أبو بسام
07-10-2005, 04:34 PM
ترك عبد الفتاح أبو مدين رئاسة نادي جدة الثقافي قبل أسابيع ومعه أعضاء مجلس إدارة النادي بعد سنوات من العمل عاش فيها تحولات عدة وشهد ملامح التكوين الأساسية للثقافة السعودية وعانى كثيراً في سبيل تأسيس نفسه بشكل جيد.
وفي هذه المساحة يتحدث الأستاذ عبد الفتاح أبو مدين عن السنوات الأولى من حياته وتجربة تكوين النواة الأولى في مساره الاجتماعي والثقافي والمعاناة التي واجهها في سبيل تدعيم مخزونه الثقافي إلى جانب مجموعة من رفاقه القدامى، وقد حضر لقاءنا معه الدكتور عاصم حمدان الأستاذ بجامعة الملك عبد العزيز ومستشار (المدينة) للشؤون الثقافية..
- تطلعنا إلى هذا اللقاء لنقف على تجربتك الصحيفة والأدبية والاستفادة منها؟
عفواً.. فإنما أنا كما يقول الدكتور الخويطر حاطب ليل، فماذا لدي لأقوله؟!
-كيف أسهمت فترة وجودكم في المدينة المنورة وخاصة في دراسة العلوم الشرعية في الحرم بجانب الذين التقيت بهم في تلك المرحلة المهمة أدباً وفكراً وثقافة ؟
هي أعطتني تجربة ثرية لكنها تجربة على الفقر المدقع فوالد والدتي رحمه الله كان تاجراً، وخالي رحمه الله كان ناظر عموم في جدة وابنه عبد الله بدر الدين بن بدر خوجه.. وقد نشأنا في محيط بسيط لكن كانت فيه بركة بحمد الله.
ولكن ما صدمني هو وفاة والد والدتي بعد وصولنا إلى المدينة بأربعين يوماً تقريباً..ولم يكن لدينا لا فلوس ولا تعليم ولا شيء.. وكنت غريباً لكن في بلد النبي يختلف الأمر ولذلك كتبت في مذكراتي ''ضقت في المدينة ولم تضق المدينة بي المدينة''.. فخالي هيأ لي عملاً في حين لم تكن بضاعتي سوى سور من القرآن الكريم من سورة الحمد فصاعداً على طريقة شمال أفريقيا وحين ذهبت إلى الحج كنت لا أستطيع أن اعبر ولا عندي قدرة على التعبير وأظن ذلك كان في عام عام 1965م وقد جاء الملك فاروق إلى المدينة فرأيت الشباب يلبسون الأبيض ويقولون كلاماً لا اعي منه شيئاً ''فشخمطت'' رسالة إلى خالي قلت فيها أنا لا أريد دكاناً ولا أريد تجارة فقط أريد أن أتعلم.
- وهل أثر فيك هذا الموقف ؟
نعم كنت اسأل نفسي ما موقعي من الإعراب أمام هؤلاء الشبان فكتبت إلى خالي برغبة التعليم فكتب خالي وسعى مع السيد حبيب رحمه الله مدير العلوم الشرعية رغم أنني كنت كبيراً على سن الدراسة ولكن بضغوط خالي وجهوده قبلوني ودخلت مع الكبار في الكتاب، دخلت سنة رابعة في أوائل السنة واجتهدت اجتهاداً عظيماً كنت مثل الذي يلقى له الكلأ وهو صائم، فأكملت سنة رابعة ونجحت ثم اقترح الشيخ محمد الحافظ رحمه الله أن أذهب إلى السنة الخامسة لأوفر على نفسي عاماً وربما كان دفعاً للحرج الذي يسببه وجود طالب في الصفوف يكبرهم سناً ، وكان من طلاب تلك الفترة عبد الله متروك وعبد الوهاب بخاري، ولم يكن في ذلك الزمان فلوس ولا جلوس فاتفقنا مع الأستاذ عبد الوهاب أنى اقرأ في الحرم في الصيف، فقرأت عليه مقرر سنة خامسة في الحرم، حيث العلوم الشرعية مع بداية العام الدراسي ألحقوني بسنة سادسة مباشرة ومعي الأزهري صادق، و أحمد نمنكاني.
