساء.

اليوم الثاني: الأحد 6مايو

2001.الجلسة الصباحية: من الساعة 10.00صباحاً حتى 1.30ظهراً، رئيس الجلسة: الدكتور عبدالقادر فيدوح.

الورقة السادسة: النقد الثقافي.. مشروع جديد أم انجاز في مشروع متجدد. المحاضر: الدكتور معجب الزهراني، الوقت: 10.00 11.00صباحاً، استراحة.

الورقة السابعة: استجابة الشعر للنسق قراءة في مشروع الغذامي حول النقد الثقافي، المحاضر: الأستاذة زهرة المذبوح، الوقت: 11.30

12.00.الورقة الثامنة: الحداثة في الخطاب الأندونيسي، المحاضر: الأستاذ حسن المصطفى، الوقت: 12.00 12.30ظهراً، مناقشة عامة: 12.30 1.30ظهراً، الجلسة المسائية: من الساعة 6.00حتى 8.30مساء، رئيس الجلسة: الدكتور عبدالفتاح فيدوح.

الورقة التاسعة: الغذامي بوصفه مسوقاً، المحاضر: الأستاذ محمد احمد البنكي، الوقت: 6.00 7.00مساء.

الورقة العاشرة: المجاز والإنسان المجاز الكلي في نظرية "النقد الثقافي" أنموذجاً، المحاضر: الأستاذ علي احمد الديري، الوقت: 7.00 8.00مساء، ملاحظات عامة حول الأبحاث المقدمة للحلقة النقاشية، تقديم: الدكتور عبدالله محمد الغذامي، الوقت: 8.00 8.30مساء.
جريدة الرياض

أبو بسام
03-05-2001, 12:24 PM
العزيز الشايب
اتمنى ان تكون المقالات السابقة والمنشورة في جريدة الرياض ... تكشف شيئا من اسلوب الدكتور الغذامي ...
وستجد هنا ايضا لقاء مطولا معه .. ربما يكشف شيئا من حياته الادبية
تقبل خالص تقديري
ولك حبي

أبو بسام
03-05-2001, 12:25 PM
د. عبدالله الغذامي قبل الحلقة النقاشية حول ممارسته النقدية والثقافية في دولة البحرين :
النقد الثقافي لا يلغي النظرة الجمالية إلى النص
كل قضية جديدة ليس من السهل قبولها فهي تحتاج إلى زمن لتقبلها


حوار : سعد الحميدين

* منذ ان دخل إلى الساحة الثقافية وهو محط الأنظار بالقدر الذي يثيره من الجدل حول طروحاته الفكرية لكونها جاءت بكرا بداية لأنها وحسب قياساتنا جديدة وتستحق الوقوف عندها لما تحمله في مضامينها وأشكالها من تحولات تشد المتلقي لكي يتأمل ويعاود النظرة في بعض ما نهجه.

هذا هو تأثير د. عبدالله الغذامي الناقد المفكر صاحب المشروع النقدي والفكري المتنامي منذ كتابه الأول الخطيئة والتكفير إلى كتابه الصادر حديثا النقد الثقافي.

فمنذ الثمانينات من القرن الماضي إلى بداية القرن الحادي والعشرين وهو يقدم الجديد. وينافح عنه. موضحا ومجيبا على أسئلة مفترضة. وواقعة سواء في داخل المملكة أو خارجها. وبمناسبة الحلقة النقاشية حول: "عبدالله الغذامي والممارسة النقدية والثقافية" سيقيمها المجلس الوطني للثقافة والفنون بدولة البحرين الشقيقة كان لنا معه هذا الحديث العام الذي يضيء بعض الجوانب الحياتية الفكرية بالرغم من ضيق الوقت والمساحة ولكن نعد بالمزيد في قادم الأيام إن شاء الله.

* على أثر النقاشات والكتابات التي تلت صدور كتابك "النقد الثقافي"، هل تسمح بإلقاء الضوء على الفرق بين النقد الثقافي والنقد الأدبي.. وتوضيح ذلك للقراء؟

الفرق الجوهري هي مسألة الأسئلة التي يضعها الناقد في نفسه أمام حضور الناس، قد تكون الأدوات واحدة أو قد تكون هناك مبررات اجرائية ونظرية لتعديل الأدوات لكن المسألة ليس في تعديل الأدوات بحد ذاتها المسألة هي في الأسئلة التي نوجهها إلى نص الناقد، والرغبات المعرفية التي نحاول ان نستنبطها من نص ما، لا شك انه مضى زمن طويل جدا ينظر فيه إلى النص الأدبي تحديدا على أنه نص جمالي وهدفه جمالي، والغاية الابداعية هي غاية جمالية، وهذا صحيح.. ليس خطأ، ولكن الذي نقوله في النقد الثقافي انه بالاضافة إلى جمالية النص، هناك أسئلة أخرى هناك قضايا ثقافية تتعرض للنسق الثقافي نفسه فالشاعر أو القاص أو أي كاتب من أي نوع من الأنواع ليس مبدعا فرديا إلا في حدود.. قد تكون النظرة القديمة ان الشاعر مبدع فردي لكن لا شك ان الشاعر تحول مع الزمن إلى صوت ثقافي يتحرك داخل أنماط وأنساق ثقافية، وكلنا نعرف ان التغير الضخم الذي جرى في الثقافة العربية الحديثة .. دخول الرومانسية أولا ثم دخول قصيدة التفعيلة هذه تغيرات ضخمة جدا غيّرت في نسق القصيدة نفسها بحيث انه لم يعد الشاعر بعد حركة الرومانسية وحركة قصيدة التفعيلة لم يعد يكتب كما كان يكتب الشاعر الذي قبله على مدى قرون، ولم تعد القضايا التي تهم الشاعر بعد هاتين المرحلتين هي نفسها القضايا التي تهم الشاعر القديم.. كان الشاعر القديم يبرر لنفسه أشياء كثيرة ذاتية كأن يمدح دون ان يستحي أو يهجو دون ان يستحي أو ان يفتخر دون ان يستحي أو ان ينتمي إلى القبيلة أو إلى العصبية القبلية دون ان يجد عيبا في ذلك. إنما الثقافة العربية تجد ان هذه عيوب كبيرة.. عيوب في تشكيل مفهوم وطن.. في تشكيل مفهوم ثقافة في تشكيل علاقة مع العالم فنحن أمام تغير ضخم الآن في ثقافات الناس عن نفسها وعن الآخرين.. فيفترض ان النقد يبحث عن معاني هذه التغيرات، والمبدع تغير بكل تأكيد.. بقي هل نتنبه نحن إلى هذه التغيرات؟.. وهنا يأتي سؤال النقد الثقافي انه بالاضافة إلى البعد الجمالي علينا ان نسأل عن الأنساق الثقافية.. هذا الفارق الجوهري بين النقدين.

* كيف نعوّد المتلقي والمهتم على ممارسة وتقبل النقد الثقافي؟

أعتقد ان هذا سؤال مهم جدا وسؤال مصيري، لأنه كما تعرف أي قضية جديدة ليس من السهل ان يجري قبولها تحتاج إلى زمن لتقبلها.. تحتاج إلى زمن للحوار حولها لأن التغير إذا كان جذريا يصبح القبول له يحتاج أيضا إلى قبول من نوع يختلف اختلافا جذريا، يتوازى جذرية التغير في الطرح مع جذرية القبول والاستقبال وهذه تحتاج إلى وقت ولذلك أنا أعتقد ان كل الاستفسارات والأسئلة والشكوك وسوء الفهم الحملة على هذا القبول كل هذه عوامل تساعد على اختمار الفكرة وعلى تسهيل قبولها، لكن أنا متأكد ان الفكرة تحتاج إلى زمن لكي تقبل، ليس من السهل ان نقول للناس إنه بدلا من ان تتذوقوا الشعر تذوقوا الجمالية الابداعية ويجب ان نتحول من هذه الحالة التي تعودنا عليها على مدى قرون إلى حالة جديدة ننظر إلى النص الأدبي بوصفه حادثة ثقافية وليس فحسب حادثة أدبية، هذا تغير ليس سهلاً، وقبوله لن يكون سهلا لكن أعتقد ان طرح الفكرة ومواصلة طرحها ومواصلة إيضاح أبعاد الفكرة هي التي ستؤدي أخيرا إلى قبولها حتى وان كان قبولا مشوبا بالتعديل، التحوير، بالرفض.. أيضا بعض أنواع الرفض هي نوع من القبول.

* أصدرتم في الثمانينات كتابكم "الخطيئة والتكفير" وفي بداية القرن الجديد أصدرتم "النقد الثقافي" ما الفرق المنهجي بين هذين الكتابين؟

سؤال أيضا تهمني الإجابة عليه لأن هذا أصبح موضع تساؤلات عديدة.

كلا الكتابين ينتميان إلى ما يمكن أن نسميه النقد الألسني أو النقد النصوصي. كل واحد منهما بطريقته الخاصة لكن الكتابين معا كانت القضية تبعث منهجيا بعرض النظرية أولا ثم محاولة تطبيقها في الحالتين معا.. إنما الاختلاف الجوهري بين الاثنين هو ان السؤال في الخطيئة والتفكير كان منصبا على سؤال نصوصية النص من حيث بعده الجمالي بينما السؤال في النقد الثقافي هو عن مفهوم الشعرنة وقضية الشعرنة كيف أصبحت معبر نسقي أساسي في تكوين الثقافة العربية بحيث صار هناك إشكالات عديدة داخل هذه الثقافة فمن هنا حصلت النقلة التي لا تلغي الأساس الذي قام عليه الخطيئة والتكفير من حيث المبدأ ولكن تطوره إلى ان ينفتح على أسئلة جديدة لكن الكتابين معا ينتميان إلى المقولة النقدية المعتمدة على المقولة الألسنية والمقولة النصوصية من حيث الاساس وهي الأشياء التي تابعها ما بعد الحداثة وما بعد البنيوية.

