حقيقة التقوى

sandbad
11-04-2001, 02:19 AM
الخطبة الأولى


إن الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه، أولئك هم المفلحون.
أما بعد:
فيا أيها الناس! اتقوا الله حق التقوى، فإن حق التقوى: أن يطاع فلا يعصى، وأن يذكر فلا ينسى، وأن يشكر فلا يكفر، وقد قال تعالى منبهاً على فوائد التقوى وجميل عوائدها على أهلها في الدنيا والآخرة: " ومن يتق الله يجعل له مخرجا * ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدرا " وقال تعالى: " ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا " وقال سبحانه: " ومن يتق الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرا " وقد ضمن تبارك وتعالى للمتقين النجاة من النار والفوز بجنات تجري من تحتها الأنهار، نزلاً من عند الله، وما عند الله خير للأبرار.
عباد الله: ولما كانت التقوى بهذه المثابة أمر بها تبارك وتعالى نبيه صلى الله عليه وسلم وأزواجه وأصحابه، بل وأمر بها جميع الناس وحثهم على التزين بها، فإنها خير لباس، بل نبه سبحانه وتعالى على أنها زبدة رسالة المرسلين، ووصيته للأولين والآخرين، وخير ما تزود به العبد لحجه وغيره من العبادات، وتجمل به لربه في سائر الأوقات، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يوصي بها الصغير والكبير والأمير والمأمور، في الحضر وعند السفر، ويخبره أن أكرم الناس عند الله أتقاهم، وأنه صلى الله عليه وسلم أخشى الناس لله وأتقاهم، وكفى بذلك تنبيهاً على منزلة التقوى وتذكيراً بها لأولي النهى.
عباد الله: لكل شيء حقيقة، وحقيقة التقوى التحرز بطاعة الله عن معصيته، وكف الأذى عن الخلق، والإحسان إليهم على وفق الشرع ابتغاء وجه الحق، فالتقوى فعل المأمور، وترك المحظور، والرضا بالمقدور على وجه الرغبة والرهبة، ولذا عرفها أحد السلف بقوله: (( التقوى: أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله على نور من الله تخشى عذاب الله ))، وقال آخر: (( هي الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، والقناعة بالقليل، والاستعداد ليوم الرحيل )).
وبكل حال: فإن من عظمت خشية الله في قلبه وأيقن بموقفه غداً بين يدي ربه خاف يوم الحساب، فلزم طاعة ربه وأناب، واعتذر إليه من التقصير في حقه، فاستغفر وتاب، ومن قل حظه من التقوى، أو انتفى اتبع الهوى، فضل وطغى، وآثر الحياة الدنيا " ولا تكسب كل نفس إلا عليها " " ولا تزر وازرة وزر أخرى ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم تعملون إنه عليم بذات الصدور "، " فأما من طغى * وآثر الحياة الدنيا * فإن الجحيم هي المأوى * وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى * فإن الجنة هي المأوى ".
أيها المسلمون: وكما أمر الله تعالى بالتقوى، فقد مدح المتقين وأثنى عليهم بحسن الأفعال والأقوال وكريم الخصال، ورتب سبحانه على التخلق بها والتحقق بها: نيل المسرات، والفوز بالخيرات، والوقاية من المكروهات، والنجاة من المهلكات، مما يدل على أن التقوى خلق جميل ، وعمل جليل مبنيان على إخلاص النيات لله تعالى وحسن الأسوة بالمصطفى صلى الله عليه وسلم، فإن التقوى الكاملة فعل الواجبات وتكميلها بالنوافل المستحبات، وترك المحرمات والاحتياط لها بانتفاء الشبهات.
قال عمر بن عبد العزيز رحمه الله: (( ليس تقوى الله بصيام النهار ولا بقيام الليل والتخليط فيما بين ذلك، ولكن تقوى الله ترك ما حرم الله، وأداء ما افترض الله، فمن رزق بعد ذلك خيراً فهو خير إلى خير )).
وعن أبي الدرداء رضي الله عنه أنه قال: تمام التقوى أن يتقي العبد ربه حتى يتقيه من مثقال الذرة، وحتى يترك بعض ما يرى أنه حلال خشية أن يكون حراماً، وحتى يكون حجاباً بينه وبين الحرام، فإن الله تعالى قد بين للعباد يبصرهم إليه فقال: " فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره " فلا تحقرن شيئاً من الخير أن تفعله ولا شيئاً من الشر أن تتقيه.
فاتقوا الله عباد الله، واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين والمؤمنين من كل ذنب، فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية


الحمد لله يهدي من يشاء بفضله إلى صراط مستقيم، ويضل من يشاء بعدله عن النهج القويم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الرحمن الرحيم، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله المبعوث رحمة للعالمين، صلى الله عليه وسلم عليه وعلى آله وأصحابه الذين آمنوا به، وعزروه ونصروه، واتبعوا النور الذي أنزل معه، أولئك هم المفلحون.
أما بعد:
فيا أيها الناس! اتقوا الله تعالى حق التقوى، واستمسكوا من الإسلام بالعروة الوثقى، واذكروا ما عهد إليكم نبيكم صلى الله عليه وسلم ووصى إذ يقول: " إنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة "، وفي رواية: " وكل ضلالة في النار "، فإياكم والابتداع في الدين، فإنه من عمل المغضوب عليهم والضالين، وقال صلى الله عليه وسلم: " من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد ".
فالابتداع في الدين مخالفة لنهج النبي الأمين، وأخذ بمسلك المغضوب عليهم والضالين، وموجب لرد العمل وغضب رب العالمين، واعلموا أن من أخطر المبتدعات ما أحدثه بعض المنحرفين من أهل الخرافة والمتصوفة، من الاحتفال بمولد النبي صلى الله عليه وسلم، وإطرائه في هذه الاحتفالات حتى يرفعوه من مرتبة العبودية إلى مرتبة الألوهية، حيث ينسبون إليه شيئاً من خصائص رب الأرض والسماوات، ويضرعون إليه بخالص الدعوات، ويصرفون له شيئاً من أنواع العبادات، ويصفونه بأوصاف لا تتفق مع الوحي المنزل، وليس فيها توقير للنبي المرسل، عليه أكمل الصلاة والتسليم من الله عز وجل.
وكل هذه الأمور يا عباد الله من المحدثات وأنواع الضلالات التي تبدل الدين، وتوجب العقوبة من رب العالمين، ولذلك نهى عنها النبي الناصح الأمين، وحذر منها جميع المسلمين، قال صلى الله عليه وسلم: " من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد "، وقال : " لعن الله من آوى محدثاً "، يعني دافع عنه ونصره ووافق على بدعته، وقال صلى الله عليه وسلم " لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا عبد الله ورسوله ".
فهؤلاء الضلال جمعوا بين الضلالتين كما تسمعون منهم هذه الأيام، وفتنوا المسلمين في الدين، وذلك من أعظم الآثام وأشد أنواع الإجرام، وأخذوا بمناهج اليهود والنصارى باحتفالاتهم بأعياد أنبيائهم وعظمائهم، ومن تشبه بقوم فهو منهم، فصدق عليهم قوله صلى الله عليه وسلم: " لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه قالوا: يا رسول الله! اليهود والنصارى ؟ قال: فمن؟ " .
فإياكم وما هم عليه من الضلالات وأنواع المبتدعات " فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم ".
ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
عباد الله! " إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون ".
فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.


<IMG SRC="http://www.o8o.f2s.com/index.1.gif" border=0>

------------------
"سبحانك اللهم وبحمدك ، أشهد أن لاإله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك "
sandbad.8m.com (http://www.sandbad.8m.com)