هل يحق للورثة قبول أو رفض المشاريع الخيرية المقامة باسم مورثهم

أبو بسام
03-03-2001, 05:25 PM
بقلم المحامي:عبدالله بن محمد الناصري
جريـــــــــدة الريــــــــــاض
طالعتنا بعض الصحف المحلية ـ ومنها صحيفة "الرياض" ـ بإعلان مفاده أن بعض ورثة المرحوم بإذن الله (يؤكدون على عدم السماح بإقامة أي مشروع خيري باسم مورثهم رحمه الله إلا بإذن خطي منهم).

وقد أثار هذا الإعلان عندي وعند غيري سؤالا عن مدى حق الورثة في قبول أو رفض أعمال خيرية تكون باسم مورثهم. علما بأن الأعمال والمشاريع الخيرية لا حصر لها وقد تكون هنا في المملكة وقد تكون خارجها.. فهل يحتاج كل من يرغب في إقامة عمل خيري باسم المتوفى رحمه الله إلى إذن الورثة أو الأبناء كما ورد في الإعلان, وبمعنى آخر لماذا يطلب إذن الورثة من أراد أن يبني مسجدا باسم المتوفى في دولة أفريقية أو مكتبة في أوروبا, أو رباط خيري في بنغلادش, وما الحكم فيما لو قبل بعض الورثة هذا المشروع, ورفض البعض الآخر أو رفضوا جميعا قبوله, أو ماطلوا في القبول أو تعسفوا فيه أو طلبوا مقابلا ماديا .. إلخ.

هل يحق للورثة قبول أو رفض مشروع خيري ينتج عنه أجر وثواب لمورثهم بحجة أن هذا المشروع يحمل اسم مورثهم الذي ينتسبون إليه؟

هل لهم حقوق شرعية ـ أيا كانت ـ في المشاريع الخيرية التي تنشأ باسم مورثهم تكون أساسا لقبولهم أو رفضهم؟, وما هو موقفهم الشرعي تجاه المتبرعين والمشروع والغير؟, وأيضا ما هو موقفهم النظامي وفقا للأنظمة السائدة في المملكة؟

للإجابة على هذه الأسئلة لابد من الإشارة إلى مقدمات منها:ـ

1 ـ أن الأموال المدفوعة للمشروع هي من أموال الغير وهي وقف لوجه الله تعالى ـ أو تبرع من فاعل خير ـ لبناء مشروع يكون ثوابه للواقف ـ أو لمن قدمه ـ ولمن أشركه معه.

2 ـ أن المشروع الخيري لا يهدف إلى ربح مادي ولا يتضمن استغلالا تجاريا .

3 ـ وعلى أساس ما تقدم فالمشروع لا يلحق ضررا بأحد سواء من الورثة أو غيرهم ولا يجلب نفعا دنيويا لأحد من المتبرعين سوى الأجر والثواب من الله.

4 ـ أن هذا المشروع الخيري سيحمل اسم المتوفى لهدفين هما حث الناس على الدعاء للمتوفى, وحث الناس على التبرع للمشروع.

فمن الناحية الشرعية:ـ

وبناء على هذه المقدمات المختصرة نقول: إن من المعلوم أن قوام المشاريع الخيرية هو المال سواء أكان نقدا أم عينا , ولا علاقة بين مقدمي هذه الأموال ـ سواء أكانت وقفا أو تبرعا ـ وبين الورثة فالأموال تخص المتبرعين وليس للورثة عليها أية حقوق من أي نوع كانت ولا علاقة لهم بها.

ولا علاقة كذلك بين الورثة والمشروع الخيري الذي سيقام في أي مكان في العالم فهم ليسوا داخلين فيه إلا ضمن اخوانهم المسلمين, ولا يلحقهم ضرر من إقامته باسم مورثهم ولا يحجب عنهم نفعا معلوما .

فإذا أخذنا كل ذلك بعين الاعتبار فإن الجانب الآخر من هذا المشروع الخيري هو مدى الأجر والثواب المتوقع بإذن الله لكل من ساهم في هذا المشروع وأول المساهمين فيه هو هذا الع ل م البارز الذي كان اسمه سببا لإقناع المساهمين في المشروع رغبة في ثواب يرجونه من الله, ويكون هذا الثواب والأجر عظيما كلما تعاظمت فائدة المشروع, وامتد نفعه لفئات من المجتمع محتاجة إليه.

وسوف يلهج بالدعاء لمن يحمل المشروع اسمه كل من سمع أو استفاد من المشروع وهذا فضل عظيم لا يحق للورثة حرمان مورثهم منه تحت أي ذريعة, وسيتحقق بذلك هدفان مشروعان هما:ـ

1 ـ الدعاء للمتوفى وهذا أمر يستحب لا يجوز شرعا للورثة أو لغيرهم حرمان المتوفى منه.

