أبو بسام
21-06-2005, 03:30 PM
مازالت أرض الرافدين تضج بالكثير من المبدعين على مختلف العصور، كيف لا وهي تركن إلى إرث عظيم، وثقافات متعددة، وشعب حينما يذكر الشموخ والصمود والعزة لا يكون غيره في الذاكرة، هنا عبر لغة الحرف وظلال الكلمة كانت لنا رحلة عبر خارطة الإبداع، تلوح لنا من بعيد سعفات نخيل العراق ومن بين جنباتها تطل البيوت الطينية القديمة التي ولد ضيفنا فيها، هناك وبالتحديد في أرض السماوة التي أصبح اسمه لصيقاً بها صورة رائعة لالتصاق الإنسان والمبدع بالتحديد بالأرض، بالمكان، بالوطن الغارق في وحل الحروب.
ضيفنا هو الشاعر (يحيى السماوي) الذي حلق بنا مع خطواته الأولى نحو فضاء رحب، لغة الشعر صحبته في حديثه حتى لكأنه في بعض إجابته ينبئنا عن ولادة قصيدة تنتظر القراءة منكم. فإلى الحوار:
** بداية نتوقف مع ما تحويه بطاقتكم التعريفية؟
- اسمي الثلاثي: يحيى عباس عبود.. انتقلت من رحم أمي إلى صدرها بتاريخ 16/3/1949م في بيت طيني من بيوت مدينة السماوة.. أحمل شهادة البكالوريوس في اللغة العربية وآدابها، وظيفتي الحالية: فلاح في بستان الأماني، أو: صياد -غير ماهر- أنصب شباكي وفخاخي في حقول الحلم، أملاً في اصطياد (هدهد) فرح على غصن اليقظة في زمنٍ ذبح الحزن فيه عصافير الأحلام.. عنواني البريدي هو:
26Delamere avenu
Woodcroft 5162
Adelaide-Australia
هاتفي: 83876029 00618
فاكس: 83811259 00618
جوال: 0061413860436
بريدي الإلكتروني:
alsamawy@iprimus.com.au
** هناك عدة مجالات للكتابة تلوح في سماء المبدع، فما مجالات الكتابة التي طرقتها؟
- إضافة للشعر، طرقت أبواب الكتابة في المجال السياسي نقدًا وتحليلاً، وبخاصة ما يتعلق بالمعضلة العراقية، كما كتبت -ومازلت- النثر الفني ولي فيه كتاب تحت عنوان، (جرح باتساع الوطن)، وكتاب آخر معد للطبع بعنوان (مناديل من حرير الكلمات).
** هواياتنا جزء منا نحاول السفر إليها كلما صالحتنا ضغوط الحياة فما أبرز هواياتك؟
- تشكل هواياتي مثلثاً متساوي الأضلاع، هي: السفر، القراءة، والتسكع على الأرصفة.
** نطلب منك العودة بمؤشر الذاكرة للوراء لتطلعنا على مُعَلِّمين مازالت صورهم في الذاكرة؟
- من الصور التي بقيت منقوشة في الذاكرة، صورة مدرس اللغة العربية (شمخي جبر)، وهو يهديني كتاب (النظرات) للمنفلوطي مع ديوان شعر (معروف الرصافي)، كان ذلك في الصف الثاني متوسط، لإعجابه بما كنت أكتبه في درس (الإنشاء والتعبير)، وبالمناسبة، فقد كنت ذكياً جدًا في اللغة العربية، وبليدًا حدّ الغباء في درس الرياضيات.. أما من الشخصيات فإن صورة الشيخ (حميد السماوي) تبقى الأكثر حضورًا في ذاكرتي من بين جميع الشخصيات، وكان شاعرًا كبيرًا له ديوان ضخم مطبوع، أهداني نسخة منه حين قرأ أول قصيدة نشرتها لي مجلة (الشذى) المدرسية وأنا في الصف الثاني متوسط.
** ما الأسماء التي كانت تتردد في وسائل الإعلام ومازال صداها معك؟
- الأسماء التي كانت تتردد في وسائل الإعلام آنذاك كانت أسماء الجواهري والسياب والبياتي ومحمد صالح بحر العلوم.
