#1  
قديم 05-06-2001, 12:28 PM
أبو بسام's Avatar
أبو بسام أبو بسام غير موجود
فارس عربيات
 
تاريخ الإنضمام: May 2000
المكان: سبت العلاية - عسير
الردود: 5,676
الرصيد:: 0
Post أدبيات .. رؤى نقدية

شخصيات لا تنسى بين الواقع والإبداع
بقلم حسن فتح الباب حسن

&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&

كثيراً ما تحتفظ الذاكرة بأسماء وصفات شخصيات لا تختلف عن الأشخاص الحقيقيين على الرغم من كونها من صنع خيال كاتب روائي أو قصصي. ولكن قدرته على تجسيدها بقلمه على الورق بأسلوب فريد جعلت لها وقعاً مؤثراً في نفس القارىء حتى ليخيل إليه أنها تحققت في الواقع المعيش في مكان ما وزمن ما. ويبلغ من شدة تأثر هذا القارىء بتلك الشخصية الروائية أنه يشبّه بها شخصية حقيقية رآها أو عرفها، وكأن الأولى هي الأصل والثانية هي الصورة مع أن العكس هو الصحيح.

وتوصف الشخصية التي أبدعها أديب عبقري على الورق وتحولت إلى حقيقة في الأذهان زمناً طويلاً بأنها شخصية نموذجية، بمعنى أنها مثال حيّ لصفة أو صفات معينة صورها هذا الأديب في إحدى قصصه وجاءت مطابقة أو مشابهة إلى حد كبير لفرد أو أفراد من البشر الذين تزخر بهم الحياة الحاضرة أو الماضية. وهذا الكاتب المبدع لا ينقل شخصيات رواياته أو قصصه بحيث تكون تقليداً أو صوراً فوتوغرافية لأشخاص حقيقيين، وإنما يقتبس من هؤلاء بعض سماتهم ثم يمزجها بخياله ورؤاه بحيث ينشىء شخصيات جديدة لا هي من نضح الواقع البحت ولا هي أيضاً من إبداع الخيال المحض، وإنما هي مزيج منهما.

ومن ثم فإن الفنان العبقري ـ روائياً كان أو قصاصاً أو كاتباً مسرحياً ـ هو الذي يجعل القارىء يشعر أن الشخصية التي يقدمها في عمله الأدبي واقعية، وذلك لقدرته الفذة على رسمها بحيث تضاهي الواقع ولكنها في الحقيقة توازيه ولا تستنسخه. وتقوم عملية تركيب هذه الشخصية الفنية على حذف بعض عناصر الشخصية التي رآها الكاتب في الواقع المنظور، وإضافة عنصر أو أكثر إليها. فهو يجري عليها حذفاً أو إضافة أو تعديلاً كما يفعل رسام الكاريكاتير إذ يبرز سمة معينة ويهمل سمة أخرى. وقد يجسد الكاتب شخصية من مخيلته أو من أحلامه ولا علاقة لها بالواقع المشهود، وتكون بفضل قدرته على التصوير شديدة الأثر في القارىء، وكأنها كائن حي يمْثُل أمام عينه ويتكلم ويتحرك شأنه شأن البشر. فهذه الشخصية مركبة يركز فيها مبدعها على جانب أو أكثر من جوانب النفس الإنسانية في تناقضها بين عنصري الخير والشر، وغلبه أحدهما على الآخر، وهو يغوص بعيداً في أغوارها، لأن مهمة الأدب والفن الكشف عن المجهول في النفس والكون والمجتمع والحياة. ويصعب التميز بين الشخصية الحقيقية والشخصية التي يخلقها الروائي أو القاص أو الكاتب المسرحي أو الشاعر ذو الخبرات الحياتية والفنية الفائقة والأحاسيس المرهفة بما يقع حوله.




التاريخ مصدر لاستلهام الشخصيات

من الطبيعي أن تكون الحياة الواقعية التي يعيش أحداثها الكاتب هي أغنى مصادره الأدبية، فمن معينها الثرّ ومناهلها الفياضة آناء الليل وأطراف النهار بمختلف الوقائع وشتى الشخوص يستقي مادة إنتاجه ويستلهم شخصيات قصصه ورواياته. وقد تكون بعض هذه الأحداث وتلك الشخوص أشد غرابة من الخيال نظراً لما تحفل به من متناقضات. وقد يكون حدث صغير كبير الدلالات عميقها، فيستطيع الأديب النابغة الذي يتسم بالقدرة على النفاذ إلى باطن الأحياء والأشياء أن يفجر المعنى الساطع من ظلمات الواقع، ويجلي لقارئه الحقيقة التي تخفى على غيره من شهود العصر الذي يحيى فيه حين يقدح زناد فكره بحثاً عن غير المألوف، وارتياداً لأفق جديد للتعبير عما يسترعي نظره من الأشخاص والأحداث.

أما المصدر الثاني للإلهام فهو التاريخ قديمه وحديثه، إذ يمثل نبعاً لا ينضب ماؤه لتصوير عجائب الحياة وغرائب الأحياء. ومن أهم الشخصيات التاريخية التي أوحت إلى كثير من الكتاب بأعمال قصصية أعادوا فيها تصوير هذه الشخصيات أولئك الملوك والأمراء والقادة الذين أسهموا في تغيير مجرى تاريخ الدول والشعوب وطبعوه بطابعهم، فسموا بهذه الدول والأمم أو عادوا بها القهقري إلى الوراء حسب نزعاتهم الخيّرة أو الشريرة التي يراها الكاتب الروائي.

ومن هؤلاء الملوك والقادة «إخناتون»، وهو الملك الفرعوني الذي دعا إلى عبادة إله واحد سماه آتون، وهدم معابد آمون وغيره من الأرباب، وأقام على أطلالها مدينة ومعابد لآتون أطلق عليها اسم إخناتون. وقد استوحاه كل من نجيب محفوظ ـ رحمه الله ـ والكاتب الإسلامي علي أحمد باكثير إحدى رواياته، وكذلك الشاعرة المصرية الفرنسية أندريه شديد، وكلتا الروايتين تحمل اسم هذا الملك ويمكن أن تدرجا في عداد الشخصيات الروائية، نظراً لأنهما تضمنتا تحويراً للواقع التاريخي طبقاً لرؤية كل من المؤلفين. وقد كان إخناتون بطل إحدى مسرحياتي الشعرية الأولى، وكذلك الشاعر أحمد سويلم.

وقد أوحت كليوباترا ملكة مصر في عصر البطالسة قبل الميلاد إلى بعض الكتاب بأعمال روائية ومسرحية، في مقدمتهم الكاتب الإيرلندي الشهير برنارد شو في مسرحيته (يوليوس قيصر) وأمير الشعراء أحمد شوقي الذي خلّد هذه الشخصية في مسرحيته الشعرية (مصرع كليوباترا)، ورآها نموذجاً للملكة الوفية لوطنها والمضحية بحياتها في سبيله، على خلاف فيذلك مع الذين رأوها غانية تلعب بألباب الرجال في سبيل أطماعها وشهواتها. وقد استمد شوقي معظم مسرحياته من عظماء التاريخ، وجعل منهم نماذج دالة على فضائل أو أهواء بشرية مثل (عنترة) و(قمبيز) و(علي بك الكبير).

ومن الملكات والأميرات ذوات الشخصيات النموذجية التي ألهمت الأدباء «الزبّاء» التي حكمت مملكة سبأ باليمن في العصر القديم، فكتب عنها محمد فريد أبو حديد روايته (زنوبيا)، وكذلك الأميرة الشاعرة «ولادة بنت المستكفي» التي هام بها عشقاً الوزير الشاعر ابن زيدون، ومن وحيهما كتب فاروق جويدة مسرحية (الوزير العاشق) التي انتقلت من القلم والورق والمداد إلى خشبة المسرح. ومن المسرحيات الدرامية المقتبسة من سير حياة شخصيات من الطبقة العليا في المجتمع مسرحية (العباسة) للشاعر عزيز أباظة التي تناول فيها النهاية المأساوية لجعفر البرمكي وزير هارون الرشيد، إذ أمر هذا الخليفة بقتله بعد أن نما إليه ـ كما جاء في بعض الروايات ـ أنه تزوج أخته العبّاسة سراً.

وإلى جانب الشخصيات المستلهمة من سير الملوك والأمراء والحكام، ثمة شخصيات مسرحية أو روائية من وحي نماذج من غمار الناس، مثل (قيس وليلى) اللذين حالت التقاليد البدوية دون تتويج حبهما بالزواج، و(روميو وجوليت) في مسرحية شهيرة بهذا الاسم لشكسبير، وهما شخصيتان من إبداعه، وقيل إنهما من نبع قصة أو أسطورة إيطالية. وكذلك (قيس ولبنى) في مسرحية شعرية لعزيز أباظة بهذا العنوان.

وإلى جانب الشخصيات المستلهمة من سير الملوك والأمراء والحكام، ثمة شخصيات مسرحية أو روائية من وحي نماذج من غمار الناس، مثل (قيس وليلى) اللذين حالت التقاليد البدوية دون تتويج حبهما بالزواج، و(روميو وجوليت) في مسرحية شهيرة بهذا الاسم لشكسبير، وهما شخصيتان من إبداعه، وقيل إنهما من نبع قصة أو أسطورة إيطالية. وكذلك (قيس ولبنى) في مسرحية شعرية لعزيز أباظة بهذا العنوان.

ومما يجدر بالذكر أن كتاباً وشعراء آخرين قد استلهموا شخصيتي قيس بن الملوح وليلاه من منظور عصري لا يمت بصلة إلى البيداء التي نشأ فيها هذان العاشقان. فالاسم وعاطفة الحب هما وحدهما اللذان اقتبسهما صلاح عبدالصبور في مسرحيته (ليلى والمجنون) على حين تختلف كل أحداثها عن القصة القديمة.




الشخصيات الأسطورية

تعد الأساطير الشعبية أيضاً من أهم المصادر التي تمد الأدباء بفيض من الإبداع يصورون فيه بعض الشخصيات التي وردت في هذه الأساطير أو يستوحون من أحداثها شخصيات أخرى. ومن أشهر الشخصيات الأسطورية «أوزيريس» وزوجته «إيزيس» وولدهما «حوريس» الذي انتصر على عمه «ست» قاتل «أوزيريس» ومفرّق أشلائه في مجرى النيل طولاً وعرضاً، فهي أسطورة تعبّر عن الصراع بين الخير والشر. ومن الأساطير التي تحولت إلى أعمال فنية روائية ومسرحية تدور حول واحدة أو أكثر من الشخصيات أسطورة «جلجامش» التي وردت في الميثولوجيا الآشورية، وتمثل نموذج الإنسان الباحث عن الحقيقة المغيّبة في أعماق الوجود. وأشهر الشخصيات الأسطورية في الأدب الإغريقي هي (أوديب) الذي قتل أباه وتزوج أمه وقد استلهمها كثير من الأدباء.

ومن وحي شخصية «السندباد» الخيالية التي وردت في قصص ألف ليلة وليلة كتب الشاعر اللبناني خليل حاوي ـ الذي انتحر حين وطئت أقدام الصهيونيين مدينته بيروت فدنستها سنة 1982 قصيدة درامية اتخذ فيها من تلك الشخصية رمزاً للمغامرة في سبيل المعرفة فجاب آفاق الأرض والبحار بحثاً عنها. كما أبدع الدكتور حسين فوزي كتابين فريدين من وحي تلك الشخصية الأسطورية هما (سندباد بري) و(سندباد بحري).

وهنالك شخصيتان روائيتان أبدعهما الشاعر الفردوسي من وحي أسطورة تعد من عيون الأدب الفارسي، وهما شخصيتا (سهراب ورستم) اللذان تقاتلا دون أن يعرف الأول أنه أب الثاني. وللشاعر الفردوسي أيضاً ملحمة مشهورة بعنوان (الشاهنامه) وردت فيها شخصيات من صنعه.

وأكثر الكتاب والشعراء تناولاً للشخصيات التاريخية والأسطورية هو الكاتب الإنجليزي الأشهر وليم شكسبير. وتحمل معظم مسرحياته أسماء ملوك وأمراء عاشوا في حقب تاريخية مختلفة في بريطانيا وغيرها مثل (ماكبث) و(الملك لير)، (هنري الثامن)، (هاملت) أمير الدانمرك، وقد استهلم شكسبير الشخصية الأخيرة من إحدى الأساطير، وجاءت نموذجاً للبطل المأساوي المأزوم بين الحقيقة والوهم.


شخصيات من إبداع الأدباء


إذا كانت الشخصيات التي ذكرناها قد اقتبست من التاريخ أو الأساطير، فإن من الشخصيات ما صنعها الروائيون والقصاصون وكتاب المسرحيات، فكانت من نتاج قريحتهم وفيض مخيلتهم. ومازالت تتمثل في وجداننا وكأنها شخوص حيّة تسعى على الأرض ونشاهدها بيننا كما نتعايش معها أحياناً، وقد غدت بذلك جزءاً منا ودماً يجري في عروقنا. وتدل كل منها على إحدى صفات البشر المعلومة أو المجهولة بحيث تعد نموذجاً لها كما سبق أن نوهنا.

ومن ذا الذي ينسى شخصية (شيلوك) التي ابتدعها شكسبير وخلع عليها أبشع النعوت وهو البخل والجشع والشراهة في جمع المال الحرام، إذ كان (شيلوك) ذلك المرابي اليهودي الذي أقرض رجلاً دراهم معدودة، واشترط عليه أن ينتزع قطعة من لحمه الحي إذا عجز عن السداد في الموعد المحدد. ولما حان هذا الموعد ولم يف المدين بتعهده لم يرحمه المرابي الغليظ القلب وصمم على تنفيذ الشرط الجزائي. ومثل شيلوك في ضعته وداء حب المال الذي تمكّن منه وسعى إلى جمعه بكل سبيل شخصية البخيل للكاتب الفرنسي الساخر موليير في رواية بهذا الاسم، ألا شاه الاسم والمسمى. وقد أصبح كل من هذين الشخصين الخياليين يشبّه بهما كل من يحمل ما اتصفا به من نعوت قبيحة تحط من شأن الإنسان وتزري به في المجتمع على اختلاف الأمكنة والأزمنة في مسيرة البشرية.

كما ابتدع عملاق الأدب الإنجليزي شخصية ثالثة خلع عليها صفة تحول إلى وحش كاسر بل إ ن من الوحش ما يبرأ منها، ألا وهي الغيرة المقيتة التي لا تصدر إلا عن نزعة شيطانية، وتلك هي شخصية (أوتلّو) التي عُرّبت إلى (عطيل)، فقد تحولت إلى نموذج للغيرة الحمقاء التي بلغت حد الجنون، وانتهت المسرحية التي تعالجها بمأساة مروعة هي قتل ( عطيل) الذي يكمن الشر في أعماقه لحبيبته (ديدمونة).


__________________


انت الزائر رقم لمشاركاتي
الرد مع اقتباس
  #2  
قديم 05-06-2001, 01:11 PM
أبو بسام's Avatar
أبو بسام أبو بسام غير موجود
فارس عربيات
 
تاريخ الإنضمام: May 2000
المكان: سبت العلاية - عسير
الردود: 5,676
الرصيد:: 0
Post

"سراح القتيل" لعقل العويط لغة التواصل مع الغياب
بقلم الدكتورة زهيدة درويش جبور
###########################

جميل ان يتصالح الشعراء مع الله، وان تفتح القصيدة ابوابها من جديد لتستقبل السماء في زمن ممعن في ماديته، اصمّ الانسان فيه اذنيه على نداءات الغيب المتسربل بالخفاء، متلذذاً بانتصاراته وهو يقتحم بجبروت العلم ألغاز الكون ارضاً وسماء، وكواكب وافلاكاً، وينتهك الحرمات.

في ديوان عقل العويط الجديد "سراح القتيل" تهب نسائم الروح حاملة الطيوب تهبط من سماء دانية لتحل في القصيدة حضوراً يشطح بنا الى الأبعد والأبهى، الاجمل والاكمل، فنعيد النظر في الحياة والموت، بالله والانسان، ونقرأ في كتاب الوجود لغة جديدة. يتألف الديوان من فصلين يحتوي الأول على العدد الاكبر من القصائد (16) ويقع تحت عنوان تلفه الشبهة ويكتنفه الغموض: "واني الملاكان تفاحة وايقونة" يعود ليظهر من جديد في الديوان كعنوان لاحدى القصائد وكأن الشاعر يريد ان يستعمل الجزء ليشير الى الكل مكثفاً حضور المتعدد في بساطة الواحد، موحياً تقنية بناء عمله الفني التي تعتمد على اسلوب فن الرقش العربي (الارابيسك) حيث يفعل الجزء في الكل وينفعل به وفق حركة جدلية، ويختلف الفصل الثاني عن الفصل الأول بمساحته - فهو يضم سبع قصائد فقط - وبطبيعة التجربة التي يشف عنها والتي تتميز بطابع ايروسي يحرر لغة الرغبة ويعيد للذة الاعتبار، بينما يسيطر في الفصل الاول مناخ من التوتر والقلق الصادر عن الاسئلة الكبرى التي يطرحها الشاعر على القصيدة نفسها وعلى الحياة والموت والله. لكنّ خيطاً متيناً يقيم الصلة بين ما يبدو في الظاهر مختلفاً تكشف عنه القصيدة الختامية حيث يعود صوت الألم ليرتفع من جديد بدءاً من العنوان "هل يجب ان ابكي قليلاً" في اشارة الى انتصار نزعة الموت على نزعة الحياة، فيبقى الانسجام ويتأكد التكامل بين القصيدة الافتتاحية: "الحياة من جهة الموت" والقصيدة الاختتامية.

والقصائد جميعها قصائد طويلة ما خلا قصيدة نثر واحدة تتمتع بكثير من الفرادة حيث يعتمد الشاعر على مدى الصفحات الاربع التي يتألف منها النص مبدأ تكرار الصيغة التعبيرية الواحدة - صيغة النفي - ومبدأ التعداد ليصف طبيعة الحضور الشعري في العالم من طريق التعريف بما ليست عليه. فينتج من اعتماد هذه التقنية انطباع بحركة جارفة تجتاح النص لتوحي بتدفق مياه النهر وقد اختاره العويط رمزاً للشاعر المتجدد وعنواناً لقصيدته. من جهة اخرى، ترسم قصائد الديوان في مجملها مشاهد مسرحية مكتملة الشروط من حيث تحديد الاطار المكاني والزماني وتنوع الشخصيات التي تحرك القصيدة - المشهد والتي ينتج من علاقتها بالذات المبدعة التوتر الدرامي (المسيح، الذات، الحبيبة، الاخت التي سرقها الموت، المهرج - وهو انعكاس لصورة "الأنا" - الملائكة المتأنسنين شعراء وفلاسفة).