ولأن المدرسة كانت أهلية فقد تقرر أن يكون الاختبار في مدرسة حكومية تابعة لوزارة المعارف، لم تكن وزارة بل كانت مديرية المعارف ذلك الوقت وقد نجحت في كل المواد مع بقية التلاميذ، وشاء الله أن أكمل في التعبير (الإنشاء) فسبب لي ذلك قلقاً شديداً. لقد كان الزملاء يكتبون الصفحات وكنت أكتب خمسة أسطر فلا محصلة لدي في مجال الكتابة، وفي تلك الأيام كنت أرى الأستاذ علي الشاعر وحمزة أبو غرارة.
وعندما نجحت، كانت لدي رغبة في الاستمرار وأثناء تخرجي تقاعد خالي وكان لديه بعض بنات وكبر في نفسي أن أنتظر منه شيئاً فقررت أن أعمل وأدرس. وقد كتب خالي وهو خارج من الجمارك إلى صديقه إبراهيم شاكر وكان أنور أبو هداية مديراً لتحرير الجمارك وقد ساعدوني للعمل هناك ومرت الأيام فتعرفت على شخص اسمه حسن برغوثه يعمل في إدارة التحرير وشخص اسمه صالح ادهم، وقد اقترح حسن برغوثة أن نرسل برقية للملك عبد العزيز وعملنا برقية أرسلناها على حساب حسن برغوثة لم يكن عندي شيء خالي يرسل لي ثلاثين ريال فقط أرسلنا للملك عبد العزيز في مدة أقل من شهر جاءني رد البرقية بأن أراجع الخارجية فقد جاء الأمر بالتجنيس وأخذت الرسالة إلى مدير الجنسية يسمى صائم الدهر في حارة اليمن في بيته وكان مدير حفائظ النفوس أو التابعية فأخذت التابعية وبدأت من شوال، أتقاضى خمسة وتسعين ريالا في الجمارك التي كانت في تلك الفترة في مكان سوق المحمل الآن.
- في هذه الفترة التي قضيتها في جدة ما دام انك أتيت إلى المدينة وعندك توق للعلم والمعرفة من الذين كانوا في جدة من أولى العلم والمعرفة الأدباء والمفكرين الذين كان لك احتكاكات أولى بهم؟
أول أولئك الأستاذ محمود عارف فقد كنت حين أمر بشارع قابل ألاقي رجلاً أسمر يجلس عند أحد الحلاقين في دار الأوقاف ومرة قرأت له قصيدة في جريدة المدينة فعرفت انه هذا الشخص وكان يسكن في حارة المظلوم فتعرفت عليه وقلت له أنا محتاج لمزيد من القراءة فقال لي اشتر نظرات المنفلوطي فاشتريت الثلاثة أجزاء من النظرات وقال تأتيني في بيت راجح وبدأت اقرأ عليه فصولاً من الكتاب وفي اليوم الثاني يقول لي لخص الذي قرأته في صفحات. لقد كانت هذه العملية تمريناً ممتعاً بالنسبة لي وحتى في عملي بالجمارك كنت في التحرير مع أنور أبو الجدايل رحمه الله وكنت أحرر الرسائل عن وصول البواخر وأقدمها إلى رئيس التحرير بالجمارك وكان في ذلك عملاً ممتعاً بالنسبة لي.
-رئيس التحرير في الجمارك وليس الكتبة؟
نعم يكتب رسالة لوكلاء الباخرة عن وصولها كاملة وعن وجود نقص أو غيره، وبعد ما يقرب أسبوعين صرت عندما تأتي الرسالة لا أعطيها لرئيس التحرير بل اذهب للملف الصادر وانظر ماذا كتب رئيس التحرير، كل ما يتغير اسم الباخرة أو النتيجة وتاريخ وصولها واكتب نفس التعبير الذي كتبه أنور ابوالجدايل، بعد ذلك من سنتين في الجمارك عينوني مدير تحرير جمرك جدة مع عبد الرحمن باعيسى في عام 68م. وكنت في الظهيرة وأنا خارج من الجمارك أذهب إلى طباخين في حارة اليمن وفي جيبي خمسة ريالات وكنت أرى رجلاً في عمارة الأوقاف يربط حبوته ولديه مكتبة فأدخل إلى دكانه حيث أجد كتاباً أو كتابين فأشتريها وأترك الغداء ثم اشتري شريكا وجبنة وارجع إلى سكني في الكندرة، وكنت اسكن بعشرة ريالات في الشهر وكانت غرفة عليها حنبل أو خصف وزير وفانوس هندي نحاسي وكنت اقرأ ما يقع تحت يدي بنهم إلى عام 70 وكان أن تعرفت على محمد حسن عواد بالضبط في عام 68 فأسهم في تعلقي الكبير بعالم القراءة والكتابة.
