#1  
قديم 20-03-2001, 10:44 PM
أبو بسام's Avatar
أبو بسام أبو بسام غير موجود
فارس عربيات
 
تاريخ الإنضمام: May 2000
المكان: سبت العلاية - عسير
الردود: 5,676
الرصيد:: 0
Post ماذا تعرف عن هؤلاء ؟ (24) ... أحمد أبو دهمان

<FONT COLOR="Green">اليوم .. أبودهمان يتحدث عن تجربته الروائية الأولى في مكتبة الملك فهد الوطنية</FONT c>
* في إطار التعاون والتنسيق بين مكتبة الملك فهد الوطنية والسفارة الفرنسية بالرياض تستضيف مكتبة الملك فهد الوطنية الأديب السعودي أحمد أبودهمان في محاضرة يلقيها بعنوان (كاتب سعودي في باريس) وذلك في الثامنة والنصف من مساء هذا اليوم، وسيتولى الدكتور معجب الزهراني تقديم المحاضرة التي سيتحدث أبودهمان من خلالها عن تجربته الروائية الأولى ممثلة في (الحزام) الصادرة عن دار غاليمار الفرنسية في ابريل 2000م حيث بنى الكاتب نصاً عن حياته الذاتية ببساطة وعمق حكى من خلالها طفولته التي عاشها في قرية آل خلف حيث أخذت العادات والتقاليد والأغاني الشعبية حيزاً كبيراً منها ليكتشف القارئ في النهاية أن الحزام هو اسم حكيم القبيلة الذي يمثل الرابط بين العالم التقليدي والحداثة. حظي أبودهمان باهتمام الصحافة الفرنسية كاللموند وليبيرسيون ووسائل الإعلام الأخرى من إذاعة وتلفزيون فخصصت له برامج على القناة الخامسة وفي راديو فرانس كولتور (راديو فرنسا للثقافة) ويعد أبودهمان أول كاتب باللغة الفرنسية من الجزيرة العربية وقد أصبح ذا صيت ذائع بين الأوساط الثقافية والفكرية الفرنسية لما لاقته روايته من اقبال شديد. حيث بيع منها حتى الآن أكثر من عشرة آلاف نسخة وسيتم طباعتها مجدداً من قبل غاليمار في طبعة ذات حجم صغير ستضمن لها نجاحات أوسع خاصة بين الشباب تضاف إلى رصيد الطبعات الثماني السابقة، وتجيء دعوة أبودهمان لتقديم هذه المحاضرة تحقيقاً لرغبة كثير من المثقفين والأدباء ممن لم تمكنهم لغة الرواية من قراءتها للاستماع منه مباشرة وطرحا لبعض التساؤلات والمداخلات وسيقوم أبودهمان عقب المحاضرة بتوقيع كتابه للراغبين في الشراء والدعوة عامة للجميع

<FONT COLOR="Green">حول رواية الحزام</FONT c>

في مقدمة "الحزام" اشار احمد ابودهمان الى انه اول كاتب من الجزيرة العربية ينجز نصاً ابداعياً بالفرنسية. هذه المعلومة حقيقة دالة على امرين مهمين راهناً ومستقبلاً. الاول منهما ان اللغة الفرنسية يمكن ان تجتذب المزيد من المبدعين من مختلف البلدان باستمرار، وبالاخص من المشرق العربي حيث كانت الى فترة قريبة اللغة الأوروبية الاكثر ارتباطاً بالثقافة والمثقفين. الامر الثاني ان الاجيال الجديدة من هذا الفضاء الحضاري العريق يمكن ان تتجه الى المزيد من المغامرات الخلاقة لهذه اللغة الجذابة التي تضمن لهم ولغيرهم حضوراً قوياً في المشهد الثقافي الكوني الراهن والقادم. لقد صدرت رواية "الحزام" في نهاية عام 99، عن دار جاليمار، وهي الآن في طبعتها الثامنة ما يدل على الاهمية القصوى والحاجة الملحة للحوار البناء فيما بين الكتاب واللغات والثقافات والشعوب في عصر "العولمة" او "القرية الكونية".

فالرواية تحكي بلغة شعرية آسرة حياة الناس البسطاء في قرية من اقاصي الجنوب سريعاً ما تحولت الى "قرية كونية" بفضل تلك اللغة التي تحتفل بالانسان فيما وراء كل الحدود الفاصلة والهويات الضيقة او "القاتلة".

إن علاقة ابودهمان بالارض والبشر هي علاقة محبة شفافة وعميقة، ولا غرابة إذن ان يجد كل قارئ حزامه الخاص في هذا النص المتميز بكل المعاني.

إننا جميعاً "هنا" و "هناك"، لابد أن نتعلق بحزام ما، وبالاخص حينما تأخذنا مغامرة البحث والترحل خلف الاحلام الى الاقاصي حيث يكون للحياة والكتابة والقراءة معنى آخر يختزل ويكثف اجمل ما في الاختلافات من معاني.
<FONT COLOR="Green">مقاطع من رواية "الحزام"</FONT c>
<FONT COLOR="red">ترجمة الدكتور /معجب الزهراني</FONT c>

* "يا رب سترك" .. هذا هو الدعاء الذي يكرره أهل القرية صباحاً ومساء، فيما عدا الحكيم حزام الذي كان هو ذاته السر الأكبر .. لغز القرية الحقيقي. كان يرفع رأسه نحو السماء كغيره، لكنه يظل صامتاً. الجميع يعرف ان فمه مملوء دائماً بالزبيب أو التمر.
ما ان رأني ذات يوم أردد الدعاء نفسه كالآخرين حتى حثا في وجهي التراب لم أفعل حياله شيئاً. كل من في القرية يدرك أن حزام على حق دائماً "لا ينبغي عليك أن تردد ببلاهة ما يقوله الآخرون، انهم بشر عابرون يعيشون يومهم ليومهم لا يهتمون بمصير القرية، بل انهم لا يعرفونها حق المعرفة. إن هذا الدعاء كالعقد الذي يلزمنا بأن نعيش غدنا كما ينبغي وأن نترك أثراً يبقى في الأرض ولو بتقبيل شجرة. لقد بنى اسلافنا القرية هكذا. كل حجر، وكل ورقة، كل بئر، كل قصيدة، كل خطوة، لا بد أن تحمل الحياة والحب، الأمل والعذاب، الانكسارات والانتصارات بهؤلاء الناس الذين يحتفلون كل صباح بالقرية كما لو أنهم لن يعيشوا فيها اكثر من يوم واحد.. لقد مضت وانقضت تلك الأزمنة السعيدة ويا للأسى والأسف. أنا الآن الوحيد الذي يحفظ روح القرية. قريباً سأموت وعليك أن تحل في مقامي هذا
لم يترك حزام امامي أي اختيار. ولكي يمتحني طلب مني في الحال أن ألمس السماء، أن أثير عاطفة بنظراتي، وأن أتحول كلي إلى صلاة، لقد طلب مني ما رأيته وشعرت به وتعلمته منذ الولادة، وقبل أن أعرف إن بنتاً أم ولداً. ياما زرعت المساء زهوراً وكم شعرت بالعواصف تثور في رأسي.. لقد تحولت إلى صخرة ولمرة الأولى رغبت ان اكون كل الغيوم.
عرف حزام انني مرتبك الآن فطلب مني ان أري خنجري.
سأريك إياه في الوقت المناسب.
هذا هو الوقت الأنسب.
أرنيه وسأقول لك في الحال إن كنت ولداً أم بنتاً.
بالنظر إلى خنجري
نعم .. من هو الرجل إن لم خنجره إن كلماته، ونظراته، حركاته، وحتى غفواته تشبه خنجره. خنجر الرجل هو لُبّه، وأقوى دليل على هذا ان النساء لا يؤاخذن على ما نؤاخذ عليه.
حاول حزام أن يحلق ساقه بخنجري دون جدوى. حذف به على الصخرة فانكسر النصل. شعرت بالاهانة.. بأنني أنا الذي كُسرت. أدركت ان حزام ندم على فعلته ولذا اقترب مني كمن يريد مواساتي: "إسمع يا بني .. لقد خلق الله الرجل على هيئة الخنجر، قادراً على أن يقطع كل شيء وفي أي وقت إنه الخنجر الذي يدل على الرجل سأكون الخنجر الذي تحلم به يا حزام.
فيما كانت النساء والفتيات يرقصن، كانت "قوس قزحي" تنظر إليَّ من لحظة لأخرى .. هي التي سمتني "سماء" رأيتها تمسح بعض الدموع وهي في عز الرقص، لا شك أنها تبكي لفراق أختي التي ستغادر صباح غد مع أمي إلى بيتها الجديد. لقد جرت العادة أن تمضي الأم ثلاثة أيام مع ابنتها العروس لتساعدها على حياتها الجديدة. في لحظة خروج العروس رأيت "قوس قزحي" تعطي أمي صرة من المال لا شك أنها هدية للعروس.
خلال الأيام الثلاثة التي غابت فيها أمي عن البيت لم اتمكن من رؤية تلك التي لم تغادر ذهني والتي كانت اشم عطرها في كل ركن من أركان البيت "قوس قزحك في مكان آخر" قال لي أبي دونما أي ايضاح. عندما عادت أمي قدمت لي نفس الصرة التي حسبت أنها هدية لأختي. احتضنتها كما لو أنها هي ذاتها "قوس قزحي" امتلأت بهجة لا حدود لها، لا شيء في تلك اللحظة ولا الشعر ولا المطر ولا الحياة ذاتها كان أجمل وأبهى من هذه الهدية.
الغريب أن والديَّ اللذين عادة ما يشاركاني فرحي وحزني بدواي في مكان آخر .. بل لقد كان كل منهما يتهرب من نظراتي.. شعرت بفراغ هائل داخلي طلبت أمي مني أن أفك الصرة فيما خرج أبي دون أن يقول شيئاً. كان يكفي أن أشمها.. أن أضمها إلى حزامي لتبقى طوال حياتي دون أن أعلم شيئاً عما بداخلها لكن أمي أصرت.
ماذا وجدت .. خصلة شعر وعطر فاح من الصرة بمجرد فتحها قالت أمي في الحال.. كما ترى.. هذا هو لك منها .. أما الباقي فلم يعد لك.. لقد خطبت البنت".
أتذكر الآن أن أمي حاولت أن تكلمني.. أن تهديء من جنوني.. أن تشاركني حزني لكني لم أكن أسمع شيئاً أو أشعر بشيء كنت في البيت لكن ذهني كان شارداً خارجه.. أحدق في الوادي المقابل حيث بدا كل شيء ميتاً فارغاً.. حتى النار التي في الوجار كانت هامدة باردة.
لم أعد أتذكر إن كنت قد ذهبت لرؤية حزام أو أنه هو الذي جاء يبحث عني لقد كان يعرف كل شيء لكنه ظل مبتسماً أمامي. صفعته، أخذني بين ذراعيه ولم يتركني للحظة.. ولو ليجفف دموعه.
أوه حزام أوه قريتي لقد غابت الشمس وأبي يؤذن وهو يبكي، اختفت القرية ولم يعد لي من أحد غير حزامي الذي قادني إلى الصخرة الكبيرة .. الصخرة التي نسميها "الذاكرة" كانت الصخرة الوحيدة التي تتوجها نبتة يسقيها حزام كل مساء.. هناك فحسب كانت النساء وكان الشعراء يدفنون آلامهم.
قال حزام: "لقد رأيت قوس قزحك مساء البارحة هنا .. هي التي سقت هذه النبتة بدلاً مني والآن جاء دورك لتفعل نفس الشيء وتدفن هذه الصرة هنا إلى الأبد
أمي وأبي وأم قوس قزحي لحقوا بنا .. كانت احدى يدي حزام على رأسي والثانية على الصخرة. الصخرة الذاكرة. لم أر الشمس تشرق من بعد.
لقد تزوجت قوس قزحي حقاً، لكني كنت قد غادرت القرية من قبل هذا، ومعي ذلك السر الذي لن أبوح به لغير صورة أب
الرد مع اقتباس
  #2  
قديم 24-03-2001, 07:43 PM
أبو بسام's Avatar
أبو بسام أبو بسام غير موجود
فارس عربيات
 