كما جرى في التاريخانية الجديدة، هنا المنطلق انه كيف نكتشف العلاقة الثنائية المزدوجة باستمرار بين الأبعاد الجمالية والابعاد الثقافية وهما متصاحبان وباستمرار.. فهل سنجنح إلى تناسي البعد الثقافي في سبيل التركيز على البعد الجمالي أم اننا سننظر إلى البعد الثقافي أيضا.. الأدوات المنهجية النقدية الألسنية والنصوصية تهيىء إلى النظر إلى الجانبين معا إنما السؤال سيعتمد باستمرار على المنطلق الذي ينطلق به الباحث نفسه.. الخلاصة هل اننا ننتج عملا فقط لكي نتدرب على عملية التذوق وهذه هي العملية التي كان النقد يمارسها أم اننا بعد هذا التذوق ندخل إلى عملية فهم وتفهم للإنسان الثقافية نفسها دون إلغاء التذوق. مكسب ضخم جدا لأي ثقافة من الثقافات وليس هنالك شك في ان الثقافة العربية لها رصيد جمالي ضخم جدا ولا يمكن ان نتنازل عنه بأي حال ولا يمكن ان نطلب من الناس ان لا يتذوقوا جمالياتها لأن هذا أصلا طلب سقيم وغير معقول لكننا نقول مع التذوق الجمالي ومع التسليم بالتذوق الجمالي ومع ضرورة هذا التذوق الجمالي هل هناك أسئلة أيضا تصاحب وتأتي بعد هذه القضية أم لا؟

ما يزعمه النقد الثقافي ان هناك حيزاً كبيراً يجب ان ندخل فيه.

* هل الظرف الراهن وواقع العصر يفرض هذه النقلة أم اننا لم نتنبه لذلك إلا بعد مضي وقت طويل؟

المشكلة اننا دائما لا نتنبه إلا بعد مضي وقت طويل للأسف الشديد هذه من عيوب الثقافة العربية باستمرار.. باستمرار نحن متأخرون عن العالم في كل شيء.. اقتصاديا إعلاميا فكريا فلسفيا دائما نحن لدينا علة التأخر.. سببها طبعا اننا لا زلنا متمسكين بشدة بما نسميه الموروث، نحن نختلق بعبعا كبيرا نسميه الموروث ونتمسك به ولا ندرك ان الموروث والتراث هو ما ننتجه الآن، لدينا علل كثيرة في فهمنا للتراث.. فهمنا لشيء يدعي الانجاز والأمجاد الماضية، فهمنا لشيء اسمه ابداع وتجاوز للمنجز نفسه دائما هذه المشكلة.

انت تعرف الصراع الذي حصل بعد حدوث قصيدة التفعيلة والشعر الحر.. كان ينظر إلى قصيدة الشعر الحر وكأنها ضرب من الكفر.

وانت شخصيا تعرضت إلى بعض ذلك ومن شخص حبيب وكريم مثل علي العمير الذي نحترمه جدا، لكن كيف كان موقفه منك ومن تجربة الشعر الحر؟ في حين انه تراجع بعد ذلك، لكن الأمر أخذ وقتا طويلا لكي تقبل هذه التجربة. وهنا إشكالاتنا اننا نتأخر كثيرا في قبول الأفكار التي هي أفكار جديدة ونتردد ونستوحش من الفكر الجديد ونأخذ زمنا طويلا لكي نتآلف معه وبعد أن نتآلف معه يصبح هذا الجديد بدوره الذي كان من المفروض ان يؤديه في حينه قد فات زمنه، فدائما نفوت على أنفسنا فرص إحداث النقلة النوعية في المستجدات الفكرية، دائا يحدث هذا.. لذلك سؤالك الآن عما يتعلق بسؤال الثقافة هل هو في حينه ام هو متأخر؟ نحن متأخرون كثيرا في طرح الاسئلة وفي نقد ثقافتنا، ولا يزال لدينا حساسية شديدة في نقد ثقافتنا. من الصعب جدا ان ينتقد الانسان القبيلة ويجد حذرا شديدا ان ينتقدها في حين اننا نعرف تماما ان معظم مصائبنا الاجتماعية ناتجة عن القبيلة كمثال.. تترجم القبيلة بصيغ عديدة يمكن ان تترجم بصيغة الانتصارات العشوائية لبعض الفرق الرياضية.. التعصب الاعمى لها، هو ترجمة ايضا للعصبية القبلية القديمة ربما تترجم على بعض الابعاد السياسية بان ينتصر لشخص سياسي مع اخطائه العظيمة فقط لأنه من جلدتنا او فقط لانه عدو لعدوي فيصبح صديقي.

واذا اردنا ان نعطي امثلة نقول بان كثيراً من المثقفين العرب وقفوا مع صدام وهم يدركون ويعرفون انه مخطىء، ولكن يقفون فقط لانه عربي ولانه ضد اسرائىل.. هنا فهم قبلي وليس فهم علمي ولا وظيفي ولا انساني للعمل.

المهم لدينا اشكالات في كثير من قضايانا الثقافية والاجتماعية لا نريد ان نناقشها مع احساسنا العميق انها خاطئة لابد ان نتجاوز هذا الدور وانا اعتقد ان النقد الثقافي هو الذي يؤهلنا لان نطرح هذه الاسئلة وما لم نطرحها ستظل تؤثر فينا سلبا دون ان نعالجها.

* وهل ستستمر عملية التقبل بعد فوات الوقت؟

افضل شيء لمواجهتها هو الشجاعة الفردية للباحين والمنظرين والمبدعين.

وبمقدار ما يكون هناك شجاعة فردية للاشخاص انفسهم فهم سيحدثون التغييرات لكن طالما ان الفرد نفسه يعين وصيا على نفسه ويعين من نفسه رقيبا على ذاته ويقيد نفسه بالخوف والمجاملة والعجز فحينئذ لن يكون هنالك امثلة تنتج المثال الناجح.

في رأيي يعدي مثل ما ان المثال السيئ يعدي، فبمقدار ما يكون لدينا من افراد يقتحمون هذه الحواجز فسيكون عندنا قدرة الى ان نتقدم الى الامام لكن اذا كنا نتعامل بحذر شديد مع انفسنا ومع محيطنا، ونتجنب ان نغامر فهذا معناه اننا لن نفعل شيئا.

* كثر النقد التنظيري واختفى التطبيقي حسب واقعنا في المجلات والجرائد.. لماذا؟

انا لدي موقفان من هذه المسألة، اولهما اننا بحاجة شديدة الى التنظير، الذي ينقص الثقافة العربية عموما هو البعد الفلسفي منذ الازل.. الجانب الفلسفي والنظري في الثقافة العربية ضعيف جدا وهذا جزء من المؤثرات السلبية في نمو ثقافتنا بينما اذا قارنا ثقافات الامم الاخرى سواء من المجاورين لنا كالفرس او من الامم الاوروبية نجد الجانب الفلسفي ثرياً جدا فيها في مقابل ان الجانب الفلسفي لدينا فقير بشكل واضح لذلك انا اعتقد باننا في حاجة الى التنظير والى جرعات كبيرة منه، لكن هذا لا يحسن ابدا ان يكون على حساب التطبيق لانه لا يمكن للتنظير ان يكون اصلا الا على مستوى عملي وميداني عبر او بمصاحبة التطبيق او بأن يتلوه التطبيق، واذا ظلت النظرية قائمة ومعزولة عن التطبيق ستكون مثالية متعالية وبعيدة عن الواقع وقد تكون ساذجة ايضا في هذه الحالة وهذا لا يعطي معادلة ثقافية صحيحة لذلك انا اقول بان علينا بالتنظير وبجرعات كبيرة من التنظيم لكن ليس على حساب التطبيق.

* كيف حافظ د. عبدالله الغذامي على التواجد والتوازن في الساحة داخليا وخارجيا حتى ان الترقب بات واقعا لاستقبال اثر جديد ومؤثر لكم بين وقت وآخر؟

اعتقد بانه ليس هناك سر ضخم لكن فعلا العمل ومن المحزن جدا انه في مجتمعنا بالذات ان قيم العمل ضعفت عند الناس، قيمة الالتزام بالعمل وان يكون الانسان لديه برنامج ثابت ويخلص لبرنامجه وكأنه دوام رسمي بالنسبة له هذه قليلة وتكاد تكون مختفية لكن لو ان الانسان الزم نفسه بقيم العمل والالتزام مع مشروعه الذي يعمل معه ودأب على ذلك بحيث يكون ديدنه بدون كلل وتردد.. ينتج مع الزمن. والله سبحانه وتعالى وهب الانسان طاقة ضخمة للانتاج والانسان لديه قدرات كبيرة للانتاج لكن هل سيوظفها ام لا؟

الجانب الآخر ان من المهم لاي انسان ان يكتشف في لحظة من اللحظات الاشياء التي يتقنها والاشياء التي لا يتقنها، وقد كنت في فترة طويلة من حياتي شاعرا، وكنت اهيئ نفسي لان اكون شاعرا لكن في وقت مناسب وفقني الله ان ادرك انني لست بشاعر ولكنني ناقد، هنا في لحظة الاكتشاف انك لست كذا وانك كذا هذه لحظة مهمة جدا لان بعض الناس قد يصرف عمره كله في عمل ما دون ان يصل الى مستوى راق، ظنا منه انه هو مجاله بينما هو مجيد في مسألة اخرى، وهذه في الحقيقة من الاخطاءالتربوية طبعا في مناهجنا، فمناهجنا لايتيح للناس ان يكتشفوا انفسهم ولا يتيح فرصة للمعلمين ان يكتشفوا حقائق تلاميذهم. ونحن نظلم المعلم احيانا ونقول بان عليه ان يكتشف المواهب، المنهج لا يتيح له ان يكتشف المواهب.

