ماذا تعرف عن هؤلاء ؟ (58) ... يحيى السماوي

أبو بسام
21-06-2005, 03:30 PM
مازالت أرض الرافدين تضج بالكثير من المبدعين على مختلف العصور، كيف لا وهي تركن إلى إرث عظيم، وثقافات متعددة، وشعب حينما يذكر الشموخ والصمود والعزة لا يكون غيره في الذاكرة، هنا عبر لغة الحرف وظلال الكلمة كانت لنا رحلة عبر خارطة الإبداع، تلوح لنا من بعيد سعفات نخيل العراق ومن بين جنباتها تطل البيوت الطينية القديمة التي ولد ضيفنا فيها، هناك وبالتحديد في أرض السماوة التي أصبح اسمه لصيقاً بها صورة رائعة لالتصاق الإنسان والمبدع بالتحديد بالأرض، بالمكان، بالوطن الغارق في وحل الحروب.

ضيفنا هو الشاعر (يحيى السماوي) الذي حلق بنا مع خطواته الأولى نحو فضاء رحب، لغة الشعر صحبته في حديثه حتى لكأنه في بعض إجابته ينبئنا عن ولادة قصيدة تنتظر القراءة منكم. فإلى الحوار:

** بداية نتوقف مع ما تحويه بطاقتكم التعريفية؟

- اسمي الثلاثي: يحيى عباس عبود.. انتقلت من رحم أمي إلى صدرها بتاريخ 16/3/1949م في بيت طيني من بيوت مدينة السماوة.. أحمل شهادة البكالوريوس في اللغة العربية وآدابها، وظيفتي الحالية: فلاح في بستان الأماني، أو: صياد -غير ماهر- أنصب شباكي وفخاخي في حقول الحلم، أملاً في اصطياد (هدهد) فرح على غصن اليقظة في زمنٍ ذبح الحزن فيه عصافير الأحلام.. عنواني البريدي هو:

26Delamere avenu

Woodcroft 5162

Adelaide-Australia

هاتفي: 83876029 00618

فاكس: 83811259 00618

جوال: 0061413860436

بريدي الإلكتروني:

alsamawy@iprimus.com.au

** هناك عدة مجالات للكتابة تلوح في سماء المبدع، فما مجالات الكتابة التي طرقتها؟

- إضافة للشعر، طرقت أبواب الكتابة في المجال السياسي نقدًا وتحليلاً، وبخاصة ما يتعلق بالمعضلة العراقية، كما كتبت -ومازلت- النثر الفني ولي فيه كتاب تحت عنوان، (جرح باتساع الوطن)، وكتاب آخر معد للطبع بعنوان (مناديل من حرير الكلمات).

** هواياتنا جزء منا نحاول السفر إليها كلما صالحتنا ضغوط الحياة فما أبرز هواياتك؟

- تشكل هواياتي مثلثاً متساوي الأضلاع، هي: السفر، القراءة، والتسكع على الأرصفة.

** نطلب منك العودة بمؤشر الذاكرة للوراء لتطلعنا على مُعَلِّمين مازالت صورهم في الذاكرة؟

- من الصور التي بقيت منقوشة في الذاكرة، صورة مدرس اللغة العربية (شمخي جبر)، وهو يهديني كتاب (النظرات) للمنفلوطي مع ديوان شعر (معروف الرصافي)، كان ذلك في الصف الثاني متوسط، لإعجابه بما كنت أكتبه في درس (الإنشاء والتعبير)، وبالمناسبة، فقد كنت ذكياً جدًا في اللغة العربية، وبليدًا حدّ الغباء في درس الرياضيات.. أما من الشخصيات فإن صورة الشيخ (حميد السماوي) تبقى الأكثر حضورًا في ذاكرتي من بين جميع الشخصيات، وكان شاعرًا كبيرًا له ديوان ضخم مطبوع، أهداني نسخة منه حين قرأ أول قصيدة نشرتها لي مجلة (الشذى) المدرسية وأنا في الصف الثاني متوسط.

** ما الأسماء التي كانت تتردد في وسائل الإعلام ومازال صداها معك؟

- الأسماء التي كانت تتردد في وسائل الإعلام آنذاك كانت أسماء الجواهري والسياب والبياتي ومحمد صالح بحر العلوم.

** تشكل القراءة مخزونًا رائعًا لدى الشخص وهواية جميلة فمن الكتّاب الذين كنت تقرأ لهم؟

- في مرحلة الطفولة من قراءتي، كنت أقرأ بنهم لنزار قباني وإلياس شــبكة والجواهري ومعروف الرصافي ومجـلات مثل: (الأديب)، و(الآداب).