** تشكل القراءة مخزونًا رائعًا لدى الشخص وهواية جميلة فمن الكتّاب الذين كنت تقرأ لهم؟
- في مرحلة الطفولة من قراءتي، كنت أقرأ بنهم لنزار قباني وإلياس شــبكة والجواهري ومعروف الرصافي ومجـلات مثل: (الأديب)، و(الآداب).
** إذاً ما أول كتاب قرأته؟ وماذا أضاف لك؟
- كانت لوالدي -رحمه الله- حفنة كتب لا تتعدى أصابع يديه وقدميه، قرأتها -ولم أستوعب جلّها- غير أن أول كتاب استوعبته هو كتاب النظرات للمنفلوطي، وأعتقد أنه كان أول القناديل في ليل رومانسيتي ومراهقتي الفكرية.
** مواقع مكانية ارتبطت بالخطوات الأولى؟
- كانت مدينة السماوة، المكان الذي حُفرت تفاصيله في الذاكرة وبخاصة، "حي الغربي"، بأزقته الترابية الضيقة، وبيوته الملاصقة تلاصق قطيع ماعز في طريق ضيق.. ولأنني كنت ابن بقال فقير، فإنه لم يكن بمقدوري الحلم بزيارة بغداد التي أسمع عنها كما لو أنها تقع في قارة أخرى.
** مواقف عشتها في سنيك الأولى ترى أنها تشير إلى جانب من النسيج الاجتماعي والحضاري للمجتمع آنذاك؟
- مواقف كثيرة منها مثلاً، أن أمي ذهبت مرات عديدة إلى بيت جارنا (إبراهيم العزاوي) كي ترضع طفله (باسم) خلال مرض والدته، ومنها مثلاً أننا حين ننام، لم نكن بحاجة إلى التأكد من أن أبواب بيوتنا الطينية كانت مغلقة، وربما نتعمد عدم إغلاقها، حتى أننا كنا نترك (المعزة) خار ج البيت، بل إن جارنا كان يترك بقرته خارج داره، فقد كان الأمان حِلية الحي، ولم نكن نعرف للفاقة معنى على رغم أن الجميع -أو الأغلب- كانوا متخمين فقرًا، لكنه فقر يمنح العافية.
** يقولون إن الإنسان ابن بيئته برأيك كيف أثرت بيئتك الاجتماعية والثقافية في إبداعك؟
- تعلمت من تلك البيئة أن التكافل الاجتماعي هو أعظم الأسوار والحصون لدرء المخاطر، وأن التقوى وحدها الكفيلة بسكب مياه الفرح في دوارق الروح، وأنه ليس ثمة ما يُثري فقر الجسد كغنى الروح، وتعلمت من تلك البيئة أيضًا، أن بذرة الصدق، هي الطريق الأسهل لاقتطاف ثمرة النجاح.
** غالبًا ما تكون البدايات صعبة لأي مبدع ما أبرز الصعوبات التي واجهتها في بداياتك؟
- أبرز الصعوبات في تلك السنين، كانت صعوبة امتلاك الكتب، بسبب شحة المال، ومن حسن الحظ، أن تلك الفترة شهدت افتتاح مكتبة عامة في السماوة، فأصبحت كما لو أنني جزء من أثاثها.
** الخطوة الرئيسة التي حددت مسار حياتك؟
- الخطوة التي حددت مسار حياتي، على صعيد الكتابة، هي انبهاري بوجود اسمي مرتين في أيام قليلة، على صفحات جريدة تصدر في بغداد اسمها (الشعب)، ومن ثم صحيفة (النور) في بغداد أيضًا، كنت آنذاك في حدود الرابعة عشرة، في الصف الثاني أو الثالث متوسط، كنت أود لو أشتري عشرين نسخة من كل عدد، والفاجعة كانت أنني لا أملك ثمن نسخة واحدة ذلك اليوم، ومن حسن الحظ، أن الكثير من النسخ بقيت عدة أيام دون أن تجد من يشتريها، فاشترى لي أبي نسختين من كل عدد في اليوم التالي.
>> ما أبرز ثلاث ظواهر في البيئة التي نشأت فيها وأثرت عليك؟
- التكافل الاجتماعي بين أهالي المدينة بشكل عام، والحي بشكل خاص. والعفوية في تصرفات وعلاقات الناس، والصدق مع الذات والآخر.