المناهج توضع عندنا لكي تخرج قطعانا متماثلة لكن لا تتيح فرصة ان تكتشف نفسك ولا ان تكتشف الآخرين لكن الانسان الذي يريد ان يشق طريقه ان يقوم بالدور لنفسه ان تكون استاذا لنفسك وان تكون مربيا لنفسك لكن يظل السر والخلطة السحرية هي العمل والعمل والدأب على العمل والالتزام بنظام للعمل لا يفرط به الانسان مهما كان ثم طبعا مسألة ان يعرف الانسان ان العمل العلمي والثقافي هو وظيفة وهو ان يخلط بين طموحين.. ان يكون عالما وتاجرا في الوقت ذاته، ان يكون عالما ووزيرا ووجيها اجتماعيا. هذه العملية لا تصلح، الانسان لا يمكن ان يكون كل شيء، الانسان بامكانه ان يكون شيئا واحدا ومتميزا ولو كل واحد منا اتقن عمله الذي بين يديه لخرجنا بانواع من تيم العمل، لكن اظل واعود واقول بان السر هو المواظبة على العمل.

* كل كتاب من كتبكم الثلاثة الخطيئة والتكفير، المرأة واللغة، النقد الثقافي وقف عندها النقاد والمحللون كثيرا وقد دخلت في سجال مع البعض فهل كانت ردودك ضرورية؟

طبعا ليست ضرورية. انا اؤمن بان العمل من حيث المبدأ اذا انتج يجب ان يكون كاملا في ذاته يعني يدافع عن نفسه فليس من الوجاهة ان يقوم مؤلف بالدفاع عن عمل من الاعمال، يفترض بان العمل يدافع عن نفسه ايضا انا اعتقد بأن ما نسميه سوء الفهم هو جزء من الاستقبال علينا ان نتوقع ان درجات الفهم للناس متنوعة، فيها فهم يطابق مبتغاك وفيها فهم لا يطابق مبتغاك.

احيانا الفهم الذي لا يطابق نسميه سوء فهم ويحدث نتيجة له ان نغضب، وهذه مغالطة ذاتية غير صحيحة، يجب ان نقبل بان هناك درجات وانواعاً من الفهم وهذا دائما يخدم الكتاب والعمل لكن اود ان اشير الى ان الكتب الثلاثة التي اشرت اليها فعلا هي تمثل ثلاث مراحل في حياتي، الخطيئة والتكفير ويتبعه مجموعة كتب مرحلة مثلا، انا اعتقد بان هذه الكتب تمثل ثلاث مراحل من حياتي وكل واحد من الكتب الثلاثة هو بالنسبة لي كأبني او ابنتي هناك علاقة حميمية تربطني به فاشعر بانه جزء مني، لكن هذه الجزئية مني لا تعني امتلاك الحقيقة المطلقة بحيث انه ليس من حق احد آخر ان يتعامل مع هذا الكتاب بحرية، فالكتاب اذا صدر هو جزء من ثقافة اي مجتمع من المجتمعات وجزء من عملية التفاعل.

والردود التي رددتها محدودة جدا في مسائل قليلة والمسائل التي كتبت فيها كرد، كانت اما لايضاح لبس معلوماتي فرأيت بانه يجب ايضاحه في هذه الحالة او ان الباحث الذي كتب عني وجه سؤالا يقتضي الاجابة عليه، فمن الحق اخلاقيا ان تجيب على السؤال لكن لو ان الباحث كتب وجهة نظر فهذا حقيقة والتداخل معه خطأ لكن انت تجد نفسك مضطرا للاجابة على سؤال.

* كيف يمكن نهيئ ونعود الساحة الثقافية على الحوار الموضوعي؟

اعتقد ان اخطر ما نفقده في ثقافتنا هو الحوار حتى لو كان غير موضوعي، فالحوار لدينا لا زال مبدءاً غير مرغوب فيه على مستوى الافراد قبل ان تصل الى المؤسسة، لن يتحقق لنا الدخول الى المرحلة الحوارية في مجتمعنا الا اذا نحن كافراد قبلنا النقد الذاتي والنقد الموجه لنا مشكلتنا نحن كنقاد ان الناقد يقدم نفسه في الساحة على انه صاحب الكلمة المطلقة، هو ناقد لكن لا يكون منقودا، يجب ان نتدرب ان يكون الناقد منقودا وانه يقبل لعبة ان يكون منقودا وليس منقودا من ناقد محترف آخر مماثل له، بل حتى من القارىء العام لان هذا حق طبيعي للتفاعل الثقافي فيجب ان يكون عندنا رحابة صدر لقبول الرأي الآخر والرأي المقابل، ورحابة صدر في قبول حتى الاشياء التي لا تقبل كالتجني، انه زاد في العيار وغيره، صحيح انها جارحة ومؤلمة لكن في سبيل ان نصل الى الحوار والى زمن الحوار لابد ان نضحي وجزء من التضحيات ان نقبل بكثير من التعديات والاخطاء الذاتية لان ليس هناك تجربة كاملة، لابد ان تمر التجربة بضحايا لابد ان تمر باخطاء كثيرة لذلك انا اعتقد بان المسؤولية الاساسية هي علينا كافراد في ان نفتح صدورنا على كل ابوابها لقبول اي نوع من الاعتراض والنقد الموجه الينا مهما كان نوع هذا الاعتراض والنقد، ومن الممكن ان اعطي مثالا على الصراع الذي جرى على الحداثة لا شك ان هذا الصراع بعضه كان سيئا جدا من حيث لغته الاتهامية، لغته الصدامية، لكن الآن بعد مرور زمن عليه نعود ونتذكر ونقول بانها كانت ايام جميلة على الرغم من السجالية والاتهامية التي كانت فيها لانها كانت تعطي جانبا حيويا وتجعل الطرف الآخر يحفز للدفاع والتحدث ويحفز القاعدة العريضة للناس ان تنظر وان تنتبه، الناس عادة لا تقرأ اذا الفكر قُدم بحيادية شديدة، لكن تقرأ اذا حصل صدام عبر هذا الصدام وداخل ومن تحت هذا الصدام ستجد شيئا يستفاد منه، ادباؤنا القدامى ومعاركهم القديمة صارت الآن جزءاً من الادب والثقافة على الرغم من التجنيات التي فيها لكن بازاء التجنيات هناك منتوج معرفي اعتقد باننا بحاجة الى العودة الى هذا المنتوج المعرفي لكن علينا ان نضع ايضا حيزا للسلبيات وانه لابد ان تقع، لا نملك نحن ان نجعل الناس ملائكة. الناس خليط بشري من السيئ والخير، لابد ان نقبلها في سبيل الوصول الى درجة من الحوار وان تقبل الذات ان تكون منتقدة بشكل علني للجميع لان ما يؤثر علينا دائما هو العلن فلا نريد ان تقال الامور على المستوى العلني ونقبل بان تكون بشكل خاص، وهذه ضرب من عدم الشجاعة الذاتية والثقافية، هذا على مستوى التعامل الثقافي فالعرب يقولون من الف فقد استهدف الذي ليس عنده استعداد ان يكون هدفا للآخرين فليجلس في بيته لكن اذا خرج الانسان من بيته فعليه ان يكون عرضة لنظرات واحتكاك ورؤية الآخرين، هذه صفقة لابد ان نقبلها ونتدرب عليها لندخل الى الحوار.

* الشعر ديوان العرب واليوم يقال الرواية ديوان العرب.. ماذا تقول انت؟

لا يزال الشعر ديوان العرب، وصديقنا جابر عصفور قال بان الرواية الان ديوان العرب، طبعا هذا الكلام مبني على شيء واحد وهو مؤشرات مبيعات الناشرين، ومؤشراتهم قد تكون خادعة في امور كثيرة، فلو وضعنا دواوين معينة لاسماء معينة مع روايات معينة لاسماء معينة، سنجد ان توزيع الشعر اكبر فهناك اسماء معينة توزيعها راق جدا وهناك روايات واعمال معينة توزيعها ضعيف جدا فمسألة قراءة المبيعات قد تكون خادعة في كثير من الامور.

انا من الناس الذين يرون بان الشعر ليس فقط في صيغة القصيدة، احيانا نظن بان الشعر هو القصيدة لكن علينا ان نعرف بان الانسان العربي يفكر شعرا ويتكلم شعرا وينظر شعرا ويستنشق العالم شعرا، الصيغة الشعرية لا تزال هي اللب الحقيقي داخل الذات العربية وهذا جزء من التركيب الجيني في جينات الانسان العربي فلا يمكن ابدا ان نظن بان الشعر زال وقته، الذي نشهده في الواقع، هو تغير نوعي في حالات الاستقبال الثقافي يعني ادوات الثقافة كوسائل، وانماط الاهتمام كانماط حركة الناس في نظرتها الى الاشياء، نحن نشاهد تغيرا نوعيا مع الاجيال ونسعى دائما الى ان نقيس الجيل الحالي بالاجيال التي قبله فاذا حصلت فروق نقول الجيل الحالي جاهل ولا يفهم قياسا على الجيل السابق وننسى ان الجيل الحالي يدخل في نمط من الثقافة غير الجيل القديم فبالتالي له آلياته وله ثقافته يبقى السؤال اذا كنا نريد ان نضخ الشعر في نفوس الناس على الشاعر والشعر والمهتمين بالشعر، ان يستخدموا الوسائل الحديثة للوصول الى الناس.

والثقافة الجادة لها سوق، بعض المسلسلات الجادة التي عرضت في التلفزيون كمسلسل ام كلثوم، بعض الشخصيات المهمة التي يجري استقبالها في التلفزيون والناس تشاهدها الناس اذا وجدت مادة جادة مقدمة لها عبر وسيلة حديثة تستقبلها لكن اذا كنا نقدم المادة الثقافية عبر الوسيلة التقليدية التي لم تعد تغري الناس فالخلل في الوسيلة وليس المادة.

نحن امام تغير ضخم في الوسائل وهذا يقتضي ان نعيد للشعر موقعه وحينما نتحدث عن الشعر فانا اقصد مسألتين الاولى، انني اريد الشعر ذا البعد الانساني وليس الشعر الفحولي الذي تعرضت لنقده في النقد الثقافي، لاشك ان الشعر العربي منذ القديم والى اليوم فيه شعر انساني لكن في القديم جرت إزاحة الجانب الانساني وسيطر الشعر الفحولي بدل الانساني.