وليس من باب الاعتباط ان تقع احدى اجمل قصائد الديوان المنسوجة حول شخصية السيد المسيح والحاملة اسمه عنواناً لها، في وسطه، فالمسيح هو نقطة مركزية في التجربة التي تكشف عن ازمة وجودية يعيشها الشاعر، وقد حاصرته تفاهة اليومي، وتملكه ضجر الاشياء، وآلمه الزيف والنفاق المتحكم في العلاقات الانسانية، وملّ من لعبة الوجه والقناع. بنظره الثاقب ووعيه العميق يكتشف خواء العصر تحت قشرة انجازات المدنية الحديثة، فيرفض الانخراط فيه: "لا فائدة البتة من البحث عما يرفع عنا/ صعوبة الحاضر/ فنحن لن نتمدن ولن يأخذنا العصر اليه/ كنت اقول فقط اننا كهنة وانبياء" (ص89). تتشكل القصائد بمعظمها على خلفية من المرارة والاحساس بالفراغ يولدهما الموت المتفوق دائماً، الكاشف عن الضعف كجوهر في الانسان. الموت احد مصادر التجربة الاساسية في الديوان; فهو حضور داخلي، ساكن في النفس، مرافق للجسد كظله، يقيم في ثنايا الحياة على غفلة منها. يحاوره الشاعر كالنديم تارةً، ويتحداه كالخصم طوراً وهو مدرك سلفاً لهزيمته. كيف لا وقد قهره الموت في الحياة مرتين: مرة حين تسرب الى ايامه متقنعاً بمشاعر الضجر "والفشل في بناء سعادة النهار" (ص17)، وحكم عليه بالعزلة والوحشة واقامه في سجن غرفة "زوارها لا أحد/ وهم اصدقاء وحياة" (ص33)، ومرة اخرى، وهي الاقسى، حين صوب سهمه في حذاقة الى القلب واطلق من قوسه نبلة اصابت نجمة هوت فدخلت بموتها العائلة في دياجير الحزن وفي صمت الأسى. مذ ذاك انتفت المسافة الفاصلة بين الحياة والموت. ولم يعد الموت ذلك البعيد الغريب المجهول. ولا ذلك الاحساس الذي يعرفه الآخرون فقط، بل حقيقة حميمية انتشلت الذات من غفلتها وفتحت عينيها المغمضتين على مأساة الوجود: "من تراه يعرف اكثر منا إلفة ذلك الموت" (80). عندما تطول يد الموت من نحب يصبح الموت بمعنى ما موتنا نحن، نختبره وهو يتسلل في الجسد برداً وجفافاً، وفي النفس تمزقاً ولوعة واحساساً بالعجز والضعف وانعدام الحيلة. الموت هو الانكسار الاكبر، ولكنه قد يصبح الانتصار الاكبر عندما يفتح أمام الذات افق التجاوز الى ما ورائه، ويوقظ حدسها بالحضور الى ما بعد الغياب. وهذا ما نجد دلائله ومؤشراته في ما تخفيه الكلمات وما توحيه القصائد في الديوان الذي تتحكم في بنيته جدلية الموت والحياة، الحضور - الغياب. مما يجعل الشاعر ينتمي بتجربته الى قافلة من الشعراء الذين صعقهم الموت فانتهوا الى تدجينه واحتوائه منهم فكتور هوغو ولامارتين ومالارميه وناديا تويني.

اختار عقل العويط الكتابة لغة تواصل مع الغياب، وفعل حب يسافر به الى الضفة الاخرى ليختبر "الحياة من جهة الموت" كما يحلو له القول في عنوان قصيدة. غير ان السفر في هذه الحالة حركة ليس في اتجاه الخارج بل نحو الداخل لأن الغائبة تولد فيه من جديد حقيقة تجردت من ثوب الحياة وتخلصت من قناع الزوال لتتلألأ حضوراً روحياً لا يزيده الغياب الا جمالاً: "كان عليّ ان اذهب لأرى الحياة من جهة الموت/ اعني من جهة الحب/ كنت اوحش من فلاة فذهبت ورأيت" (ص9). لكن الهجرة الى الطرف الآخر مغامرة تبعث الرهبة وتتطلب جرأة الدخول في المجهول ومعاقرة الأسرار، ولا يتردد الشاعر فيخوض غمارها لأن فيها سراحه، هو القتيل عندما يأسره اليومي وتقيم الحياة من حوله قضبان حركتها: "لكن ما ارعب اني حيث تقيمين/ ما اصعب اني في الحياة كنت القتيل" (ص10). وما "سراح القتيل" الا الكتابة لأنها طريق نحو الداخل، وحوار مع الغياب: "من تراه اعمق منا يصادق خواء يشبه الكفر/ يجعل الغياب توأماً بالتبني" (ص80). تستحضر الكلمات الغياب ويرسمه الحبر ملامح وجه وضوء ابتسامة، وجمالاً يبتدع في كل مرة تنتصر فيها الريشة على بياض الصفحات: "اضع يميني على الصفحات لاكتبك/ بزواج الإلفة والرهبة/ ولكن ليس بالاعتياد" (ص11)، "تطلين/ ضحتك قداس الأحد/ تنسلين من سحب الافكار/ قوس قزح او قصيدة في جملة/ تزرعين غاية رقادك بحنطة السنوات" (ص76). في استحضار الغياب تبلغ التجربة منتهى الصدق، تهزنا وتخطفنا وتدعونا الى شراكة حميمية مع الشاعر. كيف لا وهو ينطق بلغة تأخذ من الحقيقة بساطتها ومن الايمان بالانسان الذي خلقه الله على صورته ومثاله رونقها. يسهل علينا ان نتمرأى في هذه اللغة وان نتقاسمها مع الشاعر او ان نتماهى معه حين يقول مثلاً وهو يبحث عن بلسم لجرح الغياب: "كان علينا ان نردم الهوة بافكار لذيذة/ ان نصنع سقفنا المشترك/ ونعرف كم انك قريبة المتناول" (ص85). هكذا تكبر العائلة التي ينتمي اليها ويتكلم باسمها تضم كل الذين سرق منهم الموت حباً، والذين يحاولون ايجاد العزاء بالثقة بأن الموت ليس الا سفراً وان الذين يموتون انما يولدون في حضور غائب، يسهرون عليهم في سمائهم القريبة البعيدة، يطلون منها حيناً من خلال غيمة وحيناً في ديمة تنهمر، ويرسلون اليهم اشارات ترفع الغم عندما يتم الاتصال: "على عادتك كل صباح ما زلت تطلين/ في يديك الحديقة وفي العينين الفستان/ الربيع (...) فنعرف ان الانتقال لم يشغلك ولا كتاب/ الصمت/ وان الشتاء الذي بات مدجناً على السواحل/ لم يحل دون بريدك الآتي من ثلج الأعالي" (ص80)، "كان علينا ان نعرف (...)/ ان الاجمل من الحزن عيشك الخالص/من كل عيب هناك" (ص86). لا غرو ان تتحول الغائبة الى ايقونة او ملاك وان تتحد صورتها بصورة العذراء مريم لأنها في الحياة كانت مصدر الفرح ولأنها بالموت تحررت من شوائب الوجود الانساني فـ"لا يعكر صفو(ها) ضجيج الشر ولا تؤلم (ها) شمس النهار" (ص86).

غير ان العزاء لا يبلسم الجرح ولا يوقف النزف ولا يخفف وطأة الاحساس بالموت لأن الوصل سراب واللقاء توهم (ص77 - 78). لذلك يسيطر شبح الموت على بعض القصائد بل يصبح الموت حضوراً حياً وكأن الشاعر يحاول بذلك ان يطرده من داخله فيخرجه الى القصيدة حيث يدخل في سجال معه وينطقه. يذكرنا ببعض روايات الكاتب الاميركي الفرنسي اللغة جوليان غرين الزاخرة بالشخصيات التي تجسد الموت والتي تساهم في اقامة الحبكة الروائية; مما يدعو الى التأكيد على وحدة التجربة الانسانية في مواجهة قضايا الوجود الكبرى. بين قصيدة "نبذة" التي يخاطب الشاعر فيها الموت مقدماً له اوراق اعتماده، وقصيدة "جارتنا الحياة" حيث يكشف الموت لنا وللناس جميعاً عن حقيقته بلغته، حوار حقيقي. في الاولى يسعى المتكلم الذي يدرك ان سر كره الانسان للموت هو عدم معرفته لجوهره وخوفه من مجهوله الى ان يقوم بخطوة باتجاهه فيقدم له نفسه في انتظار ان يبادله الموت بعد ذلك بالمثل: "هاك نبذة عني أيها الموت/ فقد ترفع الكلفة بيننا/ ومن يعرف/ قد ادعوك لتكون ضيفاً لوجودي" (ص14). فيرسم صورة ذاتية تكشف عن ازدواجية "الأنا" التي تارة تقبع في سجن اليومي وتفاهته، وطوراً تهاجر في متاهات الشعر وتقرأ في سفر القصيدة; حيناً يأسرها النهار فيتملكها الشعور بالخيبة والهزيمة والضياع وتقع في هاوية الفراغ والوحشة، وينتهشها الاحساس بالندم والذنب. وحيناً آخر تحول آلامها الى طريق للعبور الى ليل المعنى فتسمع في سكون الصمت لغة وتدخل في سر العتمة المضيئة; يقول الشاعر كاشفاً عن خيمياء القصيدة: "بعض من توتر القلب يؤثث النظرات بحكمة الضوء" (ص17). وهو يذهب في محاولته تدجين الموت الى ان يعيش موته الآتي فيتخيل جسده المستسلم لرقاده في قبر لا تؤنس وحشته الا رفقة واحدة: جسم الموت المتمدد الى جواره، ذلك الموت "الرابح ولا منازلة" (ص19). يقوده ذلك الى ان يكتشف ان خوفه من الموت انما هو خوف من الفراغ الذي سيخلفه الرحيل، ومن السفر قبل اكتمال المعنى: "لا ليس الخوف ايها الموت/ بل ماذا يعني شأن حبي بعدي/(...)/ انها الغيرة فقط/ شعوري بأن الاوراق البيضاء ستظل بيضاء/ وبأن العري سيزداد عرياً/ وكذلك انتظار تلك المرأة لي" (ص20). فيجيبه الموت مبدداً مخاوفه: "لست عدوكم/ (...) اجوب الحياة حيث تنبت حنكة الظل" (ص91). وكأني به يقول انا في الحياة، انا والحياة واحد، انا وجهها الآخر، هويتها الثانية. كيف لا وقد اصبح الموت هو الحياة بعدما انتصر المسيح على الموت بالموت كما يعبر عقل العويط بلغة المجاز حيث ينطق الموت ليقول: "عندما رفعوني الى الخشبة كي افتح العتم/ لأوجاع الزيتون/ (...) / صرت الحكمة والجريمة ولسان الرواة واعلنت موتي" (ص92 - 93).

يقودنا ذلك الى التوقف عند المناخ الروحاني المهيمن على العدد الاكبر من القصائد حيث يمكن رصد حقل لغوي وسيميائي على صلة وثيقة بلغة الانجيل وصوره وبالتراتيل الكنسية. فالشاعر "كاهن" والقصيدة "قربان" (ص31)، والملائكة جمعاً، ترفّ باجنحتها وتعزف ألحانها السرمدية (ص30) ومثنى، تقيم في جوهر الانسان جسداً وروحاً ("غلطة الملاكين" ص52); والمسيح حضور يشع من خلال الرمز: "نار ورحمة/ على رأس شجرة وعلى الماء" (ص 56)، ويستلهمه الشاعر ويخاطبه في قصيدة لعلها من أرقّ ما كتب من شعر العشق الصوفي حيث العتاب حب، والجفاء قناع للشوق، والكفر فعل ايمان; حيث الله والانسان واحد في الألم وفي اختبار مأساة الوجود. يعيش الشاعر مأساة المسيح على الخشبة، يختبر معه الوجع لأنه يحيا به وفيه، ويقيمه في داخله لاغياً المسافة متحداً به منصهراً معه: "اتذكرني يوم لطموك وسخروا منك (...)/ ويوم كنت انادي من فرط ابتعادي فيك" (ص67). مسيح عقل العويط ساكن في الوجدان صورة محفورة في القلب منذ الطفولة ورمزاً للانتصار على الألم بالحب، ودليلاً يرشد في المتاهة، وملاذاً عند هبوب العواصف. لذلك يعاتبه الشاعر المريد على خذلانه له عندما ناداه فلم يجب واستغاثه فلاذ بالصمت: "اتذكر يوم ناديتك ولم تسمع/ ويوم رفعت يدي الغرقى وكنت في يمّ/ شديد/ أتذكر يوم امسكت اختي بثوبك فلم تخرج/ منك قوة غريبة" (ص71). ينكفئ المخذول عن صديقه، يحاول ان يبتعد عنه لكنه لا يفلح لأنه يحمله في ثنايا الروح، فلا يخاصمه الا ليكون لقاءه به اعمق واصدق:"اريد ان انساك ايها السيد. انا امحو وجهك من مرآتي/ كي ارى ما يجب ان اراه"، "اتركني اذن لأني لن أكونك أكثر/ (...)/ لكن قبل ان اغادر قل لي كيف اتخلص منك/ واردم وهجحك فيّ/ قل لي كيف انا مجدفاً لا تزال معي" (ص72). لا يهرب الشاعر من المسيح الا اليه لأنه امتلك كيانه ليشكل معنى وجوده وحقيقة نفسه فهو اذا نظر الى نفسه رآه: "ابعد عني مرآة وجهي كي لا اراك" (ص74). يبقى المسيح له عنوان الرجاء لأنه يفتح باب السماء حين يتم القدر: "اتذكرني أيها الاحتمال النهائي/ يوم ولدت ويوم تموت ويوم تبعث حياً/ كن صديقي ومضيفي ذات يوم" (ص75). في هذه الابيات تكريس لما يمكن القارئ ان يتلمسه بحدسه على مدى القصيدة وهو تسليط الضوء على المسيح الانسان. ولعل الاشارة الضمنية الى ال القرآنية الكريمة: "وسلام علي يوم ولدت ويوم اموت ويوم ابعث حياً" تأتي لتؤكد هذا الاحتمال.

هذا غيض من فيض، فالديوان غني بتجربة وجدانية صادقة الى كونه يطرح مسائل عدة: ماهية الشعر، هوية الشاعر ودوره، حضوره في العالم وعلاقته بالقارئ، الحب والجنس، ازدواجية الذات، الخطيئة وغير ذلك مما لا يتسع المجال للحديث عنه في هذه المقالة. غير انه لا بد من وقفة ولو وجيزة عند لغة الديوان التي تعتمد بشكل اساسي على الصورة وهي تتماهى بطبيعتها مع المفهوم الذي حدده لها الشاعر الفرنسي بيار ريفردي: الجمع بين المتناقضات والحدس بالعلاقات الخفية التي تربط بين المتباعدين فينتج من ذلك انتفاء للمسافة الفاصلة بين الذات والموضوع من جهة، وتحقيق للانسجام بين مكونات العالم، من جهة اخرى، كذلك تساهم الصورة في خلق عالم الدهشة والغرابة الذي يفتن القارئ ويأخذه بعيداً; وهذه بعض الأمثلة: "كنت افضل ان اولد لا شجرة/ بل ربما بصيصاً في عتمة/ او صخرةً مطلة على نوم" (ص44)، "لن استيقظ وحيداً على عادتي/ لأشرب الافق مع اعشاب الجنينة" (ص19)، "اترنح شجرة تفاح" (ص40). وقد تتكثف الصورة لتلمع كالبرق او لتخترق كالرمح نسيج الصمت الذي لا يلبث ان يبتلع الكلام: "الغرفة كتاب الجسد"، يقول الشاعر مشيراً الى عزلته، فلا شيء يقع تحت ناظريه الا جدران غرفته ولا شيء يشغله عن اشيائها. ويمارس صاحب الديوان في براعة فن المجاز لتكون لغته لغة ايحاء وتحرير للمعنى، فهو اذ يصف القصيدة كثمرة لمعاناة ودخول في مخاض تجربة صعبة يقول: "في قفير الجحيم تصنعين عسلك/ فاضفريه بنعمة ان يؤكل" (ص11) فتتولد الصورة من انزياح المعنى الذي ينتج من استبدال لفظة "النحل" بلفظة "الجحيم" وتتم النقلة من لغة التعبير المباشر الى لغة المجاز الذي تشطح بالخيال ليدخل في مناخ التحولات حيث يصبح العسل - المعنى ضفيرة تمتد بين الشاعر والقارئ كحبل وصال. وغالباً ما يستخدم الاضمار بغية ان يشحن الكلمات بكثافة المعنى من جهة، وان يترك المجال واسعاً للامكان من جهة اخرى: "كي استحق" (ص12)، و"فعلت دواليك" (ص18)، "احساسي بأنك" (ص17). الى كل ذلك، ينجح الشاعر في ترسيم القصيدة على الصفحات البيضاء لأنه مدرك للدور الذي يمكن ان تلعبه تيبوغرافيا النص في تشكيل المعنى، ويلفتنا في هذا المجال الخط العمودي الذي ترسمه الكلمات في ثلاثة مواضع من الديوان (،94 ،142 143) كأنها سلم تصاعد عليه الذات الى السماء او خشبة صلب او شجرة تقرب بين الفضاء والتراب.

كل ذلك يجعل من "سراح القتيل" عملاً شعرياً مميزاً يحمل للقارئ العادي لذة القراءة، ويعد الناقد الذي يتوغل في خفاياه بالكنوز الكثيرة.