** إذاً ما أول كتاب قرأته؟ وماذا أضاف لك؟

- كانت لوالدي -رحمه الله- حفنة كتب لا تتعدى أصابع يديه وقدميه، قرأتها -ولم أستوعب جلّها- غير أن أول كتاب استوعبته هو كتاب النظرات للمنفلوطي، وأعتقد أنه كان أول القناديل في ليل رومانسيتي ومراهقتي الفكرية.

** مواقع مكانية ارتبطت بالخطوات الأولى؟

- كانت مدينة السماوة، المكان الذي حُفرت تفاصيله في الذاكرة وبخاصة، "حي الغربي"، بأزقته الترابية الضيقة، وبيوته الملاصقة تلاصق قطيع ماعز في طريق ضيق.. ولأنني كنت ابن بقال فقير، فإنه لم يكن بمقدوري الحلم بزيارة بغداد التي أسمع عنها كما لو أنها تقع في قارة أخرى.

** مواقف عشتها في سنيك الأولى ترى أنها تشير إلى جانب من النسيج الاجتماعي والحضاري للمجتمع آنذاك؟

- مواقف كثيرة منها مثلاً، أن أمي ذهبت مرات عديدة إلى بيت جارنا (إبراهيم العزاوي) كي ترضع طفله (باسم) خلال مرض والدته، ومنها مثلاً أننا حين ننام، لم نكن بحاجة إلى التأكد من أن أبواب بيوتنا الطينية كانت مغلقة، وربما نتعمد عدم إغلاقها، حتى أننا كنا نترك (المعزة) خار ج البيت، بل إن جارنا كان يترك بقرته خارج داره، فقد كان الأمان حِلية الحي، ولم نكن نعرف للفاقة معنى على رغم أن الجميع -أو الأغلب- كانوا متخمين فقرًا، لكنه فقر يمنح العافية.

** يقولون إن الإنسان ابن بيئته برأيك كيف أثرت بيئتك الاجتماعية والثقافية في إبداعك؟

- تعلمت من تلك البيئة أن التكافل الاجتماعي هو أعظم الأسوار والحصون لدرء المخاطر، وأن التقوى وحدها الكفيلة بسكب مياه الفرح في دوارق الروح، وأنه ليس ثمة ما يُثري فقر الجسد كغنى الروح، وتعلمت من تلك البيئة أيضًا، أن بذرة الصدق، هي الطريق الأسهل لاقتطاف ثمرة النجاح.

** غالبًا ما تكون البدايات صعبة لأي مبدع ما أبرز الصعوبات التي واجهتها في بداياتك؟

- أبرز الصعوبات في تلك السنين، كانت صعوبة امتلاك الكتب، بسبب شحة المال، ومن حسن الحظ، أن تلك الفترة شهدت افتتاح مكتبة عامة في السماوة، فأصبحت كما لو أنني جزء من أثاثها.

** الخطوة الرئيسة التي حددت مسار حياتك؟

- الخطوة التي حددت مسار حياتي، على صعيد الكتابة، هي انبهاري بوجود اسمي مرتين في أيام قليلة، على صفحات جريدة تصدر في بغداد اسمها (الشعب)، ومن ثم صحيفة (النور) في بغداد أيضًا، كنت آنذاك في حدود الرابعة عشرة، في الصف الثاني أو الثالث متوسط، كنت أود لو أشتري عشرين نسخة من كل عدد، والفاجعة كانت أنني لا أملك ثمن نسخة واحدة ذلك اليوم، ومن حسن الحظ، أن الكثير من النسخ بقيت عدة أيام دون أن تجد من يشتريها، فاشترى لي أبي نسختين من كل عدد في اليوم التالي.

>> ما أبرز ثلاث ظواهر في البيئة التي نشأت فيها وأثرت عليك؟

- التكافل الاجتماعي بين أهالي المدينة بشكل عام، والحي بشكل خاص. والعفوية في تصرفات وعلاقات الناس، والصدق مع الذات والآخر.

** برامج إذاعية وتلفازية كانت تشدك؟ والإعلامي الذي حفر اسمه في ذاكرتك؟

- لم تكن ظاهرة (النجم الإعلامي) معروفة -آنذاك- على الأقل بالنسبة لعائلتي، وربما الحي الذي أسكنه، وباستثناء جهاز مذياع في بيت جدي لوالدتي، فإن الوسائل الإعلامية كانت شبه معدومة، أما التلفاز (بالأسود والأبيض) فقد كان البث لا يصل مدينة السماوة، وحين وصل البث التلفازي مدينة السماوة، فإنني شاهدته أول مرة في مقهى (الحاج رزاق) وكانت الصورة مشوشة حتى أننا لم نكن نميز صورة رئيس الجمهورية من صورة الحصان، أو صورة المذيع من صورة المطرب، ومع ذلك، فقد كان على كل من يجلس في تلك المقهى لمشاهدة التلفاز، دفع مبلغ عشرة فلوس ثمن (استكانة شاي) وهو شاي له لون ولكن ليس له طعم أو رائحة.