** برامج إذاعية وتلفازية كانت تشدك؟ والإعلامي الذي حفر اسمه في ذاكرتك؟
- لم تكن ظاهرة (النجم الإعلامي) معروفة -آنذاك- على الأقل بالنسبة لعائلتي، وربما الحي الذي أسكنه، وباستثناء جهاز مذياع في بيت جدي لوالدتي، فإن الوسائل الإعلامية كانت شبه معدومة، أما التلفاز (بالأسود والأبيض) فقد كان البث لا يصل مدينة السماوة، وحين وصل البث التلفازي مدينة السماوة، فإنني شاهدته أول مرة في مقهى (الحاج رزاق) وكانت الصورة مشوشة حتى أننا لم نكن نميز صورة رئيس الجمهورية من صورة الحصان، أو صورة المذيع من صورة المطرب، ومع ذلك، فقد كان على كل من يجلس في تلك المقهى لمشاهدة التلفاز، دفع مبلغ عشرة فلوس ثمن (استكانة شاي) وهو شاي له لون ولكن ليس له طعم أو رائحة.
** موهبة دون غيرها كنت تتمنى أنك تملكها.. ولماذا؟
- كنت أتمنى لو كنت رسامًا أوعازف عود، وجربت حظي في الرسم حين رسمت (بطة) غير أن مدرس الرسم الأستاذ (ثامر الدهان) قال لي حين شاهد ما رسمت: "هل هذه نعجة أم بلبل؟"، وأما العزف، فإن خالي (رسول) قد صفعني طالبًا مني عدم إثارة الضجيج، لأنني كنت أمارس العزف على صفيحة نفط فارغة (تنكه).
** برنامج إذاعي أو تلفازي تتذكره؟
- حين أصبح في بيتنا جهاز (المذياع) كنت أتابع برنامج (من القائل)، وهو برنامج أعتقد أن اسم معده ومقدمه حسن الكرمي يذكر فيه أبياتاً من الشعر يجيب فيه المعد والمقدم عن أسماء قائليها، وكان البرنامج يبث من لندن.
** أول رحلة خارج المدينة التي عشت فيها طفولتك وإلى أين؟
- كانت أول رحلة لي خارج مدينة السماوة، هي رحلتي مع أمي وأبي إلى مدينة (المسيب) بواسطة القطار، حيث زرنا خالتي التي تزوجت هناك، ومع أن المسافة بين السماوة والمسيب لاتتعدى 200كم، فإن الفترة التي امضيناها في القطار تتعدى العشر ساعات، إذ كان على القطار التوقف في كل محطة فترة قد تصل ربع أو نصف ساعة للتزود بالماء للمحرك البخاري، ولا أبالغ إذا قلت إنني بقيت أيامًا عديدة أشرح لأصدقائي الأطفال في المدرسة والحي تفاصيل (خرافية) عن مدينة المسيب، مع أنني لم أشاهد فيها غير الطريق الممتد من المحطة حتى بيت خالتي، وهو بيت لا يختلف كثيرًا عن بيت أبي، باستثناء وجود مروحة سقفية في إحدى غرفه الواسعة.
ما التحولات التي لم تحدث حتى الآن في المجتمع العراقي، وترى أنه من المتأخر عدم** حدوثها؟
- التحولات التي لم تحدث حتى الآن في المجتمع العراقي، هي أن النهر السياسي، لم يتخلص من الطحالب التي حولته من نهر عذب إلى مستنقع آسن مليء بجراثيم الأنانية والانتهازية والمنافع الذاتية على حساب ملايين الظامئين الذين يترقبون لحظة فرح ينتهلون منها نميرًا عذبًا لاوحلاً وقيحًا ودمًا ودموعًا.
** برأيك ما أهم التحولات التي أحدثت تأثيرًا ونقلة في المجتمع العراقي؟
- كان يمكن لما يسمى بـ"الطفرة الاقتصادية" الناجمة عن ارتفاع أسعار النفط، أن تحدث تأثيرًا ونقلة نوعية في المجتمع العراقي، لو أن ربابنة السفينة السياسية قد استثمروا الموارد المالية استثمارًا صحيحًا، فالذي حدث هو أنهم استثمروا تلك الأموال لجعل العراق كما لو أنه ثكنة عسكرية أو مستودع أسلحة.