تاريخ الإنضمام: May 2000
المكان: سبت العلاية - عسير
الردود: 5,676
الرصيد:: 0
Post

في اطار التعاون والتنسيق بين مكتبة الملك فهد الوطنية والسفارة الفرنسية بالرياض استضافت المكتبة الاديب السعودي احمد ابو دهمان في محاضرة ألقاها وكانت بعنوان «كاتب سعودي في باريس» وذلك في مساء يوم الاثنين 25/12/1421ه الموافق 20/3/2001م وكان قد تولى تقديمها الدكتور معجب الزهراني الذي اخذ يرحب ب«الحزام» الانتاج الفكري لأبو دهمان الذي صدر في باريس قبل عام الذي لاقى احتفالا مفاجئا وسعيدا لم يتوقعه الكثيرون وكان الدكتور معجب قد كتب دراسات نقدية عن ذلك النص الذي وصمه بالنص الجميل وكان قد ألقى محاضرة نقدية في نادي أبها الثقافي عن هذا الكتاب.
وبدأ احمد ابو دهمان يقص في البدء عن حكاية حلمه وكان حلمه قد تحقق من خلال هذا اللقاء وحققته السفارة الفرنسية بدعوة للمشاركة في الأنشطة الفرانكفورتية الذي يعده تشريفا له وتشريفاً للمملكة خصوصا عندما يلتقي في هذه المحاضرة بالجمهور الذين يعدهم من جملة اهله واحبابه ويقول: «عندما ألتقي بأهلي فإنني لا اكتب وانما اتحدث إليهم مباشرة وحيّا ابو دهمان في تلك الليلة والده الذي بذل كل شيء وقال ان لي آباء كثيرين منهم الاستاذ عبدالكريم أبو جهيمان كما أحيي أساتذتي بجامعة الملك سعود وادين لهم بالفضل، الذين اعدهم بحق آبائي وقد اشدت فيهم بقصيدة نشرت في جريدة الرياض بعنوان «أبجدية الفرح»..
وقال ان روايته «الحزام» ابتدأت من هنا وتشكلت روحي في هذه البلاد وتشكلت شعريا من هنا وتشكلت معرفيا من باريس وكانت هذه القصيدة «أبجدية الفرح» تمثل بالنسبة لي لحظة من لحظات الموت، واكتشفت انه لا خيار أمامي إلا الكتابة لانه لا حياة إلا بالكتابة، ودعت ابنتي ذات صباح وهي ذاهبة الى المدرسة فقالت بالله سترتك فرجعت الى مكتبي وابتدأت الحزام ، ابتدأت الحزام بعد عشرين سنة من البحث من بحث تاريخ هذه البلاد تاريخها الثقافي، تاريخها الديني، تاريخها السياسي وان كانت سبقتني الى ذلك دراسات جادة ككتابات الدكتور عبدالله بن صالح العثيمين والدكتور محمد آل زلفة وكان علي ان اصيغ تاريخ هذه البلاد شعراً، لان البلاد التي اؤمن بانها اطول قصيدة في تاريخ البشرية ولا يمكن ان يكتب تلك القصيدة إلا احد ابنائها وفعلا انجزت هذا النص رواية الحزام في سبعة اشهر وكنت خلال تلك الفترة احدث ابنتي خلال اصطحابها من المدرسة الى البيت في الساعة الرابعة عن احداث تلك الرواية وكنت اقرأ لها ما كتبت كما افعل ذلك الشيء مع والدتها عندما تعود في المساء الساعة السابعة والنصف كنا نجتمع واقرأ عليهم ما كتبت من احداث الرواية، بعد سبعة اشهر من كتابة النص بكيت كما ابكي في حياتي وضحكت كما لم اضحك من قبل في حياتي.
حينما بدأت قلت لزوجتي لم اعثر على اسم لحكيم القرية وعندما انتهيت من هذا النص، تبلغت في مكالمة هاتفية من القرية بموت ذلك الرجل العجوز الذي كان يشكل بالنسبة لي كل الآباء وعشنا في مأتم وحزن حتى الآن.
ورواية «الحزام» تعني اسم حكيم القرية او القبيلة ، صدرت رواية «الحزام» وعرضتها على بعض الاصدقاء المقربين جدا، وكنت على يقين ان هذا النص، ولكي اكتب نصاً يجب علي ان اكتب نصاً مختلفاً عن السائد كما افعل عادة عندما اكتب قصيدة، وتقص الرواية احداث طفولة المؤلف التي عاشها في قرية آل خلف حيث اخذت العادات والتقاليد والاغاني الشعبية حيزا منها، صدرت رواية «الحزام» وعرضتها على بعض الاصدقاء المقربين جدا ودعوني الى نشر العمل وكنت على يقين ان هذا النص، ولكي اكتب نصا يجب علي ان اكتب نصا مختلفا عن السائد كما افعل عادة عندما اكتب قصيدة.
اما عن الرسالة التي كان يريد توجيهها المؤلف للفرنسيين حينما كتب روايته باللغة الفرنسية فيقول : «لكني كنت اريد ان اقول للفرنسيين من كتابتي للرواية «الحزام» ان هناك وجهاً مضيئا للبلاد وفوجئت بردود الاستجابات لهذا العمل الادبي ووصلني عقد من دار غاليمار الفرنسية يوازي اجور الكتاب الكبار والذين يوازنون في الحصول على جائزة نوبل في يوم 23 مارس عام 2000م صدرت الرواية وحظيت باهتمام الصحافة الفرنسية كاللموند وليبيرسيون ووسائل الاعلام الفرنسية من اذاعة وتلفزيون فخصصت له برامج على القناة الخامسة وفي راديو فرانس كولنور )راديو فرنسا للثقافة( ويعد ابو دهمان اول كاتب باللغة الفرنسية من الجزيرة العربية وقد اصبح ذا صيت ذائع بين الاوساط الثقافية والفكرية الفرنسية لما لاقته روايته من اقبال شديد. حيث بيع منها حتى الآن اكثر من عشرة آلاف نسخة وسيتم طباعتها مجدداً من قبل دار غاليمار في طبعة ذات حجم صغير ستضمن لها نجاحات اوسع خاصة بين الشباب علما بانه قد صدرت من الرواية خلال سنة واحدة ثماني طبعات كما انني قد وقعت عقوداً للترجمة الى الالمانية والانجليزية والعربية وآخر العقود التي قمت بتوقيعها هي ترجمة النص الى اللغة الهولندية فما زال يبدو امام رواية «الحزام» لغات اخرى وقراء آخرون.
المداخلات
د. عبدالله الغذامي : الحقيقة اننا كنا بحاجة الى ان نكرم احمد ابو دهمان، وان نقدم له التحية ، ان نقدم له التقدير، وهو يمثل رمزاً ويعد احد الرموز التي تمثل الانجازات لهذه البلاد، والانجاز الفعلي لاي بلد من البلاد هو خطاب المحبة، الذي يمكن ان ينقله اي رمز من رموز إلى اي بقعة من بقاع العالم، ولا شك ان الاصوات العربية التي تتحدث في بقع غير عربية هي اقوى بكثير من الاصوات العربية المتحدثة في اوطانها نفسها كتجربة جبران خليل جبران، ادوارد سعيد، في المنجزات الادبية، د. احمد زويل في المنجزات العلمية الى غيرها من الاصوات التي تذهب الى الغرب وتكتسب المعرفة والثقافة وتثبت وجودها بتحد في تلك البيئات.
الدكتور محمد آل زلفة اشاد في مداخلته بان جميع الادباء وقفوا الى جانب احمد ابو دهمان خصوصا بعدما اشتهرت روايته «الحزام» في الاوساط الفرنسية.. كما ان تلك الرواية صوّرت القرية بكل صدق الحياة الفطرية والطبيعة التي يعيشها القرويون.
واشار الدكتور محمد في مداخلته ان المحاضر تحدث كثيرا عن البكاء وليس هذا عجبا اذ ان القرويين يميلون بحنين الى قراهم الذي شاء القدر ان تتحول تلك القرية «الحزام».. بفضل ذلك النص الى قرية كونية علمية ويحتفي بها من وراء البحار.
يحيى ابو راعي احد ابناء قرية «الحزام» اخذ يحيي المحاضر بتقدير وشكر وتساءل لماذا ابو دهمان لم يغرد إلا خارج السرب ومن هو السبب هو هل الاهل ام شخصية احمد ام الاثنان معا.. الا ان المحاضر لم يجب اجابة واضحة.
اشار الاستاذ عبدالعزيز الصقعبي على المحاضر عندما يقوم بترجمة نصه من الفرنسية الى العربية ألا يكتب على الغلاف ترجمة ولكن يكتب بدلا من ذلك نصا متوازيا كما فعل الكاتب الموريتاني موسى ابو اده في روايته.
الاستاذ حسين المناصرة اشار على المحاضر من خلال وجهته النقدية ألا ينشر العمل باللغة العربية لانه سوف يفقد توهجه واصالته بلغته الاصلية.. وقال انني افضل ان تبتعد عن هذا النص وألا يقوم المحاضر الكريم بترجمته بل يُكلف بهذه المهمة آخرون كالدكتور معجب الزهراني مثلا.
جزم الدكتور محمد البقاعي بان عمل ابو دهمان لو كتب باللغة العربية اصلا لما حصل على الاحتفاء والشهرة والصيت كما حصل عليها في الاوساط الثقافية الفرنسية.
الدكتور محمد العوين تساءل عن مصير رواية «الحزام» اثناء طباعتها باللغة العربية وهل سيكون مصيرها مثل روايات تركي الحمد وغازي القصيبي نقرأها مهرَّبة فاجاب المحاضر بانه يحلم بان تدخل روايته «الحزام» الى القرى الى كل قرية وتمنى ايضا ان تجد روايات تركي الحمد وغازي القصيبي وكل المبدعين فرصتها في داخل الوطن.
لقطات
«الحزام» اول عمل سعودي مكتوب باللغة الفرنسية يحتل موقع الصدارة في قائمة مبيعات الكتب في فرنسا طوال اسابيع.
تحدث ابو دهمان عن قريته التي تسير حياتها على ايقاع الشعر والغناء، فجميع افراد القرية يغنون.. انهم يغنون للحياة من لحظة الميلاد )الطفولة( وحتى الموت.
قريباً ، سوف تصدر ترجمة عربية بقلم المؤلف نفسه عن دار الساقي.
الرد مع اقتباس
  #3  
قديم 01-04-2001, 08:21 PM
أبو بسام's Avatar
أبو بسام أبو بسام غير موجود
فارس عربيات
 