في التجربة الشعرية الحديثة وهي امتداد للتجربة الشعرية القديمة ووجود شعر غزلي انساني يقوم على التفاني في الآخر، وجود شعر الرثاء وغيرها من انواع الشعر الانساني.

في الشعر الحديث هناك خاصة في زمن التفعيلة جرى انتاج شعري مهول جدا له بعد انساني ضخم لكن للاسف الشديد يجد هذا النوع من النسق الجديد مزاحمة من النسق القديم النسق الفحولي لان الثقافة تعزز النسق الفحولي وتنساق اليه وهناك تجاوب كبير بين النسق الفحولي الموجود في الشعر والنسق الفحولي الموجود في الثقافة، نحن بحاجة الى ان نفك هذه المعادلة ونركز من جانب الشعر الانساني الشعر المهتم بالانسان، وقضيته وقضية الكون والحياة والمحبة وهذا شعر مطلوب وضروري لثقافة اي امة واعتقد انه يشكل انقاذا معرفيا وذوقيا واخلاقيا ولو راهنا عليه لاتينا بنتائج كبيرة لكننا نحتاج فعلا ان نتوسل بالوسائل الحديثة لايصال هذا النوع من الشعر وهذا يقتضي مجهودا ضخما جدا امام هذا التغير المعرفي، الجانب الثاني حينما اتكلم عن الشعر، وقد يظن الانسان انني اتناقض مع نفسي لانه اصبح الناس يعتقدون بانني ضد الشعر وانا لم اكن ضد الشعر قط.. انا ضد الجانب المتشعرن والمتشعرن غير الشعر، الشعرية الانسانية شيء والشعرنة الفحولية شيء آخر.

لذلك ان ندفع باتجاه نوع من الخطاب الشعري الانساني يصبح مطلبا ثقافيا على الجميع وليس على الشعراء المبدعين بمفردهم وهنا سنعيد لما يسمى ديوان العرب قيمته الايجابية بدل ان يكون قيمة سلبية، قيمة معززة للطبقية الفحولية الى ان يكون قيمة معززة للبعد الانساني المنفتح على البشرية خاصة اننا امة ذات رسالة انسانية اصلا رسالتنا ليست عرقية بقدر ما هي انسانية فطالما ان رسالتنا عبر الاسلام هي رسالة انسانية فيجب ان تكون ثقافتنا ايضا ثقافة انسانية وهذا التصارع الذي حدث للاسف الشديد ان ثقافتنا عرقية بينما رسالتنا الروحية انسانية وهذا خلل ضخم جدا في التركيبة الثقافية، هذا الذي يجعل بعدنا الثقافي ضئيلا ولو تلاحظ درجة انتشار الاسلام ودرجة الناس الذين يدخلون الآن الاسلام وتقارنها بالناس الذين يحترمون الثقافة العربية او يتابعونها المعادلة غير منضبطة الاسلام ينتشر والثقافة العربية تنحسر، لم لا تنتشر الثقافة العربية كانتشار الاسلام؟ لم لا تؤثر كالاسلام، لان الثقافة العربية للاسف لا زالت ثقافة طبقية فحولية عرقية ذاتية انحسارية وهنا يصبح دورنا الاساسي في جعل ديوان العرب، ديوانا للانسانية وليس للعرب فحسب والغلط ان يظل ديوانا للعرب، وهذا هو المشروع الذي يجب ان يكون.

* رجاء عالم، ليلى الجهني، اسيمة درويش، قماشة العليان ظهرت لهن روايات لفتت انظار النقاد في الخارج ولم نر اي تقويم في الداخل لهذا الاعمال.. كيف؟

انت على حق الكاتبات الاربع قدمن ويقدمن الآن اضافة نوعية في الكتابة النسائية من جهة والادبية عموما في المملكة واعتقد انهن باجمعهن يحركن هذا البعد الذي كان ساكناً في السابق وهو الجانب النسائي، تحرك بشدة عبر كتاباتهن وهي مسؤولية على الجميع وانا لا اتخلى عن مسؤوليتي ابدا وهي مسؤولية في ان نحيي هذه الاعمال بالدرجة الاولى وان نقرأها كفعل نقدي اساسي ثم ان الاعمال التي كتبت من قبل هذه الكاتبات تكشف عن الانساق الثقافية في مجتمعنا لان المرأة حينما تكتب في وضع دقيق جدا يختلف عن الرجل. درجة البوح مثلا عند الرجل اعلى بكثير من درجة البوح عند المرأة، الرجل هناك مساحات يستطيع قولها دون ان يشعر انه من العيب عليه ان يقول بينما المرأة هناك مناطق تعجز ان تتكلم عنها وهنا يأتي السؤال كيف تكتب المرأة عن القاضايا التي عادة لا تتحدث فيها النساء وانما يتحدث فيها الرجال، وهنا امتحان شديد للعبة الكتابة وكيف تتحايل الكاتبة على نفسها لتقول الذي عادة لا يقال وكيف تقوله، هذه اضافة شديدة جدا في عمل الكتابة ككتابة من حيث المبدأ، الثانية اننا فعلا بحاجة للكاتبات النساء لكي نفهم عبرهن وضع اللغة بما ان اللغة من انتاج الرجل، والعمل الكتابي عادة من اعمال الرجال والمرأة دخلت متأخرة الى الكتابة فنحن بحاجة الى ان نقرأ النساء لاننا نقرأ لغة تختلف عن اللغة التي نتعامل معها ونقوم بانتاجها، هذه ستكشف لنا لغتنا نفسها وتكشف قدرتنا.

لكن اظن ان الاسماء الاربعة التي تفضلت بذكرها هي الاسماء المهمة جدا، مع الفارق بين انتاجهن فرجاء عالم كتبت مجموعة من الاعمال مع الاعمال المسرحية مع المقالات الخ، بينما بعضهن كتبت عملا واحدا، لكن يظل العمل الواحد تراكميا ولا اعتقد ان الفروق جوهرية جدا على المستوى الفردي بقدر ما اننا امام تغير نوعي في الكتابة، لكن الحق معك في ان هذه مسؤولية، وقد تحدثنا قبل قليل في ان على الناقد ان يكون منقودا لذا يجب ان تعترف بان هناك تقصيرا وخطأ وهذا التقصير والخطأ يجب ان يملأ بجهد من نوع ما.

* ضمن اختيار الاسماء المبدعة التي طرحها كتاب في جريدة ممن سينشر لهم كتاب في جريدة من المبدعين العرب الروائية والقاصة السعودية رجاء عالم ماذا يعني لنا كمثقفين اختيار رجاء عالم كممثلة لنا عبر هذا الكتاب؟

امور عدة اولا رجاء عالم تستحق، وقد فازت بعدد من الجوائز في اسبانيا وغيرها، ورشحت لجوائز كثيرة فهي تستحق هذا التقدير لانها فعلا انتجت وعلى مدى زمني طويل جدا وعلى تنوع شديد، من مسرحيات وقصة قصيرة، وروايات ومقالات، فهناك تنوع في الانتاج الكتابي عندها مع التواصل المستمر، فهي ليست من النوع الذي يكتب ثم ينقطع وكذلك لديها المستوى العالي جدا من الجودة الى حد ان بعض الناس يجده متعبا، وهي تقدم نمطا في الكتابة متميزا على مستوى العالم العربي كله على مستوى الكتابة الرجالية والنسوية وخدمت نصها من هذا الاساس وانا اعرف ان هناك اناسا كثيرين يقولون ان رجاء عالم معقدة وغامضة وصعبة وهذا كله صحيح لكن هذا نوع من الكتابة تقدمه رجاء عالم يؤخذ بهذه المقاييس، نحن لا نطلب من رجاء ان تتحول الى كاتبة مثل اي كاتبة اخرى كغادة السمان مثلا.

رجاء تقدم نمطا خاصا من الكتابة علينا ان نقبله بشروط وشروط الكتابة عندها هي ذات سمات خاصة ومحددة نعم ليس لها الا نوع محدد من القراء، لكن هذه هي الاضافة وهذا هو الدور الذي تقوم به، وتملؤه كتابات رجاء عالم لكن ليست كاتبة عمومية وليست كاتبة جماهيرية بحيث كل انسان يقرؤها ويفهم مباشرة ما تقول، لذلك لكتابتها شروط خاصة وقراءتها تقتضي الاخذ بهذه الشروط لذلك اقول بان رجاء عالم كواحدة من الاعمال التي ستصدر في كتاب في جريدة ستكون نوعية مختلفة حتى بالقياس على اسماء اخرى قدمها كتاب في جريدة على مدى اربع سنوات يعني نمطا خاصا من الكتابة ويجب ان يقدم على المستوى العربي لكي يتعرض القراء بقاعدتهم العريضة الى هذا النوع من الكتابة، فانا سعيد جدا لرجاء عالم وهي كفؤ وتستحق هذا الاختيار وستشكل اضافة نوعية للاعمال المقدمة في كتاب في جريدة.