------------------
<FONT COLOR="Green">اقرأ ان شئت هذه الموضوعات :[/COLOR]
ماذا تعرف عن هؤلاء
ملف الامسيات الشعرية
ملف المحاضرات
قـ(1)ـراءات قـ(2)ـراءات قـ(3)ـراءات قـ(4)ـرات
ابداعات قصصية
قضية ثقافية
ملف التجارة الالكترونية
الرد مع اقتباس
  #3  
قديم 07-06-2001, 01:48 AM
أبو بسام's Avatar
أبو بسام أبو بسام غير موجود
فارس عربيات
 
تاريخ الإنضمام: May 2000
المكان: سبت العلاية - عسير
الردود: 5,676
الرصيد:: 0
Post

ذاك هو المجنون. اما العاشق فهو لا يقل خبلا اذ يرى جمال هيلين في جبهة غجرية واما عين الشاعر التي تدور في حماس رهيف فهي تهبط من السماء الى الارض، ثم تصعد من الارض الى السماء، وبينما يجسد الخيال صور المجهول، يشكلها قلم الشاعر، ويجعل لهباء العدم مكانا في الوجود ويمنحه اسما محددا فالخيال القوي قادر على هذا الخداع فإذا احس ولو بفرح قليل، تصور مصدرا ما لهذا الفرح، واذا توهم بعض الخوف اثناء الليل فما أيسر ان يتصور الشجرة دبا مفزعا (المشهد الاول من الفصل الخامس من المسرحية، ترجمة د. محمد عناني).
حقق عرض مسرحية «حلم ليلة منتصف الصيف» لشكسبير على المسرح الملكي باستوكهولم نجاحا باهرا على الصعيدين الفني والجماهيري، لم يحققه أي عرض شكسبيري آخر على المسارح السويدية طوال العقود الاخيرة، فقد اجتاز العرض الموسم المنصرم باقبال شديد عليه، ولا يزال الاقبال هذا في أوجه، مما يدل على ان العرض سيجتاز الموسم الجاري الى المواسم المقبلة.
من الأرجح ان مسرحية «حلم ليلة منتصف الصيف» كتبت حوالي عام 1595 أي في السنة نفسها التي كتب فيها شكسبير مسرحيتي «روميو وجولييت» و«تاجر البندقية».
ويذهب مؤرخو المسرح الى الاعتقاد بأن اول عرض للمسرحية جرى في قصر لآل ساوث هامبتون في تشانسري لين في هولبورن بلندن عام 1604، وان المسرحية كتبت خصيصا لتقديمها في حفلة زفاف احدى السيدات التي كان شكسبير يرتبط مع ابنها بأواصر صداقة متينة. وعلى رغم ما قال فيها الناقد بيبوس عام 1662 من انها أتفه واسخف مسرحية شاهدها في حياته، فإنها اكثر مسرحيات شكسبير رواجا وشعبية. فقد باتت تقدم بأشكال فنية مختلفة، حيث اخرجها للمسرح على مر العصور كبار المخرجين من امثال باسيل دين وماكس رينهاردت وبيتر برووك وبيتر هول وروبرت ليباج في الوقت الحاضر، كما انها كانت على مر العصور مصدر إلهام لعروض شهيرة في الباليه والاوبرا من قبل ألمع مؤلفي الموسيقى الكلاسيكية من امثال بورسيل وميندلسون وبريتين، ناهيك من الافلام السينمائية العديدة التي جسدت هذه المسرحية.
في معظم المعالجات الاخراجية تشكل رؤية المخرج للغابة النواة والبذرة الاولى في تناول المخرجين لهذه المسرحية السهلة ظاهريا والشائكة جوهريا. ان الغابة في مسرحية حلم ليلة منتصف الصيف لا تمثل الطبيعة فحسب، بل تتعداها لكي تمثل غرائزنا ايضا على حد قول يان كوت في كتابه القيم «شكسبير معاصرنا»، فعلى سبيل المثال كانت الغابة في اخراج المخرج النمساوي ماكس رينهاردت الاخير للمسرحية عام 1927 تجسيدا حقيقيا لعالم الجن في اطار حلم قائم على مشاهد مسرحية موسيقية راقصة كأنها نموذج من فن الباليه. ولا شك ان المبادرة في تناول حلم ليلة منتصف الصيف ورواجها وشعبيتها في المسرح الحديث تعود بشكل اساسي الى رينهاردت الذي استمر يعيد اخراجها منذ عام 1905 مرة تلو الأخرى حتى 1927 الى ان بلغت اثنتي عشرة مرة ليخلدها اخيرا في انتاج سينمائي لا يزال يحتل مكانة متميزة الى يومنا هذا. اما في اخراج بيتر برووك الشهير على مسرح رويال شكسبير في السبعينات من القرن المنصرم فقد كانت الغابة فضاء مسرحيا عاريا تضمه جدران بيضاء، في حين كان الممثلون يقفون على مرأى من المتفرجين متأهبين للدخول الى المسرح المصمم على شكل مكعب كبير. كان كل شيء ممسرحا بدقة الى اقصى درجات المسرحة او التمسرح، وكان اداء الممثل المرتكز على الفعل الحركي والقائم على ألعاب السحر والسيرك والمصارعة واللعب على الاراجيح، يشكل لولب العرض. كان واضحا ان برووك استلهم اسلوب اخراج المسرحية من منهج ميير هولد البيوميكانيك، كما اقر بذلك بنفسه في برنامج العرض. جاء عرض برووك كرد على عرض مسرحية حلم ليلة منتصف الصيف للمسرح نفسه من اخراج بيتر هال قبل ذلك بأحد عشر عاما، وبأسلوب مسرف في التفاصيل الواقعية والطبيعية. ففي مشاهد القصر لجأ هول الى التجسيد بالكواليس في محاولة لخلق التأثير الواقعي. اما في الغابة فقد كانت ثمة شجرة كبيرة موحية بالغابة قابعة وسط المسرح.
في التسعينات حول المخرج الكندي روبرت ليباج خشبة مسرح «أوليفيه» الفسيحة في المسرح القومي بلندن الى مستنقع موحل يتمرغ فيه العشاق في جنون وشبق بينما أيادي الجن المخفية تعبث بهم وتقودهم الى الطيش والجنون.
هذه بعض امثلة لعروض مسرحية حلم ليلة منتصف الصيف، ولا يتسع المقام لذكر امثلة أخرى لكثرتها.
استقدم المسرح الملكي في استوكهولم لاخراج هذه المسرحية المخرج البريطاني جون كايرد احد اهم مخرجي بريطانيا في الوقت الحاضر الذي عمل في «رويال شكسبير كومباني» اثني عشر عاما. وهذه هي المرة الثانية التي يخرج فيها كايرد مسرحية حلم ليلة منتصف الصيف. اما احدث اعماله الاخراجية في بريطانيا فقد كان اخراجه مسرحية هاملت على المسرح القومي بلندن في صيف العام المنصرم. اشتهر كايرد منذ بداية مسيرته الفنية بتعاونه الوثيق مع المخرج تريفور نن المخرج الاول ومدير المسرح القومي (استقال منه قبل شهرين فقط)، ذلك التعاون الذي اثمر عن اخراج مشترك لتسعة اعمال مسرحية طويلة لعل اشهرها اخراجهما المشترك للمسرحيات الموسيقية الشهيرة «نيكولاس نيكلبي» لتشارليس نيكنز» و «البوساء» لفيكتور هيجو، ولا يزال الاقبال عليها شديدا رغم مضي 17 عاما على عرضها الافتتاحي.
يطرح كايرد رؤياه للغابة في البيان الصحافي التمهيدي للعرض على النحو التالي: ان المشهد الاول في المسرحية مشهد غريب جدا، كان بإمكان هذا المشهد ان يكون مشهدا استهلاليا لأية مسرحية تراجيدية، فهو شبيه بمطلع مسرحية «روميو وجولييت»، اب غاضب، دوق، اولاد يائسون، يعانون من مشاكل الحب الابدية. في المشهد الثاني يدخل عدد من الممثلين وهم يخططون لاخراج مسرحية، حينذاك فقط يدرك المرء من سياق الاحداث ان المسرحية كوميدية، ثم ننتقل مع بوك والجنيات الى الغابة، ونفهم ان المسرحية ليست مجرد ملهاة، بل انها كوميديا مجنونة، عالم مجنون تلاشت فيه قواعد السلوك الانساني بأسرها.
مسرحية حلم ليلة منتصف الصيف مسرحية مظللة يصعب على المخرج لم عوالمها المتعددة الالوان والاجواء في بناء اخراجي محكم ومتزن تتمتع فيه جميع اجزاء المسرحية بنفس النسبة من البناء الفني المتناسق. انها مسرحية تبدو سهلة في ظاهرها كأية حكاية مألوفة من حكايات العشاق وعوالم الجن والاحلام، مما يغري الكثير من المخرجين ويدفعهم بالتصدي لاخراجها، لكن معظمهم يخفقون في ايجاد ذلك التوازن الضروري بين اجزائها ما لم يعتمد المخرج تقنية عالية ويتمتع بقدرة فنية كبيرة، مثل ماكس رينهاردت وبيتر برووك. ذلك لأن اجزاء هذه المسرحية، دون الكثير من المسرحيات، تشكل عوالم مختلفة في طابعها ومناخاتها وشخصياتها ولغتها وبنائها الدرامي، عالم العشاق: خصام ورومانتيكية وجنون وفظاظة في الوقت نفسه. عالم الجن: عالم السحر والشاعرية والمسخ واللامعقول والشبق ممتزج بالخوارق. عالم القصر: الارادة الابوية المدعمة بسلطة الدوق الحاسمة في تحديد مصير العشاق. واخيرا عالم الحرفيين: عالم فضاء المسرح الفقير والمسرح الشعبي.
وينفرد الحرفيون بعالم متميز لا يضاهي العوالم الأخرى سبكا ومتانة فحسب، بل انه الاصعب تجسيدا على الخشبة بما ينطوي عليه من افكار مهمة في فن الممثل وجماليات التجسيد الابداعي في علاقة الممثل بالمتلقي، الى جانب تصورات شكسبير العميقة عن المسرح الشعبي وضرورة مسرحة كل ما هو قائم على المسرح، بالاضافة الى تأكيده اسلوب المسرح داخل المسرح.
مركزا على تحليل الجانب الايروسي من المسرحية، اغفل يان كوت في دراسته العميقة للمسرحية، اهمية مشاهد الحرفيين التي منها تنبع اصول الاداء الشكسبيري وبناء المسرحية القائم على مبادئ المسرحة البحتة.
ويمكن القول ان مشاهد الحرفيين تحمل في طياتها تجسيدا فنيا بارعا لما يسمى بالاسلبة والمجازية والايحاء والتلويح عند ميير هولد وعرض الدور دون تقمصه والعلاقة بين الممثل والمتلقي عند بريخت، وصورة واضحة لما يسميه برووك بالمسرح الخشن. وبهذا يكون شكسبير قد سبق مخرجي المسرح الحديث والمعاصر ممن تصدوا للأساليب الواقعية والطبيعية، او مهد لهم السبيل في كثير من كشوفاتهم الاخراجية.
ومن دون فهم هذا الجانب يتعذر على المخرج تجسيد المسرحية في صورتها الفنية الآسرة. وفي اعتقادي ان سر ابداع برووك في اخراجه الذي خلده تأريخ المسرح، يكمن في فهمه العميق لهذه النقطة بالذات.
ان للعشاق والمجانين عقولا فوارة وخيالهم قوي خلاق، يرى ما يعجز عن ادراكه العقل الهادئ (المشهد الاول من الفصل الخامس). بهذا المنطق يرد الدوق على عشيقته هيبوليتا في تفسيره سلوك العشاق وما جرى لهم من اعاجيب القصص. بالمنطق نفسه يقيم جون كايرد عرضه المسرحي العشاق مؤكدا بالدرجة الاولى سلوك العشاق الساذج وتقلباتهم السريعة المضحكة ومطارداتهم الهوجاء لبعضهم وتحولاتهم في اقاليم الغابة السحرية. ان الاطار الاسطوري السهل للمسرحية والممتع في آن واحد، يشكل نبرة العرض الاساسية بعيدا عن تعقيدات المدارس النفسية والتحليلات الفرودية التي ظلت تثقل كاهل هذه المسرحية الخفيفة خفة الاحلام الشفافة. ومن الناحية الفنية ايضا يبتعد المخرج كل الابتعاد عن الاساليب المسرحية المقحمة واللامألوفة بقصد خلق تأثيرات مسرحية في الاسلوب من النوع الذي يسمى احيانا بالتجريبية. فالغابة غابة فحسب والجنيات ليست إلا جنيات كما تصورها الكتب والاساطير وليست ضربا من مرضى فرويد المصابين بالهيستيريا، كما يقول الناقد السويدي ليف زيرن. ان كايرد مزج في اخراجه مسرحية حلم ليلة منتصف الصيف التقاليد الشكسبيرية بتقاليد الويست ايند الخلابة ببهجته الموسيقية الشجية وعنفوان رقصاته الجياشة، مما حدا بالسويديين ممن عرفوا بدأبهم للسفر الى الويست إيند وولعهم بمشاهدة العروض المسرحية هناك الى القول: لقد جاءت الويست إيند بنفسه إلينا هذه المرة.

------------------
<FONT COLOR="Green">اقرأ ان شئت هذه الموضوعات :[/COLOR]
ماذا تعرف عن هؤلاء
ملف الامسيات الشعرية
ملف المحاضرات
قـ(1)ـراءات قـ(2)ـراءات قـ(3)ـراءات قـ(4)ـرات
ابداعات قصصية
قضية ثقافية
ملف التجارة الالكترونية
الرد مع اقتباس
  #4  
قديم 11-06-2001, 03:27 AM
أبو بسام's Avatar
أبو بسام أبو بسام غير موجود
فارس عربيات
 
تاريخ الإنضمام: May 2000
المكان: سبت العلاية - عسير
الردود: 5,676
الرصيد:: 0
Post