** إذًا ما القيمة التي افتقدها في خضم هذه التحولات؟
- لقد فقد المجتمع مجموعة قيم وليس مجرد قيمة واحدة، فقد قيمة الأمان والاطمئنان، وقيمة الشعور بقوة الحق، وليس بـ"حق القوة" وفقد قيمة الإحساس بالانتماء إلى العصر، بعدما أعادته الحروب قروناً إلى الوراء، وفقد أيضًا الشعور بجمال وعذوبة المستقبل في ظل حاضر شديد العتمة، فإذا بعاصمة الرشيد تغدو عاصمة للسيارات المفخخة التي تستهدف الأبرياء، ومسلخاً بشريًا للذبح، وسوقاً للابتزاز والسلب والاختطاف والاغتصاب، ربما لتشويه المقاومة الوطنية الشريفة التي ترفض أن يكون العراق ضَيعة من ضياع البيت الأبيض، أو مختبرًا لتجارب آخر مبتكرات البنتاغون.
** ما أهم ثلاثة تحولات في الوطن العربي؟
- لست متشائمًا، لكنه إحساس الإحباط الذي يجعلني لا أرى تحولات إيجابية مهمة في وطننا العربي، والذي تشكو (العروبة) فيه من غربة حقيقية في ضوء بقاء الأمة العربية كأمة ردود أفعال، وليست أمة مبادرة بالفعل، أمة خرج الاستعمار من أبوابها العريضة، ليدخل من شبابيكها بعدما تبين له، أنها تزداد هشاشة ورخاوة، خصوصًا وأن فيها من (الطواويس) الصغار، الذين أسهموا في إرخاء حبل وحدتها وفتحوا لأعدائها أبواب عواصمهم وقاعات مؤتمراتهم، فكانوا الناطق غير الرسمي لمحدلة وبلدوزر الشرق الأوسط الكبير (طواويس) مستعدة للتخلي حتى عن (أظافر ومناقير عصافير الأمة) في مقابل أن تبقى على تبخترها وخيلائها الفارغ.
** ما التحول الذي لم يحدث حتى الآن في العالم العربي؟
- التحول الذي لم يحدث حتى الآن هو استمرار وقوفنا في المحطات التي غادرها القطار، على رغم أن في الأمة من الإمكانات، ما يؤهلها لأن تكون -على الأقل- في العربات الخلفية من القطار، ولكن كيف لها ذلك، إن كان بعض ربابنتها وقياداتها السياسية، تفضل الوقوف على التل، أو السير بشعوبها بين الأدغال، والدخول في (مساومات) و(مزايدات) رخيصة في الأقبية السرية والدهاليز.
** الحظ، الصدفة، الظروف. هل خدمتك أي من هذه العوامل بتغيير إيجابي في حياتك؟
- نعم.. لقد خدمني الحظ كثيرًا، فقد كان من المفروض أن يلقى القبض عليّ بعد فشل الانتفاضة الجماهيرية في شهر آذار من عام 1991م، لولا أن قدري قد خدمني كثيرًا، فنجحت في اجتياز كهف الفجيعة، والهروب من العراق، لأدخل واحات الطمأنينة والأمان في المملكة العربية السعودية، ومن ثم لأواصل مسيرتي نحو المدينة الفاضلة، المدينة الحلم، فإذا كان العراق وطن الجسد، فإن المملكة كانت وطن الروح، ومن نوافذها المضيئة أطلقت عصافير شعري.
** ما الأفكار التي كنت تتحمس لها وأثبت الزمن فشلها؟
- كنت متحمسًا للأفكار المثالية والطوباوية التي تحلق في فضاء الأحلام بعيدًا عن صخر الواقع، الأفكار التي تُعْشب في حقول الحلم، وتذبل في أرض الصحو واليقظة، فلكي نُشيد العالم الفاضل والسعيد، فإنه يتوجب علينا أن نشيد مدننا وأوطاننا أولاً، فليس من الإنسانية والوطنية أن أناضل من أجل حقوق زنوج أمريكا أو قبائل الأمازون في وقت يُصادر فيه القادة الانقلابيون في وطني، حقوق شعبي وأسرتي، وليس من الإنسانية، أن أرفع إصبعي احتجاجًا على ما يتعرض له معتقلو الرأي في الأرجنتين أو الصومال، في وقت لا أملك فيه في وطني حق فتح فمي إلاّ عند طبيب الأسنان.