تاريخ الإنضمام: May 2000
المكان: سبت العلاية - عسير
الردود: 5,676
الرصيد:: 0
Post


* ولد أحمد أبو دهمان منذ خمسين سنة في قرية الخلف، في قبيلة قحطان، في منطقة عسير، حيث "لا تنزل المطر بل تصعد"، حسب ما يروي المؤلف في كتابه.
* زاول الكاتب دراسته الابتدائية في القرية والثانوية في مدينة أبها.
* ثم دخل إلى معهد تدريب المعلمين في الرياض وعاد ثانية إلى قريته حيث درس لمدة ثلاث سنوات.
* واصل تعليمه الجامعي لمدة خمس سنوات في جامعة الملك سعود بالرياض، حيث حصل سنة 1979م على منحة مكنته من مواصلة دراسته الجامعية في السربون.
* يمتد نشاط الكاتب حالياً بين الكتابة والعمل الصحفي، وهو مراسل جريدة الرياض منذ 1982م.
* يمثل "الحزام" الذي تم طبعه في مؤسسة "جاليمار" في أبريل 2000م أول قصة لهذا الكاتب. فحول عناصر شعرية وخرافية ("أتيت من عالم يجسد فيه الشعر العربي قاعدة الثقافة"، بنى الكاتب نصاً عن حياته الذاتية، بسيطة وعميقة، تحيي من جديد طفولته، وعادات ومعتقدات وأغاني ودعوات قبيلته. وفي نهاية الكتاب، نكتشف أن الحزام هو أيضاً اسم شيخ القبيلة الذي يمثل الرابط بين العالم التقليدي والحداثة.
* عقب نشر الحزام، تمت دعوة أحمد أبو دهمان لعدة برامج تلفزيونية، نذكر منها "حقوق الكتاب" على القناة الخامسة، في "راديو فرانس كولتير". كما ساهم في العديد من المحاضرات في المؤسسات التعليمية. وخصصت كل الصحف.
* شارك أخيراً في الأيام الفرانكفونية التاسعة في الرياض وألقى فيها خطاباً في سفارة فرنسا.. ومحاضرة باللغة العربية حول موضوع "كاتب سعودي في باريس" في مكتبة الملك فهد الوطنية.
<FONT COLOR="Green">الحوار الذي اجري معه في جريدة الوطن </FONT c>
---------------
حظي الكاتب أحمد أبو دهمان باهتمام الصحافة الفرنسية كالليموند وليبراسيون وغيرها بعد صدور روايته: "الحزام" بالفرنسية وصدر منها 7 طبعات. ويعد أبودهمان أو لكاتب باللغة الفرنسية من الجزيرة العربية. وقد حضر أبودهمان اللقاء الفرانكفوني بالرياض الأسبوع المنصرم.. وتحدث عن تجربته مع الحزام, وقد خص "الوطن" بهذا الحوار الذي يتحدث فيه عن مشواره مع الكتابة, وعن الغربة والبيئة الجبلية التي طافت بها روايته.


** بعد عودتك إلى حضن القرية التي عشقتها منذ طفولتك.. وسطرت عنها بحروف قلمك في الغربة.. فهل كان للغربة تأثير مباشر لظهور رواية "الحزام"..
الغربة لم أعشها أبداً حتى في باريس وأحياناً ربما تكون باريس أقل غربة في الإحساس بهذا الشعور من مناطق أخرى لأنها عاصمة عالمية.. يجد الإنسان العربي فيها كل الثقافات وبالتالي تتضاءل مسألة الشعور بالغربة.. فالغربة هي أن يعيش الإنسان وحيدا حتى لو كان في بلده فهو في عزلة.. وأرى أن الغربة هي أن لا يشعر الإنسان بتحكم ذاته وقد تكون قطيعة الأهل والأقارب هي الغربة وهذا لم أعشه ولا أفكر فيه.
أيضاً الغربة قد تكون بقرار الهجرة من الموطن إلى مكان آخر وعندما عشت في باريس شعرت كأنني أعيش داخل وطني ووسط قريتي فكانت مجمل قراءاتي وأبحاثي منصبة على التعرف على تاريخ بلدي أكثر.
ويضيف:
وما أعنيه هنا أنني في باريس تمكنت من كتابة خصائص قريتي وما يدور في خاطري ولا أعتقد أنني كنت سأكتبها لو كنت وقتها أعيش في قريتي.. كان يجب أن أبتعد عنها قليلاً لكي أراها أكثر وبصورة أفضل وهذا يعني أنني لم أغادر قريتي إلا بجسدي فقط وظل عقلي ووجداني فيها.

** لماذا أطلقتم اسم " الحزام " علي روايتك..
أول ما مس جسدي منذ الطفولة هو " الحزام " بعد لمسات أصابع والدتي علي جسدي الصغير فالحزام لف حول جسدي وهو في القرية تجسيد لرجولة الرجل وجمال المرأة وهو أول ما نراه في القرى لذا كان سبب اختياري لاسم الحزام بالإضافة إلى بطل العمل أصبح حزاماً وبالتالي تشكل العمل حول عدد من الأحزمة.. فالقرية محاطة بمجموعة من الجبال التي تشكل ما يشبه الحزام حول الخاصرة وهو يحمل دلالات اجتماعية لكل من الرجل والمرأة.

** كيف وجدت أجواء الكتابة عن البيئة الجبلية في باريس..
من السهل علي إنسان مثلي أن يكتب عن الجبال لأني عشت مخابئها وكرعاة كنا نغني ونسمع أصواتنا تصدر من جبل لآخر وكنا نعتقد أن كل جبل مسكون بأناس لا نراهم وهم يروننا ويرددون أناشيدنا مما يدفعنا للغناء أكثر والبحث عن ترديد أصواتنا.. بالإضافة إلى ما في الجبال من أشجار ونباتات طبيعية وما تمنحه تلك النباتات من غذاء العسل وأدوية وروائح.. كل هذه العوامل الطبيعية الخلابة جعلت من السهل الكتابة عن نص الجبال...


** ألا ترى أن عدم ترجمة الرواية إلى اللغة العربية سيؤثر على متابعتها أو قراءتها لدى المجتمع العربي والخليجي بصفة عامة والسعودي بصفة خاصة..
الرواية تمت ترجمتها للعربية وهي على وشك الإصدار خلال أيام.

** هل معنى هذا أن إنتاجك الأدبي مستقبلاً سيكون بالفرنسية..
هذا لا يعني أن لا أكتب بالعربية لكن الكتابة بالفرنسية انطلاقاً من نجاح رواية "الحزام" تحولت إلى متعة ومحنة في الوقت نفسه.. لأن الكاتب هناك يضمن شروط حياة كريمة ومن خلال كتاباتي بالفرنسية تتحقق لي هذه الشروط إلى حد كبير وبالتالي هذا ما أبحث عنه..


** جسدت ملامح البيئة الجبلية في روايتك.. هل أردت تصوير الواقع الذي عشته في طفولتك لدى قراء فرنسا..
إن كان القراء في فرنسا بحاجة إلي التعرف بصورة واضحة عن المملكة غير الصورة المطبوعة في أذهانهم.. وكنت على يقين بأن بلادي تعتبر قصيدة شعرية فكتبت فيها قصيدة بالفرنسية لأري القراء الوجه الأكثر جمالاً لبلادنا وتحقق هذا بالفعل.
والحمد لله لمست مدى تقبلهم وتجاوبهم معي بسرعة كبيرة بدءاً من أسرتي الصغيرة إلي من يحيط بي.


** ما علاقة هذه الرواية بما يسمى بالأدب (الفرانك فونى)..
عمل كتب بالفرنسية يضاف إلى مضمون الفرانك فوني مباشرة ومع ذلك الفرانك فونية لا تعني الفرنسية أو شمال أفريقيا.. بل تعني جانبا من جوانب إنتاج الإنسان ويمكن أن تكون الفرانك فونية عربية كما حدث معي أو مع الكثير من الكتاب من مصر وشمال أفريقيا الذين ينقلون ثقافاتهم وحضاراتهم.
فمن خلال الأدب الفرانك فوني سواء كان عربي يمكن أن يجسد ما يدور في خاطره لأن أهداف الأدب الفرانك فوني تؤمن بتعدد الأهداف ويسعى لتوثيقه ضمن احترام كل الثقافات التي تقوم عليها فليس هناك سيادة للأدب الفرنسي على غيره.

** هل تعود شعبية الرواية لغرابة الأجواء عن القارئ الفرنسي.
ربما يشكل هذا جانباً.. لكن الذي دفع الناس لقراءتها هو أن العمل عمل حميمي جداً وعائلي كل عائلة وجدت جزءاً منها في مضمون هذه الرواية.. بالإضافة إلى النصوص الشعرية التي عززت المعاني.