رؤية نقدية لرواية ((انها لندن يا ))
للكاتبة اللبنانية حنان الشيخ
بقلم سمير اليوسف:
جريدة ايلاف الالكترونية
--------------------
يذكرنا عنوان رواية الكاتبة اللبنانية حنان الشيخ الجديدة بضآلة الاعمال القصصية العربية التي تتخذ من المدينة الاوروبية ميداناً لحوادثها ومن العلاقات التي تسود فيها موضوعاً. والحق فان عنوانا مثل "انها لندن يا " يشير من طرف خفيّ الى حقيقة انه على رغم ان هناك العديد من الكُتّاب العرب ممن يقيمون في اوروبا منذ عقد، بل وعقدين وثلاثة عقود، إلا ان الموطن الأصلي ما برح المسرح الأثير لمجريات قصصهم وبالتالي فان الماضي هو الزمن الذي ما انفكوا يلازمون. فما كان لعنوان كهذا أن يأتي على هذه الصراحة في الاحالة الى العاصمة البريطانية لولا ظاهرة غياب القص العربي الذي يعرض لحياة العرب في أوروبا. هذه، على اية حال، ظاهرة معقدة ولا يمكن الحسم بشأنها من خلال ردّها الى سبب، أو حتى جملة أسباب محددة. بيد انها ظاهرة تنم عن فجوة تُملي علينا الاهتمام بأية محاولة ترمي الى ردمها.
انه لمن هذه الركن، علىالارجح، نُقبل على قراءة رواية حنان الشيخ هذه استجابة لما يثير عنوانها فينا من طموح. وفضلاً عن ان احداث الرواية تدور في لندن، فانها تتناول مشكلة "شرق/غرب" بحسب اصطلاح شائع صاغه جورج طرابيشي قبل ما يزيد على عقدين من الزمن في سياق قراءته لعلاقة الرجل العربي (والشرقي عموما) بالمرأة العربية وفقاً لما ظهرت عليه في طائفة من القصص العربي. على ان حنان الشيخ تعرض لهذه العلاقة على وجهها المعاكس والأعقد. أي علاقة المرأة العربية بالرجل الغربي، الانكليزية تحديداً. ولعل ما يزيد من طموح هذ الرواية، وبالتالي، يلقي على كاهلها عبئاً اضافياً.
تسرد الرواية مصائر ثلاث شخصيات عربية رئيسية في العاصمة البريطانية. وهي مصائر تتفاوت تبعاً لتفاوت طبائع هذه الشخصيات ومنازلها الاجتماعية وظروف قدومها الى المدينة وطموحاتها، هذا بالاضافة الى وعيها بحقائق كهذه. هناك أولا، شخصية لميس، العراقية التي بعدما تنفصل عن زوجها وطفلها تسافر الى دبي بحثاً عن فرصة عمل. غير انها تكاد ان تقع ضحية تهمة باطلة الاتجار بالمخدرات، فتعود الى لندن وفي نفسها ينمو العزم على ان تحيا حياة امرأة مستقلة تحاول وسعها دخول المجتمع الانكليزي الذي عاشت على الدوام بمنأى عنه. فهي على رغم انها اقامت في لندن لمدة 13 عاماً، وانها تحمل الجنسية البريطانية، إلا انها لبثت طوال هذه المدة حبيسة عالم زوجها العراقي الميسور، الذي تزوجته رغماً عن ارادتها، فخضعت له ولوالدته المستبدة، عاجزة عن تلبية طموحاتها ورغباتها، وقاصرة عن تجاوز فلك العائلة الصغير واقامة صلة مع العالم الواسع المحيط بها. ويأتي امتحانها الحاسم في مدى استعدادها على دخول المجتمع الانكليزي الذي تعقد العزم على دخوله، من خلال العلاقة التي تنشأ ما بينها وبين الشاب الانكليزية نيكولاس الذي يعمل في المزادات الفنية لصالح ثري عُماني. وهي العلاقة التي يستشف من خلاها حجم الاختلافات الثقافية والنزاع النفسي الذي تولده في دخيلة كل منهما.
هناك ايضا شخصية أميرة المغربية التي كانت قد رحلت عن بلدها وأتت الى لندن سعياً الى فرصة عمل وحياة أفضل، غير انها تنتهي الى احتراف الدعارة، لهذا فان علاقتها بالمدينة انما تقتصر على علاقاتها بمن شابهها من ممتهنات هذه المهنة، وبزبائنها من الأثرياء العرب الذين يفدون الى المدينة، ومن ثم بالفنادق والمقاصف الشهيرة التي يقيمون فيها ويترددون عليها. وهي اذ تحاول ان تقيم لنفسها موقعاً، وان تجني أموالاً ليس في وسعها جنيها بواسطة المهنة التي تزاول، فانها لا تجد مناصاً من سلك سبيل النصب والاحتيال، فتعمد الى انتحال شخصية أميرة عربية ثرية، وتشرع في التردد على فنادق لندن الشهيرة سعياً للايقاع بضحاياها.
وهناك أخيراً شخصية اللبناني سمير، وهو بمثابة "كامب" و"ترنفستا" (ترافيستي) تبعاً لمصطلحين انكليزيين هما الأوفق، ما هو متوافر عندنا باللغة العربية، لوصف الرجل الذي يغلب على كلامه وسلوكهخ نزعة انوثة مفرطة، والذي يميل الى ارتداء الملابس النسائية. ويكون مجيء سمير الى لندن والاقامة فيها بمثابة خبط عشواء من العسير تقبله. فهو يأتي من دبي الى لندن بغية ايصال قرد يستخدم كواسطة لتهريب الماس. غير ان سميراً لا يعلم من أمر التهريب شيئاً، واذ يرضى القيام بهذه المهمة، فعلى الارجح لقاء الحصول على مبلغ ألف دولار.
تحاول الرواية ان تسرد مصائر هذه الشخصيات على مستويين، الاول متوازٍ والاخر متقاطع. وهي لئن افلحت في سرد المحتوى الاول، فان حظها في تحقيق الأمر على المستوى الثاني يبدو أقل من ناجح. وليس هذا بأمر غريب اذا ما تنبهنا الى طبيعة الفوارق التي تفصل ما بين الشخصيات المذكورة، ومن يدور بفلكها بالتالي. فكيف لشخصيات على هذا التفاوت ان تتقاطع مصائرها من خلال عقدة روائية رئيسية تسوغ اجتماعها في رواية واحدة
يلتقي هؤلاء على الطائرة المتجهة من دبي الى لندن. لكن لقاءا عابرا كهذا، كما نعلم من التجربة، وكما يتضح من سياق حوادث الرواية نفسها، لا يكفي لتمهيد سبيل لعلاقة وطيدة. هكذا على سبيل المثال، فانه ما عدا لقاء آخر، عابر ووليد المصادفة، م بين لميس وأميرة، فانه طوال الرواية لا يحدث ان يجري اتصال من أي نوع ما بينهما. وبالنسبة للعلاقة التي تنشأ ما بين لميس ونيكولاس (وهو أحد الذين يلتقون في تلك الرحلة) فان المرء لا يمكن ان يغفل الافتعال الذي يكمن خلفه. فيبدو لنا نيكولاس وقد وقع في حب لميس منذ رآها للمرة الأولى، ومن ثم فانه ما ان يلتقي بها ثانية، في لقاء يكون وليد المصادفة أيضاً، حتى تتطور الأمور بينهما بسرعة ويباشرا علاقة تامة من دون أدنى تلكؤ.
ولكن الرواية تحاول ان تعرض للمصاعب التي تنطوي عليها العلاقة ما بين عربية وانكليزي فان الوجه الذي تنشأ عليه هذه العلاقة منذ البداية لا تبدو المدخل الأوفق لما يأتي بعد ذلك. أما بالنسبة للصلة الوطيدة التي تنعقد ما بين سمير وأميرة، فانها تنطوي على مقدار كبير من العشوائية بحيث تنقضي الرواية من دون أن نعرف سرّ نشوئها ودوامها. والحق فان قصور الرواية في تبرير مثل هذه العلاقة انما يعود الى حقيقة ان شخصية سمير انما هي شخصية مجانية مُقحمة على احداث الرواية اقحاماً. فلا حكاية قدومه الى لندن، ولا بقاءه فيها يبدو مقنعاً. واذا ما عاينا هذه الشخصية، من خلال الصورة التي تظهر عليها قياساً بشخصيات الرواية الاخرى، تبين لنا ان لا مبرر رئيسي لحضورها سوى محاولة اغناء البعد الهزلي في الرواية. المشكلة الفعلية هنا، ان المؤلفة لا تنجح تماما في تحقيق غرضها هذا، بما يتركنا امام اضافة عشوائية ومجانية، كما سبق وأشرنا. فمن وجه أول، لا تفلح الكاتبة في تقديم صورة جلية لهذه الشخصيات بما يتوافق مع توظيفها كشخصية هزلية. ومن وجه آخر، فان اختزال هذه الشخصية الى ما يغلب على سلوكها من نزعة انثوية، ومن ثم افتراض طبيعتها وسلوكها باعثاً للضحك والسخرية لهو أمر يندّ عن تحامل، شعبي المصدر، ضد انسان لا خطيئة له سوى انه مختلف اختلافاً فيزيولوجياً ونفسياً عن غيره من الرجال.
ان لفي تجشم المؤلفة عناء اقحام شخصية كهذه على الرواية ما يشي بأن همها الأول هو سرد، او اخبار، ما يُضحك، وان على حساب بناء الرواية نفسه. لا غرابة بعد ذلك، اذا ما اخفقت في تقديم نسيج سردي متماسك. فكما انها لا تفلح في سوق عقدة رئيسية تربط مصائر الشخصيات الرئيسية ربطاً محكماً ، فانها لا تنجح نجاحاً يُذكر في بناء خلفية تاريخية واجتماعية تظهر الشخصيات الرئيسية في ضوئها. وجلّ ما تأتي به في هذا الصدد لوحة مبعثرة المعالم. فكثيرا ما تظهر شخصيات ثانوية وتختفي من دون أن ترسي أساساً ثابتاً لما يأتي بعدها. وفي بعض الأحيان يطل السرد على السياق العام للحياة الاجتماعية لاحدى الشخصيات، إلا ان هذه الاطلالة غالباً ما تكون "اسكتشية" الطابع، لا غاية لها سوى سوى انارة عابرة، ان لم نقل عشوائية، لصورة الشخصية المعنية. لى هذا فا ما يرد في الرواية من شخصيات وحوادث هامشية نادراً ما يتصل ويتداخل بحيث يرفع صرح الخلفية المتوخاة.
بصريح العبارة ان رواية "انها لندن يا " تأتي بأقل من الطموح الذي يعول القارئ على بلوغه. ويرجع هذا الاخفاق في تقديرنا الى سببين اثنين: الاول، افتقار الرواية الى رؤية واضحة، يجري السرد في ضوئها ويتجه نحو تحقيق معالمها وابعادها. اذ لمن النافل القول، انه لا يكفي ان يكون الغرض تصوير حياة ثلاث شخصيات عربية، أو ربما اكثر، في لندن، لكي نحصل على رواية جيدة. فالسرد في هذه الحالة قد يهمل التغلغل الى عمق ما يُخبر او يصور حيثما يقتضي الأمر، او قد يفرط في التحليل والشرح حيث لا يتطلب الأمر أبعد من ملامسة سطح الحوادث المروية.
والى ما ذكرنا ن أمر قصور الرواية عن تأسيس عقدة تربط مصائر شخصيات الرواية، وعجزها، بالتالي، عن ارساء خلفية تاريخية واجتماعية للشخصيات والحوادث، فانها في محاولتها الجمع ما بين الجد والهزل انما دليل اضافي على غياب الرؤية الواضحة. هكذا تظهر شخصية لميس من حيث ما تواجه من شكوك وصعوبات، بل وكيفية مواجهتها لمثل هذه الصعوبات وتلك الشكوك، بما هي مصدر نزاع ثقافي ونفسي، ممثل للوجه الجدي للقصة. في حين ان أميرة، خاصة في ما يتصل بحكاية انتحالها شخصية أميرة ثرية، ما يمثل الوجه الهزلي للقصة. فحتى تل الامور التي تبعث قلقاً وتوتراً في نفسها، فانها غالباً ما تظهر في قالب هزلي انسجاماً مع شخصيتها النازعة الى السخرية والتهكم. أما شخصية سمير، فكما سبق وأشرنا، فانها لتبدو اشبه بشخصية مهرج صير الى اقحامها على الرواية بغية تعزيز مظهرها الهزلي. غير ان محاولة الجمع ما بين الجدي والهزلي، لا تسدي خدمة جليلة لأي من مظهري العمل. فهي انما تفضي الى توزع ما بينهما بحيث تعيق السر عن تحقيق ابعاد الجدّي، أي التوغل الى عمق ما يظهر في اطاره، ان على المستوى النفسي او القثافي، وتجعله (أي السرد) قاصراً عن تقديم قصة هزلية تُمتع وتُضحك. فلا يصار الى استيفاء حق معالجة المصاعب التي تواجهها لميس، ان مع ماضيها، أي أهلها وزواجها السابق، او مع حاضرها، أي علاقتها بنيكولاس، فيلبث الكثير منها بمنأى عن التحقق.
الى ذلك فان الهزلي، او ما ينبغي ان يكون هزلياً، من القصة، نادرا ما يضحك. ولغ=عل السبب في ذلك ان الكاتبة تحاول في اكثر من مناسبة واحدة الاعتماد على النقل الحرفي لنكات ونوادر شفوية الطابع والمصدر، غير متنبهة الى حقيقة ان مثل هذا النقل لا يمكن ان يوصل المعنى او المغزى ما لم يتم صوغ الخبر بما يتوافق مع اداء اللغة المكتوبة. ولئن حاولت الكاتبة توسل اللغة العامية سبيلاً لمحاكاة ايقاع الشفوي بما يحافظ على مغزى الخبر، فان الأمر لا ينجلس عن نجاح يذكر، نظراً الى عدم مراعاة شروط السرد المكتوب أولاً والى حقيقة عدم تمكن الكاتبة من ضبط اللغة العامية والتقيّد باستخدامها. ويبدو ان الكاتبة لا تجيد المحلية العراقية اجادة وافية، لهذا فان الحوار الذي يجري ما بين الشخصيات العراقية كثيرا مت يتأرجح ما بين العامية والفصحى. بل ومن الواضح بأنها تجهل المحلية المغربية جهلاً تاماً، وإلا فانها ما كانت لتصرّ على انطاق أميرة المحليّة المصرية في كل المناسبات.
ولعل هذه الملاحظة الاخيرة لهي المدخل المناسب للتطرق الى السبب الثاني في ظهور "انها لندن يا " رواية متراخية السرد عديمة الاقناع. والحق فان المرء يتوقع من رواية هي خامسة اعمال الكاتبة ان تأتي بلغة سردية تسهم في تمييز الكاتبة عن غيرها من الروائيين. غير ان ما نظفر به هنا ليس أكثر من محاولة في السرد تشي بطاقة قصيرة النفس غير مكتملة، حتى وان زادت الرواية على 400 صفحة. ومنذ الصفحات الاولة يداخلنا الظن بأننا أمام محاولة كاتبة مبتدئية لم يسعفها مخزونها اللغوي على التعبير عما تشاء التعبير عنه على وجه يستوفي الغرض. وان لفي هذه الرواية قصور، بل رداءة، في التعبير وركاكة، وعجز عن التحكم بايقاع السرد، ولجوء الى بلاغة لا ابتكار فيها ولا تخييل، ما يبرز العيوب الملموسة التي تكمن خلف تفكك البناء الروائي وعشوائية ما يرد من حوادث. وكمثال على ذلك، خُذ مطلع أحد الفصول هذا:
" الأهمية التي أخذ يغدقها على نيكولاس كل من يتعامل بيعاً وشراء بالفن الاسلامي منذ أصبح يعمل على مجموعة الرجل العُماني، سيف، تثير فيه الضحك والقرن في آن". فعلى بساطة الخبر الذي تود الكاتبة سوقه، إلا انها لم تجد خيراً من هذه الجملة الطويلة المتلكئة. فعوضاً عن ان تصوغ هذه الفقرة جملاً منفصلة قصيرة، فلقد صاغتها جملة واحدة فيها من الاستدراكات والاحالات المواربة ما لا تحتمله طبيعة الخبر. وهذا على الارجح عائد الى حقيقة ان الكاتبة لا تعير صياغة الجملة ما تستحق من العناية بما يكفل بلوغ المعنى المراد من أيسر السبل. فكثيراً ما تستطرد، او تستدرك، بينما يكون من الأبلغ والأدق التوقف والبدء بجملة جديدة. دونك مثال اخرى على لجوء الكاتبة الى صوغ فقرة كاملة على صيغة جملة واحدة، بما يجعلها تبدو وكأنها لا تعرف اين تنهي جملة وأين تبدأ اخرى:
" تجلس الأميرة مع مرافقاتها الثلاث، بعد ان غادرهما الرجلان الانكليزي والعربي، اللذان كانا في آخر المركب، بعد ان تحدث الانكليزي مع رئيس السقاة والعربي مع احدى المرافقات". ولا يقتصر الأمر على مثل هذه العيوب. فهناك منىالهفوات ما هي أبسط وان لم تكن اقل اثارة لالتباس المعنى:
"تنقل (نيكولاس) بين أقسام كثيرة قبل ان يرسو في القسم الهندي، حين أخذت لندن تشهد اقبالاً عظيماً من هواة جمع التحفق الاسلامية من العرب، في الوقت الذي كانت الاقسام اليابانية والصينية تعاني الركود. تعرّف الى سيف اثناء المزادات وهو يراهن على بندقية عُمانية محفورة بالعاج الملون. وفي اليوم التالي طلب من نيكولاس أن يصحبه الى..".
ان نيكولاس هو الفاعل الذي يحيب اليه السرد في الجملتين الاولى والثانية بواسطة ضمير الغائب "هو"، غير ان الاحالة سرعان ما تنقلب الى فاعل مختلف في الجملة الاخيرة، ولكن من دون تغيير في صيغة الاحالة، بما يؤدي الى التباس في المضمون. ما تقصده الكاتبة هو ان سيقفاً طلب من نيكولاس ان يصحبه الى.. الخ، ولكن تبعاً لصيغة الاحالة المعتمدة في هذا الاستشهاد فان الجملة الاخيرة تُقرأ على النحو التالي: "وفي اليوم التالي طلب (نيكولاس) من نيكولاس ان يصحبه.. الخ".
واذا ما جئنا الى لغة المجاز والاستعارة التي لا تني الكاتبة تلجأ اليها، مرة في سبيل الايجاز في التعبير والثراء في المعنى، ومرات في سبيل الامتاع والاضحاك، فاننا نكتشف بأن مخزونها البلاغي فقير فعلاً. فأقل ما يمكن ان يقال في ما تورده من مجازات واستعارات، انها لا تنم عن طاقة ابتكار في اللغة خلاّقة. واليك اضمامة منها:
"تتمدد، تتحسس جسمها واضلاعه، كفلاح حريص يريد شراء بقرة خالية من الخدوش، ساهياً عن وجود الخدوش تحت جلدها".
" يدق الآن رأس لميس، يرتعد جوفها".
" كانت تتخبط كذنب سحلية قُطع رأسه" (ترى أرأس السحلية هو أم رأس الذنب)
"كان يحار في شخصياتهن التي تبدو وكأنها تتأرجح على حبل، سحليات تتبدل ألوانها" (هل حقاً تتبدل ألوان السحليات".
"أزرار تايورها التي تهدد بالانفجار كلما تكلمت".
"دقات قلبها تستلم الظرف منه قبل يدها.
"نظر اليها بطريقة وكأنه يرمي شبكته في بحرها الواسع.."
وما هذا إلا غيض من فيض. وانه انسجاماً منا مع هذا الفيض فلقد قررنا أن نجرب حظنا في توسل لغة المجاز، فنضيف الى ما تقدم الآتي: "ان هذه الرواية أشبه بجراب مليء بحكايات، غير انه يحتاج الى يد خبيرة تسقط منه الكثير وتعيد صياغة ما تبقى". ما رأيك

جريدة ايلاف

------------------
<FONT FACE="AL-Mateen" SIZE="4"><FONT COLOR="#0080FF">ي</FONT><FONT COLOR="#0780F8">ا</FONT><FONT COLOR="#0D80F2">ب</FONT><FONT COLOR="#1480EB">ل</FONT><FONT COLOR="#1B80E4">ق</FONT><FONT COLOR="#2280DE">ي</FONT><FONT COLOR="#2880D7">س</FONT><FONT COLOR="#2F80D0"> </FONT><FONT COLOR="#3680CA">.</FONT><FONT COLOR="#3D80C3">.</FONT><FONT COLOR="#4380BC">.</FONT>
<FONT COLOR="#4A80B5"></FONT><FONT COLOR="#5180AF"></FONT><FONT COLOR="#5880A8">ك</FONT><FONT COLOR="#5E80A1">ل</FONT><FONT COLOR="#65809B"> </FONT><FONT COLOR="#6C8094">غ</FONT><FONT COLOR="#73808D">م</FONT><FONT COLOR="#798087">ا</FONT><FONT COLOR="#808080">م</FONT><FONT COLOR="#808080">ه</FONT><FONT COLOR="#838383"> </FONT><FONT COLOR="#878787">ت</FONT><FONT COLOR="#8A8A8A">ب</FONT><FONT COLOR="#8D8D8D">ك</FONT><FONT COLOR="#919191">ي</FONT><FONT COLOR="#949494"> </FONT><FONT COLOR="#989898">ع</FONT><FONT COLOR="#9B9B9B">ل</FONT><FONT COLOR="#9E9E9E">ي</FONT><FONT COLOR="#A2A2A2">ك</FONT><FONT COLOR="#A5A5A5"> </FONT><FONT COLOR="#A8A8A8">.</FONT><FONT COLOR="#ACACAC">.</FONT><FONT COLOR="#AFAFAF"> </FONT>
<FONT COLOR="#B3B3B3"></FONT><FONT COLOR="#B6B6B6"></FONT><FONT COLOR="#B9B9B9">ف</FONT><FONT COLOR="#BDBDBD">م</FONT><FONT COLOR="#C0C0C0">ـ</FONT><FONT COLOR="#C0C0C0">ـ</FONT><FONT COLOR="#B6B6C3">ن</FONT><FONT COLOR="#ADADC6"> </FONT><FONT COLOR="#A3A3C9">ت</FONT><FONT COLOR="#9A9ACD">ر</FONT><FONT COLOR="#9090D0">ى</FONT><FONT COLOR="#8686D3"> </FONT><FONT COLOR="#7D7DD6">ي</FONT><FONT COLOR="#7373D9">ب</FONT><FONT COLOR="#6A6ADC">ك</FONT><FONT COLOR="#6060E0">ي</FONT><FONT COLOR="#5656E3"> </FONT><FONT COLOR="#4D4DE6">ع</FONT><FONT COLOR="#4343E9">ل</FONT><FONT COLOR="#3A3AEC">ي</FONT><FONT COLOR="#3030EF">ا</FONT><FONT COLOR="#2626F2"> </FONT>
<FONT COLOR="#1D1DF6"></FONT><FONT COLOR="#1313F9"></FONT>
<FONT COLOR="#0A0AFC"></FONT><FONT COLOR="#0000FF"></FONT></FONT>
<FONT COLOR="Brown">اقرأ ان شئت هذه الموضوعات :</FONT c>
ماذا تعرف عن هؤلاء
ملف الامسيات الشعرية
ملف المحاضرات
قـ(1)ـراءات قـ(2)ـراءات قـ(3)ـراءات قـ(4)ـرات
ابداعات قصصية
قضية ثقافية
ملف التجارة الالكترونية
محطات اعلامية
الرد مع اقتباس
  #5  
قديم 21-06-2001, 10:44 AM
أبو بسام's Avatar
أبو بسام أبو بسام غير موجود
فارس عربيات
 