- هل كان من السهل عليك أنت تدخل مباشرة مع العواد كما كان من السهل عليك أن تدخل مع الأستاذ محمود عارف؟.
محمود عارف والعواد أصدقاء كانوا في مدرسة الفلاح وكان العواد رئيس الغرفة التجارية ومقرها في العين العزيزية عند الفلاح وحين تتاح لي فرصة اللقاء بهم كنت أتحدث معهم مثل الطفل أو الشاب وأشرب معهم الشاي وحين رأى محمود عارف لدي بوادر الموهبة والرغبة كان يحفزني على القراءة وشراء الكتب، وكذلك فعل العواد. وكنت آتي إليهم لأقرأ عليهم ما كتبت فأجد منهم تشجيعاً ومؤازرة وقد انصرفت إلى القراءة والكتاب في فترة كانت جدة لا تتجاوز مساحة كيلو في كيلو.
-علاقتك بالأستاذ محمود عارف مو الأستاذ العواد هل أفادك في ولوج عالم الصحافة؟ وهل بعد مدة وجيزة أم طويلة؟ لأنه عرف عنك انك أحد رواد الصحافة؟
وعن طريق العواد تعرفت على محمد سعيد باعشن رحمه الله وكان ذلك ما بين 69 إلى 70 وكان الشيخ يعمل عند الشيخ أحمد صالح باعشن وكان يمر علي في بيت الراجحي وكانت تلك الفترة فترة قراءة وبحث عن المعرفة ومكوناتها.
- هل تتذكر ماذا كنت تقرأ في تلك الأيام؟
كنت اشتري الرسالة واقرأها مع أني كنت لا افهم منها إلا قليلا كنت انتظر عند الاصفهاني في مثل العاشق إن صح التعبير وكان الاصفهاني يأتي بالصحف المصرية وكنت اخذ منه الرسالة وكان فيها العقاد والكبار من مثقفي ومبدعي تلك الفترة وكنت أحاول أن افهم منها شيئا، وكان الأستاذ محمود عارف عنده مجموعة من الرسالة قال لي تأخذها بخمسين ريالاً أو عشرين ريالاً.. ربما لأنه كان متضايقاً منها إذ لا يوجد لديه مكان يضعها فيه فمساكنهم كانت ضيقة في حارة المظلوم، وبدأت اقرأ.. لقد كنت اقرأ تلك الفترة كلها.. كنت اكتب في المدينة مقالاً شهرياً بعنوان أحاسيس، صحيح أنني قرأت كثيراً منذ تلك الفترة لكنني أشعر أنني ضعيف وبحاجة إلى مزيد من القراءة.
- لكنك حصلت على البعد الأدبي الكبير؟
الحمد لله على ذلك.
- من هنا من عند محمد سعيد باعشن تتذكر اشتراككم في أعمال صحفية إن لم يكن إصدار كتب أحياناً، في تلك الفترة سادت الأعمال الجماعية التي افتقدناها في هذا الزمان.. فما قولك عن تلك الفترة؟
في شعبان 1376هـ كنت في الجمرك ثم انتقلت في جمادى الأولى من البلد إلى الميناء الجديد فجاءني محمد سعيد باعشن رحمه الله في شعبان يزورني وقال خلينا نصنع شيئاً عن شعراء الحجاز وأثناء الحديث جاءنا الأستاذ محمد كاظم في نفس المكان وفي الجلسة التي لم تستمر لأكثر من ساعة على الأكثر انتهت برغبة محمد سعيد باعشن لإصدار صحيفة لتضم مقالات لكتاب تلك الفترة وبعد المشاورات اتفقنا على اللقاء عند الشيخ محمد الطويل لإتمام عملية التمويل للمجلة.