لمن اراد ان يطلع على ديوانه الشعري فهو هنا
http://www.arabiyat.com/forums/showthread.php?s=&threadid=12400
ضيفنا هو الشاعر (يحيى السماوي) الذي حلق بنا مع خطواته الأولى نحو فضاء رحب، لغة الشعر صحبته في حديثه حتى لكأنه في بعض إجابته ينبئنا عن ولادة قصيدة تنتظر القراءة منكم. فإلى الحوار:
** بداية نتوقف مع ما تحويه بطاقتكم التعريفية؟
- اسمي الثلاثي: يحيى عباس عبود.. انتقلت من رحم أمي إلى صدرها بتاريخ 16/3/1949م في بيت طيني من بيوت مدينة السماوة.. أحمل شهادة البكالوريوس في اللغة العربية وآدابها، وظيفتي الحالية: فلاح في بستان الأماني، أو: صياد -غير ماهر- أنصب شباكي وفخاخي في حقول الحلم، أملاً في اصطياد (هدهد) فرح على غصن اليقظة في زمنٍ ذبح الحزن فيه عصافير الأحلام.. عنواني البريدي هو:
26Delamere avenu
Woodcroft 5162
Adelaide-Australia
هاتفي: 83876029 00618
فاكس: 83811259 00618
جوال: 0061413860436
بريدي الإلكتروني:
alsamawy@iprimus.com.au
** هناك عدة مجالات للكتابة تلوح في سماء المبدع، فما مجالات الكتابة التي طرقتها؟
- إضافة للشعر، طرقت أبواب الكتابة في المجال السياسي نقدًا وتحليلاً، وبخاصة ما يتعلق بالمعضلة العراقية، كما كتبت -ومازلت- النثر الفني ولي فيه كتاب تحت عنوان، (جرح باتساع الوطن)، وكتاب آخر معد للطبع بعنوان (مناديل من حرير الكلمات).
** هواياتنا جزء منا نحاول السفر إليها كلما صالحتنا ضغوط الحياة فما أبرز هواياتك؟
- تشكل هواياتي مثلثاً متساوي الأضلاع، هي: السفر، القراءة، والتسكع على الأرصفة.
** نطلب منك العودة بمؤشر الذاكرة للوراء لتطلعنا على مُعَلِّمين مازالت صورهم في الذاكرة؟
- من الصور التي بقيت منقوشة في الذاكرة، صورة مدرس اللغة العربية (شمخي جبر)، وهو يهديني كتاب (النظرات) للمنفلوطي مع ديوان شعر (معروف الرصافي)، كان ذلك في الصف الثاني متوسط، لإعجابه بما كنت أكتبه في درس (الإنشاء والتعبير)، وبالمناسبة، فقد كنت ذكياً جدًا في اللغة العربية، وبليدًا حدّ الغباء في درس الرياضيات.. أما من الشخصيات فإن صورة الشيخ (حميد السماوي) تبقى الأكثر حضورًا في ذاكرتي من بين جميع الشخصيات، وكان شاعرًا كبيرًا له ديوان ضخم مطبوع، أهداني نسخة منه حين قرأ أول قصيدة نشرتها لي مجلة (الشذى) المدرسية وأنا في الصف الثاني متوسط.
** ما الأسماء التي كانت تتردد في وسائل الإعلام ومازال صداها معك؟
- الأسماء التي كانت تتردد في وسائل الإعلام آنذاك كانت أسماء الجواهري والسياب والبياتي ومحمد صالح بحر العلوم.
** تشكل القراءة مخزونًا رائعًا لدى الشخص وهواية جميلة فمن الكتّاب الذين كنت تقرأ لهم؟
- في مرحلة الطفولة من قراءتي، كنت أقرأ بنهم لنزار قباني وإلياس شــبكة والجواهري ومعروف الرصافي ومجـلات مثل: (الأديب)، و(الآداب).