تاريخ الإنضمام: May 2000
المكان: سبت العلاية - عسير
الردود: 5,676
الرصيد:: 0
Post

الفروق بين الأجناس الأدبية )الشعر - الرواية - المسرحية(
فؤاد أحمد البراهيم
==========================
دخلت أجناس جديدة الى الأدب العربي بفعل الاحتكاك بالغرب كالمسرحية والرواية والقصة والمقالة.. فقد أتت الينا بصورة من الصور من الغرب، وكان الاهتمام منصبا على الشعر وحده في النقد العربي القديم، وبداية لم تحظ هذه الاجناس الادبية باهتمام الدارسين والنقاد العرب وان الخطأ الكبير افتقاد الفروق بين الانواع الادبية: الملحمة، القصة، الرواية، المسرحية الغنائية، حيث كانت هذه الاجناس الادبية جميعا تصاغ شعرا موزونا في اشكالها القديمة في حضارتنا العربية وفي الحضارة الاغريقية فاكثر المفهومات النقدية خطرا مصطلح الشعرية الذي احتل مكان مصطلح الادبية.
يقول الدكتور فايز: «تلك الانواع الادبية الكبرى عرفت التطور فتحولت الى النثر في عصور متفاوتة )تفرعت القصة والرواية من الاصول الملحمية الكبرى، ثم نجد الدراما النثرية في القرنين التاسع عشر والعشرين من غير ان يلغى المسرح الشعري او الملحمة الشعرية، وفي تاريخنا الادبي نجد الملحمة الشعبية في سير عنترة وتغريبة بني هلال والظاهر بيبرس وذات الهمة، تتشكل نثريا مع مساند من الاشعار ضمن احداثها ونصل الى النوع الشعري الغنائي الذي وجد حالات في مقامات وخواطر نثرية»1.
من هذا يتبين طغيان الشعر على الانواع الادبية، وأهمية توجيه الدراسات اكثر لدراسة مختلف الانواع الادبية والوقوف على الفروق بينها وعدم صب الاهتمام على الشعر والدراسات الشعرية وحدها.
سنعرض في هذه الاسطر المشابهة والمفارقة بين بعض الانواع الادبية وخصوصية الاداء الفني ولو بصورة عامة.
الفرق بين الشعر والرواية:
الشعر شديد الالتصاق بالجانب الشخصي فهو صورة ذاتية لمشاعر الفرد في حين ان الرواية يكون الفرد فيها جزءا في كلية المجتمع ويمكن القول: الشعر ابن الذات والرواية ابنة المجتمع ومع ذلك فهناك فارق جوهري بين المتعة التي تحسها من الرواية وتلك التي يستثيرها الشعر لان الاولى مستقاة من الحوادث بينما الاخرى مستقاة من التعبير عن الاحساس في احداهما نجد ان مصدر الانفعال المستثار هو عرض لحالة او حالات تنتمي الى الفكر الانساني بينما في الثانية عرض لسلسلة من الحالات التي تنتمي لمجرد ظروف خارجية.
وبالمثل فان كلا من «الشعر» و«الرواية» يفترقان في مفهوم الحقائق الفنية المستقاة منهما فالحقيقة في الشعر هي التي تصور الروح الانسانية بصدق بينما الحقيقة في الرواية هي اعطاء صورة حقيقية للحياة.. كلاهما مختلف ويأتي بطرق مختلفة لاشخاص مختلفين في الغالب»2.
الفرق بين
الشعر والمسرحية:
الشاعر الغنائي يحاول ان يسمو بوجدانه حتى يبلغ المدى الذي يستطيع ان يطلق فيه نفسه من قيودها وهو يخلق عالما خياليا يعبر فيه عن نفسه اما المسرحية فهي تصور لك افرادا لا فردا واحدا وهي تعرض عليك مجموعة بشرية يحاول كل فرد فيها ان يعرض عليك نفسه.
فكاتب المسرحية لا يتحدث عن نفسه، وانما يتحدث بألسنة متعددة واصوات مختلفة وكاتب المسرحية لا ينحصر في تجربة واحدة دون سواها وانما يعبر عن وجدانات مختلفة.
المسرحية
والرواية )القصة(:
ان ابسط واوجز ما قيل وما يزال يقال في الفرق بين هذين اللونين ان المسرحية ادب يراد به التمثيل والمسرحية قصة لا تكتب لتقرأ فحسب وانما هي قصة تكتب لتمثل.
والقصة ضرب من الخيال وهي في تصويرها الاحداث والفعل الانساني تفتح للراوي مجالات واسعة لتصوير الاحداث اما المسرحية تستخدم في تصويرها الافعال عناصر اخرى لا تتوافر في القصة المروية مثل عنصر الممثلين والملابس والمسرح والمناظر والنظارة والبناء الذي يجتمع فيه جمهور المتفرجين وكذلك حدود الزمن لمعالجة الافعال لذا لا تختار من الفعل الا جانبه المثير. فالكاتب المسرحي لا ينقل اليك كل ما يراه وانما يعتمد «الطاقة الاخبارية» وهي تتمثل في اختيار جوانب الفعل المثيرة والمركزة.
وعلى كاتب المسرحية ان يأخذ في حسبانه طبيعة الممثل الجسمية والعقلية والفنية ان طبيعة كونه انسانا من البشر يحتم على المسرحية ان افعالها في حدود الطاقة البشرية فلا يلجأ الى الافعال الخارقة التي تقتضي لتمثيلها طبيعة غير طبيعة البشر فنطاق عمل الكاتب المسرحي نطاق القدرة البشرية للممثل فلا يمكن للممثل القيام بالطيران والقيام بالتمثيل لفترة طويلة في الرواية ماهو خارق وليس ماهو خارق في المسرحية لذا يجب على كاتب المسرحية مراعاة المعقول والمقبول فنيا.
ومن العناصر التي تحدد نطاق العمل المسرحي ذلك البناء المسقوف الذي تنحصر فيه مناظر الرواية وأثاثها وأضواؤها اما كاتب القصة فأحداث وشخوص القصة يمكن ان يهيم بها في كل واد فتراه يجلس اشخاصه في البيت ثم ينقلهم بعد صفحة الى قمة جبل او جوف طائرة او ظهر سفينة.
والقصة تصور مظاهر الطبيعة وتصفها اما اظهار العواصف والزلازل والحرائق.. لا يمكن ان يستوعبها المكان في المسرحية.
القارىء والمتفرج:
على الكاتب المسرحي ان يضع من اهتماماته - حين يشكل النص الدرامي - المتفرج نصب عينيه ومدى استجابته للعرض وتأثره به وقد تطرأ تعديلات على كتابة النص يجريها الممثل والمخرج وذلك تحقيقا للتفاعل بين طرفي المعادلة العرض المسرحي والمتفرج «فالاستجابة المسرحية غير الاستجابة الادبية فهذه الاخيرة تنهض على فعل القراءة والاولى تنهض على لقاء الممثل الحي بالمتفرج وجها لوجه مع وجود مادي ملموس هو خشبة المسرح وما عليها من دوال مادية عيانية تملأ فراغ الخشبة.
مما سبق نخلص الى ما يلي:
1- طغيان دراسة الشعر على الفنون الاخرى «ربما يكون احد اهم مسبباتها هو اتباع المنهج التاريخي الذي يبدأ بالشعر في العصر الجاهلي كما ان الشعر هو اكثر الفنون الادبية اكتمالا ونضوجا من البداية في حين ان الفنون الاخرى كالقصة والرواية والمسرحية لم تنضج وتتضح ملامحها الا فيما بعد ولذلك حظي الشعر بالعناية اكثر من غيره من الفنون الادبية الاخرى»3.
2- ان عمل الشاعر غير عمل الراوي وغير عمل الكاتب المسرحي، من حيث تصوير الحوادث .. والتعبير عن الاحساس.
3- عمل الكاتب المسرحي مركب معقد اصعب من الكتابة الروائية حيث يدخل في تأليفه وتصويره الاحداث عناصر كثيرة.. الممثل والملابس والمسرح والمناظر والمتفرجين.
4- نظام الاستجابة في المسرحية والاستجابة الادبية مختلف الاول يشاهد والثاني ينطوي على أنساق كلامية دالة، فالكلمة في المسرحية تكتسب زخما اضافيا بحركة الممثل وبقدرته الادائية على تمثل ما ينطق به


------------------
دخيلك يالغيوم اللي لبستي مـ البياض ثياب
تشسيلي هالسواد اللي يصد الشمس عن عينــي
<FONT COLOR="Brown">اقرأوا ان شئتم هذه الموضوعات</FONT c>
ماذا تعرف عن هؤلاء
ملف المحاضرات ملف الامسيات الشعرية
قـ(1)ـراءات قـ(2)ـراءات قـ(3)ـراءات قـ(4)ـرات
ابداعات قصصية قضية ثقافية
محطات اعلامية أدبيات .. رؤى نقدية
ملف التجارة الالكترونية
الرد مع اقتباس
  #6  
قديم 21-06-2001, 11:40 AM
أبو بسام's Avatar
أبو بسام أبو بسام غير موجود
فارس عربيات
 
تاريخ الإنضمام: May 2000
المكان: سبت العلاية - عسير
الردود: 5,676
الرصيد:: 0
Post

اسم الكتاب : فارس لا يترجل: ديوان شعر
الشاعر: فيصل بن محمد الحجي
الناشر: المؤلف، طبعة أولى عام 1421هـ
عندما يفتتح الشاعر ديوانه بـ" ملحمة الأقصى" بأبيات الشعر التي تقول:
إلام يا صحب في الأنفاق نستتر إلام نـــرتع والإنفاق ينهمــر
إلام نقبع في أمن …. وأمتنــا يهوي عليها الأذى والرعب والضرر
….
من قادنا في دروب الذل فأتلفـت طباعنــا والهوان المر والخــور
مات الألى مَوَّتوا فينا تطلعنــا إلى الجهاد .. وعاش الطفل والحجر
ليس أمام القارئ سوى الاستمرار في قراءة القصيدة، فهو يدرك أنه أمام شاعر يستحضر هموم الأمة العربية والإسلامية، شعر يتماشى مع آلام الأمة العربية ومع بكاء الفلسطينيين الذين يصارعون عدوا طاغيا جبارا، مع تخاذل وانهزام عربي شامل. نرى الصور المفزعة التي نراها يوميا في الأخبار، وتدمع لها عيون، يفور الدم من الغضب، ولا نعلم ماذا نفعل وماذا نقول.
ويواصل الشاعر قصيدته ويقدم اعتذاره لأطفال الحجارة عن عدم إمكانية المشاركة
طلائع النور عفوا ثم معذرة وهل يفر من الأوزار معتذر
ما نحن إلا جذور ظل ينخرها سوس السياسة حتى العظم ننتخر
ويلوم الإخوة العرب في تأخرهم عن المساهمة ويقول :
لا تأكلوا خبزنا إن جاءكم مددا فخبزنا بعجين الجبن مختمر
في ليل حاجتكم قد نام ( حاتمنا) وغيبت عنكم فرسانها مضر
الشاعر " فيصل الحجي" تابع القضية الفلسطينية، وكتب قصائده في مناسبة الانتفاضة السابقة في عام 1408هـ، التي لفتت أنظار العالم إلى المشكلة الفلسطينية، ونكست كبرياء إسرائيل المتغطرسة التي تنكر الوجود الفلسطيني كلية، فأعادت القضية الفلسطينية إلى الصفحة الأولى في الجرائد والأخبار، ونتج عنها الاعتراف بالشعب الفلسطيني وبحقوقه التي لم تمنح له كرما ولكنه اشتراها بدمه.
كل قصيدة تجمع في بنيتها تلك الثنائية المتلازمة في شعره؛ الموسيقى الجميلة والغيرة الإسلامية الغاضبة، والشاعر لا يتورع عن إبداء رأيه الذي يحارب من أجله في هذا الديوان:
الحل لمشكلة فلسطين كما يراه الشاعر:
لغة العدالة طلسم في عصرنا قد أنكرتها ألســن ولغات
لغة الجهاد إذا نطقْتَ حـروفها فهم الجميع وذلت الهامـات.
وعقيدة التوحيد صححت الرؤى فانظر إلى ما جاءت به الآيات
عاش الذين إلى القبور تسابقوا والساكنون قصورهم قد ماتوا

وهذا الديوان الشعري يضاف إلى دواوين الشعر الحماسي الذي تزخر به دواوين العرب سابقا، إلا أن شاعرنا يعيش في عصر انكسار العسكرية العربية وانهزام السياسة العربية، فكان شعرا سياسيا خرج بطعم خاص وروح خاصة من إنسان متفاعل بألم من الواقع المر الذي يراه، ويسمع به، ويعيشه في هذا الزمان، فكثافة الحالة المؤلمة وكثافة الصورة القاتمة التي يعيشها العالم اليوم عبر عنها الشاعر أوضح وأقوى تعبير.
" فيصل الحجي" الشاعر الملهم يتحدث في ديوانه هذا عن أمور سياسية من وقائع أحداث العالم العربي، فالديوان يتكون من 24 قصيدة يتنقل بنا الشاعر بين مواضع الوجع العربي والإسلامي، من فلسطين وقدسها وعربها، إلى كابول ومحنتها، إلى البوسنة وكسوفو وقتل وتشريد سكانها المسلمين، وإلى الشيشان في معاركهم مع الطاغية الأكبر. ولا يتوقف عند الآلام الخارجية بل يتعرض أيضا إلى أمراضنا الداخلية مثل الجزائر ومحنتها الأهلية ومشاكل التطبيع مع إسرائيل والضغوط الاقتصادية على العرب..
فرأيه في الوضع في الجزائر يشرحه في 50 بيتا يبدأها بقوله :
وا خجلتاه من التاريخ يا بـلدي يدي الكسيرة لم تكســر بغير يدي
….
من ذا يصدق ما يجري أموطننا دار المجانين أم ذا المسلخ البلدي

وللشاعر آراء في التطبيع مع العدو الإسرائيلي :
في محضر التطبيع : هم كتبوا كما شاءوا .. ومنا الختم والبصمات
في مسرح التطبيع : كل جوابنا (نعم)… وكل جوابـهم (لاءات)

الشاعر فيصل الحجي شاعر ملهم يقدم للقارئ الشعر بلغة اليوم وأفكار اليوم وبلغة موسيقية عذبه فيجعلك تنتقل من بيت إلى آخر فكرا وألما وطربا في الوقت نفسه. إنه شاعر الأوجاع العربية، شاعر موهوب قدم لنا هذا الديوان الحماسي الذي نفتقد مثله في زماننا الحاضر زمن الشعر الحديث الذي لا يقدم مثل هذه الروائع.
تعريف بالشاعر:
هو الشاعر فيصل بن محمد الحجي شاعر من سكان مدينة الرياض ويعمل في حقل التدريس.
وهذا ديوانه الشعري الأول ولديه دواوين أخرى تحت الطبع.


------------------
دخيلك يالغيوم اللي لبستي مـ البياض ثياب
تشسيلي هالسواد اللي يصد الشمس عن عينــي
<FONT COLOR="Brown">اقرأوا ان شئتم هذه الموضوعات</FONT c>
ماذا تعرف عن هؤلاء
ملف المحاضرات ملف الامسيات الشعرية
قـ(1)ـراءات قـ(2)ـراءات قـ(3)ـراءات قـ(4)ـرات
ابداعات قصصية قضية ثقافية
محطات اعلامية أدبيات .. رؤى نقدية
ملف التجارة الالكترونية
الرد مع اقتباس
  #7  
قديم 21-06-2001, 12:24 PM
أبو بسام's Avatar
أبو بسام أبو بسام غير موجود
فارس عربيات
 
تاريخ الإنضمام: May 2000
المكان: سبت العلاية - عسير
الردود: 5,676
الرصيد:: 0
Post