خلود
04-05-2001, 07:49 AM
ما اعرف حاجه عنه الا منك ... وكثير زيي ...<IMG SRC="http://www.arabiyat.com/ubb/smilies/cwm32.gif" border=0>

أبو بسام
06-05-2001, 07:06 AM
الغذامي والقفزة النوعية في خطابنا لنقدي ـ الإصلاحي
بقلم الدكتور / معجب الزهراني
=====================

أشرت مرارا وتكرارا إلى ان خطابنا الثقافي الحديث بكل مكوناته وأشكاله وتوجهاته لايزال في أمس الحاجة إلى البحوث الجادة المعمقة التي تتبع مراحل تشكله وتحلل عناصره وتفسر تحولاته وتستكشف آفاقه وتوقعاته باعتباره خطابا جماعيا إما ان يفهم في ضوء التاريخ وإما فلن يفهم كما ينبغي أبدا فمقاربة إنجازات الأفراد باعتبارها ظواهر فريدة من نوعها ونتاج عبقرية غامضة من الصعب اكتشافها هو شكل من أشكال التكريس العفوي لرؤى خرافية يعبر عنها هذه المرة بخطاب ثقافي نخبوي لا يعود للمفاهيم والمصلحات قيمة تذكر فيه لأنها أشبه ما تكون هنا بالحلي الخارجية التي تغلب وظيفتها التزيينية على ما عداها.
لقد كتبت عن بعض رموز هذا الخطاب، أمثال أحمد السباعي وحسين سرحان وعبدالقدوس الأنصاري ومحمد مغربي وحمد الجاسر وعبدالكريم الجهيمان.. من منظور يحاول الكشف عن أشكال تعالق كتاباتهم الأدبية والفكرية مع ذلك الخطاب في مجمله في فترة زمنية محددة وفي هذا المستوى يمكن الحديث عن أهمية الإنجاز الفردي باعتباره إضافة تراكمية متميزة في إطار ذلك الخطاب العام.
هنا أريد ان أتحدث عن انجازات صديقنا وزميلنا الدكتور عبدالله الغذامي من ذات المنظور الذي لعله الأكثر قدرة على كشف معاني الإضافة والتميز كقيمة لابد من نسبتها للذات الفردية الباحثة الخلاقة.
ففي أوائل الثمانينات تشكلت حركة نقدية جديدة لا بد أنها جاءت محصلة للدرس الأكاديمي الجدي في إطار مؤسسة الجامعة ولعمليات تواصل فعال مع خطابات نقدية عربية مزامنة روّجها الكتاب والمجلة والجريدة ولتفاعلات أخرى، لعلها الأهم، مع النظريات النقدية الحديثة في لغاتها الأصلية أو عبر الترجمة. تشكلت هذه الحركة بفضل جماعة طليعية لابد ان وعيها بذاتها المختلفة وإيمانها بأهمية دورها في سياقها الوطني الخاص هو الذي سمح لخطابها بالانطلاق من منصة النادي الأدبي ـ الثقافي بجدة أولا لينتشر بسرعة في مختلف قنوات ووسائط الإعلام والتواصل الأخرى، وبالأخص عبر "الصحافة الأدبية" التي لعبت الدور الأهم في بلورة وتطوير خطابنا الثقافي إلى فترة قريبة فيما نزعم.
هنا لا شك ان سرعة الانتشار والتداول تدل بذاتها على ان جماعات التلقي كانت هي أيضا جزءا من الجماعة المنتجة لذلك الخطاب، وعلى ان هذه وتلك جزء من مجتمع فعلت عوامل التنمية والتحديث فعلها القوي في تغيير شروط حياته وكتابته وقراءته.
فالغذامي والسريحي وباقادر وأبو مدين والخزندار وعثمان الصيني وعلي القرشي وسعد البازعي.. لعبوا دورهم الريادي بكفاءة عالية لأن الكثير من الكتّاب الآخرين، ومن الجنسين، كانوا مشاركين فعالين في دينامية نشطة سريعا ما هيمنت على المجال الثقافي لا بقوة سلطة ما وإنما لأن خطابها الجديد كان لديه ما يضيفه وما تحتاجه الفئات المتعلمة الجديدة، وبالأخص من أوساط الشباب.
بعد هذا وبناء عليه يمكننا تلمس المميزات الخاصة لانجاز الغذامي الذي يشكل اليوم متنا غنيا، كما ونوعا، ولعلي أحصرها في ثلاث: الميزة الأولى تتعلق بالنزعة الموسوعية لدى ناقد تعمق جيدا في الدرس التراثي التقليدي لغة وأدبا ونقدا وبلاغة وشريعة (درس طويلا عند الشيخين البارزين: ابن سعدي وابن عثيمين يرحمهما الله) ثم تمثل جيدا أهم نظريات النقد الحديث سواء خلال الدراسة العليا في بريطانيا أو خلال فترة التدريس بجامعة الملك عبدالعزيز هذه النزعة الموسوعية هي التي تفسر لنا اليوم كون نصف انجازه تقريبا لا ينحصر في إطار النقد الأدبي بمعناه الضيق بل تشمل الحقل الثقافي في مجمله وقد بلغ هذا التوجه ذروته في عملين نزعم أنهما ينطويان على إضافة فكرية متميزة على المستوى العربي وهما "المرأة واللغة" و"النقد الثقافي".
الميزة الثانية تتمثل كما نعتقد في الحماسة القوية والحميمية للأفكار والتصورات والنظريات التي ما ان تؤمن بها الذات الباحثة حتى تغامر بطرحها والدفاع عنها دونما مواربة وبجرأة من "لا يحمل في الداخل ضده"! هذه النزعة تجعل الباحث يبدو مصادما وسجاليا حد الوثوقية المفرطة أحيانا، لكنه يظل يحترم من يحاوره ويخالفه "ويخاصمه" بلغة المعرفة والفكر لا بلغة المزايدات الايديولوجية والمغالطات الفكرية. فالباحث الجاد لابد ان يتوقع ويتقبل كل أشكال سوء الفهم المولدة للاختلاف، وللمزيد من الانجاز، لكنه لا يتحمل سوء الظن ومحاكمة النوايا في مقام معرفي هو مقام الاجتهاد والخطأ بامتياز.
أما الميزة الجامعة الثالثة والأخيرة فنزعم أنها تتمثل في وعي نقدي عميق، تشكل تدريجيا وعلى مدى زمني طويل، سمح للباحث بالتمييز الصارم بين مشروعية استثمار أدوات البحث ونظرياته ومناهجه الحديثة دون التورط في المنظومات العقائدية ـ الايديولوجية التي أغوت غيره.

أبو بسام
17-05-2001, 02:52 PM
1ـ الناقد منقوداً
بقلم الدكتور عبدالله الغذامي
جريدة الرياض
5/17/2001 م
===============
* في مؤتمر عن المرأة في القاهرة كان الدكتور هشام شرابي يتهيأ لإدارة واحدة من المواد المستديرة عن المرأة والسلطة، وقبل البدء في المناقشات طرح عدد من النساء المشاركات تساؤلا عن عدم وجاهة ان يدير رجل موضوعا عن المرأة وعلاقات السلطة، ولقى هذا التساؤل صدى في القاعة بين المشاركات وبعض المشاركين وبدأت الأصوات تتقاطع حول هذه المسألة، وفجأة ارتفع صوت الدكتور هشام شرابي ضاربا بيده على الماصة ومعلنا احتجاجه على الحوار وهدد بإيقاف الكلام وإلا فإنه سينسحب من الجلسة.
في هذه اللحظة سكت الجميع وخاصة النساء، وابتدأت الجلسة بإدارة السيد الأب/الفحل الذي ضمن حقه السلطوي بأسلوب سلطوي يتفق مع روح السلطة، وان تناقض مع اسلوب الحوار وروح الموضوع.
ولابد هنا ان نلاحظ ان الأستاذ الأب هشام شرابي هو صاحب الفرضية التي تقول بالأبوية الجديدة، ومع مالي على هذه الفرضية من تحفظات منهجية سأعرض لها يوما، إلا ان موضوعي اليوم هو عن صيغة المؤلف في ثقافتنا ومعها صيغة الناقد، تلك الصيغة التي تتجه لنقد غيرها لكنها لا تتمثل مقولاتها وتتحول الذات المؤلفة والذات النقدية إلى ذات متسلطة متى ما جرى امتحانها في أي موقف يسائل سلطويتها. وما مثال هشام شرابي إلا نموذج متكرر عن هذه الذات النسقية التي ظاهرها تنويري وتحديثي ومضمرها نسقي فحولي، يهب للدفاع عن فحوليته حينما يجري تهديدها. وهذه لحظة امتحان صارخ لهذا النموذج وكيف يتصرف مع ذاته وكيف تعلن الذات عن ذاتيتها اذا اقتضى الأمر ذلك، وتلك كانت سلطة وأبوية لم يسطع شرابي أن يتخلى عنها، ولم يستطع ان يدافع عنها بالحوار بل انه وجد الحوار يخدش شرف أبوته وذاتيته فلجأ للعنف والدفاع عن ذاته عبر الفرض والقسر والقوة المتسلطة.
هذه صورة صارخة عن نموذج عام ونسقي شامل. وليست حالة فردية تخص شرابي وحده، غير ان الأمر يتكشف بأحد صوره مع شرابي تحديدا لأنه ناقد فكرة الأبوية الجديدة، وهي بالضبط ما تمثل في تصرفه في القاهرة.
كانت هذه الصورة في بالي وأنا ادخل البحرين مع وفد من الاصدقاء، حمزة المزيني وعبدالرحمن السماعيل وكان يحضران معي ومع معجب الزهراني، ندوة تقرأ مشروع صاحبهم. وطول الطريق البري من الرياض إلى البحرين وأنا اسائل نفسي يا ترى ماذا سيقول الصحب عن صاحبهم لو أنه شمر عن سواعده كمؤلف محتفى بمشروعه، وأخذ يغرس أناه على جنبات الطريق.. ألن يكون هذا من صلف الفحولة النسقية المبيتة في مضمر كل واحد منا متى سنحت لها الفرصة...؟ وقد سنحت الفرصة لهذه الأنا لكي تتمثل أنويتها...؟.
والأشد من ذلك ان هذه الأنا ستكون هنالك في البحرين على موعد مع شهادة تشهد فيها لنفسها وليس على نفسها، ثم ان هناك عشر ورقات سيكون للمرء معها موعد فحولي لا يضاهيه أي نصر ملحمي آخر.
هناك في البحرين كان الموعد، والرجل الذي كتب عن الفحولة وقال القول ضد النسق الفحولي سيكون على موعد مع امتحان مماثل لامتحان شرابي في القاهرة، وويل للذات الناقدة من لحظة ما تكون منقودة، هنا سيتكشف الموقف العقلي ويكون الامتحان. وللصحب المرافقين وللنقاد المشاركين الحق في الحكم ومع خيبة لا حد لها حينئذ، حيث سيتكشف الناقد عن فحولية ناسخة فعلا.
مر يومان في البحرين أنا استمع للناقدات والنقاد من شباب ومن اساتيذ، والكل يقول ما يرى قوله حول مشروع نقدي ماثل للتشريح والنقد والفحص وتقليب الأفهام. وكنت في حل من كل ما يقال وفي حرية من عدم الرد لأن المنظمين أعفوني من التداخل المباشر وقرروا جلسة نهائية يتكلم فيها الناقد ويقول القول الفصل.
وكم كانت اللحظة النهائية بالنسبة لي موضع قلق لا حد له، وهو قلق لازمني يومين كاملين، ومصدر هذا القلق جاء من ان المعتاد في هذه المواقف ان يتكلم المرء عن الورقات واحدة واحدة، ويقف على ما قيل مادحا هنا ومتحفظا هناك ومعترضا في أخريات. ولابد هنا من التكرار وتكرار التكرار لأن ما في داخل المرء هو واحد يتكرر. وهذا ليس واجبا علميا فحسب، وانما هو واجب اخلاقي ايضا. إذ من حق كل باحث ان يسمع رأيك في قوله فيك.
ولكن...
لم يغب عن بالي ابدا فحولية هذه اللحظة وخطر الإدعائية فيها، وخطر الزعم بامتلاك القول الفصل وتفوق المعلومية وأحقية الذات في تفسير قولها وليس في قوله فحسب.
وبين أن تفي بحق العلم والخلق، مع ما يصحب ذلك من الانتشاء الفحولي، وبين الشعور النقدي الداخلي في ان اللحظة النسقية لا تختلف كثيرا عن اللحظة البريئة في ظاهرها العلمي، وهذه أكبر حيلها في المخادعة، مما يجعل المرء يقع ضحية التقدير الخاطئ، وستكون نسقيا في حين تظن نفسك علميا واخلاقيا، وانك تفعل ما يقتضيه المقام، ثم انه شيء مطلوب منك....!!.
لو سمح المرء لذاته بأن تبرر له التصرف وتحسنه له فسيكون نسقيا دون ان يعلم.
من هناك كان لابد من عملية ترويض نفسي، وذلك بتدريس الذات الناقدة بأن تكون منقودة، ولم تكن ندوة البحرين إلا فرصة حقيقية لهذا الامتحان.
لهذا فإنني قررت الامتناع عن الرد والتفنيد، وكذا عن التأييد والمباركة، ولقد كان في الورقات ما هو في صميم فرحي موافقة ومباركة وكان فيها ما لدي عليه اعتراض واحسست معه بضرورة المحاورة، غير ان هذا وذاك سيجر في هذه اللحظة تحديدا إلى تجيير الندوة تجييرا شخصيا وتحويل الناقد إلى نجم فحولي، لا يصح قول إلا إذا باركه. وويل لمن خالف مقال الناقد. وستكون منصة الختام منصة لتتويج الفحل، فحل الفحول. ويا خسارة الفكرة النقدي وياله من نقد ثقافي.
لقد كافحت كل دواعي الذات، ولعلي قد نجحت في ان اعلان موقفي وهو ان أول سبل محاربة الفحولة النسقية هي في تحويل الناقد إلى منقود. وفي الحلقة القادمة مزيد من قول حول هذا الأمر ـ إن شاء الله ـ.
** الإشارة هنا إلى الندوة التي أقامها المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب في البحرين بعنوان: الغذامي والممارسة النقدية والثقافية في يومي 5و 6مايو