** موهبة دون غيرها كنت تتمنى أنك تملكها.. ولماذا؟

- كنت أتمنى لو كنت رسامًا أوعازف عود، وجربت حظي في الرسم حين رسمت (بطة) غير أن مدرس الرسم الأستاذ (ثامر الدهان) قال لي حين شاهد ما رسمت: "هل هذه نعجة أم بلبل؟"، وأما العزف، فإن خالي (رسول) قد صفعني طالبًا مني عدم إثارة الضجيج، لأنني كنت أمارس العزف على صفيحة نفط فارغة (تنكه).

** برنامج إذاعي أو تلفازي تتذكره؟

- حين أصبح في بيتنا جهاز (المذياع) كنت أتابع برنامج (من القائل)، وهو برنامج أعتقد أن اسم معده ومقدمه حسن الكرمي يذكر فيه أبياتاً من الشعر يجيب فيه المعد والمقدم عن أسماء قائليها، وكان البرنامج يبث من لندن.

** أول رحلة خارج المدينة التي عشت فيها طفولتك وإلى أين؟

- كانت أول رحلة لي خارج مدينة السماوة، هي رحلتي مع أمي وأبي إلى مدينة (المسيب) بواسطة القطار، حيث زرنا خالتي التي تزوجت هناك، ومع أن المسافة بين السماوة والمسيب لاتتعدى 200كم، فإن الفترة التي امضيناها في القطار تتعدى العشر ساعات، إذ كان على القطار التوقف في كل محطة فترة قد تصل ربع أو نصف ساعة للتزود بالماء للمحرك البخاري، ولا أبالغ إذا قلت إنني بقيت أيامًا عديدة أشرح لأصدقائي الأطفال في المدرسة والحي تفاصيل (خرافية) عن مدينة المسيب، مع أنني لم أشاهد فيها غير الطريق الممتد من المحطة حتى بيت خالتي، وهو بيت لا يختلف كثيرًا عن بيت أبي، باستثناء وجود مروحة سقفية في إحدى غرفه الواسعة.

ما التحولات التي لم تحدث حتى الآن في المجتمع العراقي، وترى أنه من المتأخر عدم** حدوثها؟

- التحولات التي لم تحدث حتى الآن في المجتمع العراقي، هي أن النهر السياسي، لم يتخلص من الطحالب التي حولته من نهر عذب إلى مستنقع آسن مليء بجراثيم الأنانية والانتهازية والمنافع الذاتية على حساب ملايين الظامئين الذين يترقبون لحظة فرح ينتهلون منها نميرًا عذبًا لاوحلاً وقيحًا ودمًا ودموعًا.

** برأيك ما أهم التحولات التي أحدثت تأثيرًا ونقلة في المجتمع العراقي؟

- كان يمكن لما يسمى بـ"الطفرة الاقتصادية" الناجمة عن ارتفاع أسعار النفط، أن تحدث تأثيرًا ونقلة نوعية في المجتمع العراقي، لو أن ربابنة السفينة السياسية قد استثمروا الموارد المالية استثمارًا صحيحًا، فالذي حدث هو أنهم استثمروا تلك الأموال لجعل العراق كما لو أنه ثكنة عسكرية أو مستودع أسلحة.

** إذًا ما القيمة التي افتقدها في خضم هذه التحولات؟

- لقد فقد المجتمع مجموعة قيم وليس مجرد قيمة واحدة، فقد قيمة الأمان والاطمئنان، وقيمة الشعور بقوة الحق، وليس بـ"حق القوة" وفقد قيمة الإحساس بالانتماء إلى العصر، بعدما أعادته الحروب قروناً إلى الوراء، وفقد أيضًا الشعور بجمال وعذوبة المستقبل في ظل حاضر شديد العتمة، فإذا بعاصمة الرشيد تغدو عاصمة للسيارات المفخخة التي تستهدف الأبرياء، ومسلخاً بشريًا للذبح، وسوقاً للابتزاز والسلب والاختطاف والاغتصاب، ربما لتشويه المقاومة الوطنية الشريفة التي ترفض أن يكون العراق ضَيعة من ضياع البيت الأبيض، أو مختبرًا لتجارب آخر مبتكرات البنتاغون.