** إذاً ما أول كتاب قرأته؟ وماذا أضاف لك؟
- كانت لوالدي -رحمه الله- حفنة كتب لا تتعدى أصابع يديه وقدميه، قرأتها -ولم أستوعب جلّها- غير أن أول كتاب استوعبته هو كتاب النظرات للمنفلوطي، وأعتقد أنه كان أول القناديل في ليل رومانسيتي ومراهقتي الفكرية.
** مواقع مكانية ارتبطت بالخطوات الأولى؟
- كانت مدينة السماوة، المكان الذي حُفرت تفاصيله في الذاكرة وبخاصة، "حي الغربي"، بأزقته الترابية الضيقة، وبيوته الملاصقة تلاصق قطيع ماعز في طريق ضيق.. ولأنني كنت ابن بقال فقير، فإنه لم يكن بمقدوري الحلم بزيارة بغداد التي أسمع عنها كما لو أنها تقع في قارة أخرى.
** مواقف عشتها في سنيك الأولى ترى أنها تشير إلى جانب من النسيج الاجتماعي والحضاري للمجتمع آنذاك؟
- مواقف كثيرة منها مثلاً، أن أمي ذهبت مرات عديدة إلى بيت جارنا (إبراهيم العزاوي) كي ترضع طفله (باسم) خلال مرض والدته، ومنها مثلاً أننا حين ننام، لم نكن بحاجة إلى التأكد من أن أبواب بيوتنا الطينية كانت مغلقة، وربما نتعمد عدم إغلاقها، حتى أننا كنا نترك (المعزة) خار ج البيت، بل إن جارنا كان يترك بقرته خارج داره، فقد كان الأمان حِلية الحي، ولم نكن نعرف للفاقة معنى على رغم أن الجميع -أو الأغلب- كانوا متخمين فقرًا، لكنه فقر يمنح العافية.
** يقولون إن الإنسان ابن بيئته برأيك كيف أثرت بيئتك الاجتماعية والثقافية في إبداعك؟
- تعلمت من تلك البيئة أن التكافل الاجتماعي هو أعظم الأسوار والحصون لدرء المخاطر، وأن التقوى وحدها الكفيلة بسكب مياه الفرح في دوارق الروح، وأنه ليس ثمة ما يُثري فقر الجسد كغنى الروح، وتعلمت من تلك البيئة أيضًا، أن بذرة الصدق، هي الطريق الأسهل لاقتطاف ثمرة النجاح.
** غالبًا ما تكون البدايات صعبة لأي مبدع ما أبرز الصعوبات التي واجهتها في بداياتك؟
- أبرز الصعوبات في تلك السنين، كانت صعوبة امتلاك الكتب، بسبب شحة المال، ومن حسن الحظ، أن تلك الفترة شهدت افتتاح مكتبة عامة في السماوة، فأصبحت كما لو أنني جزء من أثاثها.
** الخطوة الرئيسة التي حددت مسار حياتك؟
- الخطوة التي حددت مسار حياتي، على صعيد الكتابة، هي انبهاري بوجود اسمي مرتين في أيام قليلة، على صفحات جريدة تصدر في بغداد اسمها (الشعب)، ومن ثم صحيفة (النور) في بغداد أيضًا، كنت آنذاك في حدود الرابعة عشرة، في الصف الثاني أو الثالث متوسط، كنت أود لو أشتري عشرين نسخة من كل عدد، والفاجعة كانت أنني لا أملك ثمن نسخة واحدة ذلك اليوم، ومن حسن الحظ، أن الكثير من النسخ بقيت عدة أيام دون أن تجد من يشتريها، فاشترى لي أبي نسختين من كل عدد في اليوم التالي.
>> ما أبرز ثلاث ظواهر في البيئة التي نشأت فيها وأثرت عليك؟
- التكافل الاجتماعي بين أهالي المدينة بشكل عام، والحي بشكل خاص. والعفوية في تصرفات وعلاقات الناس، والصدق مع الذات والآخر.