غيداء المنفى: عودة الشاعرة
بقلم الدكتور / عبدالله الغذامي

ما بين العامين 1400و 1402ه "19801982م" ظهرت غجرية الريف، أو غيداء المنفى، متخفية خلف هذين القناعين، وكان ظهورها الشعري لافتاً ومثيراً، غير أنها اختفت بعد ذلك، تاركة لأخيلتنا أن نتصور ما يمكن وما لا يمكن من التوقعات، هي صوت شعري متوهج ومحير، ولم يكن لنا عنها سوى ما تملكه الذاكرة والتأسف على طيف شعري مر خفيفا ثم راح. غير أن يوم الخميس الماضي كان لحظة للسؤال من جديد عن الشاعرة الطيف. بعد عشرين سنة من التوقف والصمت الذي لا يترك أثراً للجواب.لم يكن يخطر ببالي أن أجد ما وجدته في الخميس الماضي، وهو نشر قصيدة لغيداء المنفى تضمن إعلان العودة، أو إعلان الوجود، وأول ما خطر ظني هو أن في الأمر شيئاً غير ما في ظاهر النص، ربما تكون لعبة من نوع ما، ربما يكون النص قديماً، وجرى بعثه من مرقده، ولم أك لأحسم الأمر إلا بالعودة إلى الصديق الأستاذ سعد الحميدين الذي استقبل أسئلتي بعد دقائق من توزيع الجريدة، ليؤكد لي ظهور غيداء المنفى "غيداء الشعر والحيرة الشاعرة"، يؤكد صدق المعلومة، مثلما شاركني الفرح الذي صنعه لنا هذا النص المفاجأة، وعلمت من سعد أن الأمر يعود إلى شهر قبل نشر النص.وكم هو عجب أن تعود الشاعرة بالرمز نفسه وبالوهج الشعري ذاته، وكأنما هذا النص قد كتب في بداية الثمانينات، وقت بروز غجرية الريف "غيداء المنفى" ذلك البروز الأحجية، أحجية في تخفيه وفي توهجه معاً، وهي أحجية في عودتها المفاجئة أيضاً.ولقد مرت سنوات ظننا معها أن غيداء المنفى طيف ومضى، ولم يعد سوى ذكرى لطائف خفيف راح إلى مأواه الجميل في ذاكرة النص وخيال محبي ذلك الوهج العابر.غيداء المنفى أو غجرية الريف، هذا الاسم الرمز الذي بهرت في ظهورها مثلما بهرت في اختفائها وها هي تبهرنا اليوم في عودتها، وكأننا أمام لعبة متخيلة تشبه ما يقال في الموروثات عن مجنون ليلى وأنه اسم وهمي يتخفى وراءه أمير أموي لم يشأ أن يفضح حبه.كانت غيداء المنفى بضع قصائد تدور على أيدينا من يد ليد، ولن أنسى أن أشكر سعد الدوسري الذي صور لي نصوص غيداء والغجرية قبل خمس عشرة سنة، كانت هي المرجع لي في كل إحالاتي إليها فيما مضى من سنين.وكم هو أمر محير أن تقدم الناس شاعرة لا اسم لها ولا عنوان ولا تاريخ، إنما رمز فحسب. وحينما قدمت بعض نصوص لها إلى مؤسسة البابطين، جاءني سؤال من الأستاذ عبدالعزيز السريع يقول: هل أنت متأكد من وجود إنسانة بهذا الرمز، ثم أتبعه بسؤال آخر عما إذا كان الذي وراء الاسم رجلاً وليس امرأة، ثم تابعه بثالث عما إذا كانت سعودية أم لا.ولقد كان لدي من المعلومات ما يؤكد لي شخصيا أنها فتاة حقيقية وليست قناعا لأحد آخر. مع بعض معلومات عن اسم ومكان غير معلنين. وكان هذا يحمل التأكيد عن وجود حقيقي. ولكن: ماذا عنها أين هي ولماذا اختفت وما اسمها ومن أين هي...هذه الأسئلة الأخيرة ليست من عبدالعزيز السريع ولكنها من طلابنا في قسم اللغة العربية، الذين قرؤوا نصوصها وأثارت انتباههم ثم أثارت حيرتهم، فالذاكرة البشرية لا تتحرك إلا حسب قوانين التسمية الاعتبارية، ولا يكفي الترميز بل إن الترميز يثير الشكوك في الناس ويعجزون عن فك اللغز ويحتارون أكثر إذا أمعن الرمز في التخفي.لقد أمعنت غيداء في لعبتها الشعرية، ومارست التخفي، ولعبة التخفي هذه هي نص مصاحب لنصها الأصلي، يضفي عليه سحرا وهيبة ويغلفه بالأسئلة والدهشة.عودة غيداء هي عودة الطائر إلى التغريد بعد أن ظن الجميع أن الطير قد نسي نغمته، وكم هي مفاجأة أن تجد، بعد اليأس، أن طائرنا الذي أدهشنا بتغريده يوما مازال سليم الحنجرة وأنه قادر على صنع الألحان والمفاجآت.أرحب وابتهج بعودة غيداء. وكم هي حقيقي هذا النص المنشور في "الرياض" في تمثيله لها ولصوتها الشعري، حتى لكأنما قد كتبته غيداء قبل عشرين سنة وحفظته لتربك ذاكرتنا به حتى لنظن أنه أحد نصوصها القديمة، ونسيناه أو التبس علينا.إن كانت غيداء لم تتأثر بغيابها وظل مشتعلاً طوال سنين الصمت، كما يظهر من نصها المنشور، فهذا معناه أنها ما نسيت نفسها وما سمحت للزمن أن يحاصر حنجرتها وظلت تغرد في الصمت إلى أن قررت أن تعود لمن يفرح بها ويفرح بتغريدها، وأنا منهم. ولذا أقول لك يا غيداء عودي من منفاك المفرد وتعالي معنا في منفانا الكبير، لنسمع تغريدك مع تغريد الأصوات اليافعة الأخرى التي تتمنع على الصمت والخرس، وتصر على الافصاح والبوح. وشكرا لسعد الحيمدين على مفاجأته الرائعة وهو دائماً صاحب المفاجآت والخيال الجميل والخبر الشاعري المفرح، وعودة غيداء هي عندي أجمل أحداث الصيف كطلعة البرحية في سواقي النخيل. وصيف سعيد علينا وعلى المخيلة حينما تصدق في لعبة الدهشة والإثارة.

------------------
دخيلك يالغيوم اللي لبستي مـ البياض ثياب
تشسيلي هالسواد اللي يصد الشمس عن عينــي
<FONT COLOR="Brown">اقرأوا ان شئتم هذه الموضوعات</FONT c>
ماذا تعرف عن هؤلاء
ملف المحاضرات ملف الامسيات الشعرية
قـ(1)ـراءات قـ(2)ـراءات قـ(3)ـراءات قـ(4)ـرات
ابداعات قصصية قضية ثقافية
محطات اعلامية أدبيات .. رؤى نقدية
ملف التجارة الالكترونية
الرد مع اقتباس
  #8  
قديم 05-07-2001, 01:56 PM
أبو بسام's Avatar
أبو بسام أبو بسام غير موجود
فارس عربيات
 
تاريخ الإنضمام: May 2000
المكان: سبت العلاية - عسير
الردود: 5,676
الرصيد:: 0
"الاتجاهات والحركات في الشعر العربي الحديث"
للدكتورة سلمى الخضراء
في كتابها الجديد "الاتجاهات والحركات في الشعر العربي الحديث"، تتحدث الدكتورة سلمى الخضراء الجيوسي عن فترة في تاريخ الأدب والشعر في مصر، فسد فيها النقد وانحطّ.. كانت تلك الفترة هي فترة عباس محمود العقاد الشاعر الطامح لامارة الشعر بعد شوقي، والكاتب صاحب النفوذ العالي في القاهرة الأدبية وقتئذ.. تقول الدكتور سلمى ان العقاد كان دائم الدعوة للحداثة والحقيقة والعمق وتصوير نفس الشاعر.. ففي اهتمامه المزدوج لاحداث ثورة في مفهوم الشعر وتنصيب نفسه في الوقت ذاته زعيم الشعر في مصر، كان يعمل في حقول ثلاثة: الأول، وهو أكثرها فائدة للشعر، كتاباته في النظرية الشعرية. والثاني نقده التطبيقي، وهو نقد عنيف مرير خال من التمييز أحياناً، ولكنه أثّر في مستويين اثنين.. فمن ناحية أولى ساعد في تحطيم الحصون المحيطة بمدرسة الكلاسيكية المحدثة، فكان أحد الأسس التي قام عليها بعد ذلك النقد الموجه ضد التقليدية، ومن ناحية ثانية، أخّر ذلك النقد من تطور النقد الموضوعي المتزن.. أما الحقل الثالث فكان في الأمثلة التي قدّمها من شعره حول ما كان ينادي به من نظريات.. وهنا كانت الكارثة.. فنظرياته الحديثة الواضحة، وادراكه للدور الذي كان يريد القيام به، وإصراره على منزلته الخاصة شاعراً، لم تكن ذات فائدة كبيرة لشعر كان يفتقر إلى عناصر الفن الأساسية، لكنه استطاع أن يخلق انطباعاً ذهنياً عن أهميته كشاعر، وذلك في عقول جيل متعطش للتغيير والتحديث، وإن يكن غائماً في رؤياه ومفاهيمه.وقد يكون سبب ذلك الانطباع عن أهمية العقاد شاعراً، غزارة انتاجه الشعري من ناحية، وكتاباته النقدية الغنية بالمعرفة والمليئة بالثقة من ناحية أخرى.. وكان من نتيجة ذلك أن عدداً كبيراً من النقاد والمعنيين بالشعر في مصر تقبلوا شعره (إلى جانب شعر المازني وشكري) مثالاً على ما يجب أن يكون عليه الشعر الحديث في العربية، فنجم عن ذلك انخفاض لا مفر منه في مستويات التقييم الجمالي في مصر، لأن النقاد وبكلمات قليلة لم يكن شاعراًإن ملاحظة سلمى الخضراء الجيوسي حول انخفاض مستوى التقديم الجمالي في مصر في تلك الفترة تستحق التنويه، كما تستحق أن يستفاد منها في مرحلتنا الحالية على ضوء اهتمام النقد بشعر، أو بظواهر شعرية، قد لا يبقى منها مع الوقت إلا ما بقي من شعر العقاد وشعر زميليه شكري والمازني.. بل من الأكيد عند تفحصنا لهذه الظواهر الشعرية السائدة حالياً ومقارنتها بظاهرة العقاد وشكري والمازني، انه لن يبقى منها شيء.وقبل أن نفصّل في هذه النقطة نشير إلى أن هذا الاحترام المبالغ فيه أحياناً لشعر جماعة الديوان، ولشعر العقاد على الخصوص، مثّل فعلاً انتكاسة في تطور الشعر والذوق الجمالي في مصر.. وقد نتج عن ذلك اضطراب عجيب في حقل النثر التطبيقي في الشعر العربي الحديث، استمر قائماً مدة غير قليلة من الزمن وأصاب عدداً من النقاد، من بينهم طه حسين.. فهذا الأخير أبدى توقيراً كبيراً للعقاد الشاعر من مظاهره انه كان الأديب الكبير الوحيد الذي حضر حفل مبايعة العقاد بامارة الشعر بعد رحيل شوقي، إذ قاطع أدباء مصر الكبار يومها ذاك الحفل أو تجاهلوه.. وبصرف النظر عن أسباب طه حسين في احتفائه بالعقاد الشاعر، وهي أسباب ينعتها الباحثون اليوم بالشخصية ومنها اتقاء شره، فلاشك ان كتابات طه النقدية عن العقاد يومها، وعن ظواهر شعرية وشعراء آخرين، كانت أوضح مثال على هذا الانحطاط النقدي الذي كانت تقف وراءه عوامل مختلفة في طليعتها صولة العقاد في الساحة الأدبية المصرية، وخوف الكثير من النقاد من أن يُتَّهموا بالتخلف عن فهم الشعر الجديد الذي بدا العقاد وزميليه في تلك الفترة وكأنهم فرسانه المجلّون دون أن يدرك هؤلاء النقاد أن الأمثلة الشعرية التي قدمها هؤلاء الفرسان الثلاثة على أنها ترجمة لنظرياتهم حول الشعر، لا ترقى إلى مستوى هذه النظريات، كما لا تترجمها شعرياً تلك الترجمة المثلى.. وسنرى بعد ذلك ان الذي أعطى أعظم الأمثلة الشعرية على هذه النظريات، كان أمير الشعراء شوقي، عدو جماعة الديوان.والواقع أنه يتكرر في الساحة الأدبية العربية في وقتنا الراهن ما حصل بالذات في عصر العقاد.. فكما حمل العقاد شعار التغيير والتحديث في الشعر، يرفع أكثر من "عقاد" في وقتنا الراهن شعارات قريبة من شعاره.. منها الحداثة والتجريب، فإذا كتب هؤلاء شعراً على أنه تطبيق لشعاراتهم في الحداثة، كنا أمام شعر تجريبي بارد يفتقر إلى العصب والحيوية والدفء وشبيه بالشعر الذي كتبه العقاد في الربع الثاني من القرن العشرين والذي يمكن وصفه بأنه "شعر نقاد ومنظرين"، لا شعر شعراء.. ولكن على الرغم من تنبه بعض النقاد إلى هذه الظاهرة المستشرية، وهي دم بعض كبار النقاد لشعر هؤلاء النقاد والمنظرين، فإن الظاهرة التي شهدتها مصر في عصر العقاد ظاهرة قائمة اليوم.. فالنقد يصفق لشعر ليس بشعر، وبصرف النظر عن أسباب العمى في الرؤية لدى أصحاب هذا النقد، فإن النتيجة واحدة، وهي انخفاض مستويات التقويم النقدي في ساحتنا الأدبية اليوم.
__________________


انت الزائر رقم لمشاركاتي
الرد مع اقتباس
  #9  
قديم 05-07-2001, 02:07 PM
أبو بسام's Avatar
أبو بسام أبو بسام غير موجود
فارس عربيات
 
تاريخ الإنضمام: May 2000
المكان: سبت العلاية - عسير
الردود: 5,676
الرصيد:: 0
قراءة / علي الشدوي - جريدة عكاظ