وحين أتحدث عن الطويل أتذكر حكاية طريفة تشير إلى انقطاع المياه في جدة وأخذ الناس في جمع الأموال لجلب الماء من وادي فاطمة ولما جمعوا المبلغ وبلغ الأمر الملك عبد العزيز رحمه الله قال: لا.. ''الدولة هي اللي تجيب الماء لجدة على حسابها'' وأوصى بإعطاء المبلغ الذي جمع من أعيان جدة إلى الشيخ محمد الطويل وقالوا له اعمل به معهدا علميا سميه معهد الملك سعود فجيئا للشيخ محمد طويل وقلنا له نرجوك بلغ الفراش يفتح لنا المكتب عشان نبغى نكتب طلب جريدة، وقد رحب بالفكرة وفتح لنا المكتب في شارع الملك عبد العزيز وكتبنا الرسالة وكان مدير عام الصحافة والنشر عبد الله بلخير رحمه الله.
- أنت ومحمد سعيد؟!
أنا ومحمد سعيد قبل ما نكتب الرسالة التقى معانا رجلان عبد العزيز عطية أبو خيال ومحمد أمين يحيى فاجتمعنا نحن الأربعة وكتبنا الرسالة للشيخ عبد الله بلخير بعد أربعين يوماً تقريباً دعانا غالب أبو الفرج قال: مدير عام الصحافة يريدكم وحين ذهبنا إليه قدم إلينا الإذن بإصدار جريدة أسبوعية باسم الأضواء.
غير أن الإذن لا يصدر صحيفة بل تحتاج إلى أموال وقد كان راتبي ذاك الوقت 360 ريالا ومحمد سعيد باعشن كان موظفاً عند الشيخ محمد رضا الذي كان وزيراً للتجارة، ولتجاوز المشكلة ذهبنا إلى مدير أملاك البنك الأهلي وقلنا له اعطنا شقة في باب شريف من أعمال البنك الأهلي مقابل إعلانات للبنك.
ومن أجل تركيب هاتف للجريدة ذهبنا إلى محمد رضا وكانت لديهم وكالة استيك هاووس وفورد وقد طلبنا منه ألفي ريال مقابل إعلانات فأعطانا المبلغ، ومن أجل الطباعة اتفقنا مع محمد محمود رضا وقد كان مديراً لمطابع الشربتلي التي أتى بها السيد احمد عبيد رحمه الله لمجلة الرياض حيث صدر منها كم عدد ثم توقفت. ونحن في مكتب رضا أتى الشاعر أحمد إبراهيم الغزاوي شاعر الملوك وتساءل وهو يشير إلينا: من هؤلاء؟! وحين عرفوه بنا حذرنا من أن نتناوله بالنقد فقلنا: أنت شاعر الملوك ولن يجرؤ أحد على ذلك، وبعد أشهر أقام أهالي جدة حفلاً للملك سعود بمناسبة عودته معافى من رحلة علاجية إلى أمريكا وألقى الغزاوي قصيدة في الحفل وكانت محاكاة لقصيدة شهيرة للمتنبي فتعرضنا له بالنقد دون خوف وانتقدتها وقلت إنها مسخ لقصيدة المتنبي وللشاعر الكبير عذره وهكذا.. لقد كنا شباباً متسرعين، ورغم ذلك كان الغزاوي كبيراً رغم قدرته على ضربي لكنه لم يفعل.
بعد ذلك جاءت مناسبة فيما بعد صرت استكتبه في مجلة الرائد، كتب قصيدة موجودة عندي إلى الآن عن جدة والعواد،ونشرت في الأضواء وفي كتابي الأول أمواج وأثباج وطبعاً الأضواء لم تعمر طويلاً.
ومن ظريف ما أتذكره اليوم أن أرامكو دعتنا إلى زيارة الشركة، وحين وصلنا رأينا مشاهد توحي لك أنك تعيش في أمريكا وفي الجانب الآخر رأينا السعوديين يعيشون في الصنادق والعشش فأخذتنا الحماسة وردت علينا أرامكو مرتين أو ثلاثا لكننا واصلنا الكتابة وكان رئيس العلاقات العامة لديهم اسمه مستر باتلر انتقل من ارامكو بعد ذلك أظن إلى موبيل أويل وجاء معه شكيب الأموي وكان يدير ارامكو في المنطقة الغربية وجاءوا تحدثوا معنا أربعين دقيقة لتقديم خدمات وتجهيزات، وكانوا يتساءلون عن الغرض من الحملة على أرامكو قلنا لهم عندكم أربعة عشر ألف سعودي يدخلون إليكم شبابا يخرجون شيباناً بلا تأمين صحي ولا تأمين للمرتبات لا علاج ولا سكن، قالوا هذا هو اتفاقنا مع الدولة، وقد حاول مستر بانكر أن يطبع لنا الجريدة ليثنينا عن الكتابة لكن ذلك لم يحدث.