2 ـ زيادة التبرع والمساهمة في هذا المشروع الذي سيعم نفعه قطاعا كبيرا من المجتمع لمجرد أنه يحمل اسم هذا المتوفى الذي قد يكون عالما كبيرا وهذه مصلحة عامة لها أحكامها في نظر الشريعة.

فإذا كان ذلك ما تقدم فعلى أي أساس يعلن الورثة (أو بعضهم) عدم السماح بإقامة أي مشروع خيري باسم مورثهم إلا بإذن خطي منهم وماذا يهدفون إليه:ـ

هل يقصد الورثة منع استغلال اسم مورثهم لتحقيق مكاسب تجارية كتنظيم حملة للحج باسم حملة الشيخ ........................, أو إنشاء مكتبة تجارية باسم مكتبة الشيخ ........................, أو نحو ذلك.

إذا كان قصد الإعلان منع مثل هذه الأعمال فهي ممنوعة أصلا بموجب أنظمة وزارة التجارة لأن هذه الأعمال "تجارية وليست خيرية", ولوزارة التجارة الحق والصفة النظامية في منع مثل هذه الأعمال وإقامة الدعوى ضد مباشريها.

وإذا كان مقصدهم هو منع جمع أموال باسم مورثهم تحت غطاء مشروع خيري ثم إساءة التصرف في هذه الأموال أو انحرافها عن أهدافها أو استغلالها.

إذا كانوا يقصدون شيئا من ذلك فنقول إن الرقابة على مشاريع البر والخير ومدى سلامة إجراءات إقامتها والتصرف فيها موكول أيضا إلى جهات رسمية مختصة مثل وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية ووزارة العمل في الجمعيات التي لا تهدف الى الربح.. إلخ, وليست مسؤولية الورثة.

وعلى هذا الأساس ـ ومن وجهة نظر خاصة ـ فلا حق للورثة في الإعلان عن عدم السماح بإقامة أي مشروع خيري باسم مورثهم إلا بموافقتهم لأنهم بهذا الإعلان يد عون لأنفسهم حقا ليس لهم, ويحولون بين مورثهم والمتبرعين وهذا ليس من حقهم, كما يحرمون مورثهم من الأجر حينما يكون المشروع باسمه وليس لهم حق في ذلك أيضا , ويتسببون في حرمان المجتمع من مشاريع خيرية يحتاجها المجتمع بشكل مستمر, ويضعون عقبات ومعوقات أمام أصحاب الخير والمتبرعين ليس لهم حق فيها وستساهم بلاشك في إحجام عدد ممن يرغبون في إقامة المشاريع أو المساهمة فيها دون أن تظهر أسماؤهم أو يعلم بهم أحد.

ومن المعلوم أن المتوفى إذا كان عالما من أئمة المسلمين فإن اسمه يشتهر وينتشر في أرجاء العالم الإسلامي بقدر انتشار علمه وفتاواه ويصبح اسمه مقرونا بصفته ملكا لكل المسلمين في أرجاء المعمورة; مثال ذلك من المتقدمين أعلام الشريعة وأئمة الهدى ممن لا يحصى عددهم, ومن المتأخرين أبو الحسن الندوي وسيد قطب, وحسن البنا, والغزالي, وابن باز, وابن عثيمين وغيرهم رحمهم الله جميعا .

والاعتراض على مثل هذه الأعمال الخيرية هو دعوى يشترط لمن يرفعها أن يكون له صفة فيها وأن يجلب لنفسه مصلحة "حق" أو أن يدفع عن نفسه ضررا , ولا تنطبق هذه الشروط على الورثة.

وإذا كنا بصدد حقوق الورثة فإن من المناسب الإشارة الوجيزة إلى حقوق الورثة المعنوية; مثل الأسماء التجارية, والممتلكات الفكرية التي نصت الأنظمة والقوانين الحديثة على حفظها وحمايتها وإن لم تكن معروفة لدى فقهاء الشريعة لكنها تدخل ضمن قواعد الشريعة العامة ونظرتها للحق.

ومن هذه الأنظمة التي نصت على حقوق الورثة الفكرية نظام حماية حقوق المؤلف الذي صدر بموجب المرسوم الملكي رقم م/11 وتاريخ 19/5/1410هـ حيث تضمنت نصوصه المصنفات التي يحمى مؤلفوها وحقوق المؤلف وانتقال ملكية هذه الحقوق ونطاق حماية حقوق المؤلف ومدة هذه الحماية.. إلخ.