في مكان لا نعرف أهو شاطئ بحر أم شاطئ محيط أم شاطئ بحيرة يجلس رجلان يمسحان خد الأفق. الرجلان لا نعرف عنهما أي شيء (من هما? هل هما صديقان? إلى أين يتجهان?) وكل ما نعرفه عنهما أنهما ينتظران شيئًا ما. كانا متوترين وقلقين يسأل أحدهما أسئلة موجزة فيجيب الآخر اجابة قصيرة ومختصرة إلى أقصى الحدود ويبدو أن المجهول الذي ينتظرانه سيسلك طريقًا طويلاً قبل أن يصل إليهما ولأنه لم يصل بعد فقد سأل أحدهما (المسافة قصيرة فكيف يعجزون عن انشاء جسر?) فيجيب الآخر مقتضبًا (لو أرادوا لانجزوه) أي مسافة? من هم هؤلاء الذين يستطيعون انشاء الجسر? ما السبب الذي يجعلهم لا يريدون بناء الجسر?) ببساطة شديدة لا نعرف.
كان انتظار الرجلين أكثر من اللازم لذلك قال أحدهم (لقد تأخر كثيرًا) وبما أن الانتظار يفرز التوقعات فقد أجاب الآخر (ربما أصاب المحرك عطل مفاجئ) أي محرك? هل هو محرك السيارة? هل هو محرك قارب? لانعرف إلاّ بعد ثلاثة أسطر عبر سؤال آخر (هل ترى طيف سيارة?) لم يجب أحد. اذن لماذا لا يقترح أحدهما حلاً للخروج من انتظارهما الممل? بالفعل فقد اقترح أحدهما (ألا نستطيع قطع هذه المسافة المترية?) لكن يبدو أن هذه المسافة القصيرة خطرة جدًا لذلك لم يوافق الآخر على هذا الاقتراح. اذن ماذا يفعلان? اقترح أحدهما أن ينتظرا فوافق الآخر ومضيا في صمت عميق خرجا حينما هب أحدهما واقفًا وهاتفًا (لقد جاء, لقد جاء) من الذي جاء? ما صلتهما به? لماذا جاء? أيضًا لا نعرف أي شيء عن هذا القادم.
عاد الرجلان إلى الأسئلة (لو رأونا على هذه الهيئة ماذا سيقولون?), والآخر (لنا الله يا صديقي) من هم هؤلاء? وماذا فعلا حتى يكون الله معهما? أيضًا لا ندري لكن أخيرًا وبعد انتظار طويل (وقفت سيارة تنتظر ثم ما لبثت تحشرج صوتها بعد ان صعد اليها الركاب وانطلقت متصابية تتخايل على الطريق الوعر مخلفة وراءها قوافل الذكريات تعود إلي مغاور قصية في كهوف الذاكرة) وهذه هي نهاية قصة (العبور إلى الشاطئ الآخر)(1) لأحمد يوسف.
العبارة الأخيرة في القصة عبارة مهمة جدًا, إذ يبدو أن هذه القصة تؤثر في قرائها بسبب هذه الذكريات التي تقتضي اتصالاً بالماضي العائد من مقابر الزمن في لحظة بعث مفاجئة وغير محسوبة وما يزيد من فعالية هذه الذكريات أنها تقع بين الحوار القصير والوصف المختصر أي أن السرد في هذه القصة يتأسس على التبادل المستمر بين عودة السارد إلى الماضي (الذكريات) وركونه إلى الحاضر.
القصة لا تحتوي إلاّ عددًا قليلاً من الأوصاف الموجزة إلى أقصى حد ما عدا وصف القافلة ووصف البحر فقد وصف السارد القافلة من زوايا مختلفة:
1- من زاوية ما تحمله (هوادج), 02 من زاوية بيوت القرية (بيوت تتقلص مع كل خطوة تخطوها الجمال), 3- من زاوية وداع القافلة (زغاريد وفرح), 4- من زاوية حادي القافلة (يحدو فتسقط كلماته على أذان الابل فتسير), 5- من زاوية آثار القافلة (أخفافًا مغروسة في جبين الشاطئ وخطا من البعر يمتد على الأرض المبتلة).
المفاجأة في هذا الوصف أن القافلة لا تسير في صحراء بل في البحر فهي تغوص في مياه البحر إلى الركب ثم تتخلى عن السير وتحرك الجمال أطرافها سابحة أي أن الجمال أصبحت سفنًا حقيقية ولم تعد سفنًا مجازية (سفينة الصحراء).
أما البحر فقد وصفه السارد في لحظات سكونه وخلوه من أي انفعال وكي نمسك بهذا الوصف ونفهمه لا سيما سباحة القافلة يلزم أن نبحث عن مبرر تجعله مصقولاً في كون القصة لذلك سنقدم هذه المبررات:
> لدينا البحر الذي يربط بين ضفتين إذ من غير هذا البحر لن ينتظر الرجلان وإذا لم ينتظرا فلن تنشأ القصة.
> وجود البحر أنشأ علاقة معقولة في كون القصة لا سيما سباحة الجمال عبر مبدأ نفسي هو أن الإنسان يلجأ إلى نشاط تخييلي من أجل معالجة مشكلة.
> لدينا -أيضًا- الانتظار فالقصة كلها تندفع مع ما يفرزه من أحاسيس والرجلان يصارعانه بصورة مريرة متعلقين بآخر أمر.
ولأهمية الانتظار في هذه القصة فإني اعتبره بطل القصة الحقيقي فهو الذي أوجد الرجلين وهو الذي حدد حوارهما كما أنه هو الذي يحدد العلاقة بينهما وهو الذي يشكل نوعًا من الخيبة والمرارة واليأس الطاغي على القصة.
إذا تركنا الوصف جانبًا واتجهنا إلى فكرة أخرى فإننا سنجد السارد لا يتردد في الكشف عن كيفية الحوار وأحواله المصاحبة فمرة يكون موجزًا وسريعًا ومرة يكون محبطًا ومصحوبًا بالتنهدات ومرة يكون مخيبًا للآمال وقبل أن أقف على الحوار بصورة مفصلة من المفيد أن أورد تشبيهًا ورد عرضًا بين حوارين في القصة.
التشبيه هو (الانسان ثور كتب عليه أن يدور في معصرة الحاضر معصوب العينين لا يدري عما وراء العصابة (ص9). في هذا التشبيه يكشف السارد موقفه من الحاضر فمن وجهة نظره الحاضر الذي نعيش فيه مجهول لا نعرفه حق المعرفة وإن حدث وعرفناه فنحن نعرفه أقل من معرفة أي شيء آخر. إذن (الحاضر من حيث ظاهرة تهمنا هو بالنسبة لنا كوكب مجهول لذلك لا نستطيع الاحتفاظ به في ذاكرتنا أو إعادة بنائه عبر مخيلتنا فنحن نموت من دون أن نعرف ما عشناه)(2) بعبارة أخرى (ليس ثمة في الظاهر ما هو أكثر وضوحًا وواقعية للمس من اللحظة الحاضرة ومع ذلك فإنها تفلت منّا كلية)(3).
استسلامنا لفقدان الحاضر ينعكس على الحوار الذي نستحضره في لحظة ما من حياتنا إذ نتذكره موجزًا وسريعًا وخاليًا من أي مشاعر أي أننا ننسى ما شعرنا به أثناء الحوار مثلما ينسى عاشقان الشعور الذي انتباهما في لحظة معينة من حوارهما.
قد يقول القارئ: من المؤكد أن ليس في إمكاننا أن نتذكر الحاضر كاملاً لا سيما إذا أخذنا في الاعتبار الثغرات التي يحدثها الزمن في ذاكرتنا لكنني أميل إلى الاعتقاد بأن هذا تبرير غير دقيق ذلك أننا فعلاً كالثيران ندور في معصرة الحاضر معصوبي العيون فلا نعرف ماذا يدور أي أننا نجهل ما هو الحاضر بالرغم أننا نعيش فيه.
الآن ليحاول قارئ هذه السطور أن يسترجع موقفًا حاور فيه أي أحد قبل لحظات قليلة من قراءته سيجد أن الحوار (يتقلص إلى كيان مختصر ولن يبقى من المشهد نفسه سوى عنصر أو عنصرين)(4).
الحوار يشبه الحلم الذي ننسى حين نتذكره الشعور الذي انتابنا أثناء الحلم كما ننسى تفاصيله المرهفة والدقيقة (هل يتذكر أحدنا لون الأشياء التي يحلم بها?) وبهذا فنحن نعيش في الحاضر كما نعيش في الحلم من حيث انهما يهربان منا ونحاول أن نأسرهما بالكلمات لكنهما ما يلبثان أن يفلتا منا بلا عودة.
الشبه بين تذكر الحوار والحلم ورد في إحدى قصص المجموعة (ص25) إذ يدوس جسم ما لا نعرف ما هو جسدًا أيضًا لا نعرفه فيسحب الجسد نفسه إلى ناصية الشارع ويستلقي مجاهدًا نفسه المحتضرة ومستجديًا ذاكرته فاستحضر أطفاله الثلاثة كما استحضر حوارًا مع أمهم فجاءه الحوار متقطعًا كالحلم ولكي نقترب أكثر من هذه الفكرة من الأفضل أن أترك لحديثي أن يتألف من وضعيات الحوار في قصص المجموعة.
سأبدأ بقصة تحمل عنوانًا مميزًا هو (تداعيات اللحظة الأخيرة ص25) فهي قصة مشبعة بما يمكن أن نسميه وضعيات الحافة:
> حافة زمن الدنيا (العنوان الذي يشير إلى اللحظات الأخيرة).
> حافة الحياة (أحداث القصة التي تشير إلى نفس تحتضر).
> حافة الذاكرة (استجداء ذكريات من ذاكرة محتضرة).
> حافة الضجيج (أصوات تتلاشى وتوشك أن تنقطع).
> حافة الرؤية (صور وأشكال توشك أن تنمحي).
> حافة السقوط (صفرة أوراق الشجر).
الحوار على الحافة لا يقتصر على هذه القصة بل يشيع في معظم قصص المجموعة فإضافة إلى قصة تداعيات اللحظة الأخيرة يوجد:
> الحوار على حافة اليابسة (قصة العبور إلى الشاطئ الآخر ص7).
> الحوار على حافة الحياة (قصة مقتل عباس ص29)
> الحوار على حافة اليقظة (قبل النوم في قصة الحورية والقوقعة ص37)
> الحوار على حافة الوعي (قصة تراتيل الليلة الماضية ص59)
> الحوار على حافة السقوط (الحوار في عمارة مائلة في قصة الشرط ص61).
> الحوار على حافة الجسر (قصة الغبار ص71).
> الحوار على حافة الليل (مع إشراقة الشمس الأولى في قصة الحصار ص77).
والسؤال الآن هل تؤثر هذه الوضعيات في الحوار?
الحوار في الحياة العادية: 1- محاط بتفاصيل الحياة اليومية وهذه التفاصيل تعرقله وتؤثر على نموه وأحيانًا تغير اتجاهه, 2- الحوار بين الأفراد في الحياة اليومية يستند إلى معرفتهم الكاملة لبعضهم البعض وإلى معرفة موضوع حديثهم لذلك فقد لا يكون موضوع حديثهم مفهومًا بصورة كلية لشخص ثالث, 3- حينما يتحاور الأفراد في الحياة العادية فإنهم يعيدون ما تحاوروا فيه من قبل ربما من أجل تصحيح ما قالوه.
هذه الخصائص لا تتوافر في الحوار على الحافة بسبب: 1- على الحافة لا أهمية للتفاصيل المرهفة والدقيقة لذلك فالحوار عادة ما يكون سريعًا ويسير في اتجاه واحد ومركز على فكرة واحدة, 2- على الحافة لا يوجد وقت للإعادة والتكرار لذلك فالحوار عادة ما يكون مقتضبًا وموجزًا إلى أقصى حد أي كلمة ورد غطاها والسؤال الذي أود عرضه هل اكتفي بهاتين الخاصيتين? مباشرة أجيب بالنفي إذ لا بد من أن أدفع بهاتين الخاصيتين إلى حدودهما القصوى.
في قصة الحصار (ص77) يبرز الانتظار مجددًا على حافة البحر (بالمناسبة هذه آخر قصة في المجموعة وقصة العبور إلى الشاطئ الآخر أول قصص المجموعة). وظيفة الانتظار هي الربط بين مقاطع القصة وفي نهاية كل مقطع ينغلق العالم من حولنا فجأة ثم يعاود الانفتاح بعد لحظة صمت لا يعادلها إلاّ الانتظار الذي يشبه البحر.
كان الناس يبحثون عن منفذ لهذا الانتظار في كل الجهات مستخدمين حوارًا قصيرًا جدًا يذهب مباشرة إلى قلب الأشياء.
هذه القصة مقسمة إلى ثمانية مقاطع وكل مقطع هو كل في ذاته أي أن كل مقطع يتميز بحواره الخاص الذي يشكل المدارات الآتية: 1- التوقع, 2- الوصف, 3- الانتظار, 4- الوعود, 5- التخمين, 6- الانفراج, 7- الحصار, 8- المفاجأة, وما يلفت نظر القارئ هو صعوبة استفراد مدار وعزله عن المدار الذي يليه مباشرة ومن ثم لا يمكن القارئ ان يتبصر في مدار من غير اعتبار للمدارات الأخرى.
في هذه المدارات وضع الحوار تصورًا لفكرة شاملة عن الشيء المنتظر وبوصول هذا الشيء متأخرًا كان يشفي غليل انتظار الآخرين الذي يبرز من خلال الحوار القصير على الحافة التي تدفع الحوار إلى حدوده القصوى لكن ماذا لو كان الحوار في لحظات الفراغ الذي بين المقاطع? ماذا لو كان الحوار يكمن في لحظات الصمت التي تسبق الحوار أو تعقبه? ماذا لو كان الحوار يكمن في اللفظ والضجيج وتناثر الأصوات?
كل شيء ممكن فالتخاطب بالصمت ممكن والمشكلة تظل دائمًا في القدرة على التفاهم (4) لا سيما على الحافة التي تردم الهوة بين الحوار والصمت عبر تضمين الصمت ما يمكن أن يفصح عنه الحوار أو تضمين الحوار مايمكن أن يتضمنه الصمت وهكذا فما يتعلمه القارئ من قراءة هذه المجموعة هو إذا كان الإنسان كلامًا منذ وجد فإن هذا الكلام هو الذي يشكل مصدرًا لإحساس الإنسان بعدم الأمان لذلك فلن يجد أفضل من الحوار على الحافة كي يطمئن ويقول كلامه الخاص والحاسم ثم ينتهي هادئًا إذ لا يوجد أهدأ نهاية من نهاية من يقف على الحافة.
__________________


انت الزائر رقم لمشاركاتي
الرد مع اقتباس
  #10  
قديم 06-07-2001, 04:50 PM
أبو بسام's Avatar
أبو بسام أبو بسام غير موجود
فارس عربيات
 
تاريخ الإنضمام: May 2000
المكان: سبت العلاية - عسير
الردود: 5,676
الرصيد:: 0
رؤية نقدية - للمجموعة القصصية "مدارات الأسئلة "
للكاتب / عبدالله هادي السلمي
الناشر / نادي أبها الأدبي
قراءة / ممدوح القديري
----------------------
مدارات الأسئلة " عنوان المجموعة القصصية للكاتب / عبدالله هادي السلمي ، وقد صدرت مؤخراً عن نادي أبها الأدبي ـ تحتوي على ست عشرة قصة ـ وفيها يتضح أسلوب السلمي الذي يحتاج إلى إعمال الذهن لكي يسترق المتلقي السمع من أجل أن يعرف فحوى همس الكلمات والعبارات داخل النص ـ مجدول النسيج ـ الذي تتنوع فيه المفارقات والمواقف مع شتيت الموضوعات الحياتية التي يسعى " السلمي " فيها إلى التواصل مع المتلقي بطريقته الخاصة إيماناً منه أن أي إبداع هو تواصل فكري أو وجداني مع الغير . إلا أننا نجد أن هذا التواصل يبدو مجللاً بالصعوبة والغموض وهنا مربط الفرس حيث يصطدم المتلقي ـ أحياناً ـ باشكالية أبعاد المضمون و " سيميولوجيته " التي تتعلق بالمعني المستتر لبعض القصص ومنها : سفر حلم ، ركام الرماد ـ أوراق ، وشهقات الحيطان على سبيل المثال .

كما أننا نلحظ أن الحزن والألم صفة مسيطرة على قصص مثل : مدارات الأسئلة ، مما يذكرني بقول الرسام الشهير " فان جوخ " : " الأحزان لن تنتهي أبداً " وفي هذه القصة نقرأ ص53 : تنكسر الخواطر ، تنسكب العبرات ـ تنبجس العواطف حرقة وتذوب الشهقات " ، ونشعر خلال دهاليز القصة بالألم الممزوج ببراءة الطفولة ـ وبأننا فقدنا طعم كل شيء إلا طعم الحزن ـ وتتابع الأحداث بتقنية المونتاج السينمائي وبعض الترجيع إلى نهاية القصة ص58 فنقرأ : أمه ماتت وانتهت ، وأنت جالس تبكي بجانبه ـ النهار في نهايته والظلام قادم .. اذهب ، ودعني أتصرف : ومهما حاول الكاتــب كسـر الإيهــام ـ فإنه يبقى مسيطراً داخل مفس المتلقي .. وهكذا تأتي نهايات معظم القصص ـ مستعصية فيها تمرد وحزن وقلق ففي قصة سفر ـ حلم ـ ص15 نقرأ : نظر إلى النجوم طلب منها العودة ، فالليل قد أفل والصبح تجاوز وعبر ، وفي نهاية ركام الرماد ص23 نقرأ : يتفرس أمام الأمر الواقع ـ تنبجس العواطف جمراً . تشتعل القوافي ألما ، وفي شهقات الحيطان ص69 ، نقرأ : اتخذ الصبر له عكازه ومضى يسكب الكلمات المخنوقة .. وفي قصة أوراق ص83 تنتهي ب : ستستمر تلك الأجساد غارقة في وحل أوراق الخريف ، وهكذات في معظم قصص المجموعة .

ونكتشف في المجموعة أن للسلمي أسلوبه يدل عليه لأن الأسلوب هو الرجل كما يُقال ـ فيه بعض الجدلية المتشرنقة بالاستعارات المنسوجة داخل النص بتفاعلها المعنوي والشكلي ـ مما يجعل المتلقي يعيد قراءة بعض القصص أكثر من مرة وهذا هو أسلوب السلمي المراوغ المتلولب باستكاناته ووقفاته ولفتاته هنا وهناك عبر البناء الدرامي للقصة بكل مدلولته التي تتوالد مع كل قراءة بسبب بعض الغموض الذي يحتاج إلى استكناه نفس الكاتب وهذا أمر صعب . لأنه أسلوبه ـ وهذا مربط الفرس ـ يتراقص على مشاعر المتلقي الذي يحاول ضبط إيقاعاته الذاتية مع تلك التماوجات لكي يقتنص بعض الدوال المتشظية في ممرات النص . فمثلاً قصة رحيل ص107 تقرأ : قحط الزمان والمكان ، هم الكلأ هاجسه الليلي .. وقت السحر زمن السباق ، نسيم الوادي يزيد في الانتشاء . وهكذا يستمر الوصف الذي هو بطل القصة برأينا ـ رغم وجود البطل علي ، الذي يعتلي ذروة الجبل المطل على هذه الحياة ص108 ثم نمضي إلى ص109 فنقرأ : سأعود إلى مكاني فلم أعد أحتمل نسناس وقت السحر . وفي ص111 في النهاية تلتقط أعيننا مايلي : تلاشى كل شيء حرج مهرولاً ... يبحث عن الأمل المفقود ... الجواب : جميع ما تستفسر عنه رحل إلى الجهة الأخرى ، ولا عودة .

وهنا وبعد كل ما ذكرت في هذه العجالة النقدية يمكنني القول أن الأستاذ / السلمي مولع بالالتفاف على اللغة وهي معين الأدب فمثلاً ص21 في قصة ركام الرماد يذكر مايلي : غرق المتربصون في أوحالهم .. نزعوا أقدامهم المسجاة بالترهل .. عبروا الحائط .. تكسر الظلام .. استرخى على متكئه . وبهذا الأسلوب يصور السلمي العلاقات المتوترة بين الشخوص والحزن يغطيهم وهم يدافعون عن وجودهم داخل قلقهم الذي لا ينتهي في بحثهم عن الأمان داخل نفوسهم وخارجها . يغرق في بعض التفاصيل ويسقط البعض الآخر لاعطاء فرصة الخيال المتلقي كنوع من التشويق ليتابع بعيدا عن المألوف الذي لم يعد قادراً على نقل مكنون التجربة الإبداعية لكي نرى ترتيب الفوضى الشعورية بشيء من الترميز الذي يتحرر فيه الكاتب من المكبوتات والضغوط التي تعيق الرغبات وتزرع الخوف في النفوس . وفي النهاية فإن المجموعة بإخراجها الجيد وطباعتها الأنيقة الخالية من الأخطاء الطباعية وبأسلوبها المتميز تعتبر علامة مميزة للكاتب وتجربته القصصية .
__________________


انت الزائر رقم لمشاركاتي
الرد مع اقتباس
  #11  
قديم 06-07-2001, 04:59 PM
أبو بسام's Avatar
أبو بسام أبو بسام غير موجود
فارس عربيات
 
تاريخ الإنضمام: May 2000
المكان: سبت العلاية - عسير
الردود: 5,676
الرصيد:: 0
هذا التقرير هو نظرة نقدية للاعمال التي تم اختيارها للفوز بجائزة مسابقة القصة القصيرة بنادي حائل الادبي ... والتي نشرنا أعمالهم على هذا العنوان
ابداعات قصصية ..
==================
تقرير نتيجة مسابقة القصة القصيرة
بقلم الدكتور محمد صالح الشنطي
رئيس قسم اللغة العربية بكلية المعلمين بحائل
==================
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،

المعايير التي اتبعت في تحكيم القصص المقدمة

أولا: مدى توفر مقومات القصة القصيرة من حيث كونها تفضي إلى انطباع موحد، بوصفها تمثيلا لقطاع عرضي من الحياة في لحظة توتر، ففن القصة القصيرة هو فن الأزمة كما يصفه منظرو هذا النوع الأدبي وعلى رأسهم أوكونور وإيخنباوم، فلكل كلمة وظيفتها التي تنطلق بها إلى لحظة التنوير في ختام القصة، لذا فإن حشد الأحداث التي تقع على مدى زمني طويل ومتراخ في شريط لغوي ضيق يجعل من النص ملخصا روائيا وليس قصة، وكما أن القصة ليست نقلا حرفيا للواقع وإنما تمثل يفضي إلى تحويل لهذا الواقع إلى موازاة جمالية تنفذ إلى جوهره عبر التشكيل اللغوي الفني الذي يوحي ولا يقرر.

ثانيا: سلامة اللغة من الأخطاء الإملائية والنحوية وبراعة الاختيار للفظة في سياقها التركيبي المكثف والمركز.

ثالثا: ما تولده القصة من انطباع هادف، وليس إلى فكرة أو مغزى يؤدى عبر التقرير حيث تتحول القصة إلى مقالة تكثر فيها الاستشهادات المباشرة كما لاحظت في بعض القصص.

رابعا: مدى التزام القصة المشاركة بالمقطع السردي الذي كان موضوعا للمسابقة بحيث تبدأ القصة به وتلتقط خيوط الحبكة مما تفضي به عناصره: الشخصيات والوقائع. لذا فإن القصص التي اطّرحت هذا المقطع ظهريا تعتبر خارج إطار المسابقة.

خامسا: مدى أصالة القصة في حدثها الذي يتشكل فنيا في سياقها السردي، وبعده عن التقليد أو الاقتباس.

مراحل التحكيم ومنهاجه

أولا: بلغ عدد المشاركات في هذه المسابقة أربعا وثلاثين مشاركة، أربع منها مكررة.

ثانيا: تم فرز القصص القابلة للتحكيم وفقا للمعايير السابقة واستبعاد القصص التي لاتتوفر فيها مقومات القصة القصيرة.

ثالثا: تمت المفاضلة بين تلك القصص المختارة وفقا لجودتها الفنية وسلامتها اللغوية.

وقد لوحظ أن معظم القصص التي شاركت في المسابقة كانت تفتقر إلى مفهوم واضح لفن القصة، فقد اعتمد جلها على سرد الوقائع بلغة إما محايدة أو إنشائية أو الاتكاء على طرافة الحدث والقدرة على مفاجأة القارئ في نهاية القصة. والمفهوم الفني للقصة يتجاوز ذلك كله، وإن لم يغفله، وذلك بتحقيق القاعدة الأساسية وهي وحدة الانطباع التي تتشكل تدريجيا حتى تصل ذروتها في نهاية القصة، وليس القفز إلى الحدث المفاجئ والطريف، وليس من شك أن المشاركات تعكس فكرة تارة في البناء السيكولوجي للإنسان ممثلة في تيمة (الانتقام) ثم (الانتحار يأسا) و (سرعة الاتهام) وما إلى ذلك.