وفي هذه المساحة يتحدث الأستاذ عبد الفتاح أبو مدين عن السنوات الأولى من حياته وتجربة تكوين النواة الأولى في مساره الاجتماعي والثقافي والمعاناة التي واجهها في سبيل تدعيم مخزونه الثقافي إلى جانب مجموعة من رفاقه القدامى، وقد حضر لقاءنا معه الدكتور عاصم حمدان الأستاذ بجامعة الملك عبد العزيز ومستشار (المدينة) للشؤون الثقافية..
- تطلعنا إلى هذا اللقاء لنقف على تجربتك الصحيفة والأدبية والاستفادة منها؟
عفواً.. فإنما أنا كما يقول الدكتور الخويطر حاطب ليل، فماذا لدي لأقوله؟!
-كيف أسهمت فترة وجودكم في المدينة المنورة وخاصة في دراسة العلوم الشرعية في الحرم بجانب الذين التقيت بهم في تلك المرحلة المهمة أدباً وفكراً وثقافة ؟
هي أعطتني تجربة ثرية لكنها تجربة على الفقر المدقع فوالد والدتي رحمه الله كان تاجراً، وخالي رحمه الله كان ناظر عموم في جدة وابنه عبد الله بدر الدين بن بدر خوجه.. وقد نشأنا في محيط بسيط لكن كانت فيه بركة بحمد الله.
ولكن ما صدمني هو وفاة والد والدتي بعد وصولنا إلى المدينة بأربعين يوماً تقريباً..ولم يكن لدينا لا فلوس ولا تعليم ولا شيء.. وكنت غريباً لكن في بلد النبي يختلف الأمر ولذلك كتبت في مذكراتي ''ضقت في المدينة ولم تضق المدينة بي المدينة''.. فخالي هيأ لي عملاً في حين لم تكن بضاعتي سوى سور من القرآن الكريم من سورة الحمد فصاعداً على طريقة شمال أفريقيا وحين ذهبت إلى الحج كنت لا أستطيع أن اعبر ولا عندي قدرة على التعبير وأظن ذلك كان في عام عام 1965م وقد جاء الملك فاروق إلى المدينة فرأيت الشباب يلبسون الأبيض ويقولون كلاماً لا اعي منه شيئاً ''فشخمطت'' رسالة إلى خالي قلت فيها أنا لا أريد دكاناً ولا أريد تجارة فقط أريد أن أتعلم.
- وهل أثر فيك هذا الموقف ؟
نعم كنت اسأل نفسي ما موقعي من الإعراب أمام هؤلاء الشبان فكتبت إلى خالي برغبة التعليم فكتب خالي وسعى مع السيد حبيب رحمه الله مدير العلوم الشرعية رغم أنني كنت كبيراً على سن الدراسة ولكن بضغوط خالي وجهوده قبلوني ودخلت مع الكبار في الكتاب، دخلت سنة رابعة في أوائل السنة واجتهدت اجتهاداً عظيماً كنت مثل الذي يلقى له الكلأ وهو صائم، فأكملت سنة رابعة ونجحت ثم اقترح الشيخ محمد الحافظ رحمه الله أن أذهب إلى السنة الخامسة لأوفر على نفسي عاماً وربما كان دفعاً للحرج الذي يسببه وجود طالب في الصفوف يكبرهم سناً ، وكان من طلاب تلك الفترة عبد الله متروك وعبد الوهاب بخاري، ولم يكن في ذلك الزمان فلوس ولا جلوس فاتفقنا مع الأستاذ عبد الوهاب أنى اقرأ في الحرم في الصيف، فقرأت عليه مقرر سنة خامسة في الحرم، حيث العلوم الشرعية مع بداية العام الدراسي ألحقوني بسنة سادسة مباشرة ومعي الأزهري صادق، و أحمد نمنكاني.
ولأن المدرسة كانت أهلية فقد تقرر أن يكون الاختبار في مدرسة حكومية تابعة لوزارة المعارف، لم تكن وزارة بل كانت مديرية المعارف ذلك الوقت وقد نجحت في كل المواد مع بقية التلاميذ، وشاء الله أن أكمل في التعبير (الإنشاء) فسبب لي ذلك قلقاً شديداً. لقد كان الزملاء يكتبون الصفحات وكنت أكتب خمسة أسطر فلا محصلة لدي في مجال الكتابة، وفي تلك الأيام كنت أرى الأستاذ علي الشاعر وحمزة أبو غرارة.