** ما أبرز التعليقات من النقاد على الرواية والتي أثلجت صدرك..
ما اكتشفته أنه ليس النقاد من علق على الرواية بل كانت هناك تعليقات من القراء فاقت انطباعاتهم وتعليقاتهم عن كثير من النقاد.. على سبيل المثال: قارئ فرنسي معروف هناك قال: "إذا كانت كل الكتب التي قرأتها شكلت ذاكرتي فإن الحزام يشكل ذاكرتي العقلية".
وقارئة من المغرب العربي قالت: "هذه ذاكرتنا رُدت إلينا".. بالإضافة إلي ناقد فرنسي شهير اسمه (فونتا ليس) أهدى لي كتابه قائلاً: إلى أحمد أبو دهمان الذي جعلني أؤمن أن الكلمات الآتية من بلاده تحمل العالم وتعيد صياغته والكثير من الآراء والانطباعات لن تكفي المساحة لسردها.


** هل كان لزوجتك تأثير نفسي في تدفق المشاعر الأدبية في ولادة روايتك الأولى..
قبل أن أغادر المنطقة كنت معروفاً إلى حد ما كشاعر.. ولكن هذا لا يمنع ولا يخفي دور زوجتي في دفعي للكتابة فكانت تحثني وتشجعني دائماً على الكتابة كلما رأتني حزيناً بائساً وكما هو معروف أن طبيعة الشاعر الانفراد بمفرده في بعض الأحيان للتفكير في عمل جديد.. كانت في هذه الأوقات تساعدني في الخروج من هذه الحالة بدفعي للكتابة والشعور بالاستقرار.

** هل عايشت معك تطورات ولادة الرواية منذ بدايتها حتى ظهورها للقراء..
زوجتي تعتبر أولى القارئات هي وابنتي منذ بدء الكتابة وحتى صدورها كانت معي خطوة بخطوة حتى المعاني التي تعد صعبة عليها استطاعت أن تفهمها لأنها زارت معي عائلتي في القرية وجلسنا عشرين يوماً واندمجت معهم وسعدت بالجو القروي..

** هل تتوقع تقبل القارئاً العربي لرواية الحزام بنفس الدرجة كما تقبلها القارئ الفرنسي..
القارئ الفرنسي يعتبر قارئ تشكل منذ مئات السنين وهو عارف وملم بالثقافات.. والحزام بحاجة إلى قارئ عارف وما لم يكن القارئ مسلحاً بجهاز معرفي من الصعب عليه أن يصل إلى جوانب كثيرة من النص وأحياناً يصل القارئ إلى أشياء لم يعنها الكاتب.. وإنني متفائل جداً أن تجد روايتي القبول لدى القراء العرب.

** عملتم بالصحافة ومازلتم هل بلاط الصحافة عزز الرغبة في الإنتاج الأدبي أكثر..
الصحافة والأدب مجالاين قريبين من بعضهما البعض ولا أعتقد أن هناك صحفيا ناجحا إلا وكان مبدعا ومثقفا ولا يمكن أن ينهض الصحفي وراء الحدث والاكتفاء بنقله دون معرفة ما وراء الحدث بكل مسبباته.

** ماذا في جعبة الكاتب أبو دهمان من نتاج أدبي جديد..
في جعبتي الآن أكثر من حزام ولديهم في دار (جال يمار) للنشر الآن مجموعة قصصية للأطفال ستصدر قريباً كتبتها لابنتي عندما كانت في السابعة من عمرها والآن بلغت الثالثة عشرة.. بالإضافة إلي ديوان شعر سيتم تسليمه لدار النشر قريباً وبعض القصائد العربية والفرنسية ومجموعة أعمال روائية.

الرد مع اقتباس
  #4  
قديم 22-05-2001, 02:44 PM
أبو بسام's Avatar
أبو بسام أبو بسام غير موجود
فارس عربيات
 
تاريخ الإنضمام: May 2000
المكان: سبت العلاية - عسير
الردود: 5,676
الرصيد:: 0
Post

في مطلع الثمانينات، وصل الكاتب السعودي أحمد أبو دهمان الى باريس لمواصلة دراسته العالية، ولم يبرحها بعد ذلك. جاء حاملاً في جعبته عدداً من القصائد المكتوبة بالفصحى وبالعامية، كانت أثارت حماسة النقاد والأدباء وحظيت باعجاب جمهور
احمد ابو دهمان

الشعر في بلده. أنجز أبو دهمان دراسة هامة منتظرة الصدور عن القصة القصيرة في العربية السعودية رجع فيها الى دراسة كامل تاريخ المنطقة ومكوناتها الثقافية والشعورية. هكذا تمتزج في اعداده كباحث روافد النقد الأدبي والتاريخ وانثروبولوجية الذهنيات. غير ان الشاعر الذي يسكن أحمد لم يتراجع أمام "هجمة" الباحث و"هوس" المؤرخ النبيل الذي دفعه الى اعادة اختبار الحقائق ومراجعة المسلمات. بقي الشاعر ينمو في داخله وينتظر. ينتظر شكلا ما تنصاغ فيه تجربته الوجودية ويعاد فيه ابتكار العالم الذي ولد هو فيه والذي سافر معه، محمولاً في دواخله، الى قلب الحضارة الاوروبية ممثلا بباريس. وجد أبو دهمان هذا الشكل، المتعدد بالضرورة، نظراً لتعدد مشارب الكاتب ومصادر ثقافته.

في "الحزام" نص نثري شاعري الصياغة يستعيد فيه طفولته في قريته الأصلية شاء أن يفتتح به تجربة أدبية ما هذا الكتاب إلا حلقتها الأولى التي تحمل وهج البداية، بداية بالغة النضج، وترتسم كبشارة لافتة ووعد أساسي.
كتب الكثيرون عن العمل وحاور الكثيرون مؤلفه. في الحوار التالي حاولنا الرجوع مع الكاتب الى مناخه الأصلي نفسه. الى شخوص العالم الذي يرتسم في "الحزام" والى تكوينه الخاص كشاعر وروائي.

