قراءة في كتاب -11- (ديوان أعشى همدان وأخباره - تحقيق حسن ابو يأسين)

أبو بسام
19-08-2001, 11:04 AM
اسم المؤلف: ديوان أعشى همدان وأخباره حول «3083ه»
تحقيق الدكتور الفاضل: حسن عيسى أبو ياسين.
الطبعة: الأولى عام 1403ه دار العلوم للطباعة والنشر.
قراءة وتعليق:حنان بنت عبدالعزيز بن عثمان بن سيف
المتصفح لكتاب الدكتور الفاضل حسن عيسى أبو ياسين لا يشبع هذا التصفح فهمه، ولا يرضي غريزته، ذلك أن هذا الكتاب يسوقك طوعاً أو كرهاً لقراءته قراءة فهم وتطلع ورغبة في زيادة المحصول الثقافي والأدبي وتقليب الناظرين بين دفتيه تقليب نقد وفحص وتدقيق، ثم ما ظنك بأديب تأدب على أيدي رجال مخلصين وأدباء كبار مشهورين فهو مولدهم علمياً وثقافياً وأدبياً.
وقد صرح بأستاذيتهم له في مقدمة الكتاب حين قال: «.. إني أتقدم بخالص الشكر والامتنان لأساتذتي الأجلاء الذين كان لهم الفضل في توجيه هذه الدراسة وغيرها، الأستاذ الدكتور شوقي ضيف، والأستاذ الدكتور محمود علي مكي والأستاذ الدكتور ناصر الدين الأسد فجزاهم الله خير الجزاء وأفضله»،
وبعد هذه المقدمة ، ساقنا مؤلف الكتاب إلى واقعنا الحقيقي وقدم لكتابه بمقدمة بينت هدفه من البحث وهذا الهدف ينحصر في أمور عديدة وذلك لأن المؤلف لم يكن هدفه جمع الشعر لهذا الشاعر، وذلك لأن المستشرق (جاير) قد كفاه المؤنه، إلا أن المؤلف من خلال قراءته جدت له عدة أمور فيقول معبراً عن هذه الناحية: غير أن طول النظر في شعر الأعشى المجموع أتاح لي الوقوف عند جوانب كثيرة أخل بها «جاير» ولعل أظهرها أنه أسقط عدداً غير قليل من شعر الأعشى الذي صحت نسبته إليه، في حين أضاف إليه شعراً لم تصح نسبته إليه في أي من المظان، وإنما صحت هذه النسبة لغيره صراحة، وقد يضاف إلى هذين الخللين أسباب أخرى كإغفاله وضع مقدمات بين يدي القصائد تفسر مناسباتها أو شروحاً في الهوامش للغريب من ألفاظها أو إشارات لاختلاف الرواية في مصادر تخريجها فجاءت الأشعار عرياً من ذلك كله، هذا فضلاً عن اعتماد «جاير»، في جمعه وتخريجه للأشعار على مصادر ذات طبعات أوروبية قديمة لم تعد متيسرة اليوم بين أيدي الباحثين فضلاً عن أن هذه المصادر عينها أعيدت طبعاتها في الشرق بعناية وتحقيق علماء أفاضل وقد تحقق من هذه الإعادة المشرقية اضافة الكثير إليها أو إسقاط الكثير مما ليس منها، وقد ضربت مثلاً على تأثير هذا الجانب في إعادة تحقيق شعر الأعشى حين أضفت إليه أشعاراً زيدت في بعض طبعات المشرق، ثم شرع المؤلف في الحديث عن نسب الشاعر وقبيلته واعتمد في نسبه على ما ساقه الهمداني في الجزء العاشر من سفره الموسوم بالإكليل، والسبب في هذا الاختيار كما يقول المؤلف: «الهمداني أقوم على هذا النسب من غيره ممن عنوا بأخبار الأعشى، وما ردوا في نسبه قطعاً من هذا السياق اعتوره الخلط حيناً والتحريف أحياناً أخرى»، ودراسة المؤلف هذه هي أول دراسة مستقلة لهذا الشاعر دوناً عن غيره، واهتمت بتحقيق أمرين:
الأول:دراسة أطوار حياة الشاعر ومراحلها المختلفة.
الثاني: دراسة شعر الشاعر.
وأما نشأة الشاعر فتنقسم إلى طورين مختلفين أشد الاختلاف وهما طور النشأة:
الأول: الذي كان له فيه دوى بالقران كدوي النحل.
الثاني: طور الشعر.