وعندما نجحت، كانت لدي رغبة في الاستمرار وأثناء تخرجي تقاعد خالي وكان لديه بعض بنات وكبر في نفسي أن أنتظر منه شيئاً فقررت أن أعمل وأدرس. وقد كتب خالي وهو خارج من الجمارك إلى صديقه إبراهيم شاكر وكان أنور أبو هداية مديراً لتحرير الجمارك وقد ساعدوني للعمل هناك ومرت الأيام فتعرفت على شخص اسمه حسن برغوثه يعمل في إدارة التحرير وشخص اسمه صالح ادهم، وقد اقترح حسن برغوثة أن نرسل برقية للملك عبد العزيز وعملنا برقية أرسلناها على حساب حسن برغوثة لم يكن عندي شيء خالي يرسل لي ثلاثين ريال فقط أرسلنا للملك عبد العزيز في مدة أقل من شهر جاءني رد البرقية بأن أراجع الخارجية فقد جاء الأمر بالتجنيس وأخذت الرسالة إلى مدير الجنسية يسمى صائم الدهر في حارة اليمن في بيته وكان مدير حفائظ النفوس أو التابعية فأخذت التابعية وبدأت من شوال، أتقاضى خمسة وتسعين ريالا في الجمارك التي كانت في تلك الفترة في مكان سوق المحمل الآن.
- في هذه الفترة التي قضيتها في جدة ما دام انك أتيت إلى المدينة وعندك توق للعلم والمعرفة من الذين كانوا في جدة من أولى العلم والمعرفة الأدباء والمفكرين الذين كان لك احتكاكات أولى بهم؟
أول أولئك الأستاذ محمود عارف فقد كنت حين أمر بشارع قابل ألاقي رجلاً أسمر يجلس عند أحد الحلاقين في دار الأوقاف ومرة قرأت له قصيدة في جريدة المدينة فعرفت انه هذا الشخص وكان يسكن في حارة المظلوم فتعرفت عليه وقلت له أنا محتاج لمزيد من القراءة فقال لي اشتر نظرات المنفلوطي فاشتريت الثلاثة أجزاء من النظرات وقال تأتيني في بيت راجح وبدأت اقرأ عليه فصولاً من الكتاب وفي اليوم الثاني يقول لي لخص الذي قرأته في صفحات. لقد كانت هذه العملية تمريناً ممتعاً بالنسبة لي وحتى في عملي بالجمارك كنت في التحرير مع أنور أبو الجدايل رحمه الله وكنت أحرر الرسائل عن وصول البواخر وأقدمها إلى رئيس التحرير بالجمارك وكان في ذلك عملاً ممتعاً بالنسبة لي.
-رئيس التحرير في الجمارك وليس الكتبة؟
نعم يكتب رسالة لوكلاء الباخرة عن وصولها كاملة وعن وجود نقص أو غيره، وبعد ما يقرب أسبوعين صرت عندما تأتي الرسالة لا أعطيها لرئيس التحرير بل اذهب للملف الصادر وانظر ماذا كتب رئيس التحرير، كل ما يتغير اسم الباخرة أو النتيجة وتاريخ وصولها واكتب نفس التعبير الذي كتبه أنور ابوالجدايل، بعد ذلك من سنتين في الجمارك عينوني مدير تحرير جمرك جدة مع عبد الرحمن باعيسى في عام 68م. وكنت في الظهيرة وأنا خارج من الجمارك أذهب إلى طباخين في حارة اليمن وفي جيبي خمسة ريالات وكنت أرى رجلاً في عمارة الأوقاف يربط حبوته ولديه مكتبة فأدخل إلى دكانه حيث أجد كتاباً أو كتابين فأشتريها وأترك الغداء ثم اشتري شريكا وجبنة وارجع إلى سكني في الكندرة، وكنت اسكن بعشرة ريالات في الشهر وكانت غرفة عليها حنبل أو خصف وزير وفانوس هندي نحاسي وكنت اقرأ ما يقع تحت يدي بنهم إلى عام 70 وكان أن تعرفت على محمد حسن عواد بالضبط في عام 68 فأسهم في تعلقي الكبير بعالم القراءة والكتابة.