كاظم جهاد: عرفت فجأة في الاوساط الادبية العالمية والعربية عبر روايتك الاولى "الحزام" التي فاجأت القراء بمعالجتها لعالم قريتك الولادية معالجة اصيلة ومضمخة بالشعر، وتكشف عن قدرات روائية وادائية قد لا يمتلكها الكثير من الكتاب في اعمالهم الاولى. من اجل التوقف عند تجربتك الروائية هذه ومجمل تجربتك الادبية السابقة لهذه الرواية عبر المقالات والاشعار التي كتبتها وعرفها بعض الاصدقاء، سنحاول الرجوع معك الى عالم البدايات هذا. هذه القرية التي حولتها الى اسطورة في هذا العمل والتي استطاعت ان تجتذب محبة جميع من قرأوا هذا الكتاب، ما هي هذه القرية ما حجمها في الواقع، ما عادات الناس فيها، ما اثرها في تكوينك الشعوري والانساني والابداعي
أحمد أبو دهمان: في البداية سأكشف عن سعادتي بوجودك أمامي ليس كمحاور وصحفي وانما كصديق اولا.، وفي قريتي ولدت في ما يشبه الشعر، هذه القرية لم تكن تتوقف عن الغناء على الاطلاق منذ لحظة الولادة حتى ما كنا نسميه الرحيل، اذ لم تكن كلمة الموت واردة ضمن قاموس القرية. كنا نغني منذ الولادة كما اشرت، وحتى لحظة الرحيل كان يصحبها غناء أي في لحظة الدفن نفسه. قريتي تشبه الحلم او الخلاص لما يواجهه المبدع في هذا العالم البائس، وعودتي الى القرية عبر هذا النص محاولة لاعادة ابتكار عالم نقيض لما هو سائد الآن. وكان أمامي في هذه القرية بالاضافة الى ما اختزنته في طفولتي من قيم انسانية ومعرفية وشعرية، ما يمكّن من محاولة اعادة صياغة العالم. كان هذا الهاجس يراودني منذ اللحظة الاولى أي منذ لحظة الكتابة، والكتابة بالفرنسية بالذات، تقديم هذه القرية كبديل لهذا البؤس، بديل لهذا الألم الذي يجتاح كل شيء. ألم وكأن هناك تواطؤاً بشرياً يشرف على صيانته وتنميته.
انطلقت اللحظة الاولى للكتابة وأنا في البيت مع ابنتي التي قالت لي "يا الله سترك"، فكانت هذه الجملة الاولى في "الحزام". كنا ندعو هكذا كل صباح وكل مساء "يا الله سترك". وبعضهم كان يضيف "اللهم استرني واستر اسراري الى يوم الدين". كنت أود أن أحيل هذه الجملة مع ابنتي الى نشيد انساني. وانطلقت فعلا من القرية، فحدثت ابنتي وزوجتي عن كل شيء، عن أمي وأبي، عن ابائي وامهاتي، عن
اخواتي واخواني الى حد اننا كنا على يقين بأن الاشجار التي كتبتها او المياه او الامطار او اصوات العصافير كانت تشبه الكائنات الانسانية وتحول هذا الى نص عائلي، نص حميم، نص في جوانب كثيرة منه كان يجب ان يظل بيني وبين زوجتي. عندما اكتمل النص وجدت ان العالم جدير بهذه الحميمية وان الكثير من الاصدقاء كانوا الى حد ما قريبين جدا كما هو الوضع بالنسبة لزوجتي وابنتي. هؤلاء الاصدقاء دفعوني فعلا الى البحث عن ناشر. كانت هذه هي حكاية "الحزام"، حكاية هذه القرية التي يجب ان تظل كمخرج من جهنم. وقد كنت سعيدا بقراءة احد النقاد الفرنسيين الذي قارن بين الجنة في قريتي وجهنم الغرب، الذي ربما تعرفونه اكثر مني.
كاظم جهاد: في اثناء حديثك عن العلاقات الاجتماعية في القرية، قلت أبي وأمي، ثم صححت واستدركت وقلت أمهاتي وابائي، وكأن الاخرين من جيران واقارب كانوا يلعبون دور الأب والأم بالقدر نفسه تقريبا، فهل يمكن ان نعود الى طبيعة هذه العلاقات الاجتماعية وهل تعتقد ان هذه القرية كانت تطرح انموذجا لنوع من التضامنية الاجتماعية او نوع من الحنان بين الافراد، يمكن ان يوضع في المقابلة مع العلاقات السائدة في المدينة كما عرفتها فيما بعد
ابو دهمان: ما سميته القرية لحظة كتابتي لهذه القرية هو انها كانت تنتمي الى مجتمع أمومي في معظمه، فلم يكن سكان قرية أمي ينادوني الا باسم أمي. كانوا ينادوني "هذا ابن شويلة". وأبي كان اسمه " ابن فاطمة"، ومعظم الرجال في القرية كان كل منهم يدعى لأمه، بينما النص القرآني كان واضحا وصريحا: ادعوهم لابائهم. فالقرية كانت تعيش الى حد ما عهود ما قبل الاسلام، عهود ما قبل المدينة الذي يشكل تدميراً للجبال والمرتفعات. كانت القرية بمعزل تماما عما يحدث في العالم وبالتالي تشكل في هذاالمجتمع ما يمكن ان نسميه اسرة واحدة. عندما كنت اقول امي كنت اقول لوحدها أي اعني أمي الحقيقية. وعندما اتحدث عن جارتنا او عن امرأة اخرى في القرية، فكنت اقول "أمي فلانة" و"أبي فلان". كانوا ابائي وكانوا في مستوى الأب، ومستوى الأم أيضا. لم يكن في القرية ما يعرف اليوم بالجوع، كان بامكان أي طفل ان يدخل أي بيت ويأكل فيه، وتجد بعض الامهات يبحثن في الطرقات والمزارع عن جائع، احيانا تحمل الأم غذاء او وجبة نسميها "الوصل" لما بعد الظهر، لزوجها او لاطفالها في المزرعة، واحيانا لا يصلهم الا النزر اليسير من الطعام، لأنها قسمت الطعام على المارة او على الرعاة. يظل هذا الوضع الاجتماعي حلماً، خاصة امام هجمة المدينة، وامام هجمة التحديث سواء في المملكة العربية السعودية او في البلدان العربية الاخرى، في العالم الثالث اجمالا. هذا الوضع الاجتماعي، اوهذا النسق الاجتماعي بدأ في التفتت، وتفتت معه حتى مبادئ القرية، والناس خرجوا فيما يشبه "الفيلل" الحديثة التي لا تحمل أي ملمح من ملامحنا القديمة، وليس هناك أي مادة من مواد القرية في بناء هذه "الفيلل" الحديثة، كل شيء مستورد. وأمام هذا الاستيراد الهائل، وهذا الاستهلاك الفج لكل شيء فقدت القرية لغتها، ونمت لغة عمياء باهتة مستوردة لم نصنع فيها شيئاً، وهذا ما يحيل بعض الناس الى اشباه ناس، ناس فقدوا كينونتهم الحقيقية وفقدوا علاقتهم بلغتهم وارضهم وحتى بذواتهم، هذا التشوه طال كل شيء، طال الناس اجمالا، في مأكلهم ومشربهم وملبسهم وحتى علاقتهم بالهواء والشمس.
كاظم جهاد: هل يمكن بهذا المعنى القول انك تتحدث في هذه الرواية عن عالم لم يعد موجودا، وأنك تقدم نشيد رثاء ووفاء لنوع من فردوس باتت مفقودة
أحمد ابو دهمان: للأسف هذه الحقيقة قائمة الان. في شهرآب (اغسطس) الماضي وجدت القرية تشبه معلقة شعرية نادرة لكن معظم ابياتها انمحت ولم أعد أجد الا بعض الابيات في هذه المعلقة. كنت في مشهد مأساوي، الابواب والنوافذ التي اعرفها والشوارع التي اعرفها وعشتها وعاشت في روحي ودمي وصوتي وفي كتابتي كلها لم تعد موجودة. لكن هذا لا يلغي امكانية استعادة هذا الفردوس عبر الكتابة، لان هذه احدى ميزات العمل الأدبي، ألا وهو الوقوف في وجه الموت، او التصدي للموت، و"الحزام" هو نوع من التصدي لهذا الموت الجارف. لقد وجدت بين القراء من يحلم بالحياة في هذه القرية، من هو مستعد ان يبذل كل شيء من اجل اعادة بناء هذه القرية، من اجل اعادة امطار القرية وشموسها ومزارعها. لو فتح باب للتبرع لوجدت فعلا امكانية لاعادة بناء هذه القرية لكن لم تكن قريتي هي الهدف، كنت اتمنى بالفعل كما اشرت في البداية أن نشارك جميعا في اعادة صياغة هذا العالم انطلاقا من قرية صغيرة تشبه ارواحنا كلنا وتشبه كل القرى في العالم. وجدت اصداء هذه القرية عبر "الحزام" عند قراء من البرازيل وكندا وافريقيا، كلهم يا كاظم وجدوا انتماء لهذه القرية، انتماء لأمهاتها لناسها ولقصائدها. فالفردوس كحقيقة تاريخية تقريبا انتهت.
كاظم جهاد: ذكرت عرضا كتابتك للعمل باللغة الفرنسية، وعليّ ان اطرح عليك هذا السؤال الذي طالما طُرح عليك، لماذا اللغة الفرنسية وهل كنت ستكتب العمل نفسه لو كتبته بالعربية
أبو دهمان: لم ينطرح هذا السؤال على الاطلاق بالنسبة لي، الا بعد ان انتهيت من كتابة النص، ربما كان السبب الرئيسي لكتابتي بالفرنسية هو ان هذا النص كان موجها اصلا الى زوجتي وابنتي وهما لا تتحدثان العربية، وأنا كنت اكتب عن قرية عربية ولديّ القدرة على الكتابة بالعربية، ثم اكتشفت بعد ان طرح السؤال اكثر من مرة بانه كان من الصعب كتابة القرية بالفصحى. الفصحى تعلمتها في المدرسة، والفصحى الى حد ما نقيضة للقرية. أُدخل ما يسمى الفصحى عبر المدرسة وكنا نعتقد ان القرية فصحى وما زالت فصحى. معظم كلمات القرية اجدها في كل القواميس وأفاجأ احيانا بكلمات في القواميس واتذكر اننا كنا نعيشها يوميا، فكتابتي بالفرنسية جاءت تلبية لروح القرية، لأن في الفرنسية من المرونة ومن البساطة ما يمكن ان أنقل عبره قريتي للعالم الاخر. عبر اللغة الفرنسية اكتشفت بلادي واكتشفت نفسي، انها لغة ليست مُقيِّدة ولا مُقيَّدة، لغة ليست لغة مؤسسات رسمية، بل لغة افراد، ليست لغة قبيلة بل لغة فرد، يمكن للفرد ان ينمو من خلالها وان يكتشف ذاته من خلالها. تماما كالمجتمع نفسه. مجتمع افراد، يعترف بالفرد، وما كان ممكنا ان اكتب قريتي بهذه الصورة لو لم اكتشف أنا ذاتي كفرد. هذه الحالة من النمو الاجتماعي، ومن الاستقلال الذاتي مكنتني من كتابة قريتي كما أود. كنت منذ طفولتي وأنا أحلم بأن استقل عن هذا الجسد الضخم، اقصد جسد القبيلة الذي لم أكن فيه الا خلية. هنا بالفرنسية وجدت نفسي. في باريس وجدت نفسي ككائن مستقل وكانسان أمام مسؤولياتي. تظل القبيلة سندا اذ لم اشعر يوما ما بالخوف او الجوع في باريس، كان بامكاني ان اتصل بأحد اصدقائي في المملكة او حتى في القبيلة التي يمكن ان تنجدني، ولكنها لا تستطيع ان تنجدني على الصعيد الروحي او على صعيد الاستقلال الذاتي كفرد. لهذا كانت اللغة الفرنسية اقرب ربما الى هذه اللحظة من حياتي. اقرب من اللغة العربية التي تبدو لي لغة رسمية، لغة فيها احيانا من القدسية ما يحول دون كتابة نص حر. اضافة الى عامل اخر: عندما اكتب بالعربية فاني امارس رقابة ذاتية مدمرة، وهي ابشع انواع الاستعباد، اقصد ان يستعبد الانسان ذاته. بينما عندما كنت اكتب "الحزام" بالفرنسية كان هناك هذا الهاجس، هاجس القارئ العربي، القارئ الرسمي لكنه لم يكن حاضرا كما يحضر لي عندما اكتب بالعربية.
كاظم جهاد: يعيدني كلامك هذا الى عالم الرواية والعلاقات المتبادلة بين الاشخاص، ويلاحظ القارئ نوعا من النضال من اجل ما يدعوه ميشال فوكو بصناعة الذات، نضال من اجل التحرر مما تدعوه جسد القبيلة الشاسع، ونوعا من الصراع او الجدلية بين الكائن والمجموع. وهذا النضال طبعا لا ينشأ في فراغ، يبدو لي انك باعتبارك بطل الرواية او راويتها تحمل شيئا من والدتك، من ارثها الخيالي والشعري ومحبتها للغناء،وشيئا من والدك ومحبته للسفر والتجوال وهو الملقب في الرواية بـ"الرعدان"، أي هذا الذي يصيب سامعيه بالرعدة من فرط جمال غنائه. وفيك ايضا شيء من حزام، هذه الشخصية العجيبة التي تنطق بحكمة اصيلة وبمحبة هائلة للعمل والوجود. نعود الى البداية، دعني أسألك بم تدين لأمك، بم تدين لأبيك، بم تديم لحزام وهل حزام هذا كان شخصية موجودة فعلا أم انه تركيبة صنعتها من مجمل رجال القبيلة