** ما أهم ثلاثة تحولات في الوطن العربي؟

- لست متشائمًا، لكنه إحساس الإحباط الذي يجعلني لا أرى تحولات إيجابية مهمة في وطننا العربي، والذي تشكو (العروبة) فيه من غربة حقيقية في ضوء بقاء الأمة العربية كأمة ردود أفعال، وليست أمة مبادرة بالفعل، أمة خرج الاستعمار من أبوابها العريضة، ليدخل من شبابيكها بعدما تبين له، أنها تزداد هشاشة ورخاوة، خصوصًا وأن فيها من (الطواويس) الصغار، الذين أسهموا في إرخاء حبل وحدتها وفتحوا لأعدائها أبواب عواصمهم وقاعات مؤتمراتهم، فكانوا الناطق غير الرسمي لمحدلة وبلدوزر الشرق الأوسط الكبير (طواويس) مستعدة للتخلي حتى عن (أظافر ومناقير عصافير الأمة) في مقابل أن تبقى على تبخترها وخيلائها الفارغ.

** ما التحول الذي لم يحدث حتى الآن في العالم العربي؟

- التحول الذي لم يحدث حتى الآن هو استمرار وقوفنا في المحطات التي غادرها القطار، على رغم أن في الأمة من الإمكانات، ما يؤهلها لأن تكون -على الأقل- في العربات الخلفية من القطار، ولكن كيف لها ذلك، إن كان بعض ربابنتها وقياداتها السياسية، تفضل الوقوف على التل، أو السير بشعوبها بين الأدغال، والدخول في (مساومات) و(مزايدات) رخيصة في الأقبية السرية والدهاليز.

** الحظ، الصدفة، الظروف. هل خدمتك أي من هذه العوامل بتغيير إيجابي في حياتك؟

- نعم.. لقد خدمني الحظ كثيرًا، فقد كان من المفروض أن يلقى القبض عليّ بعد فشل الانتفاضة الجماهيرية في شهر آذار من عام 1991م، لولا أن قدري قد خدمني كثيرًا، فنجحت في اجتياز كهف الفجيعة، والهروب من العراق، لأدخل واحات الطمأنينة والأمان في المملكة العربية السعودية، ومن ثم لأواصل مسيرتي نحو المدينة الفاضلة، المدينة الحلم، فإذا كان العراق وطن الجسد، فإن المملكة كانت وطن الروح، ومن نوافذها المضيئة أطلقت عصافير شعري.

** ما الأفكار التي كنت تتحمس لها وأثبت الزمن فشلها؟

- كنت متحمسًا للأفكار المثالية والطوباوية التي تحلق في فضاء الأحلام بعيدًا عن صخر الواقع، الأفكار التي تُعْشب في حقول الحلم، وتذبل في أرض الصحو واليقظة، فلكي نُشيد العالم الفاضل والسعيد، فإنه يتوجب علينا أن نشيد مدننا وأوطاننا أولاً، فليس من الإنسانية والوطنية أن أناضل من أجل حقوق زنوج أمريكا أو قبائل الأمازون في وقت يُصادر فيه القادة الانقلابيون في وطني، حقوق شعبي وأسرتي، وليس من الإنسانية، أن أرفع إصبعي احتجاجًا على ما يتعرض له معتقلو الرأي في الأرجنتين أو الصومال، في وقت لا أملك فيه في وطني حق فتح فمي إلاّ عند طبيب الأسنان.


لمن اراد ان يطلع على ديوانه الشعري فهو هنا
http://www.arabiyat.com/forums/showthread.php?s=&threadid=12400

أبو بسام
21-06-2005, 03:41 PM
قراءة : عبداللطيف الأرناؤوط

يتناول الشاعر العراقي (يحيى السماوي) أبرز موضوع، إنه الحنين إلى الوطن وعذابات المنفى. وهو الشاعر الذي تشرّد في الآفاق حتى استقر به المُقام أخيرًا في (أستراليا)، غير أنه كما يبدو في ديوانه الجديد وعنوانه (زنابق برية) ليس راضيًا عن المصير الذي آل إليه (العراق) في ظل احتلال يرفضه، ومعارضة تؤيد الاحتلال لا يقرّها.

زنابق بريّة

هو معارض وطني كان يتمنى لو أن التغيير تم على يد أبناء الرافدين أنفسهم، فهم أصحاب الحق في تقرير مصيرهم يقول:

يا جنابَ (المستشارْ)

أنت لن تفهمني

بيننا ألف جدارْ

واختلاف السننِ

دعك منا.. فالقرار

شأن أهل الوطنِ

مرودُ (التحرير) صارْ

مِخرَزًا في الأعينِ


****
ويقصد الشاعر بالمستشار حاكم العراق الأميريكي (بول بريمر)، وهو يحمل حملة قاسية على المعارضة العراقية التي قادت الغزاة إلى العراق، ويتبرأ منها ومنهم، بل يرفض العودة إلى بلده المحتل بعد أن باعه السياسة سرًا:

لا لم أعد بالمدنف المشتاقِ

للوصل بعد تخاذل العشاقِ

المبدلين مراءَةً بمروءةٍ

ومناصبًا مأجورةً بـ"عراقِ"

مدّوا لأحذية الغزاة رؤوسهم

جسرًا.. وحنجرةً لبوق نفاقِ

باعت حوانيتُ السياسة عِرضنا

سرًا.. وقد باع (المهيبُ) الباقي!