- هل كان من السهل عليك أنت تدخل مباشرة مع العواد كما كان من السهل عليك أن تدخل مع الأستاذ محمود عارف؟.
محمود عارف والعواد أصدقاء كانوا في مدرسة الفلاح وكان العواد رئيس الغرفة التجارية ومقرها في العين العزيزية عند الفلاح وحين تتاح لي فرصة اللقاء بهم كنت أتحدث معهم مثل الطفل أو الشاب وأشرب معهم الشاي وحين رأى محمود عارف لدي بوادر الموهبة والرغبة كان يحفزني على القراءة وشراء الكتب، وكذلك فعل العواد. وكنت آتي إليهم لأقرأ عليهم ما كتبت فأجد منهم تشجيعاً ومؤازرة وقد انصرفت إلى القراءة والكتاب في فترة كانت جدة لا تتجاوز مساحة كيلو في كيلو.
-علاقتك بالأستاذ محمود عارف مو الأستاذ العواد هل أفادك في ولوج عالم الصحافة؟ وهل بعد مدة وجيزة أم طويلة؟ لأنه عرف عنك انك أحد رواد الصحافة؟
وعن طريق العواد تعرفت على محمد سعيد باعشن رحمه الله وكان ذلك ما بين 69 إلى 70 وكان الشيخ يعمل عند الشيخ أحمد صالح باعشن وكان يمر علي في بيت الراجحي وكانت تلك الفترة فترة قراءة وبحث عن المعرفة ومكوناتها.
- هل تتذكر ماذا كنت تقرأ في تلك الأيام؟
كنت اشتري الرسالة واقرأها مع أني كنت لا افهم منها إلا قليلا كنت انتظر عند الاصفهاني في مثل العاشق إن صح التعبير وكان الاصفهاني يأتي بالصحف المصرية وكنت اخذ منه الرسالة وكان فيها العقاد والكبار من مثقفي ومبدعي تلك الفترة وكنت أحاول أن افهم منها شيئا، وكان الأستاذ محمود عارف عنده مجموعة من الرسالة قال لي تأخذها بخمسين ريالاً أو عشرين ريالاً.. ربما لأنه كان متضايقاً منها إذ لا يوجد لديه مكان يضعها فيه فمساكنهم كانت ضيقة في حارة المظلوم، وبدأت اقرأ.. لقد كنت اقرأ تلك الفترة كلها.. كنت اكتب في المدينة مقالاً شهرياً بعنوان أحاسيس، صحيح أنني قرأت كثيراً منذ تلك الفترة لكنني أشعر أنني ضعيف وبحاجة إلى مزيد من القراءة.
- لكنك حصلت على البعد الأدبي الكبير؟
الحمد لله على ذلك.
- من هنا من عند محمد سعيد باعشن تتذكر اشتراككم في أعمال صحفية إن لم يكن إصدار كتب أحياناً، في تلك الفترة سادت الأعمال الجماعية التي افتقدناها في هذا الزمان.. فما قولك عن تلك الفترة؟
في شعبان 1376هـ كنت في الجمرك ثم انتقلت في جمادى الأولى من البلد إلى الميناء الجديد فجاءني محمد سعيد باعشن رحمه الله في شعبان يزورني وقال خلينا نصنع شيئاً عن شعراء الحجاز وأثناء الحديث جاءنا الأستاذ محمد كاظم في نفس المكان وفي الجلسة التي لم تستمر لأكثر من ساعة على الأكثر انتهت برغبة محمد سعيد باعشن لإصدار صحيفة لتضم مقالات لكتاب تلك الفترة وبعد المشاورات اتفقنا على اللقاء عند الشيخ محمد الطويل لإتمام عملية التمويل للمجلة.
وحين أتحدث عن الطويل أتذكر حكاية طريفة تشير إلى انقطاع المياه في جدة وأخذ الناس في جمع الأموال لجلب الماء من وادي فاطمة ولما جمعوا المبلغ وبلغ الأمر الملك عبد العزيز رحمه الله قال: لا.. ''الدولة هي اللي تجيب الماء لجدة على حسابها'' وأوصى بإعطاء المبلغ الذي جمع من أعيان جدة إلى الشيخ محمد الطويل وقالوا له اعمل به معهدا علميا سميه معهد الملك سعود فجيئا للشيخ محمد طويل وقلنا له نرجوك بلغ الفراش يفتح لنا المكتب عشان نبغى نكتب طلب جريدة، وقد رحب بالفكرة وفتح لنا المكتب في شارع الملك عبد العزيز وكتبنا الرسالة وكان مدير عام الصحافة والنشر عبد الله بلخير رحمه الله.