------------------
<FONT COLOR="Green">اقرأ ان شئت هذه الموضوعات :</FONT c>
ماذا تعرف عن هؤلاء؟ (http://www.arabiyat.com/ash3ar/qwho.htm)
ملف الامسيات الشعرية (http://www.arabiyat.com/ubb/Forum6/HTML/003152.html)
ملف المحاضرات (http://www.arabiyat.com/ubb/Forum6/HTML/003913.html)
قـ(1)ـراءات (http://www.arabiyat.com/ubb/Forum6/HTML/003273.html) قـ(2)ـراءات (http://www.arabiyat.com/ubb/Forum6/HTML/003915.html) قـ(3)ـراءات (http://www.arabiyat.com/ubb/Forum6/HTML/004073.html)
ابداعات قصصية (http://www.arabiyat.com/ubb/Forum6/HTML/004101.html)
قضية ثقافية (http://www.arabiyat.com/ubb/Forum6/HTML/004100.html)
ملف التجارة الالكترونية (http://www.arabiyat.com/ubb/Forum4/HTML/001290.html)

أبو بسام
19-05-2001, 04:48 PM
نظمت اللجنة الثقافية في مركز صالح بن صالح الثقافي بمحافظة عنيزة محاضرة بعنوان (النقد الثقافي حاضره ومستقبله) ألقاها الأستاذ الدكتور عبدالله بن محمد الغذامي أستاذ النقد والنظرية كلية الآداب جامعة الملك سعود مساء الثلاثاء 1422/2/21ه بقاعة المحاضرات بالمركز وقد بدأت المحاضرة بتعريف للسيرة الذاتية للدكتور الغذامي ثم ألقى الشاعر الأستاذ محمد بن عبدالله الخشيبان كلمة ترحيبية ضمنها قصيدة عربية بعد ذلك بدأت المحاضرة بشكر وتقدير قدمه المحاضر الأستاذ الدكتور عبدالله الغذامي لمركز صالح بن صالح الثقافي بعنيزة على دعوته وتنظيمه هذه المحاضرة مقدماً الشكر للأمين العام للجمعية الخيرية الصالحية المهندس عبدالعزيز الرميح كما قدم الشكر لمدير عام الشؤون البلدية والقروية الأستاذ ابراهيم البليهي على حضوره.. بعد ذلك بدأت المحاضرة حيث اعطى الدكتور الغذامي في بدايتها تعريفاً للرسالة وعناصر الاتصال فيها معطياً تعريفاً للنقد الثقافي والذي اصبح للدكتور الغذامي جهل المجتمع كله بعاداته وتقاليده وثقافته وفكره بجميع أنواعه الديني والاقتصادي والعلمي والاجتماعي.. جعل المجتمع كله نصاً ومادة للدراسة بديلاً عن النص الشعري أو الأدبي.. وقال بأن وظيفة الناقد الثقافي بعد تحديد العناصر الست التي يقوم عليها النقد الثقافي وهي المرسل والمرسل إليه والرسالة بينهما ويحيط بهذه الرسالة أربع عناصر مهمة هي السياق والشفرة وأداة الاتصال والعنصر النسقي فإذا فقد عنصر من عناصر هذه المجموعة فيعني ذلك فشلاً في أداء الرسالة.. وكان المحور الأول في محاضرة الدكتور الغذامي هو مجموعة من الأمثلة والنماذج جعلها أدلة على صحة مقولته ونظريته حول هذه العناصر الست التي يتطلب نجاحها في أداء مهمتها ان توجد جميعاً وتكون متوفرة في أي تقنية محتاجة للدراسة.. مشيراً في ذلك الى مثال الدعوة الإسلامية في مكة والمدينة فرسول الله ~ مكث ثلاثة عشر عاماً في مكة وعشر سنوات في المدينة ولكن نجاحه في المدينة كان أكثر وتحقيقه لجميع أهداف الدعوة في المدينة كان أكثر من مكة برغم معاناة الرسول ~ في مكة أكثر من معاناته في المدينة.. ويرجع السبب في ذلك إلى فقدان عنصر من العناصر الست الماضية وهو "المرسل إليه" حيث افتقدنا المرسل إليه في مكة ولم نفتقد في المدينة.. مضيفاً ان افتقادنا لعنصر المرسل إليه في مكة لا يعني ان الدعوة الإسلامية لم تجد بشراً في مكة تدعوهم للإسلام وليس المقصود بعدم وجودهم ولكن كانوا رافضين لهذه الدعوة الجديدة معرضين عنها فأصبحوا في حكم الغائبين كأي مجموعة بشرية في أي مجتمع لا يشعرون بالتوافق مع بعض أفكار هذا المجتمع فيتركونها ويصبحوا في حكم غير الموجودين وهكذا.. إذ عنصر المستقبل أو المرسل إليه عن عمد أدى ذلك إلى عدم نجاح الدعوة الإسلامية في بادئ الأمر في مكة.. وقال بأن الأمر اختلف في المدينة حيث توافر عنصر المستقبل أو المرسل إليه فنجحت الدعوة منذ البداية في أداء أهدافها.

ثم جاء الدكتور الغذامي بمثال ثانٍ وهو تواجد العرب في الأندلس إذ إن تواجدهم لم يحقق الثمرة المطلوبة منه فأصبحوا كأنهم عابرو طريق على بلاد الأندلس وكأن العرب لم يمكثوا ثمانية قرون. وقال بأن السبب يرجع في ذلك الى عدم اكتمال العناصر الست التي أشار إليها فالرسالة التي جاء المسلمون من أجلها إلى الأندلس لم يهتموا بها بقدر اهتمامهم بأمور أخرى فرعية وثانوية إلى جانب انخراطهم في صراعات داخلية فيما بينهم فمضت القرون الثمانية وانتهت بانتهاء دولة العرب في الأندلس وهكذا وكأن العرب لم يكونوا مشغولين بالعمل على الانصهار في المجتمع الأندلسي والخلود فيه بوسائل ناجحة.

بعد ذلك تحدث المحاضر الدكتور الغذامي في مثاله الثالث عن فقدان الشفر (اللغة) وقال إن اللغة تعد عنصراً أساسياً من عناصر الحياة وهي التي ينبغي على كل فرد منا أن يهتم اهتماماً منقطع النظير كل في تخصصه. فاللغة مهمة لرؤساء الدول ومهمة للتجار وللوعاظ ومهمة لكل فرد من أفراد المجتمع وقال ينبغي أن نعرف أن بعض رؤساء أمريكا مثلاً (ريجان) بلغ حد اهتمامه باللغة وتأثيرها وأهميتها في نجاحه في أداء مهامه الرئاسية حداً غير مسبوق إذ أن ريجان كان له أربعة متخصصين لغويين يشرفون على كتابة خطبه حتى يتأكدوا من نجاح كل كلمة من كلماته في أداء هدفها بداية من اختيار الأفكار ومروراً بتنظيمها ثم صياغتها في جمل وألفاظ واختيار الألفاظ الخفيفة والثقيلة والطريفة والجادة والتي فيها غمز ولمز أم واضحة فيها شفافية أم غامضة وغير ذلك.. إلى جانب طريقة أدائها واصطناع بعض الأخطاء أثناء ادائها كل ذلك كان يعمل له ألف حساب وهذا إن دل على شيء انما يدل على أهمية اللغة (الشفرة) في القضية الثقافية.