أبو دهمان: هذا السؤال يذكرني بقلة قليلة من القراء استطاعت ان تكتشف ما خبأت في "الحزام". وأنا سعيد جدا بوجود بعض المزارعين الحقيقيين في هذا العالم يستطيعون ان يجدوا ما في باطن الارض. كنت أحلم أن تظل بعض الاشياء في "الحزام" مغيبة الى ما بعد الموت. لكن بعض القراء استطاع ان يصل له في حياتي. ليكن، عندما تسألني بماذا أنا مدين لأمي ولأبي ولحزام وما اذا كان حزام شخصية فعلية ام شخصية مركبة. لا يمكن ان أرى أمي لوحدها ولا أبي لوحده ولا حزام لوحده. أرى هذه القرية بمجملها، لم اكن اشعر بالبرد ولا بالخوف ولا بالجوع. قرية كنت فيها مطمئناً مثل كل الاطفال. لم تكن قرية مقدسة او خارجة عن هذا العالم، كانت قرية مثل كل القرى الاخرى لكننا كنا في هذه القرية نحمل ما يشبه الروح الواحدة. حتى الحيوانات تشكل عندها هذا الوئام او هذه الألفة. كنا نعرف روائح الناس، فلان او فلانة مرت من هنا كنا نعرف خبز من هذا الخبز الذي أمامنا، اقصد عندما يكون هناك تجمع وتأتي امرأة وتضع قرصانها أمامنا فكنا نعرف ان هذه قرصان فلانة وهذه قرصان فلانة دون ان نشاهد أي منهما وهي تضع خبزها أمامنا. كما أشرت، نعرف ان هذه رائحة فلانة التي مرت من هنا، لكل امرأة رائحتها وملابسها التي تشبه زهور الجبال وتشبه طهارتها ايضا. أنا مدين لأمي على صعيد ضيق جدا بهذه الشعرية لكن أمي كانت ايضا تمنح هذا الجانب للاخرين. وكان باستطاعة أبي أن يشعل القرية رقصا وغناء، وقد ولدت في هذه الاجواء بين أمي وأبي، بين العمل والغناء. بالنسبة لحزام، هناك نواة لحزام في أحد رجال القرية، لكن حزام كشخصية هي فعلا شخصية مركبة، وان كنت بعد ان انتهيت من كتابة النص فجعت بأخي يخبرني من القرية بوفاة أحدهم، وهذا الشخص هو الذي كان نواة حزام. ولما أخبرت زوجتي وأبنتي بوفاة حزام، تحول البيت الى مأتم حقيقي. مأتم لزوجتي ولابنتي ولي، قضينا أياما تشبه موت أبي تماما.
أنا مدين للناس وللقرية وحتى للقرى المجاورة ايضا. مدين لشعراء بعيدين، تأتينا أصواتهم وقصائدهم كالرياح، لم نكن نعرف القراءة والكتابة فكان الشعر ينتقل من فم الى فم ومن اذن الى اذن ومن جبل الى جبل، كنا نسمع اغاني الرعاة عبر الجبال ومعظم غنائنا كان غناء عشق وحب ووفاء. من هنا يبدو "الحزام" كنص غنائي شعري، يحمل بساطة هؤلاء الناس، البساطة البكر وهذا هو ما ابحث عنه الان أمام شراسة العالم، أمام حروبه، جوعه وأمراضه التي هي احيانا امراض مبتكرة.
كاظم جهاد: سؤالي الاخير عن هذه الرواية، قبل ان نعود الى مجمل تجربتك الادبية. أين تموقع هذا العمل بين السيرة الذاتية التي تتعهد بمعيش حياتي وتعيد معالجته عبر الاستبطان الذي هو استبطان شعري اساسا، وبين الرواية التي تحتوي قدرا كبيرا من الابتكار واعادة الكتابة والتخييل والفنطازيا..الخ
أبو دهمان: يا ربما تعرف أكثر مني ان الناشر في فرنسا هو الذي يحدد نوعية العمل. رواية، سيرة ذاتية او محاولة او نص. لم يكن في ذهني شكل روائي او شكل سيرة ذاتية، دخلت هذا النص من خلال هذه الكلمة "يا الله سترك" واستمر النص معي دون ان أسأل نفسي فيما لو كانت رواية او سيرة ذاتية او قصيدة الى ان أعدت تصحيحها أكثر من مرة واعادة كتابتها اكثر من مرة، دون ان أسأل نفسي على الاطلاق ما هو جنس هذا النص. كان عليّ ان أكتب هذه القرية، وقريتي لا يكن ان تكون رواية ولا سيرة ذاتية ولا قصيدة، لكن يمكن ان تكون كل شيء. ولعل من أمتع اللحظات التي عشتها بعد صدور "الحزام" هو ما قالته احدى الناقدات الفرنسيات من انه لو كان كلود ليفي شتراوس قد كتب الانثروبولوجيا البنيوية، فانني كتبت الانثروبولوجيا الشعرية. أنا اعتقد ان هذا النص ينتمي الى أمي وأبي والقرية أكثر مما ينتمي لي. لم أكن إلا راوية، رويت هؤلاء الناس ، وخرج هذا النص دون ان يحمل أي تحديد من دار النشر نفسها. نعم الكتاب صدر في سلسلة مخصصة لكتاب تعرفهم جيدا من بينهم حملة جائزة نوبل للاداب، يكتبون عن طفولتهم. وكأول عمل لم أفاجأ على الاطلاق، لانه يدخل ضمن هذه السلسلة، لانه عندما قررت الكتاب كان أمامي شرط اساسي هو كتابة نص مختلف. الذي هيأ لي كتابة هذا النص المختلف الى حد ما هو مجيئي من عوالم اخرى غير العوالم الروائية. جئت من التاريخ، من علم الاجتماع، من قراءات متعددة وكان أمامي كل هذه التساؤلات الجديدة التي يجب ان تطرح على القرية وعبر القرية. واعتقد ان المشروع قد نجح الى حد كبير.
كاظم جهاد: دعنا نعود الى مجمل تجربتك الانسانية والثقافية، متى وصلت الى فرنسا وما كانت ممارساتك قبل المجيء الى فرنسا معروف انك كتبت قصائد بالعامية، واعتقد انك ما تزال تكتبها، هل يمكنك ان تحدثنا عن هذا اللون، وألا تعتقد انه مهمش نوعا ما في العالم العربي
أبو دهمان: الحقيقة عشت تشكلي الشعري والروحي في القرية، وغادرتها في سن الثانية عشرة تقريبا، كنا مضطرين للهجرة الى المدينة لمتابعة الدراسة المتوسطة التي تابعتها في مدينة أبها، وكان الناس في أبها كما كنت أتوقع كلهم شعراء رجالا ونساء. أبها مدينة لم تكن تنام. أنهيت المتوسطة فيها ثم انتقلت الى معهد المعلمين في الرياض لمدة ثلاث سنوات، ثم عدت ودرَّست في القرية لمدة ثلاث سنوات ايضا، بعدها التحقت بجامعة الملك سعود في الرياض. وفي الجامعة بدأت التعرف على بعض الاسماء الثقافية والشعرية في العالم العربي التي لم تكن في متناولنا في القرية وفي أبها. كما تعرفت لحسن الحظ على بعض الاصدقاء من المثقفين السعوديين الذين علموني القراءة والكتابة وما زلت مديناً لكثير منهم وسأظل على الصعيد المعرفي بشكل خاص.
لقد حاولت كتابة القصيدة الحديثة فنجحت الى حد ما لكن هاجسي كان ان يسمعني اهلي في القرية. عندما أسمعتهم اولى قصائدي الحديثة لم يفهموا شيئا على الاطلاق مما دفعني الى ان اكتب ما يسمى بالقصيدة الشعبية، وكتبت حتى الآن ست قصائد شعبية، استطعت ان اصل الى اهلي في القرية وان اصل الى اصدقائي والىالقراء في المملكة، ثم انهيت دراستي الجامعية في الرياض وكنت قد حصلت نتائج متفوقة مما اتاح لي الحصول على بعثة بالسفر الى الخارج، وكانت الخيارات امامي كثيرة: اميركا وبريطانيا وفرنسا واسبانيا والمانيا، فأخترت فرنسا. فرنسا لانني كنت قد قرأت عبر الترجمات العربية لشعرائها الكبار مثل لوي اراغون وجاك بريفير وبول ايلوار، خصوصا جاك بريفير. كنت اعتقد ان مجيئي الى فرنسا هو امتداد لحياتي في القرية بحكم وجود جاك بريفير وبول ايلوار. تحولت قريتي الى عالم شعري ومن الممكن ان يكون هذا العالم موجود في كل مكان، وقد اكتشفت في فرنسا شعراء اخرين وبلغات اخرى مما منحني يقيناً مطلقاً بان هذا العالم الشعري الذي ولدت فيه موجود في كل مكان. وان ما كنا نغنيه في القرية غناه الناس ايضا في كل مكان. ينقلني هذا الى يقين اخر هو وحدة الانسان رغم الفروق اللغوية فقط وأنا لا اؤمن بغيرالفروق اللغوية، فالانسان هو الانسان في كل مكان.
حاولت كتابة الشعر وكنت اصل احيانا مرحلة ما يشبه الجنون في علاقتي بالقصيدة فتوقفت، وقد ساهم في هذا التوقف تحولي الى العل الاكاديمي. اثناء بحثي الاكاديمي، اثناء البحث العلمي كنت اعيش لحظات من الاكتشافات المعرفية التي تفوق متعتها أي قصيدة، واثناء بحثي العلمي لم أحس باي غربة شعرية او انفصال عن الشعر بمعناه الذي تعلمته في القرية خصوصا. اذكر احدى اللحظات التي لا يكن ان انساها في حياتي هو ان احد الاصدقاء من كتاب القصة في المملكة سمى قصته "شمس الموتى" فسألته من اين جاء هذا العنوان، قال لي هكذا كنا نسمي الشمس قبل الغروب، لحظة اصفرارها. واثناء بحثي العلمي وجدت حكاية تشبه الاسطورة، عن قرية مجاورة لقريتي كان فيها ولي لأن المنطقة كانت صوفية، وهذا الولي اقسم ان يصل الى احدى القرى قبل غروب الشمس، فصعد الجبل وقبل ان يصل الى القمة التي تمكنه من الاطلال على القرية كادت الشمس ان تغيب فقال لها قفي فوقفت، ثم استطاع ان يصعد. وعندما وصل الى القمة، متعبا طبعا، أطل على القرية التي اقسم ان يراها قبل مغيب الشمس، ثم مات، فيما كان اهل القرية في انتظاره، ولما شاهدوا الشمس لم تغب صعدوا الى القمة فوجدوه ميتا فأسموا قبره "قبر الشمس" وأسموا الشمس في لحظة اصفرارها "شمس الموتى".
هذا الاكتشاف على انه حقيقة وكما هو متعارف عليه في الذاكرة الشعبية، فالذاكرة الشعبية لا يمكن ان تموت. وقد حاولت في "الحزام" رصد هذه الذاكرة عبر أمي وأبي وحزام وعبر أمهاتي الاخريات ايضا. لهذا فان علاقتي بالشعر الشعبي يبررها حنيني للناس، وهو الذي دفعني للكتابة بلهجتهم وبلغتهم. هناك قصيدة تحضرني الآن.
كاظم جهاد: يلاحظ في روايتك افادة من الشعر، سواء العامي او الفصيح، ومن معرفتك الانثروبولوجية الموسعة، التي امل ان نقف قريبا على شواهدها الحية عند صدور اطروحتك عن القصة القصيرة في العربية السعودية. سؤالي الاخير يتعلق بالقادم من مشاريعك الادبية، هل هناك صلة او تتمة لـ "الحزام"
ابو دهمان: لم أفاجأ على الاطلاق بنجاح عملي الاول. ولا هذا التوسع الهائل لقبيلتي، مما دفعني للتساؤل عن جدوى الحياة بلا كتابة. كان تساؤلي حقيقياً طرحته على نفسي اولا، واكتشفت ان هناك انتظارا حقيقيا من قبل القراء لما سيأتي. واود ان اقول ما سيأتي يا هو مشروع قصص قصيرة للاطفال، كنت قد كتبته لأبنتي قبل كتابة "الحزام". طلبته مني دار "غاليمار" وسوف يصدر قريبا. هناك مشروع اخر يشكل امتدادا لـ"الحزام" عن تجربة الراوي في الرياض كمدينة ليست ككل المدن، وعن انتقال هذا الراوي من مجتمع القبيلة الى باريس، بالاضافة الى مشاريع اخرى كثيرة، وهنا اقول، كما قلت لأحد الاصدقاء، ان الفقراء لا يعلنون عن ثرواتهم. لذلك احتفظ بالحديث عن مثل هذه المشاريع الى لحظة وضوحها تماما بالنسبة لي. وسوف تكون انت اول من يعرف عنها.
صحيفة ايلاف