****
إن ديوان الشاعر (السماوي) يُعدّ إضافة قيمة لشعر الحنين والمنافي الذي تمتد جذوره في الأدب العربي من عهد (امرئ القيس) الشاعر الشريد مرورًا بأبي فراس الحمداني الشاعر الأسير، حتى ليعد (السماوي) أبرز ممثلي هذا اللون من الشعر في عصرنا بعد أن اكتوى بنار الغربة، وأبعدته السياسة عن وطنه وأهله. يعتمد الشاعر أسلوب (الرباعيات) في التعبير عن مواجده، والرباعيات لون من الشعر الفارسي مشتق من (الدوبيت) نظم عليه الشعراء العرب في العصور المتأخرة، وتمت به ترجمة (رباعيات الخيام). كما تفرض طبيعة الرباعيات على الشاعر أن يخص كل رباعية بفكرة أو شعور محدد تعبر عنه دون أن تتجاوز ذلك إلى مشاعر وأفكار تحفل بها القصيدة المسترسلة.

وفي ديوان (زنابق برية) مئتا رباعية تفصح عن مئتي فكرة أو إحساس، استطاع الشاعر أن ينقل بها أحاسيسه ورؤاه بكفاية واقتدار، يشفع له تمكنه الشعري بجزالة اللفظ ومتانة التركيب وطواعية اللغة وإصابة المرمى بلاعسر إلا فيما ندر، حين ترغمه القافية على اختيار ضرورات شعرية كتخفيف تضعيف بعض الكلمات، وتقييد الروي المتحرك في مختلف حالاته الإعرابية بالرباعية الواحدة.

وقد عمد (يحيى السماوي) إلى تنويع أوزان الرباعيات في تواليها بالمجموعة، ليوفر لها بعض الخروج عن النمطية والرتابة، وإن كان اختياره يغلب عليه البحور الطويلة الجليلة كالرمل والوافر والكامل. على أن أبرز ما حققه الشاعر من نجاح في رباعياته، أنه مزج فيها بين مشاعره الذاتية ونوازعه الوجدانية، والموضوع الوطني، وكأنه والوطن صنوان لايفترقان، يتقاسمان الهم والنصب، وقلبه موزع بين الوطن والمنافي:

أوسعتُ في شغفي إليه.. وأوسعا

وجْدًا.. ولكن اللقاء تمنّعا

يخشى كلانا أن يُقصر وردَه

نزقٌ.. ويأبى عن عفافٍ مَطمعا

لكنه هجر الديار وأهلها

واختار مني مقلتين وأضلعا

أوليس من حقي إذا سأل الورى

وفصمتُ عن نفسي فقلت: أنا معا؟

نلاحظ أن شعر الحنين أبرز ما أضافه الشاعر من فيض قريحته إلى أدبنا المعاصر، وسبق أن برز جليًا ذلك في شعر شعراء المهجر، وكأن النثر والقصة اليوم تولى دور الشعر في التعبير عن غربة الإنسان العربي الهارب من القهر والظلم بشتى أشكاله، ويفرق (السماوي) في مجموعته الشعرية بين لونين من المنافي جربهما. فيرى أن التشرد في أرجاء الوطن العربي ليس اغترابًا فقد جرّب بنفسه الغربة في بعض البلدان العربية كالسعودية، وأحس أنه بين أهله وعشيرته رغم بُعده عن وطنه.

ونلاحظ في قصائده أن السماوي، يحن إلى أرض السعودية، ويتخذ من هذا الحنين رمزًا يرى في المحجة إلى مكة تطهيرًا لروحه من الإثم، يقول:

لتراب مكة لا لضوء الأنجم

تاق الفؤاد وبات في عطشٍ دمي

حسبي إذا انتهلَت نمير أذانها

روحي وقبَّل طرْفَ "أسوَدِها" فمي

وسعيتُ سبعًا في ظلال رحابها

وختمتُ تطوافي برشفة "زمزم"

ألفيتُ أيامي تفيض مسرَّةً

فكأنني من قبلُ لم أتنعّمِ

وأكثر ما يؤلم الشاعر في المنافي الغربية، غربة الوجه واليد واللسان، كغربة (المتنبي) في شعب بوّان:

مهاجر بين جليد ونار

يقفو المنى في الوطن المستعار

دارت به الأرض فألقت به

إلى المتاهات ولا من قرار

جفّ على لسانه (ضاده)