فقد ورد في الفقرة الأولى والثانية والرابعة من المادة الثالثة أن الحماية تشمل الكتب والكتيبات وغيرها من المواد المكتوبة, والمصنفات التي تلقى شفويا كالمحاضرات والخطب والمواعظ, والمصنفات التي تعد خصيصا لتذاع أو تعرض بواسطة الإذاعة.

كما ورد في المادة السابعة أن الحقوق التي يحميها هذا النظام هي في الأصل ملكا للمؤلف وأنه بموجب هذه الملكية فإن من حق المؤلف استغلال مصنفه بأي طريقة من طرق الاستغلال المشروع.

كما نصت المادة السادسة عشرة على أن حقوق المؤلف المنصوص عليها في هذا النظام قابلة للانتقال كلها أو بعضها سواء بطريقة الإرث أو التصرف القانوني.

كما تضمنت المادة السابعة عشرة ما يلي:ـ

1 ـ تنتقل جميع الحقوق بمقتضى هذا النظام لورثة المؤلف من بعده.

2 ـ إذا كان المؤلف قد أوصى بمنع النشر أو بتعيين موعد له وجب تنفيذ وصيته في تلك الحدود.

ولا يخفى أن الشريعة الإسلامية أوجبت نشر العلم وحرمت كتمانه, لذا نجد أن نظام حماية حقوق المؤلف قد استثنى من الحماية الواردة في المادة السابعة عشرة أنواعا من أنواع الاستغلال لا تنطبق عليها الحماية منها على سبيل المثال:ـ

1 ـ استنساخ ذلك المصنف أو ترجمته أو اقتباسه أو تحويره بأي شكل آخر وذلك للاستعمال الشخصي الخاص دون سواه.

2 ـ الاستشهاد بفقرات من ذلك المصنف في مصنف آخر بشرط أن يكون الاستشهاد متمشيا مع العرف وأن يكون الاستشهاد بالقدر الذي يبرر الهدف المنشود وأن يذكر المصدر واسم المؤلف في المصنف الذي يرد فيه الاستشهاد.

وإذا كان العلم ـ أيا كان نوعه ـ هو إرث إنساني لا يجوز احتكاره أو حجبه تحت أي مبرر, وحماية للعلم من تعسف الورثة فإن النظام نص في مادته الثامنة عشرة على ما يلي:ـ

(إذا لم يباشر ورثة المؤلف, أو من يخلفه الحقوق التي انتقلت إليهم بموجب المادة السابعة عشرة من هذا النظام ورأى الوزير أن المصلحة العامة تقتضي نشر المصنف, يجوز له أن يطلب بخطاب مسجل من ورثة المؤلف القيام بنشر المصنف, ويجوز له في حالة عدم قيامهم بذلك خلال سنة من تاريخ الطلب أن يأمر بنشر المصنف بعد سماع وجهة نظرهم أمام ديوان المظالم وأن يدفع لورثة المؤلف تعويضا عادلا ).

على أن هذه الحماية القانونية التي فرضها النظام حفظا للحقوق يجب ألا تظل إلى الأبد, وقد اختارت المملكة ـ أسوة بغالبية دول العالم ـ أن مدة الحماية خمسون سنة بعد وفاة المؤلف (المادة 24 تستمر حماية حق المؤلف في المصنف مدى حياة المؤلف ولمدة خمسين سنة بعد وفاته).

إلا أن المصنفات الصوتية تختلف من حيث المدة فقد نص النظام على أن مدة حمايتها خمس وعشرون سنة اعتبارا من تاريخ نشرها لأول مرة (الفقرة الثانية من المادة 24).

وعلى هذا الأساس فإنه يجب التفريق بين نوعين من المشاريع الخيرية التي يمكن أن تقام باسم المتوفى رحمه الله هي:ـ

أ ـ مشروع خيري يهدف إلى تقديم أعمال خير, وخدمات بر باسم المتوفى فهذا لا سلطة للورثة عليه وليس لهم أي حق بطلب الإذن فيه للاعتبارات السالف ذكرها.

ب ـ مشروع خيري يهدف إلى استغلال إنتاج المتوفى الفكري بجميع أنواعه (إذا كان المتوفى ممن لهم إنتاج فكري ـ مثل المشايخ رحمهم الله أو غيرهم), فهذا للورثة عليه سلطة القبول أو الرفض ولهم الحق كلهم أو بعضهم في بيع حقوقهم أو التنازل عنها وذلك خلال المدة التي نص عليها النظام سواء في المصنفات المكتوبة أو الصوتية, وبعد انقضاء هذه المدة تصبح هذه المصنفات بأنواعها ملكا مشاعا للكافة.

هذا والله من وراء القصد.