------------------

<FONT COLOR="Green">اقرأ ان شئت هذه الموضوعات :</FONT c>
ماذا تعرف عن هؤلاء
ملف الامسيات الشعرية
ملف المحاضرات
قـ(1)ـراءات قـ(2)ـراءات قـ(3)ـراءات قـ(4)ـرات
ابداعات قصصية
قضية ثقافية
ملف التجارة الالكترونية
الرد مع اقتباس
  #5  
قديم 07-06-2001, 05:06 PM
أبو بسام's Avatar
أبو بسام أبو بسام غير موجود
فارس عربيات
 
تاريخ الإنضمام: May 2000
المكان: سبت العلاية - عسير
الردود: 5,676
الرصيد:: 0
Post

صدر الطبعة العربية من رواية "الحزام" للكاتب السعودي المقيم في باريس أحمد أبو دهمان، عن "الساقي" اللندنية، وقام بترجمتها المؤلف بنفسه. والجدير بالذكر ان الرواية كانت قد صدرت اولا بالفرنسية تحت عنوان La Ceinture (الحزام) عن دار النشر الشهيرة "غاليمار" ونالت شهرة كبيرة اذ اعدي طبعها اكثر من خمسة مرات خلال العام الول من صدورها. ننشر هنا الفصل الاخير من الرواية، منقولا من جريدة ايلاف :
--------------


أخذت الحياة من أبي وأمي أقصى ما تستطيع، واقتربا من الآخرة، واقتربت أختي التي ترعاهما من الزواج. ولكي يظل أبي رجلا كاملا كما تود أمي فقد اقترحت عليه أن يتزوج، لأنها لم تعد قادرة على الوفاء بأعبائها . لا في البيت ولا في الحقول. ولذا كان لابد لأبي من امرأة. ولكن من نصحته أمي أن يخطب ابنة أعز صديقاتها، غير أن أبي التزم الصمت.
وبينما كنت أواصل دراستي في المدينة، أخبرني أحد الآتين من القرية. بأن أمي قد رحلت من البيت، وأنها سكنت بيتا صغيرا في أطراف القرية. أي كارثة هي هذه، بكيت أمي وأبي، وأختي التي ظلت مع أبي، ممزقة بين بيتين. بكيت للشعر والموسيقى وحياة بأكملها.
عندما عدت إلى القرية، وجدت أبي وحده في استقبالي، قبلته على عجل بدون أن ينظر أي منا في وجه الآخر. وأخذ يمشي أمامي في اتجاه البيت، وكل منا يحمل جرحه. فتح الباب لكنه دخل بمفرده. لأني كنت قد أخذت الطريق المؤدي إلى بيت أمي. نظرت إلى خلف، رأيت أبي يمسح دموعه. ويدعوني بيده للعودة إليه. بينما كانت أختي تراقب المشهد وهي تبكي على سطح المنزل. كنت أحمل كيسا مليئا بالقهوة والهال والسكر، لتقضي أمي عيدا يليق بها. وصلت. كانت غمامة كثيفة تغطي عيني. وجفاف لم أعرفه من قبل قد استولى على حنجرتي. ومن خلال دموعي رأيت أمي واقفة كجبل مليء بالورود والأزهار. أنيقة مبتسمة، وشاعرة كما لم أرها من قبل. وبمجرد أن دخلت عاتبتي على هذه الحماقة.
-كان عليك أن تدخل مع أبيك
-أنت أمي وابي
-أنا أمك. أما بيتك فهو بيت أبيك وليس هنا
-كنت أود أن أنتقم لك
-أنا وراء ما حدث. أنا التي خططت لكل هذا، ليحافظ أبوك على مقامه وعلى ما بنيناه معا وعلى إرث العائلة وسمعتها وشرفها، وأنت تعرف أن بيتا بلا امرأة ليس إلا صحراء.
-إذن لم يطردك
-لا، لقد خرجت بإرادتي، وهو يأتي يوميا هنا لرؤيتي وللاطمئنان علي، وكذلك أختك، ولقد تغذينا اليوم معا.
-إذن لماذا رحلت
-رحلت لأنه لا يمكن أن تقبل امرأة الزواج من أبيك ما دمت في البيت معه ولأنه رفض أن يطلقني، فقد اخترت هذا المخرج، وسأظل أمكما، وزوجة أبيكما ونعيش الحياة كما كنا نفعل. والآن قم، فعلينا أن نذهب معا للعشاء مع أبيك وأختك.

-أود أن ننتظر غروب الشمس، وأن نذهب في الظلام، حتى لاترى القرية ما نحن فيه.

-القرية تعرفني جيدا. والذي يؤلمني الآن هو تفسيرها لموقفك أنت. سيقولون حتما "هذا ولد أمه" وهذا ما لن اقبله على الإطلاق ولا بد أن يعرفوا أتي ما زلت أتحمل مسؤوليتي في المرض والشيخوخة كما كنت في شبابي.

استقبلنا أبي بأصواته وأصوات الرصاص الذي أطلقه ترحيبا بنا.
وجدنا أخواتي وأزواجهن في استقبالنا، لكن أمي كانت ضيفة الشرف بلا منازع. وبالرغم من كآبة الجو وتمزق النظرات وما تعنيه، إلا أني كنت ملزما بالتكيف مع هذا الانفصال. كان أبي أكثر تمزقا منا جميعا وأكثر عزلة. إذ يغادر البيت باكرا كل صباح، يجلس في ظل صخر أو شجرة، ويغمض عينيه كالنائم إلى أن أدعوه إلى الغذاء. في هذا الوقت كانت أمي تلح على صديقتها من أجل تزويجه ابنتها.
تقدم شاب لخطبة أختي. رحبنا جميعا به، لكن الزواج الأكثر أهمية وإلحاحا بالنسبة لأمي كان دائما زواج أبي. وكانت تود أن يكون زواجا ناجحا لأنها تحس بذنب ما. إذ كيف تهزمها الحياة والمرض وتترك عشيرها وحيدا بعد حياة ملآها كرما وشعرا وسعادة. أما أبي فلم يكن يحلم بغير علاج أمي والاعتناء بها، رافضا فكرة الزواج مجددا. وكان على استعداد للتضحية بكل شيء من أجلها، إلا أنها رفضت أن ترى حياتها وقد تحولت إلى هباء، وكانت تعرف أن أختي لن تتزوج ما لم يتزوج أبي، وإن تزوجت الأخت فإن الأخ لا بد ملزم بالزواج، وهذا ما يرعب الأب. إذ لا يريد لأبنه الزواج من القرية ولا يريد له أن يظل رهينة الحقول، ولا يمكن أن يحول دون زواج ابنته، هو الذي يحلم بأن يرى أحفاده منها. لهذا ضحى بنفسه من أجلنا بالرغم من معرفته بما سيدفعه من روحه وبدنه. كان الزواج في القرية ضرورة وواجبا، ولم يكن أبدا للمتعة فقط كما يفعل بعض الأثرياء اليوم. ثم إن الزواج كان يدوم. وإذا كان من طلاق فيتم في الأغلب بناء على رغبة الزوجات.
لم أعرف إلا عانسا واحدة في العائلة. وقد كانت امرأة جميلة وكريمة، عرفتها وهي مسنة. تعيش وحدها في بيت صغير، وتعد لنفسها ولائم لذيذة تدعوني غالبا لمشاركتها إياها. لكنها لم تكلمني أبدا عن أي موضوع مهم إلا عندما عرفت أن أبي سيتزوج، أخبرت أبي أنها تكلمت، قال لي "لقد وعدتنا أن تتكلم يوما ما". وبالفعل فقد أخبرتني أن أبي مضطر لبيع أحد الحقول كي يدفع المهر. وروت تاريخ حقول القرية التي تنتقل من يد إلى أخرى بفعل الزواج، مؤكدة أنه لولا الله ثم الحقول لما تزاوج الناس ولما استمرت الحياة بالتناسل والتكاثر.

-لقد وجدت المشتري، قال أبي.
-مشتر لأي حقل
-للصغيرين.
-ومن المشتري
-زوج أختك، يعني "أختي-أمي"
-إذا سيظلان داخل العائلة
-بالتأكيد. لكنهما لم يعودا حقليك اللذين تحب.
-ليكن فأنا سعيد أن أدفع مهر زواجك.

كان أبي يقول إن الحقول كلها لي. قابل صهري خفية عني. ولم أعد للحقلين ثانية.
أصبح زواج أبي زواجا لنا كلنا، بما في ذلك أمي، بل إنه أصبح الحديث الوحيد لأهل القريةن وكنا نعرف أن زوجة أبي صغيرة بل إنها في سن أختي، ومدللة، لأنها كانت وحيدة. وكان أبوها من البراءة والطيبة ما جعله الرجل المفضل في القرية. يحبه كل الأطفال. والنساء تدعوه "حبيب الله"

التزمت أمي لأبي بأن تساهم في تعليم زوجته الجديدة كل تقاليد بيتنا وما اعتاد هو عليه بالاتفاق مع أمها، صديقتها الحميمة. وقد راهن أبي كثيرا على مساعدة أمي وأخواتي لهذه الزوجة وتأهيلها لتحمل مسؤوليات البيت والعائلة الكبيرة.
في هذه الأثناء تمت خطوبة أختي لكنه كان لزاما عليها أن تنتظر مجيء زوجة أبي إلى البيت، وحددنا موعدا لزواج أختي يلي زواج أبي بأربعين يوما.

تزوج أبي. أخذت "عمتي" الجديدة مكانها في البيت، وأصبحت جزءا منا. أمضت أمها الأسبوع الأول بعد الزواج معنا، لطمأنة ابنتها وللاطمئنان عليها مثلما تفعل كل الأمهات في ديارنا. وأبوها يأتي ضيفا محبوبا كل يوم لأنه هو الآخر كان صديقا حميما لأبي.