فجفّ في عينيه ضوء النهار


****
وكذلك قوله:

كتبت إليه: متى سيلتئم

جرح الضمير فيعذبُ النسَمُ؟

فأجابها: حين الرجوع إلى

ما كانت الأخلاق والقيَم

أجل..! العروبة أمةٌ لغةً

وفماً.. وفي نياتها أممُ

قد وحدتْ ما بيننا شفةٌ

نُطقاً.. وفرق بيننا القَدمُ


****
ويستبد بالشاعر الحنين حتى ليغدو عشق الوطن شغفًا وعذابًا، فهو ينشد لقاءه ولو على جمر الغضى، وفي هذا اللقاء يتوحد الفادي والمفتدى:

أي شيء كنتَ.. جمرًا أو ندى

روضةً من ألقٍ.. أو صَفَدا

لن تراني تائبًا من شغفي

فأنا الفادي.. وأنت المُفتدى

الهوى بعدك -مولاي- أسىً

وحياتي -بعد واديكَ- سُدى

مُدَّ لي منك ضفافاً فعسى

زورقي يلثمُ نهريكَ غدا


****
ويندد الشاعر ساخرًا بالعجز العربي الراهن، مستعيرًا الأسلوب القصصي الشعبي، يقول:

كان ياما كان يومًا عربُ

يغرسون المجد أنى ذهبوا

سكنوا ذاكرة الدهر كما

سكنتْ مُقلةَ شمسٍ شُهُبُ

شدَّ حبلُ الله فيما بينهم

فهمُ القوةُ لا تنغَلِبُ

ثم لما جنحوا واحتزبوا

دالت الأرض بهم فانتهبوا


****
غير أن (السماوي) لا يغلق باب الأمل، ولا يظهر تنكرًا لتفاؤله بمستقبل موعود، تحقق فيه الأمة النصر بإيمانها وعروبتها:

آمنتُ رغم دجى الضلال المزبدِ

والنائبات ومارقٍ متوعدِ

وبرغم أن الليل طال وعربدتْ

عِتمٌ وأن الدرب غير مُعَبّدِ

آمنت بالوعد العظيم.. وأنه

يبقى بقاءَ الشمس دينُ (محمد)

إذ كان حاضرُنا يُسرُّ عدوّنا

فلسوف نُشقيه بعاقبة الغد

أما عن نوازعه الوجدانية في غربته، فالشاعر متألم لأنه عاجز عن فعل أي شيء، وهو يرى وطنه نهبا للطامعين، حتى شعره المقاوم لم يبقَ له معنى في نظره:

أهذا حصدُ غرسي يا عراقُ

ملاجئ غربةٍ.. وغدٌ مُراقُ؟

تشاكسني الدروب فحيث أمشي

تطول مسافةٌ وتُشلُّ ساقُ

أمدُّ إلى العناق يدًا وقلبًا

فيهزأ من تباريحي العناقُ

غريب.. لا الديارُ ديارَ قومي

ولا قومي يُطاق لهم فِراق!


****
ولا يرى (السماوي) معنى لضربه في الآفاق، فهذه الغربة في رأيه ضربٌ من الجنوح الأحمق، ويراجع نفسه في مسألة تشرده عن الوطن، فلو بقي في وطنه لكان له نصيب أوفى في المشاركة:

أي ارتحالك والدّجى طَبِقٌ

فنشرتَ أشرعةً ولا ألقُ؟

تتفحمُ النيرانَ تحسبُها

ظلاً وتجهلُ أنك الورقُ

أهرقتَ نصف العمر في سفرٍ

تحدو بك الأوهام والقلق

إن الشجاعة أصلها حذرٌ

أما الجنوح فأصلُه الحَمقُ

ولم يختر الشاعر نظم ديوانه على نسق (الرباعيات) عبثاً فكأنه ضمناً يعارض الشاعر (عمر الخيام) الذي دفن رأسه في الخمرة الإلهية والتصوف، وعبّر عنهما برباعياته، كأنه يريد لأبناء شعبه أن يقرؤوا رباعيات ذات مضمون معارض، تندد بالظلم وتحفز الأمة على الالتئام والنهضة، وطلب حقها بالكفاح والنضال لا يصرفها عن ذلك شطحات متصوف، دون أن يتخلى عن اقتناعه أن الدين ركن أساس للمقاومة، بما يحمل من إيمان إلى النفوس، ويحث على الشهادة في سبيل الحق، وهذا الاتجاه الإيماني يتعاظم لدى الشعراء المعاصرين إذ ربطوا بين قطبين قسما الأمة وهما النزعة القومية والنزعة الدينية، فبتوحيدهما يمكن للأمة أن تحدد أهدافها وتنتصر على أعدائها في معركة المواجهة، والجهاد الذي حث عليه الدين ليس إرهابًا كما يزعم ذلك مشرعو العدالة الدولية، إنه رسالة عادلة وسلاح فتّاك في مقاومة الشعوب التي تتحدى به الاستعمار والأسلحة الفتاكة والقنية الحديثة.. يقول (السماوي) مخاطبًا الشهيد:

دمك المراق لسافحيه نذيرُ

وبما وُعدتَ من الكريم بشيرُ

لك أسرج المجدُ المؤثَّل شمسَه

ومشى إليك من الخلود عبيرُ

يا مُرخصًا لله نبضَ فؤاده

أيُخيفُ نهر القانتين سعيرُ؟

خسئ الطغاة فللشهيد وإن مضى

عمرٌ به الزمن الطويل قصيرُ


****
وهكذا يختار (يحيى السماوي) هذا النمط القريب إلى النفس من النظم، وبحكم خبرته الطويلة في التعبير عن أدق خلجات نفسه وآماله الوطنية والقومية والإنسانية.. ويعني ذلك أنه فتح بابًا للشعر الوطني يسهل فهمه وتمثله وحفظه، ويقدم لنا تأملاته في جرعات مقننة يسهل التواصل بها بلا مشقة، وهذا فتح جديد يشجع الشعراء على تناوله، ويكون له بخصائص الرباعية أثر بالغ في الاتصال الشعري.

من هذا المنطلق تعد محاولة الشاعر (السماوي) إضافة للأدب العربي، وتجديدًا يربط الأدب والشعر بالموروث، إذ يصل بين ماضي الأمة وحاضرها.. كما ربط بين صبر العشاق العذريين في التراث العربي وصبره على محنة الاغتراب، فقال:

سألت ولست أطمع بالجوابِ:

أما لغريبِ دارٍ من إيابِ؟

عشقتُ وكنتُ أدري أن حظي

من المعشوق كأسٌ من سراب

كفاني منه طيفٌ في منامي

ومعنىً للصبابة في كتابي

كأن خيام (عذرة) أورثتني

حلاوةَ صبرها حين اغترابي


****
لابد أن تنجلي الغمة كما يشتهي الشاعر السماوي، ولنردد معه:

إن قد كبونا أمس في ساحاتها

فلسوف ننهض مثل بركانٍ غدا

أبو بسام
06-07-2005, 01:23 AM
السماوي وقاموسه الشعري


صدر مؤخرًا ديوانان متلازمان للشاعر العراقي الكبير الأستاذ يحيى السماوي، أولهما: "زنابق برية -رباعيات- أغسطس 2003م". والثاني: "الأفق نافذتي، أكتوبر 2003م". وكلاهما يمتح من معين فياض عودنا عليه هذا الشاعر المبدع. ولو كان للقلم ملكة لمد أشـــرعته للديوانين لما توانى، غير أن العيَّ لا يُغري إلا بإشارات عابرة عن ديوان "الأفق نافذتي" فهو من عنوانه يستفز القارئ، ذلك الذي تعود أن كل البشر تكون نوافذهم على الأفق، ليفاجأ بأن أحدهم قد جعل الأفق نافذته، فعلام تطل تلك النافذة العجيبة!!

ندلف معه إلى أفقه الشاسع لنتأمل صوره وجماليات أدائه الرائع وبيانه الناصع، وفي جولة سريعة نرى أن الشاعر قد اعتراه الحنين الجارف إلى أرض الوطن، فأمسك بجمر الغربة يقلبه بين كفيه ليرسم عليهما قبلاً من شواظ يلوح بها لوطن استجار من سفاح بجلاد وسبي.

للسماوي قاموسه الخاص، وحنجرته المميزة التي تعرف بها شعره ونثره، وله صورهُ التي يرسمها بريشة فنان ماهر، حيث تأخذنا تشبيهاته إلى مرافئ الدهشة، وتطير بنا كلماته إلى آفاق قوس قزح، متأرجحين بين زمني فيض الحب وقحط المشاعر، فمن تشبيهاته السلهة الممتنعة قوله:

فطِرنا قانعين بفقر حال

قناعة ثغر زق بالحباب

"ولفائدة بعض شبابنا الذين تفتحت أعينهم على (الثلاجات) أقول: إن الزق هو (القربة) أي وعاء من جلد الغنم يدبغ ويخاط من جميع جوانبه وتترك فتحة العنق لصب السوائل حتى تبرد ثم تؤخذ منه بنفس الفتحة -وعرفه صاحب المنجد: جلد يجز ولا ينتف ويستعمل لحمل الماء-، أما الحباب فهي الفقاقيع التي تترك على جوانب تلك الفتحة بعد صب السائل"، فالسائل المرغوب يدخل ويخرج عن طريق (ثغر الزق) الذي يكتفي فقط بالفقاقيع متبقية على جوانبه، وما تلبث أن تذهب مع الريح!!