وقد انتهى التحكيم إلى قرار فوز القصص التالية:

أولا: مشاركة عبد الكريم سليمان الرستم التي تكررت بتوقيع قنديل، وقد اخترتها لأنها أكثر المشاركات تميزا بعمق الانطباع الذي تخلفه في نفس المتلقي مع استثمار كاتبها لتقنيات متعددة: المقطع السينمائي حيث تتقاطع المشاهد على مستوى الوعي ومستوى الإدراك الحسي، وتعدد الأصوات حيث يرى الحدث من زوايا متعددة، والعودة إلى الماضي حيث الأضواء المتبادلة، والإيحاءات الرمزية والنهاية المفتوحة.

ثانيا: مشاركة سبيكة حمد حسن تحت عنوان "إطفاء الشموع"، وقد اخترتها لاعتمادها على المفارقة الفنية، حيث مارست الكاتبة عملية تضليل للقارئ ثم فاجأته في نهاية القصة، واتكاء الكاتبة على ما يشبه تيار الوعي (وإن لم يكن كذلك وإنما هو أقرب إلى حديث النفس)، ولغتها سليمة والحدث طريف، وإن كانت الخاتمة مقفلة.

ثالثا: "الجزاء" للمشارك محمد حمدان. تم اختيارها للمركز الثالث لأنها تقوم على لون آخر من ألوان المفارقة، حيث استثمر الكاتب بعض التفاصيل الجزئية ليوظفها في بناء المفارقة في القصة (سرقة الولاعة) وفجر عنصر التوتر على مدى السياق السردي من خلال اختياره للشخصية (الضد) التي تغير موقفها فجأة مما أذكى الجانب الدرامي في القصة، ثم الإضاءة الشاملة في نهاية القصة، وقد تركت هذه الإضاءة الباب مفتوحا أمام توقعات القارئ.

رابعا: "تائه في صدى الماضي" لعليا محمد الخباز، وتم اختيارها- على الرغم من قصر النص- لكثافة لغتها وقربها الشديد من مفهوم السرد في القصة القصيرة وتركيزها على الجانب السيكولوجي، وبراعة الكاتبة في التقاط عناصر المشهد، ولكن عيبها النهاية ذات المغزى المباشر.

خامسا: أرشح لهذا المركز الخامس قصتين متقاربتين في المستوى الأدبي- "كامل ، اسم على غير مسمى" لأماني عبد الله الحبيل، التي لعبت فيه الكاتبة على وتر (المفاجأة) من ناحية الحدث، وعلى تقنية الحوار من حيث المتن السردي، فكانت أشبه بالمشهد السينمائي المحتشد بكل عناصر الإثارة، ولكن المشكلة تكمن في الإطالة غير المبررة والمباشرة والوضوح في نهاية القصة.
الثانية، "صداقة تحت الرماد" للمشارك أحمد حلمي العلق. استثمر الكاتب تقنية تيار الوعي بمفهومه الفني (إلى حد ما). كذلك فإنه استطاع أن يظل في إطار البناء الفني للقصة القصيرة وإن كانت نهاية القصة باردة وفيها استرخاء لا يتسق مع منطق لحظة التنوير، وهي قريبة المستوى من القصة السابقة.

وقد حاولت جهدي- بعد قراءات متعددة- أن أكون قريبا من الموضوعية والعدالة.

محمد صالح الشنطي
13/10/1421
__________________


انت الزائر رقم لمشاركاتي
الرد مع اقتباس
  #12  
قديم 09-07-2001, 01:32 PM
أبو بسام's Avatar
أبو بسام أبو بسام غير موجود
فارس عربيات
 
تاريخ الإنضمام: May 2000
المكان: سبت العلاية - عسير
الردود: 5,676
الرصيد:: 0
في كتابة التفكير الإبداعي بين النظرية والتطبيق
د. الصافي يناقش أساليب تنمية الإبداع ويشرح نظرياته
عرض منيرة بنت محمد الرشيد*

التفكير الإبداعي كموضوع ليس أمراً جديداً، إذ قدم الكثير من علماء المسلمين إسهامات إبداعية تتميز بالأصالة في التفكير والإنتاج للدراسة العلمية في العصر الحديث من جانب مجموعة من علماء النفس المشتغلين بالإبداع ومن أبرزهم جليفورد وتورانس وغيرهم ممن وضعوا القدرة على التفكير الإبداعي في إطارها العلمي وقاموا ببناء أدوات لقياسها. إلا أن الجديد في الأمر هو ازدياد التركيز على تعليم الفكر الإبداعي وتنميته بحيث أصبح هذا الأمر شعار التربية المعاصرة.ويعد كتاب "التفكير الإبداعي بين النظرية والتطبيق" الذي ألفه د. عبدالله بن طه الصافي ونشره النادي الأدبي بجازان من أفضل الكتب العربية التي كتبت في هذا المجال وأكثرها شمولية وسهولة وعمقاً. حيث سعى المؤلف إلى تسليط الأضواء على موضوع التفكير الإبداعي كأحد الأهداف الرئيسة التي يجب أن تتصدر أولوياتنا إذا أردنا أن نعد الناشئة لمستقبل غامض يحتم علينا أن نهيئ معلمينا ومدارسنا لتعليم أبنائنا مهارات التفكير الإبداعي، واتخاذ القرارات السليمة، وحل المشكلات. وقد حرص المؤلف في كتابة علي تضييق الفجوة بين النظرية والتطبيق في (197) صفحة من القطع المتوسط وعبر (8) فصول جاءت كالتالي:تناول المؤلف في الفصل الأول التطور التاريخي لدراسة الإبداع موضحاً دور العلماء المسلمين في هذا المجال. ويعرض الفصل الثاني التعريفات المختلفة للإبداع سواء التي تتعامل معه من زاوية خصائص الشخصية أو باعتباره إما عملية عقلية أو نتاجاً عقلياً. ويختتم المؤلف هذا الفصل بقوله "عندما يصبح الفرد قادراً على القيام بانجاز إبداعي يتأهب لكي يصبح أكثر طلاقة ومرونة واجتهاداً وجدة لكي يتواكب مع متطلبات المجتمع واحتياجاته فيما يتعلق بالعمل ونواحي الحياة اليومية".ويستعرض المؤلف في الفصل الثالث مراحل التفكير الإبداعي كما ذكرها كل من تورانس، ديفيز، أوزبورن، جليفورد. أما الفصل الرابع فيصف كيفية قياس هذا النوع من التفكير موضحاً أهمية هذا القياس وصعوباته وأنواعه، ثم يخلص المؤلف إلى تصميم مقياس للسمات الشخصية للمفكر المبدع يتناسب والثقافة العربية، وتغطي فقرات هذا المقياس أربعة عوامل وجدانية تباعدية هي: حب الاستطلاع، تحمل المخاطرة، التعقيد، والتخيل. ويستخدم هذا المقياس للتعرف على الأطفال والراشدين ذوي الخصال الإبداعية التي لا تقاس عادة بوسائل التقدير المعتادة وفي انتقاء الأفراد للمشاركة في برامج تنمية الإبداع والتدريس الفردي في حجرات الدراسة.يقدم المؤلف في الفصل الخامس شرحاً مستفيضاً لنظريات الإبداع البيولوجية منها والإنسانية والمعرفية والشخصية وكذلك نظرية التحليل النفسي والسلوك وتعلم الإبداع. وهذه النظريات ذات فائدة كبرى في التطبيقات التربوية حيث تم استخدامها بنجاح في البرامج العالمية لتشجيع وتنمية التفكير الإبداعي بين الأطفال.يتناول المؤلف في الفصل السادس شروط تنمية الإبداع والتي منها ما هو سمات شخصية المبدع كميله لقبول المخاطرة ومنها ما هو خصائص للسياق الاجتماعي المحيط بالمبدع كقدرة هذا السياق على تعزيز التفكير الإبداعي ودعمه، مشيراً من خلال ذلك إلى تأكيد العديد من الدراسات إلى أن التعزيز الاجتماعي يؤدي بالفعل دوراً رئيساً في تنمية هذا النوع من التفكير.ويمثل الفصلان السابع والثامن زبدة الكتاب إذ خصصهما المؤلف لبيان أساليب تنمية الإبداع، حيث يستعرض في الفصل السابع نماذج تنمية الإبداع كنموذج ويليامز، التفاكر، وحل المشكلة، ونموذج ديفيز، مالتزمان، وميدنيك، وغيرها مختتماً هذا الفصل بتقديم نماذج لتنمية الإبداع يتناسب والسياق الحضاري والثقافي لمجتمعنا السعودي.ويشرح المؤلف في الفصل الثامن والأخير من هذا الكتاب دور كل من المدرسة والمعلم والمقرر الدراسي والأسئلة الصفية في تعليم الإبداع ويطرح من خلال ذلك العديد من الأفكار التي تساعد في تحقيق الهدف المنشود.وفي النهاية يمكن القول إن هذا الكتاب من أكثر الكتب التي عالجت موضوع التفكير الإبداعي وتنميته شمولية وعمقاً وسهولة في الطرح واهتماماً في التطبيق العملي وضرب الأمثلة مما يجعله في متناول الجميع سواء في ذلك المتخصصون في علم النفس والتربية وعلم الاجتماع وطلبة الدراسات العليا بصفة عامة أو الآباء والمعلمون بصفة خاصة فهم الأكثر احتياجاً لفهم مبادئ العملية الإبداعية كي يتمكنوا من تهيئة الظروف التي تعمل على تحول استعداد أبنائنا وتلاميذنا للإبداع إلى قدرة ظاهرة ومهارة منتجة لمواجهة تحديات الغد والمساهمة في خطط تنمية المجتمع المستقبلية
.* محاضرة في كلية التربية ببريدة
__________________


انت الزائر رقم لمشاركاتي
الرد مع اقتباس
  #13  
قديم 09-07-2001, 01:34 PM
أبو بسام's Avatar
أبو بسام أبو بسام غير موجود
فارس عربيات
 
تاريخ الإنضمام: May 2000
المكان: سبت العلاية - عسير
الردود: 5,676
الرصيد:: 0
في كتابه الجديد "اللغة العربية في ظل العولمة"
د. الضبيب يناقش علاقتنا باللغة الأجنبية ويطرح مستقبل الثقافة العربية من خلال اللغة
عرض : عماد العباد:

بعد الضجة الكبيرة التي أثيرت حول العولمة والكتابات والدراسات المستفيضة التي أجريت عنها، بدأ عدد من الجهات البحثية ذات العلاقة في تقصي نتائج وآثار العولمة والتعولم واختزال العالم كله في قرية كونية تسيطر عليها حضارة وثقافة واحدة.ومن تلك الزاوية الاستقصائية يأتي كتاب معالي د. أحمد الضبيب، الجديد تحت عنوان "اللغة العربية في عصر العولمة" والذي وقع في 224صفحة من القطع المتوسط.وما يميز هذه الدراسة التي قدمها د. الضبيب، هو استفادتها من ما وقعت فيه الدراسات السابقة والتي كانت إما دراسات تبجيلية للغة تبين مكانتها وسعتها وقدرتها على استيعاب معطيات الحضارة معتمدة على الإنشائية والتفاخر دون ان تقدم للعربي المعاصر حلولاً ناجعة لمواجهة احتياجاته اللغوية، وإما دراسات تناولت اللغة في التراث بإعادة إنتاجه بصورة بحثية حديثة، بذات الأسلوب الذي اختطه السلف وقد تحاول لوي أعناق النظريات الغربية أحياناً لكي تنطبق عليه.يقول د. الضبيب في المقدمة "ونحن لسنا نعارض أياً من النوعين من هذه الدراسات ولسنا نرى عدم الحاجة إليها، ولكننا نرى ان الأولى دراسة الواقع اللغوي للغة الفصحى في هذا العصر والخروج منه إلى تشخيص الواقع، تمهيداً للوصول إلى نتائج تعمق الوعي باللغة الفصحى وتساعد على الاقتراب منها في الكتابة والحديث وتستشرق آفاقها في المستقبل".ويشير المؤلف إلى أنه في الوقت الذي ركزت الدراسات على هذين الجانبين كانت معاول الهدم تستهدف الأساس النفسي لدى الإنسان العربي، وفي غياب اليقظة العلمية لدى الدارسين والاستراتيجية لدى أصحاب القرار تشكلت لدى بعض العرب قناعات مناهضة للفصحى الأمر الذي أدى إلى سلبية تجاه هذه اللغة وتعدى ذلك إلى الحد الذي أصبح فيه عدم اتقان اللغة أمراً عادياً كما أصبح الخطأ مستساغاً لا ينكره الأديب ولا يستحي منه في حين (يندى جبين الواحد منهم لو أخطأ بكلمة إنجليزية أو تعبير فرنسي..).ويشير أيضاً إلى ان فصول الكتاب تحاول ان تشير إلى بعض مواضع الخلل، وان تضع بعض الصوى على طريق الاهتمام بالفصحى، واحلالها مكانتها الطبيعية في حياة الأمة لا لكونها لغة الدين والثقافة والتراث وعنوان الهوية، وأداة التواصل المشتركة بين أبناء الأمة وحسب ولكن بوصفها أداة من أدوات الرقي التي لا غنى عنها لأمة تنشد التقدم من الفصول التي ضمها الكتاب: اللغة العربية في عصر العولمة، في ظل العولمة علاقتنا باللغة الأجنبية، المصطلح العربي في عصر العولمة، مستقبل الثقافة العربية من خلال اللغة، اللغة العربية والإعلام: الواقع والمأمول، لقاء مع مجلة المعرفة، بل الواجب ان تكون بالعربية.. وهو الفصل الأخير في الكتاب وقد رد فيه المؤف على ما نشره د. محمد بن حسين الحبوبي في جريدة الجزيرة حول لوحات المركبات بالمملكة إذ يطالب بأن تكون باللغة الإنجليزية لبعض الحيثيات، وقد رد د. الضبيب على تلك الحيثيات التي أوردها الكاتب من خلال هذا الفصل.وفي الفصل الثالث من الكتاب يتحدث المؤلف عن اللغة العربية في عصر العولمة واللغة العلمية وتعريب المصطلحات الغربية والجدل الدائر حول ذلك.كما أورد د. الضبيب عدداً من الشبه المطروحة حول المصطلح العربي مجيباً بالتفصيل عن تلك الشبه، وفي نهاية الفصل أورد الدكتور عدداً من التوصيات التي يجب الالتفات إليها في هذه المرحلة مثل بث الوعي باللغة بين أبناء الأمة وايقاظ غيرتهم على اللغة وإنشاء مؤسسات متخصصة في حق الترجمة تشبه بيت الحكمة في العصر العباسي. لكي ترعى تكوين الأجيال وتعمل على ترجمة الكتب والبحوث العلمية المختلفة وفق استراتيجيات مدروسة أسوة بما يحدث في الأمم المتقدمة مثل اليابان وغيرها.
__________________


انت الزائر رقم لمشاركاتي
الرد مع اقتباس
  #14  
قديم 09-07-2001, 06:02 PM
قيفوت's Avatar
قيفوت قيفوت غير موجود
توفيق
 
تاريخ الإنضمام: Apr 2000
المكان: كـل الـكـون بـلـدي
الردود: 4,818
الرصيد:: 50
القدير أبو بسام

ارهقتني بالقراءة من الصباح .. انا ارد عليك الان وتراني واصل بالقراءة للمنتصف وقررت أخيرا ارد عليك هههههههه واكمل القراءة بالغد .. الصراحة مجهود جباروقيم تشكر عليه ..

تقبل حبي
__________________
تعبت أنزف جراحي حبر و أدور للألم أسباب ... لجل أكتب شعر يحكي بعض أصغر معاناتي ... قفلت من الأسى بابي وسجنت الكون خلف الباب ... وعصتني دمعةٍ فيها سؤال لكل اجاباتي ... ملل أخبار حسّادي أحد صادق وأحد كذاب ... وأحد ما طال تجريحي و أحد عايش لزلاتي ... أنا شاعر رغم أنف الحسد والحقد و الأحباب ... وانا ياحاسدي المسكين بعيد العيب عن ذاتي ... أنا ما زادني شعري ولا زادتني الألقاب ... تجي دنياي أو تدبر عزيز فـ كل حالاتي ... أنا فرحي لمِن حولي وأيامي فدى الأصحاب ... قصيدي بلسم المجروح ونبض الناس أبياتي... كسرني قلبي المكسور نادت دمعي الأهداب ... تعبت أركض ولا أوصل ولاتوصلني غاياتي ... أبي ذل ٍ يغطي الأرض لك يا رب يا وهّاب ... وابي أحيا جبيني فوق ما تملكني رغباتي ... من الدنيا أنا مابي سوى عفو العلي التواب ... ويحسن خاتمة فعلي ويغفرلي ضلالاتي ... أبملا العمر "بالتوبة" و "نوح" و "هود" و"الأحزاب" ... متى كانت سنيني عمر انا عمري في ركعاتي
الرد مع اقتباس
  #15  
قديم 09-07-2001, 06:16 PM
الجارح's Avatar
الجارح الجارح غير موجود
بالحب نبقى وبالحب نكون
 
تاريخ الإنضمام: May 2001
الردود: 648
الرصيد:: 0
صباح الخير اخوي ابو بسام .
بصراحه اخوي قيفوت احسن مني وصل على الاقل للنص اما انا ما وصلت الا لربع الصفحه وبعدين خطرت لي فكره لان شاشة الجهاز اوجعت عيني فنسخت الموضوع او المواضيع بالطابعه علشان اقراها برواقه .
تسلم اخوي على هالمجود الطيب .
اخوك الجارح .
الرد مع اقتباس
رد

Bookmarks

خيارات الموضوع
طريقة العرض تقييمك لهذه المشاركة
تقييمك لهذه المشاركة:

Posting Rules
You may not post new threads
You may not post replies
You may not post attachments
You may not edit your posts

BB code is On
Smilies are On
[IMG] code is On
HTML code is Off

انتقل إلى



Powered by vBulletin® Version 3.8.6
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd.


توقيت المنتدى GMT +3. الساعة الآن 09:53 PM.

جميع حقوق الطبع والنشر محفوظة لعربيات © 2000
المواد غير قابلة لإعادة النشر دون إذن مسبق
Copyright © 2000 Arabiyat International. All rights reserved
في حال وجود أي ملاحظة نرجو مراسلتنا
info@arabiyat.com
forums archive

{vb:raw ad_location.ad_footer_end}