أمضت عمتي الأسبوع الأول من حياتها الزوجية بنجاح أسعدنا كلنا. ما إن عادت أمها إلى بيتها القريب من بيتنا، حتى بدأت عمتي تزورها يوميا، وتقضي إلى جانب أمها وقتا طويلا، يضطر أبي أن يذهب للبحث عنها، لكنه بدا منزعجا، ولاحظنا بعض الضيق على محياه. جاءت أمي لإنقاذ هذا الزواج حيث عادت إلى البيت بضعة أسابيع. رأت صديقتها الحميمة في هذه العودة خطورة على ابنتها، فألزمتها بالبقاء نهائيا في بيت زوجها، وقد ثمن أبي عاليا هذا الموقف الحميم لأمي، وكذا فعلت عمتي الجديدة مع أمي إذ بدأت تعاملها كما لو كانت أمها الحقيقية، ونمت بين الزوجتين علاقة جعلتنا نطمئن على أمي مدى الحياة.

تفرغنا جميعا لزواج أختي. كنا نوده بهيا ونادرا بالرغم من أني كنت مجروحا في داخلي وحزينا، وكنت أغطي وجهي بسعادة تعرف أختي أنها مصطنعة.
جاءت فتيات القرية ونساؤها يرقصن بهذه المناسبة قبل يوم من رحيل أختي إلي بيت زوجها. يومها غنت أمي وعزف أبي للمرة الأخيرة, بينما كنت أقدم القهوة والشاي للنساء الجميلات. لابسا حزامي ومسدسا حلمت بأن أحمله منذ زمن طويل وقد أهداه لي أبي، ويومها امتدحته النساء.

وأثناء الرقص كانت قوس قزحي تراني، هي التي كانت تسميني "السماء" رأيتها تمسح بعض الدموع وهي ترقص. قلت لنفسي ربما تبكي رحيل أختي التي ستغادر القرية نهائيا والتي ستصحبها أمي في سكنها الجديد وتقيم معها ثلاثة أيام أو أكثر لتوطينها ومساعدتها على امتصاص الغربة وبداياتها الحارقة. ويوم الرحيل رأيت قوس قزحي تضع صرة من القماش في يد أمي اعتقدت أنها هدية الزواج.

في اليام الثلاثة التي استغرقها غياب أمي لم أنجح مطلقا في أن أرى تلك التي تسكن في رأسي ومخيلتي، وتملأ رائحتها روحي في كل ركن في البيت.
-"قوس قزحك في سماء أخرى" أسمع أبي يقولها دون تفاصيل.

حملت لي أني تلك الصرة من القماش بعد عودتها، حملتها كما لو كنت أحمل قوس ق.حي، بفرح لم أعرف مثله من قبل. لا الشعر، لا المطر، ولا الحياة أبهى من تلك اللحظة. ومن العادة أن تقاسمني أني وأبي أفراحي وأحزاني، إلا أنهما كانا بعيدين جدا. ويتلافيان حتى النظر إلي. ولم تعد أختي/ذاكرتي معي. وشعرت في داخلي بصراع لا نهاية له. دعتني أمي إلى فتح الصرة بينما كان أبي قد خرج بدون أن يقول كلمة واحدة. كان يكفيني أن أشم رائحتها، أن أضمها، وأن أربطها في حزامي مدى الحياة. بدون حاجة إلى معرفة ما تحتويه. لكن أمي أصرت، رأيت خصلة من شعرها وعطرا لا يفوح إلا من قوس قزحي.

-هذا ما أمكنها أن تعطيك. أما هي فقد خطبت، ولم يبق لك منها إلا ما في يديك. قالت أمي.

أذكر الآن أن أمي حاولت أن تحدثني، أن تؤاسيني وتعزيني. دخلت معي في الفاجعة. لكني لم أكن أسمع شيئا على الإطلاق. ولا أحس بشيء. كنا في البيت حاولت النظر إلى الوادي. كان كل شيء ميتا فارغا. حتى النار في الموقد كانت باردة.

ولا أذكر إن كنت ذهبت لرؤية حزام أم أنه هو الذي جاء إلى البيت. بدا وكأنه يعرف، لكنه كان يبتسم. أذكر أني صفعته، أخذني بين ذراعيه وهو يجفف دموعنا، آه يا حزام، آه يا قريتي. والشمس تقترب من المغيب وأبي ينادي للصلاة بصوت مليء بالحزن والدموع. اختفت القرية، ولم يبق إلا حزام الذي اصطحبني نحو الصخرة الكبيرة التي كنا ندعوها "الذاكرة" وهي الصخرة الوحيدة التي كانت تتوجها نبتة نادرة يرويها حزام كل مساء بالقرب من هذه الصخرة تدفن النساء عذاباتهن، وهكذا يفعل الشعراء.

-رأيت قوس قزحك هنا ليلة أمس وهي التي روت النبتة قبلي وقد جاء دورك الآن لترويها ولتدفن هذه الصرة. ورأينا أبي وأمي وأم قوس قزحي آتين من بعيد. وضع حزام يدا على رأسي، والأخرى على الصخرة. الصخرة الذاكرة- ولم أر الشمس تشرق بعد ذلك اليوم. تزوجت "قوس قزحي" ولكني كنت قد تركت القرية حاملا معي سري الذي لا أبوح به إلا لصورة أبي.

خاتمة
بعد أن فرغت من كتابة هذا النص باللغة الفرنسية. عدت إلى قريتي، تلك القصيدة التي كتبوها عبر آلاف السنين. كان علي أن أرى حزام الذي لا تعنيه رؤية أحد. حياني بابتسامته الأخيرة، واتجه شامخا نحو خزانته، أتى بقليل من التمر والزبيب ثم دعاني إلى الجلوس بين يديه. ألقى نظرة شوق على كتابي. ترجمت له بعض المقاطع، لاحظ أني كنت أقرأ من اليسار إلى اليمين، قال لي: كم أنا سعيد أن ترى العالم من طرفيه.

لم يفاجأ حزام عندما أخبرته بأني وجدت ناشرا وأن هذا الأخير دفع لي مبلغا من المال :
-لقد سمعت بهذه "الدراهم النظيفة" وعرفت أنك وزعتها على أخواتك، مع أني خشيت أن تكون قد بعت القرية.
-هل يبيع الإنسان روحه

تمنى حزام لو أني نذرت هذا المبلغ لترميم ما أمكن من القرية. أجبته بأن أخواتي صغن من هذه الهدية نشيدا لكل القرى.

امسك بيدي وقال :
"لأني قد لا أراك ثانية فسوف أعترف لك بشيء لا تعرفه : لم أكن على اتفاق أبدا مع أمك التي كانت تصر على أن القرية أغنية. ولأنك اعترفت لي بأن نساء رافقنك واحتفين بهذه العمل منذ الكلمة الأولى إلى نهايته، فإني أنحني الآن إجلالا لكل النساء اللواتي ساهمن ويساهمن في تخليد هذا النشيد وهذه القرية"

هكذا حدثني حزام الذي كان واقفا مثل سيف صارم أمام بيته وهو يقول لي وداعا للمرة الأخيرة.

عدت إلى باريس، وبينما كنت أعمل على تصحيح التجارب المطبعية (البروفات)، جاءت أخبار القرية لتعلمني بأن حزام في المستشفى. حزام الذي لم يكن يعترف إلا بمرض واحد هو الموت، وعلمت أن رجال القرية يتناوبون ليلا ونهارا على رعايته وحراسته.
اتصلت به وكان من الصعب أن أتصور حزام عبر الهاتف. قال لي:
-أهلا بالغائب. (هكذا كان يناديني منذ أن غادرت القرية. وحتى عندما كنت أعود من حين إلى آخر)
-لماذا أنت في المستشفى
-لأني مريض ربما، أو هكذا يحاولون إيهامي.
-سآتي لاصطحابك معي إلى هنا. وستجد عناية فائقة من نساء أحببنك كما لو كنت أباهن جميعا.
-باكستانيات
-لا، نساء هن أقرب إليك وإلينا وإلى القرية. وأود إخبارك بأن كتابي سيصدر قريبا وهو يحمل اسمك. لكن هذا الاسم تحول إلى مؤنث في اللغة الفرنسية، والحزام كما علمتنا يا حزام يكشف عن كل شيء : شاعرية النساء وكبرياء الرجال وزهوهم، وأنت يا أبتي حزام لم تخف عني شيئا منذ أن عرفتك.
-لا تأت لاصطحابي ولكن أرسل لي كتابك فربما يقرأه الأحفاد. أما أنا فقد أوصيت لك بحزامي وخنجري.

استلمت الوصية الثمينة وعلقتها إلى جانب صورة أبي.


------------

رواية "الحزام" المؤلف: أحمد أبو دهمان
الناشر: دار الساقي - لندن
Dar al- Saqi
26 Westbourne Grove
London W2 5RH
Tel: 00 44 020 7221 9347
Fax: 00 44 020 7229 7492
E-mail: alsaqi@cyberia.net.lb





------------------
<FONT COLOR="Green">اقرأ ان شئت هذه الموضوعات :[/COLOR]
ماذا تعرف عن هؤلاء
ملف الامسيات الشعرية
ملف المحاضرات
قـ(1)ـراءات قـ(2)ـراءات قـ(3)ـراءات قـ(4)ـرات
ابداعات قصصية
قضية ثقافية
ملف التجارة الالكترونية
الرد مع اقتباس
  #6  
قديم 10-11-2005, 07:01 PM
mmaghm's Avatar
mmaghm mmaghm غير موجود
فارس عربيات
 
تاريخ الإنضمام: Jan 2002
المكان: عروس البحر الاحمر
الردود: 21,054
الرصيد:: 100
مجهود جبار تشكر علي ابو بسام
الرد مع اقتباس
رد

Bookmarks

خيارات الموضوع
طريقة العرض تقييمك لهذه المشاركة
تقييمك لهذه المشاركة:

Posting Rules
You may not post new threads
You may not post replies
You may not post attachments
You may not edit your posts

BB code is On
Smilies are On
[IMG] code is On
HTML code is Off

انتقل إلى



Powered by vBulletin® Version 3.8.6
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd.


توقيت المنتدى GMT +3. الساعة الآن 06:13 PM.

جميع حقوق الطبع والنشر محفوظة لعربيات © 2000
المواد غير قابلة لإعادة النشر دون إذن مسبق
Copyright © 2000 Arabiyat International. All rights reserved
في حال وجود أي ملاحظة نرجو مراسلتنا
info@arabiyat.com
forums archive

{vb:raw ad_location.ad_footer_end}