** برامج إذاعية وتلفازية كانت تشدك؟ والإعلامي الذي حفر اسمه في ذاكرتك؟
- لم تكن ظاهرة (النجم الإعلامي) معروفة -آنذاك- على الأقل بالنسبة لعائلتي، وربما الحي الذي أسكنه، وباستثناء جهاز مذياع في بيت جدي لوالدتي، فإن الوسائل الإعلامية كانت شبه معدومة، أما التلفاز (بالأسود والأبيض) فقد كان البث لا يصل مدينة السماوة، وحين وصل البث التلفازي مدينة السماوة، فإنني شاهدته أول مرة في مقهى (الحاج رزاق) وكانت الصورة مشوشة حتى أننا لم نكن نميز صورة رئيس الجمهورية من صورة الحصان، أو صورة المذيع من صورة المطرب، ومع ذلك، فقد كان على كل من يجلس في تلك المقهى لمشاهدة التلفاز، دفع مبلغ عشرة فلوس ثمن (استكانة شاي) وهو شاي له لون ولكن ليس له طعم أو رائحة.
** موهبة دون غيرها كنت تتمنى أنك تملكها.. ولماذا؟
- كنت أتمنى لو كنت رسامًا أوعازف عود، وجربت حظي في الرسم حين رسمت (بطة) غير أن مدرس الرسم الأستاذ (ثامر الدهان) قال لي حين شاهد ما رسمت: "هل هذه نعجة أم بلبل؟"، وأما العزف، فإن خالي (رسول) قد صفعني طالبًا مني عدم إثارة الضجيج، لأنني كنت أمارس العزف على صفيحة نفط فارغة (تنكه).
** برنامج إذاعي أو تلفازي تتذكره؟
- حين أصبح في بيتنا جهاز (المذياع) كنت أتابع برنامج (من القائل)، وهو برنامج أعتقد أن اسم معده ومقدمه حسن الكرمي يذكر فيه أبياتاً من الشعر يجيب فيه المعد والمقدم عن أسماء قائليها، وكان البرنامج يبث من لندن.
** أول رحلة خارج المدينة التي عشت فيها طفولتك وإلى أين؟
- كانت أول رحلة لي خارج مدينة السماوة، هي رحلتي مع أمي وأبي إلى مدينة (المسيب) بواسطة القطار، حيث زرنا خالتي التي تزوجت هناك، ومع أن المسافة بين السماوة والمسيب لاتتعدى 200كم، فإن الفترة التي امضيناها في القطار تتعدى العشر ساعات، إذ كان على القطار التوقف في كل محطة فترة قد تصل ربع أو نصف ساعة للتزود بالماء للمحرك البخاري، ولا أبالغ إذا قلت إنني بقيت أيامًا عديدة أشرح لأصدقائي الأطفال في المدرسة والحي تفاصيل (خرافية) عن مدينة المسيب، مع أنني لم أشاهد فيها غير الطريق الممتد من المحطة حتى بيت خالتي، وهو بيت لا يختلف كثيرًا عن بيت أبي، باستثناء وجود مروحة سقفية في إحدى غرفه الواسعة.
ما التحولات التي لم تحدث حتى الآن في المجتمع العراقي، وترى أنه من المتأخر عدم** حدوثها؟
- التحولات التي لم تحدث حتى الآن في المجتمع العراقي، هي أن النهر السياسي، لم يتخلص من الطحالب التي حولته من نهر عذب إلى مستنقع آسن مليء بجراثيم الأنانية والانتهازية والمنافع الذاتية على حساب ملايين الظامئين الذين يترقبون لحظة فرح ينتهلون منها نميرًا عذبًا لاوحلاً وقيحًا ودمًا ودموعًا.
** برأيك ما أهم التحولات التي أحدثت تأثيرًا ونقلة في المجتمع العراقي؟
- كان يمكن لما يسمى بـ"الطفرة الاقتصادية" الناجمة عن ارتفاع أسعار النفط، أن تحدث تأثيرًا ونقلة نوعية في المجتمع العراقي، لو أن ربابنة السفينة السياسية قد استثمروا الموارد المالية استثمارًا صحيحًا، فالذي حدث هو أنهم استثمروا تلك الأموال لجعل العراق كما لو أنه ثكنة عسكرية أو مستودع أسلحة.