مضيفاً مثالاً آخر وهو قضية المفاوضات بين العرب والإسرائيليين التي أصبحت اللغة فيها عنصراً من العناصر الفعالة في قلب موازين التفاوض في كثير من مراحله لصالح المفاوض الفلسطيني ثم انقضاض المفاوض الإسرائيلي على المفاوض الفلسطيني أو العربي باستخدام اللغة الفضفاضة ذات التفسيرات المتعددة غير المحسومة مما يؤدي الى سقوط أوراق مهمة من أيدي المفاوض الفلسطيني بسبب عدم انتباهه لميوعه اللغة والمراوغة في كتابة بنود الاتفاقات التي يتم التوصل إليها في جولات المفاوضات المتلاحقة.

وقال إن العنصر النسقي والسياق قد يكونان مهمين الى حد غير متصور فمثلاً موضوع الاستراحات لدينا نحن أهل القصيم أفقد مجتمعنا خاصية من أعظم خواصه العربية والإسلامية وهي العمل الجاد والإنتاج المثمر والترابط الاجتماعي.

وقال الدكتور الغذامي ان فقدان المرسل له أهمية بالغة في حياتنا اليومية ونقصد بالمرسل "القدوة" فالقدوة في المجتمع افضل مائة مرة من الوعظ المباشر المستمر غير المجدي الا في اشباع رغبة صاحبه فقط برغم أهمية الوعظ في حياتنا اليومية.

بعد ذلك فتح باب المداخلات من الحضور وعبر الانترنت والتي كانت كثيرة ، دلت بلاشك على وعي ثقافي حضاري ومعرفة واعدة واعية لدلالات هذه المحاضرة وقيمتها.. فمن المشاركات التي أثرت الندوة سؤال عن أهمية القدوة وقضية القول المنفصل عن الفعل في حياتنا المعاصرة والماضية.

وأوضح الدكتور الغذامي ان انفصال القول عن الفعل هو سبب من الأسباب المهمة في الإخفاقات المتلاحقة في مجتمعنا برغم أن القرآن الكريم يقول {يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون، كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون}.

بعد ذلك تم طرح سؤال حول العولمة والنقد الثقافي وهل يعتبر الدكتور الغذامي أول من عمل في النقد الثقافي في عالمنا العربي.

فقال: إن العولمة جزء لا يتجزأ من النقد الثقافي وتسير معه حيث سار في كل القضايا التي يتفق فيها ومن أهم القضايا التي يتفق فيها النقد الثقافي مع العولمة قضية قيمة الوقت التي اشرنا إليها عند حديثنا عن الاستراحات في القصيم لأننا استسلمنا لظاهرة الاستراحات التي سيطرت علينا الى حد جعلنا لا نعرف قيمة الوقت بينما العولمة تهتم بالوقت وبكل ذرة من ذراته ليصبح عنصراً أساسياً في حياة غير العرب ولعل العقول العربية المهاجرة تعي تماماً مدى إهمالنا لعنصر الوقت في مجتمعاتنا بينما الآخرون يقدسونه الى درجة غير مسبوقة ولعل عقلية إدوارد سعيد وأحمد زويل من العقليات التي ابدعت عندما احتضنتها مجتمعات تعرف قيمة الوقت.

ومن ضمن المداخلات مداخلة للدكتور خليل عبدالعال خليل الأستاذ المساعد بكلية التربية للبنات بعنيزة.. تحدث خلالها عن فشل العرب في الأندلس فقال: اعتقد ان العرب لم يفشلوا في الأندلس فشلاً ثقافياً بسبب فقدان عنصر المرسل لأن العرب في الأندلس نجحوا نجاحاً واضحاً فتخرج على ايديهم علماء من الأندلس في كثير من الفنون والعلوم ففي علوم التفسير القرطبي وأبو حيان وفي علم النحو ابن مالك وأبو حيان وابن عصفور وابن مصاء وغيرهم وكذلك في علوم الفقه وبقية العلوم الأدبية والتجريبية وخلف هؤلاء لنا مؤلفات لا يزال العالم الغربي والعربي يستفيد منها حتى الآن.

أما الفشل الذي حدث للعرب في الأندلس فأسبابه الأساسية هي الانفصال بين القول والفعل وانشغال العرب واهتمامهم بأمور تافهة لا تعين على ثباتهم وخلودهم في ديار الأندلس بل إنهم تصالحوا مع اعدائهم على ايجاد وسائل طردهم من الأندلس بانشغالهم بصراعات طاحنة فيما بينهم وتدمير بعضهم لبعض وانفصالهم عن أهل الأندلس بتسميتهم بالعجم وتفضيل العرب عليهم. وأضاف الدكتور خليل قائلاً: ان عالمنا العربي والإسلامي وبخاصة إعلامنا يهمل جانباً مهماً وعنصراً أساسياً من العناصر الست التي تفضل الدكتور الغذامي بإيضاحها وهو عنصر الشفرة "اللغة" ولا أقصد أن الإعلام يهمل اللغة في مخاطبة الجمهور وانما القصد عدم التدقيق في استخدام الألفاظ "الدالة" اي تنقل أخبار المسلمين من كل مكان فمثلاً ينساق إعلامنا وراء الإعلام الغربي فيستخدم لفظة التطهير العرقي بدلاً من الإبادة الجماعية المقصودة للمسلمين في الشيشان أو البوسنة والهرسك أو كوسوفو ومقدونيا أو الفلبين أو فلسطين. فالتعبير الصحيح هو الإبادة وليس التطهير فالتطهير يكون بمعنى التنظيف أي تنظيف أماكن متسخة من وسخ بها والمسلمون ليسوا وسخاً ينبغي ازالته فهذا تضليل مقصود وانسياق أعمى يهدد حقوق العرب والمسلمين. واتفق الدكتور الغذامي مع الدكتور خليل على هاتين الملاحظتين.

عقب ذلك انتهت المحاضرة بالرغم من الكم الكبير من المداخلات والأسئلة من الحضور ومستمعي المحاضرة عبر الانترنت.


------------------
<FONT COLOR="Green">اقرأ ان شئت هذه الموضوعات :</FONT c>
ماذا تعرف عن هؤلاء؟ (http://www.arabiyat.com/ash3ar/qwho.htm)
ملف الامسيات الشعرية (http://www.arabiyat.com/ubb/Forum6/HTML/003152.html)
ملف المحاضرات (http://www.arabiyat.com/ubb/Forum6/HTML/003913.html)
قـ(1)ـراءات (http://www.arabiyat.com/ubb/Forum6/HTML/003273.html) قـ(2)ـراءات (http://www.arabiyat.com/ubb/Forum6/HTML/003915.html) قـ(3)ـراءات (http://www.arabiyat.com/ubb/Forum6/HTML/004073.html)
ابداعات قصصية (http://www.arabiyat.com/ubb/Forum6/HTML/004101.html)
قضية ثقافية (http://www.arabiyat.com/ubb/Forum6/HTML/004100.html)
ملف التجارة الالكترونية (http://www.arabiyat.com/ubb/Forum4/HTML/001290.html)