- أنت ومحمد سعيد؟!
أنا ومحمد سعيد قبل ما نكتب الرسالة التقى معانا رجلان عبد العزيز عطية أبو خيال ومحمد أمين يحيى فاجتمعنا نحن الأربعة وكتبنا الرسالة للشيخ عبد الله بلخير بعد أربعين يوماً تقريباً دعانا غالب أبو الفرج قال: مدير عام الصحافة يريدكم وحين ذهبنا إليه قدم إلينا الإذن بإصدار جريدة أسبوعية باسم الأضواء.
غير أن الإذن لا يصدر صحيفة بل تحتاج إلى أموال وقد كان راتبي ذاك الوقت 360 ريالا ومحمد سعيد باعشن كان موظفاً عند الشيخ محمد رضا الذي كان وزيراً للتجارة، ولتجاوز المشكلة ذهبنا إلى مدير أملاك البنك الأهلي وقلنا له اعطنا شقة في باب شريف من أعمال البنك الأهلي مقابل إعلانات للبنك.
ومن أجل تركيب هاتف للجريدة ذهبنا إلى محمد رضا وكانت لديهم وكالة استيك هاووس وفورد وقد طلبنا منه ألفي ريال مقابل إعلانات فأعطانا المبلغ، ومن أجل الطباعة اتفقنا مع محمد محمود رضا وقد كان مديراً لمطابع الشربتلي التي أتى بها السيد احمد عبيد رحمه الله لمجلة الرياض حيث صدر منها كم عدد ثم توقفت. ونحن في مكتب رضا أتى الشاعر أحمد إبراهيم الغزاوي شاعر الملوك وتساءل وهو يشير إلينا: من هؤلاء؟! وحين عرفوه بنا حذرنا من أن نتناوله بالنقد فقلنا: أنت شاعر الملوك ولن يجرؤ أحد على ذلك، وبعد أشهر أقام أهالي جدة حفلاً للملك سعود بمناسبة عودته معافى من رحلة علاجية إلى أمريكا وألقى الغزاوي قصيدة في الحفل وكانت محاكاة لقصيدة شهيرة للمتنبي فتعرضنا له بالنقد دون خوف وانتقدتها وقلت إنها مسخ لقصيدة المتنبي وللشاعر الكبير عذره وهكذا.. لقد كنا شباباً متسرعين، ورغم ذلك كان الغزاوي كبيراً رغم قدرته على ضربي لكنه لم يفعل.
بعد ذلك جاءت مناسبة فيما بعد صرت استكتبه في مجلة الرائد، كتب قصيدة موجودة عندي إلى الآن عن جدة والعواد،ونشرت في الأضواء وفي كتابي الأول أمواج وأثباج وطبعاً الأضواء لم تعمر طويلاً.
ومن ظريف ما أتذكره اليوم أن أرامكو دعتنا إلى زيارة الشركة، وحين وصلنا رأينا مشاهد توحي لك أنك تعيش في أمريكا وفي الجانب الآخر رأينا السعوديين يعيشون في الصنادق والعشش فأخذتنا الحماسة وردت علينا أرامكو مرتين أو ثلاثا لكننا واصلنا الكتابة وكان رئيس العلاقات العامة لديهم اسمه مستر باتلر انتقل من ارامكو بعد ذلك أظن إلى موبيل أويل وجاء معه شكيب الأموي وكان يدير ارامكو في المنطقة الغربية وجاءوا تحدثوا معنا أربعين دقيقة لتقديم خدمات وتجهيزات، وكانوا يتساءلون عن الغرض من الحملة على أرامكو قلنا لهم عندكم أربعة عشر ألف سعودي يدخلون إليكم شبابا يخرجون شيباناً بلا تأمين صحي ولا تأمين للمرتبات لا علاج ولا سكن، قالوا هذا هو اتفاقنا مع الدولة، وقد حاول مستر بانكر أن يطبع لنا الجريدة ليثنينا عن الكتابة لكن ذلك لم يحدث.