** إذًا ما القيمة التي افتقدها في خضم هذه التحولات؟
- لقد فقد المجتمع مجموعة قيم وليس مجرد قيمة واحدة، فقد قيمة الأمان والاطمئنان، وقيمة الشعور بقوة الحق، وليس بـ"حق القوة" وفقد قيمة الإحساس بالانتماء إلى العصر، بعدما أعادته الحروب قروناً إلى الوراء، وفقد أيضًا الشعور بجمال وعذوبة المستقبل في ظل حاضر شديد العتمة، فإذا بعاصمة الرشيد تغدو عاصمة للسيارات المفخخة التي تستهدف الأبرياء، ومسلخاً بشريًا للذبح، وسوقاً للابتزاز والسلب والاختطاف والاغتصاب، ربما لتشويه المقاومة الوطنية الشريفة التي ترفض أن يكون العراق ضَيعة من ضياع البيت الأبيض، أو مختبرًا لتجارب آخر مبتكرات البنتاغون.
** ما أهم ثلاثة تحولات في الوطن العربي؟
- لست متشائمًا، لكنه إحساس الإحباط الذي يجعلني لا أرى تحولات إيجابية مهمة في وطننا العربي، والذي تشكو (العروبة) فيه من غربة حقيقية في ضوء بقاء الأمة العربية كأمة ردود أفعال، وليست أمة مبادرة بالفعل، أمة خرج الاستعمار من أبوابها العريضة، ليدخل من شبابيكها بعدما تبين له، أنها تزداد هشاشة ورخاوة، خصوصًا وأن فيها من (الطواويس) الصغار، الذين أسهموا في إرخاء حبل وحدتها وفتحوا لأعدائها أبواب عواصمهم وقاعات مؤتمراتهم، فكانوا الناطق غير الرسمي لمحدلة وبلدوزر الشرق الأوسط الكبير (طواويس) مستعدة للتخلي حتى عن (أظافر ومناقير عصافير الأمة) في مقابل أن تبقى على تبخترها وخيلائها الفارغ.
** ما التحول الذي لم يحدث حتى الآن في العالم العربي؟
- التحول الذي لم يحدث حتى الآن هو استمرار وقوفنا في المحطات التي غادرها القطار، على رغم أن في الأمة من الإمكانات، ما يؤهلها لأن تكون -على الأقل- في العربات الخلفية من القطار، ولكن كيف لها ذلك، إن كان بعض ربابنتها وقياداتها السياسية، تفضل الوقوف على التل، أو السير بشعوبها بين الأدغال، والدخول في (مساومات) و(مزايدات) رخيصة في الأقبية السرية والدهاليز.
** الحظ، الصدفة، الظروف. هل خدمتك أي من هذه العوامل بتغيير إيجابي في حياتك؟
- نعم.. لقد خدمني الحظ كثيرًا، فقد كان من المفروض أن يلقى القبض عليّ بعد فشل الانتفاضة الجماهيرية في شهر آذار من عام 1991م، لولا أن قدري قد خدمني كثيرًا، فنجحت في اجتياز كهف الفجيعة، والهروب من العراق، لأدخل واحات الطمأنينة والأمان في المملكة العربية السعودية، ومن ثم لأواصل مسيرتي نحو المدينة الفاضلة، المدينة الحلم، فإذا كان العراق وطن الجسد، فإن المملكة كانت وطن الروح، ومن نوافذها المضيئة أطلقت عصافير شعري.
** ما الأفكار التي كنت تتحمس لها وأثبت الزمن فشلها؟
- كنت متحمسًا للأفكار المثالية والطوباوية التي تحلق في فضاء الأحلام بعيدًا عن صخر الواقع، الأفكار التي تُعْشب في حقول الحلم، وتذبل في أرض الصحو واليقظة، فلكي نُشيد العالم الفاضل والسعيد، فإنه يتوجب علينا أن نشيد مدننا وأوطاننا أولاً، فليس من الإنسانية والوطنية أن أناضل من أجل حقوق زنوج أمريكا أو قبائل الأمازون في وقت يُصادر فيه القادة الانقلابيون في وطني، حقوق شعبي وأسرتي، وليس من الإنسانية، أن أرفع إصبعي احتجاجًا على ما يتعرض له معتقلو الرأي في الأرجنتين أو الصومال، في وقت لا أملك فيه في وطني حق فتح فمي إلاّ عند طبيب الأسنان.
لمن اراد ان يطلع على ديوانه الشعري فهو هنا
http://www.arabiyat.com/forums/showthread.php?s=&threadid=12400