أبو بسام
05-06-2001, 12:49 PM
الناقد منقودا (2) : مستقبل النقد

الأفكار رجل: مقولة لا يشوهها إلا شبهة التفحيهي شبهة تتلبس أي تعبير كهذا بالضرورة النسقية وما تتضمنه من إيحاءات، ولكن لو أننا سمحنا للتعبير لكي يأخذ مداه لربما تمكنا من تجاوز معضل التفحيل هنا، مع التسليم بوجوده القسري.
أقول هذا قاصداً التبصر في حركة الافكار وكيف للفكرة ان تتحول الى مشروع عمل، ونحن في حياتنا لا نعدم الافكار، وربما يكون لدينا فائض كمي وفير منها غير ان الافكار تنتهي دائماًَ الى ان تكون مجرد هواجس عابرة، ولا تتحول الافكار الى مشاريع عمل ومشاريع نظريات ،إلا اذا تجسدت في شكل حركة حسية، إما ادارية تنفيذية او تركيبة فكرية فلسفية/نظرية، وأبرز صيغ هذه الحالة هي التأليف النظري والفكري الذي يتمثل الفكرة/الهاجس ويحولها الى مقولة حية بشرطها الذهني والتطبيقي. وقد نقول اننا في عالمنا العربي لا ينقصنا وجود اعمال نظرية طموحة، مما يعني ان الافكار تتحول عملياً الى كائن حي، عبرنا عنه بقولنا: الافكار رجل، مع ما في كلمة رجل من لبس فحولي واضح لكنه غير مقصود.
ولكن، ومع تمكن كثير من الافكار عندنا من ان تصبح ذات وجود حي يتمثل في رجال ونساء تتجسد بهم وبهن الصور الفكرية على شكل حي ،الا ان حيوية هذه الافكار دائماً ما تكون محددة بحدود حامل الفكرة، في حياته الخاصة او في بيئته المحددة، هكذا انتهى طه حسين، وهو مشروع في الوعي النقدي تجسدت فيه روح هذا الوعي، ولكنه بعد مماته صار مجرد ذكرى جميلة ومجرد صفحة مشرقة في كتاب العرب، نتذكره لنسعد بذكراه، ولكنه لم يتجسد فينا كمشروع فكري يتمدد ويتطور عبر الآخرين بتراكم معرفي متصاعد. مما يعني ان حيوية افكاره ظرفية وليست تاريخانية. ومن المؤكد اننا نسينا او في سبيلنا الى نسيان رفيقه العقاد الذي يكاد يختفي من تذكرنا اليوم، ولاشك ان الجيل الجديد يكاد لا يعرف العقاد.
هنا اقول ان الافكار رجل، او جيل من الأحياء، واذا لم تكن كذلك فستكون مجرد صفحات جميلة في كتاب الأمة.
ورد هذا في ذهني، وانا في مدينة فاس في المغرب، في جامعتها العريقة، كما ورد في ذهني وانا في البحرين الاسبوع قبل الماضي، وفي فاس وفي البحرين رأيت مستقبل النقد الثقافي تحديداًَ، وذلك على وجوه شابة في الموقعين معاً.
وهي وجوه تنطوي على عقول حية تعي وظيفة النقد واسئلة المشاريع النقدية، ولن يكون للنقد الثقافي من أمل في المستقبل الا عبر هذه العقول الشابة، وهذه فرصة لم تتيسر من قبل في أي مشروع نقدي عربي، إذ ان كل المشاريع النقدية العربية ظلت مشاريع فردية، ولم تتحول الى مشروع لجيل من الباحثين الذين يتولون التصدي لأسئلة المرحلة وترجمتها في رؤى بحثية ذات زخم جماعي حي ومتواصل تنمو عبره الافكار وتمتحن التجارب، وتتشكل حوله وبه مدرسة فكرية تدفع الخطاب العربي الى نوع من التحدي المعرفي اللافت والمتواصل.
هنا في البحرين كما هناك في فاس رأيت المستقبل امامي ماثلاً في الشبيبة الحية التي اخذت على عاتقها مسؤولية التصدي لأسئلة الجيل والمرحلة، واذا ما تم ذلك فعلياً وعملياً فإننا سنشهد تحول الفكرة، لا الى رجل، بل الى لغة جماعية والى جيل بحثي حيوي.
والأمثلة عند الامم الاخرى كثيرة منها الشكلانيون الروس ومنها مدرسة براغ، ومنها جماعة (تل كل) الفرنسية ونقاد بيل، ومدرسة بيرمنجهام في الدراسات الثقافية، وكلها حركات وتجمعات فكرية/نقدية تجسدت عبرها الافكار لتكون مشاريع عمل جماعي يفرض قوته التغييرية وتأثيراته على حركة التاريخ وفلسفة الافكار.
وإني لأعلم علم اليقين ـ إن شاء الله ـ أن ما رأيته وسمعته في البحرين هو مشروع آخذ في التشكل العملي بحيث سيكون مدرسة فكرية تتحرك بهذه الشبيبة النقدية، وبما تملكه من رؤية ووعي وجدية، مثلها مثل أي واحد من الامثلة العالمية في التكوين الفكري ذي الدفع الجمعي الجاد.
يحق لي ـ إذن ـ أن اقول انني ارى البحرين تحتضن مستقبل النقد، ببعده النظري الثقافي، وهذا كفاء الجد وعمق الرؤية، ولست اقول هذا تخميناً فأنا اعرف ان الامر مأخوذ مأخذ التحقق العملي.
وهذا هو ما يحول الفعل النقدي من فعل فردي، وبالتالي فحولي، الى فعل جماعي، وينقلنا من الشعرنة الى السردية ذات الحبكة الجماعية المتعددة الاصوات.
كم انا ممتن للنقاد في البحرين من شباب وشابات، اذ على أيديهم وايديهن سينكتب نقد المستقبل وسنرى ـ إن شاء الله ـ سفراً ثقافياً عربياً لا مجرد صفحة مفردة. وهنا سيكون الناقد منقوداً لانه صار صوتاً في حبكة، وليس انا شعرية.
تحيتي لكم هناك وانتم الصوت وانا الصدى. وسحقاً لمن قال: أنا الطائر المحكي والآخر الصدى.


------------------
<FONT COLOR="Green">اقرأ ان شئت هذه الموضوعات :[/COLOR]
ماذا تعرف عن هؤلاء؟ (http://www.arabiyat.com/ash3ar/qwho.htm)
ملف الامسيات الشعرية (http://www.arabiyat.com/ubb/Forum6/HTML/003152.html)
ملف المحاضرات (http://www.arabiyat.com/ubb/Forum6/HTML/003913.html)
قـ(1)ـراءات (http://www.arabiyat.com/ubb/Forum6/HTML/003273.html) قـ(2)ـراءات (http://www.arabiyat.com/ubb/Forum6/HTML/003915.html) قـ(3)ـراءات (http://www.arabiyat.com/ubb/Forum6/HTML/004073.html) قـ(4)ـرات (http://www.arabiyat.com/ubb/Forum6/HTML/004232.html)
ابداعات قصصية (http://www.arabiyat.com/ubb/Forum6/HTML/004101.html)
قضية ثقافية (http://www.arabiyat.com/ubb/Forum6/HTML/004100.html)
ملف التجارة الالكترونية (http://www.arabiyat.com/ubb/Forum4/HTML/001290.html)

أبو بسام
04-10-2001, 01:44 PM
حكاية الحداثة
بقلم د/عبدالله الغذامي

أشرت في الحلقة الماضية الى تراجع المرحوم الأستاذ الشيباني عن المشاركة في ندوة عامة حول الحداثة، وكذا احجام الدكتور أبو بكر باقادر عن دراسة موضوع الصراع حول الحداثة، وأضيف اليوم أن الزميل الدكتور مرزوق بن تنباك سبق له أن تقدم لجامعة الملك سعود بفكرة مشروع بحثي عن الحداثة في المملكة، ووافقت الجامعة على دعم المشروع. وأخذ الدكتور في البحث، ولكنه قرر بعد مدة التخلي عن الموضوع، وقال لي مرة إنه رأى الموضوع شائكاً من حيث ما يثيره من أسئلة قد تحوله الى موضوع دوقماتي، وهذا ما لا يرتضيه لنفسه ولا لموضوعه. حينما نرى هذه الأمثلة، عن أناس لا تعجزهم الكفاءة البحثية، ولا ينقصهم الحياد الموضوعي، ومع ذلك يتراجعون الواحد تلو الآخر عن طرق هذا الموضوع، والانصراف عنه رغم معرفتهم التامة بأهميته. حينما نرى هذا فإن السؤال الذي يجب أن يرد هنا هو لماذا يتجنب الناس هذا الموضوع. ويتضخم السؤال حينما نستذكر أن عدداً من الجيل الأكاديمي الأول لم يك يجهل موضوع الحداثة، خاصة إذا استذكرنا أن عدداً من أساتذة قسم اللغة العربية في جامعة الملك سعود كانوا أصلاً من طلاب جامعة القاهرة في الخمسينات، أي في فترة المخاض الحقيقي للحداثة. وفي تلك الجامعة احتكوا بقضايا الحداثة، وشهدوا الإفرازات السابقة على ظهور الحركات الحداثية، واستمعوا الى رواد النقد وتعايشوا على مقربة من شعراء الحداثة ورموزها، بل لقد تزاملوا مع رجال أصبحوا من أبرز نقاد الحركة وروادها. ثم إن معظمهم ذهبوا للدراسة في بريطانيا في بداية الستينات، وتعرضوا لشيء غير قليل من الجرعات الثقافية المبكرة، ولكنهم مع هذا لم يطرحوا سؤال الحداثة حينما كان الجو مفتوحاً لهم على كل مصاريعه. هذا ليس تبكيتا لهم، ولكنه سؤال جوهري يمس علاقة الانسان المفرد بالمعطى العام لسياقه الثقافي، وجميع الإحالات هنا هي عن أناس نتفق على أنهم غير عاجزين، ونجزم أنهم ليسوا جبناء، كما نؤكد أنهم لم يواجهوا خوفاً رسمياً، ولا يمكن أن يخطر ببالنا أن الشيباني قد خامره خوف رسمي، إذ كلنا نعرف أنه يستند الى ركن قوي والى دعامة صلبة، كما أن الدكتور ابن تنباك كان مدعوماً دعماً مادياً ومعنوياً من مؤسسة رسمية. بينما الجيل الأول كان في وضع طليق يجعله وحيداً في ميدان له المرباع فيه والصفايا. إذا استبعدنا العجز الذاتي، واستبعدنا الخوف الرسمي، فإننا سندرك أن الإحجام هنا يعود الى قراءة كل واحد من هؤلاء للظاهرة الاجتماعية، واعتقاده بعدم استعدادها لقبول أسئلة بحثية يرى كل واحد هنا بأنها أسئلة شائكة ومحرجة، وبما إنها شائكة فإن ضررها الشخصي والاجتماعي أكبر من نفعها. وستكون الحكمة هنا هي في ترك ما يريبنا الى ما لا يريبنا. هذا ليس حساً شخصياً مفرداً لأي واحد من هؤلاء الذين أصفهم بالقادرين لأميزهم عن قوم دخلوا في الموضوع دون أن يمتلكوا القدرة عليه ولكنه حس جمعي يحيل الى نسق ثقافي سيكون من هم هذه المقالات الوقوف عليه وتحري أبعاده. على ان الحرص على الموضوعية مع تجنب الذاتية لا شك أنه كان وراء إحجام الشيباني وتراجع ابن تنباك. ولكن لماذا لا تتوفر الموضوعية في مناقشة مسألة الحداثة...؟ هذا سؤال سيكشف عن المعضل النسقي، والموقف الأصل من هذه القضية. ونحن لو استعرضنا حالة الأكاديميين في جامعاتنا لوجدنا أن أفضل حالات الموقف من الحداثة هي في الحياد، وهو ليس الحياد الإيجابي، حسب المصطلح السياسي الستيني، بل هو حياد سلبي، إذ كنا نعرف أنه لا يصمد في مواجهة الرأي العام، ولقد كنا نشهد زملاءنا المحايدين يتراجعون عن حيادهم إذا تعرضوا لسؤال عام. ولعل مثال الأستاذ رضا لاري، الذي فاجأه سؤال شخصي عني فقال كلمته المشهورة: الغذامي زعيم الحداثيين لكنه يصلي. وهذه كلمة علامة بما إنها تضمر الشيء الكثير، وليس أو