وولادة الأعشى رجحها المؤلف أنها كانت في حدود سنة ثلاثين للهجرة وهذه السنة كانت على التقريب، وحينما نمعن في قراءة الكتاب نرى سبباً وجيهاً لاهتمام المؤلف بالشاعر، وخصه أعشى همدان بدراسة مستقلة ونترك المجال لحديث المؤلف حيث يقول: والأعشى لم يكن قليل الشأن في مجتمعه، فهو أحد أشراف الكوفة المعدودين، بل ممن تنافر إليه الأشراف، ثم هو إلى جانب ذلك «لسان اليمن وشاعرها»، كما شهد له بذلك النعمان بن بشير الأنصاري، وفوق ذلك هو شاعر إسلامي فحل كثير الشعروهذا ما شهد له به الأصمعي، فيما رواه عنه أبو الفرج، أما حياته فتزخر بالأحداث حتى ليأخذ بعضها برقاب بعضها الآخر، وحتى لتكاد تجد له مشاركة في كل الأحداث الكبرى التي وقعت ما بين سنة 60 83 للهجرة، وقد جعل المؤلف همه في هذه الدراسة أن يحقق ثلاثة أمور: الأول: تأريخ القصائد، الثاني: تتبع مراحل حياة الشاعر، الثالث: قدرة الشاعر الفائقة على التأريخ لأحداث عصره. ثم أخذ المؤلف استعراض البواكير الشعرية الأولى والتي وصلت إلينا من شعر الشاعر وساق المؤلف شعره في وقعة «الخُجَنْدةَ» وجيشها الذي قاده سلم بن زياد، وعد المؤلف هذا الشعر من أقدم أخبار الأعشى التي وصلتنا وفي ضبط اسم الموقعة شكلان الأول: «الخُجَنْدَة»، والثاني «خُجِندة» ولتفسير هذا الاختلاف في الشكل أمران:
الأول: عائد إلى قراءة الكلمة على وجهين وهذا كثير في العربية.
الثاني: أخطاء الطبع التي لا يسلم منها أي كتاب حتى لو روجع عشرات المرات وهذا الأمر هو الأقرب إلى الصحة، ويؤيده أن المؤلف ضبطها في الأبيات الشعرية بفتح الجيم «الخُجَنْدَة».ثم اتبع المؤلف هذا الحديث بالحديث عن انضمامه إلى حركة التوابين وأسهب المؤلف يحفظه الله ويسدد خطاه في الحديث عنها وذلك لانضمام الشاعر إليها أولاً، وثانياً: لشعره الذي قاله في رثاء من ماتوا في إحدى معاركهم التي اشتبكوا فيها مع بني أمية، وبين المؤلف الفاضل في ثنايا حديثه أن التوابين فئة خرجت للأخذ بثارات الحسين بن علي رضي الله عنهما، يوم كربلاء، وذلك لأنهم خلفوه وراءهم، ولم يهبوا لنصرته، وتركوه يصارع الموت وحده، وقد هزموا وقتل زعيمهم سليمان بن صرد الخزاعي، وتفرق الباقون ودخلوا الكوفة وكان معهم أعشى همدان، وقد حزن وتأسى على هذه الهزيمة وقال قصيدة مكتملة يتناقلها الناس في صمت وهدوء، ومطلعها قوله:
ألمَّ خيالُ منك يا أمَّ غالبِ ......فحييت عنَّا من حبيب مُجانبِ
واستطرد المؤلف في الحديث عنها، وعدها من المكتمات لأن القصيدة لو انتشرت لقدم رأس الشاعر ثمناً لها، وقد تساءل المؤلف عن سبب إعراض بني أمية عن شعره؟ فقال: «والرأي عندنا أن أبواب الأمويين لم تسد في وجهه إلا لأنه كان محسوباً عندهم في شعراء المعارضة المناوئين»، وانتقل بنا المؤلف إلى الحديث عن ثورة المختار بن أبي عبيد الثقفي وهو الذي تلقف التوابين بعد هزيتهم وانتهاء يوم عين الوردة، وذلك عند دخول فلول الناجين إلى الكوفة، والهدف هو تقوية ثورته حين نادى بالكوفة للأخذ بثارات أهل البيت، وانضم إليه كثير من الهمدانيين فقتل بعضهم ببعضهم، وقد أغضب أعشى همدان هذا الموقف من المختار، وعد فوزه من عجائب الزمان فقال:
أيقتلنا المختار ظلماً بكفره.........فيالك دهراً مرصداً بالعجائب
وساق المؤلف ثورة ابن الأشعث، وكيف ارتبط اسمه بهذه الثورة التي خرج فيها ابن الأشعث على الحجاج بن يوسف الثقفي، فكان أعشى همدان يقول الشعر ليجمع القبائل له ضد الحجاج، وكان يثير فيهم جانب العصبية القبلية، وعد المؤلف الفاضل مشاركة الأعشى فعلية وفنية والهدف من ثورة ابن الأشعث على حد قول المؤلف: «هي طرح نير بني أمية وولا تهم عن كاهل أهل العراق»، ويصف أعشى همدان ابن الأشعث بقوله:

قرم إذا ساق القروم ترى له.......أعراق مجد طارف وتليدِ
وإذا دعا لعظيمة حشدت له.......همدان تحت لوائه المعقودِ

واستفاض المؤلف في حديثه عن ثورة ابن الأشعث والتي انتهت بهزيمته هزيمة منكرة في دير الجماجم، وصور المؤلف موقف الحجاج بن يوسف الثقفي مع أعشى همدان تصويراً يشد الألباب، ويستهوي القرائح إلى استنتاج نهايته، وكيف أعمل أعشى همدان عقله وشعره في الفكاك من هذه الأزمة، وما كان من الحجاج إلا أن حاسبه حساباً عسيراً أمام اشراف الناس ووجهائهم حتى شفعوا فيه، ولكن الحجاج يعلم حقيقة نيته وسريرته، فأمر به فقدم ثم ضربت عنقه، وكانت وفاته فيما رجحه المؤلف في النصف الثاني من سنة ثلاث وثمانين للهجرة «وتلك الأيام نداولها بين الناس»:

لكل شيء إذا ما تم نقصان.......فلا يغر بطيب العيش إنسان

وبعد هذه النهاية المحزنة انتقل المؤلف إلى القسم الثاني من الدراسة وهو الديوان، وقدم بين يدي الديوان بمقدمة، وأعقب ذلك بسرد أبيات الشعر، وقد بذل جهداً وافراً حيث كان يذكر البحر الشعري للأبيات ثم يسوقها ويتبع ذلك بذكر مناسبتها ويخرجها من مظانها الأصلية، ويشرح غامض ألفاظها وختم كتابه بعرض شاسع واسع مبهج للمراجع والمصادر التي خدمت البحث وقد رتبت على حروف المعجم ثم ثلاثة فهارس مهمة: الأول: فهرس أسماء الأعلام، والثاني: فهرس الأمم والقبائل، والثالث: فهرس المواضع.
والقارئ في هذا الكتاب يرى النفس البحثي الطويل والذي ظهر واضحاً في مواضع منها تحديد سنة ميلاد الشاعر، وتتبع الفجوات الكبيرة من شعر الأعشى والتي من شأنها الوقوف عثرة في سبيل تسلسل الأفكار، واستنتاج النتائج وقوة الحدث والتخمين أي فراسته القوية في تفسير كثير من الأمور ومن أمثلة هذه الناحية مرثية الأعشى في التوابين، انتقاله من المقدمة الغزلية إلى موضوعه بشكل سريع، ويتفرس المؤلف في سبب هذه النقلة السريعة فيقول:وحتى لا تبدو المقدمة كأنها شيء لا صلة بينه وبين رثائه للتوابين عمد إلى ربط المقدمة بالموضوع على نحو أراه وُفِّق فيه إذ جعل سداه عدم النسيان لا لهؤلاء الأحبة «من المعصرات الكواعب»، اللائي شغفن فؤاده، ولا لهؤلاء التوابين الذي اشتغل بذكرهم عمن سواهم لفداحة مصابه في مقتلهم ومقتل زعيمهم الخزاعي، يقول:
وأني لم أنسهن لذاكر........رزيئة مخبات كريم المناصب
ثم سياق أحداث التاريخ من مصادر التاريخ الأصلية فيرتب أحداثها ويعنى بتواريخها الزمنية، ويصوغها بأسلوبه الرصين يصياغة صائغ متوقد الذهن حريص على إشراك نفسه في الأحداث كما مر بي في تعقيبه على جواب محمد بن الحنيفة حين سأله الناس عن تفويضه للمختار بن أبي عبيد الثقفي والتأكد من صدق دعوته في الأخذ بثارات أهل البيت، ويقول المؤلف الفاضل يحفظه الله «ولكن ابن الحنيفة كان اكثر حذراً منهم، فلم يعطهم جواباً قاطعاً صريحاً، وإنما قال: «فوالله لوددت أن الله انتصر لنا من عدونا بمن شاء من خلقه».ومن خلال استعراض قصائد الديوان كان المؤلف يذكر بحر القصائد الشعري وقد كثر في قصيد الشاعر البحر الطويل وهو البحر الذي يستخدمه الشاعر العربي حينما يريد أن يقول قولاً مهيباً، ويوظفه الشعراء في جلائل الأمور ومهمات الخطوب، وقد قرأت الديوان واستمتعت بقوله وقيله وقليله وكثيره وجده وهزله وعبثه وعقله ومن حكمة الشاعر وقناعته قوله:

قالت تعاتبني عرسي وتسألني......أين الدراهم عنا والدنانير
فقلت أنفقتها والله يخلفها......والدهرُ ذو مرة عسرُ وميسورُ
إن يرزق الله أعدائي فقد رزقت......من قبلهم في مراعيها الخنازيرُ
قالت: فرزقك رزق غير متسع ......وما لديك من الخيرات قطميرُ
وقد رضيت بأن تحيا على رمق......يوماً فيوماً كما تحيا العصافيرُ