خمسون عاماً من عمر الزمن لاتساوي شيئاً ، لكن خمسين عاماً من عمر تعليم المرأة في المملكة العربية السعودية تساوي الشيء الكثير ، فهي عمر تعليمها في هذه المملكة الحبيبة .
أفلا يحق لنا أن نبكي إقفال مدارس دار الحنان نحن طالباتها وخريجاتها المنتشرات في جميع أنحاء المملكة من أقصاها إلى أدناها ؟ ... خريجاتها يا من كنتن أول من تقلد المناصب القيادية في هذا الوطن ... يامن قدتن المسيرة التاريخية في عمل المرأة في شتى المجالات ... هل يهون علينا الأمر ولانبكي عليها ألماً وحسرة ؟ ... فنحن دار الحنان ... فلمن ننتمي الآن ؟ ... لقد أصبحنا في حكم اليتيمات اللواتي فقدن الأم ، فقدن الخيمة التي تظللنا بفيئها والشجرة التي تمد الوطن سنوياً بعطائها وثمراتها من الخريجات ليشاركن في بنائه ، وبعد أن كانت كل منا تفخر بأنها من خريجات دار الحنان كيف ستصدق إقفالها ؟ ... كيف ستستوعب ذلك ؟... كيف تكون مدينة جدة من غير دار الحنان ؟ ... فهي معلم تاريخي من معالم هذه المدينة الطيبة ...
لقد بكيت والله كثيراً كثيراً ، فأين أنت يا أمنا الحبيبة ؟ ... أين أنت يا عفت ؟ ... لقد أصبحت في رحمة الله ، وكان عزاؤنا فيك بقاء دار الحنان التي تذكرنا بك دائماً ، وتجعلنا ندعو في كل صلاة أن يغفر لك الله ويجزيك بصنيع أعمالك .
أجل بكيت دار الحنان ، بكيتها من كل قلبي ، ولكن ما أثر في خاطري أكثر هو دمعة ابنتها سارة الفيصل في يوم الإجتماع الذي أعلنت فيه قرار إقفال دار الحنان وهي تعلم أن ذلك مؤقت ، ولكنها بكت ... بكت قطعاً لصعوبة القرار .
كيف لا أبكي دار الحنان وأنا ابنتها الطالبة وابنتها الموظفة ، لقد قضيت عمري الأحلى بين جدران فصولها وفي أرجاء ساحتها وداخل مكاتبها ... وأنتن كذلك زميلاتي عندما كنت طالبة وبناتي عندما أصبحت مديرة لابد أنكن متأثرات مثلي ...
عفت الثنيان ... أمنا الأوفى والأكرم والأبقى مابقيت دار الحنان .... الملكة عفت الثنيان حرم الملك فيصل بن عبدالعزيز آل سعود رحمها الله هذه الشخصية الفذة في تاريخ نهضة هذا الوطن العزيز والتي اجتمعت فيها صفات جمة جعلتها لوحة فنية مميزة في ظاهرها وباطنها ... هي إن شاء الله ماتزال بيننا ولاحاجة لبرهان فمواكب أمجادها وعظات ماضيها تتراءى لكل المنصفين الصادقين اليوم .
أمجادها التي ارتفعت راياتها فذاع اسمها وملأت شهرتها محافل البر في بلادنا فغدت سلطانته بعد أن تصدرت الريادة في قضية تعليم البنات لإيمانها بأنها قضية حق فناصرتها منذ البداية رغم وعورة الطريق الذي لم ينل من عزيمتها شيئاً ، فشيدت ورعت قلاع العلم والعمل لها ( مدارس وجمعيات ) لتكون الفتاة شريكة الرجل في صناعة التنمية ، ومنبع العطاء ومعقل الكرامة ومنار الحق .
أما عن عظاتها فكأني بها تذكرنا بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا إيمان كالحياء والصبر " ، فبالصبر والمحبة تتحقق نهضة البلاد وتكتمل مسيرة التنمية ... وإني لأتذكر أيضاً كلمات الملكة عفت لنا بما في معناه : الإستقامة مفتاح الكرامة ، والتربية الخلقية أهم للإنسان من خبزه وثوبه ، وأدب المرأة خير من ذهبها ، والأمور مرهونة بأوقاتها ، والزمن الذي نلهو به يلهو بنا والإعتدال أفضل نهج .
رحم الله الوالدة الرائدة القائدة الملكة عفت الثنيان ... لقد كانت موزعة العقل والفضل والهوى بين أسرتها ووطنيتها وإنسانيتها .
الأمل كبير والثقة أكبر في أبنائها وبناتها الأمراء والأميرات حفظهم الله وبارك في أعمالهم أن يعيدوا هذا الصرح بثوبه الجديد ومنهجه الجديد مميزاً نافعاً ومواكباً لعصر علمي متقدم .
والله الموفق وهو من وراء القصد ،،، ابنة الدار ،،
*فائزة عبدالله كيال خريجة من خريجات دار الحنان مديرة مدارس دار الحنان سابقاً
|