ومن تشبيهاته المترفة قوله:

وأن الجار يخشى جاره

وتخاف من أجفانها الأهداب

ومن جماليات تحكمه بأدوات شعره قوله:

أنا الراعي.. وعاطفتي

عصاي.. وأضلعي غنمي

دمي مرعاي.. والينبوع

دمعي.. والوجاق فمي

ومن تشبيهاته البليغة:

خمري إذا جُنَّ المساء

الحلمُ.. والأجفانُ كوب

ثم جسَّد من تعاظمت صفات النقص فيه قائلاً:

تكاملتِ النقائصُ فيه حتى

غدا لكمال نقصان مثالا

وتراه أحيانًا يصوغ الحروف كجواهري ماهر يضع الحجر الكريم نفسه في أكثر من موقع فيتضح في كل مرة ما لروعته من بريق أخاذ.. فانظر إلى مادة (الجيم والسين والراء) في البيت التالي:

ويُرسي للمها "جسرًا".. و"سرجًا"

به يجتاحُ "رجسًا" واحتلالا

وليس بالغريب أن يأتينا بين الفينة والأخرى بصورة شديدة التوهج مثل قوله:

لستُ بالمغرم

إن تكن مقلتي

لا ترى جفنها

خيمة للوطن

عود على بدء.. نجد شاعرنا المبدع يتكئ في هذا الديوان على مفردة غير شائعة -وإن لم يكن من غريب اللغة- بكثافة تنبئ عن حالة الثورة والاحتراق التي تحف بأعصابه فتدفعه مرغمًا إلى استخدام مفردة "الوجاق" في سبعة مواضع متفرقة في ديوانه ذي الواحد والثلاثين قصيدة، والوجاق -لبعض من تفتحت أعينهم على المطابخ الحديثة- هو موضع النار، أو الموقد الذي يُشعل بالحطب، وقد تأثر السماوي بهذه المفردة وما يتصل بها بدرجة كبيرة حيث وردت في الصفحات 37-53-100-115-142-190-204، ناهيك عن مفردات الجمر، والرماد، واللهيب، والجحيم.. وفي كل مرة يشعر القارئ معه بالاحتراق، ويكتوي بالألم الذي يشتعل بداخله، أو التحفز الذي يغري به منظر الجمر المتوهج في الموقد، مهما كانت الدعة مفتعلة في لحظة ما.

فلننتقل مع مشاعره المتضاربة، ولواعجه التي يبثها في كـل بيـت أدفــأه أو أحرقه الوجاق، رغم أن سلخ البيت من سياقه لا يعد استشهادًا يعتد به:

ودلة قهوة ووجاق جمر

تحلق حوله ليلاً صحابي

دمي مرعاي.. والينبوع

دمعي.. والوجاق فمي

وإلى الوجاق الطين يرقص جمره

غنجُ "الدلال" بقهوة الترحاب

شيعت صحني حين شيع صحنكم

قحط.. فما عرف الوجاق طحيني

كُن لأحطابي لهيبًا.. أو.. فكن

لوجاقي ولهيبي حطبا


ü ü ü


توسد الوجاق

رمادهُ..

توسَّد العراق

مخدَّة السبي

فشاصَ الخبزُ في التنورِ

والضياءُ في الأحداق


ü ü ü


أنفخُ في رماد أمسي

فلعلَّ جمرةً تعيد للوجاق

مبخرةَ الدفء التي أطفأها الفراق

صعب هذا الابتسار لقصائد ملئت بالعاطفة والشجن والحب والأنين والثورة، ولعل إحدى دور النشر تسعى للحصول على هذا الديوان، وغيره من أعمال الشاعر الكبير، لتعوض القارئ عن الفراغ الذي أحدثته هجرته القهرية إلى أستراليا، في الوقت الذي يسري العراق في شرايينه وينزف مع كلماته.

وبعد.. فهذا "طفل النخل في غابات أديلايد" يمد أمراسًا تربطه بالوطن العربي الكبير، فلعلنا نتواصل معه ولو بكلمات شكر تفيه بعض حقوقه علينا.. فشكرًا أيها السماوي، وطب نفسًا في غربتك وابتلاءاتك العديدة.. ولنتفاءل جميعًا مع رباعيتك:

لا تيأسنَّ وإن دجا الأفُقُ

فغدا سيلثمُ جفنكَ الألقُ

فاركب ولو أنَّ الطريق لظى

واصبر ولو أنَّ الضنى فِرقُ

هيهات يأتي قبل موعده

غسقٌ.. وبعد الموعد الشفقُ

صبرًا على البلوى.. فأمتُنا

وعِدَت بما تصبُو له الحدَقُ