جمعتهم الأخوة الصادقة في الدنيا والشهادة العظمى في الآخرة
و أم الشهداء تقول : أنا على استـعداد أن أقدم أبنائي الستة الباقين من أجل القدس
إن فصول المأساة تدخل دائما إلى البيوت الفلسطينية بالجملة ... قبل أن أرتب أوراقي لكي أتوجه إلى منزلعائلة (( رزق )) المنكوبة في مخيم الشابورة بمحافظة رفح ... خطر ببالي أن مهمتي ستكون صعبة ... خاصة وأنني أردت الحديث مع أم الشهداء الثلاثة ... قلت في نفسي كيف سأبدأ الحديث مع هذه الأم ... ويا ترى كيف سيكون حالها ... وهل تقوى على الحديث ... ؟
طرحت تلك الأفكار جانباً ... واستوقفت سيارة الأجرة ذات اللون الأصفر ... هذه السيارة تشبه تلك السيارة التي كان يستقلها الأخوة الشهداء الثلاثة ورفيق دربهم وسائق السيارة المسكين الذي خرج من بيت عائلته يتحسس لقمة العيش المرة في هذا الزمان المليء بالمآسي ... ووصلت إلى بيت العائلة المنكوبة فاستقبلني شقيق الشهداء أشرف رزق " 27 عاما " طلبت منه أن يهيأ لي المكان كي ألتقي بوالدة الشهداء وزوجاتهم وأبنائهم ... فسرعان ما استجابلطلبي ...
شامخة البنيان ..
بينما كان (( أشرف سعيد رزق )) يحدثني عن سيرة أشقائه الشهداء ( بسام 32 عاما ، ياسر 29 عاما ، يوسف 24 عاما ) دخلت علينا عجوز شامخة البنيان لا يبدو عليها آثار الإرهاق فاقتربت منا رويداً رويدا ، وجلست على كرسي يقابلني ... لم أتوقع واحد بالمائة أن تكونأم الشهداء الثلاثة ... إلا أن أشرف همس في أذني وأخبرني بأنها هي أم الشهداء...
أم محمد والدة الشهداء " 61 عاما " بعد أن تلقت التعازي من مجلة " عربيات " قالت بعنفوان لم أتوقعه : (( أولادي الشهداء قدمتهم فداءً للدين وللوطن وللقضية وللمقدسات ... الله يرضى عليهم ويجعلهم في مرتبة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين)) ...
وأضافت : (( أريد أن أوصل رسالة إلى السفاح شارون ، أنا على استعداد أن أقدم أولادي الستة الباقين من أجل القدس ... فلن تكسر دباباتهم إرادتنا ، ولن تخيفنا طائراتهم المروحية ... فسيخرج من بين أشلاء شهدائنا من يقارع المحتل ليذيقه الهزائم تلو الهزائم )) ...
نصيحة أم الشهداء ..
وعندما سألت " عربيات " أم الشهداء: ماذا تقولين للأمهات الفلسطينيات بهذه المناسبة .. ؟ أخرجت تنهيدة من أعماق قلبها توحي بعمق الجرح النازف وبفداحته ، وفي الوقت نفسه انهمرت الدموع … لكنها سرعان ما تمالكت نفسهاومسحت دموعها واستعادت حيويتها وقالت : " على الأمهات الفلسطينيات ألا يبخلن على فلسطين وعلى الأقصى بفلذات الأكباد … صحيح أن الأبناءيعادلون الروح لكنهم ليسوا أغلى من القدس … فإذا بخلت أنا ولم أقدم ابني شهيداً، وإذا بخلت الأخرى فمن إذن سيرفع الظلم عن شعبنا ، ومن إذن سيحرر الأقصى قبلة المسلمين الأولى .. نصيحتي للشعب الإسرائيلي أن دعوكم من خطط الحرب التي تمارسها حكوماتكم المتعاقبة ، وأطلبوا السلام من الشعب الفلسطيني ، وإلا فالموت سيتربص بكم أينما تواجدتم … فنحن شعبٌ اختاره الله لهذه البلاد، ولن نرحل عنها مهما طال الزمان أو قصر ، فأرضنا بدم أبنائنا نرويها ولن نتركها لكم … والزمان وحده سيفصل بيننا ، ونحن أصحاب حق وقضية عادلة "...
يسارع إلى فعل الخيرات ..
وطلبت " عربيات " أن تلتقي بزوجات الشهداء ... أم وليد زوجة الشهيد بسام جلست على كرسي مقابل وقد أعياها البكاء والأنين من هول الموقف ...
سألناها عن سيرة أبو وليد فقالت وهي شاردة الذهن : " كان جواداً كريماً في أهله ومع الجميع ... فعندما أصيبت عائلة جيراننا في منزلها نتيجة القصف وفقدت طفلتها سارع إلى ايواء تلك العائلة في منزلنا لمدة تجاوزت العشرة أيام ... و كان دائماً يقول لي ينبغي أن نتصدق على الفقراء والمساكين ، وكان يذكرني دائما بالمقولة المشهورة (( أن اللقمة تزيح النقمة )) ... وقبل استشهاده بأسبوع وعندما كان مرافقاً لأخوه الشهيد ياسر في المستشفى الأوروبي سمع بأن رجلاً بحاجة إلى وحدتي دم فسارع بدون تفكير وتبرع بوحدتين من دمائه الذكية الطاهرة " ...
وبعد أن أخرجت أم وليد تنهيدة عميقة واصلت حديثها وكأنها لم تصدق ما حدث لزوجها واخوته فقالت : " أبو وليد كان يخاف على ياسر كثيراً لدرجة أنه إذا سمع صوت سيارة يأمرنا بأن نصعد لسقف المنزل لكي نعاين أين توقفت تلك السيارة وما هو لونها ... وكان يكرر دائما على مسمعي : أحس أن حياة أخي ياسر في خطر "...
ترك حملاً ثقيلاً ..
وبعد أن حبست أم وليد دموعها واصلت حديثهابصوت لا يكاد يسمع ... قائلة : " لقد ترك لي أبو وليد حملاً ثقيلاً ... أربعة أولاد وبنت واحدة ... وليد " 8 سنوات"، محمود " 6 سنوات " ، سعيد " 5 سنوات " ، منال " سنتين" ، بشير " سنة واحدة " ... فالأولاد كانوا متعلقين بوالدهم إلى درجة كبيرة ... خاصة )) سعيد ((الذي يعاني من اهتزاز عصبي يأتيه على حين غرة ... فكان دائماً أبو وليد يهدئه ويحمله لمدة طويلة ... وفي صبيحة استشهاده جاءت الحالة الخاصة لسعيد وكأنه شعر بفقدان والده ... وهو لم يهدأ إلىالآن ... وفي هذه الأثناء تركته وهو يضرب رأسه في بلاط المنزل ... فلم تهدأ حالته منذ أن فقدنا بسام واخوته ...أما وليد ومحمود فقد جمعوا صور والدهم وأعمامهم وأدخلوها إلى خزاناتهم ... لقد أدرك الأبناء أن والدهم وأعمامهم قضوا شهداء ولن يعودوا مرة أخرى ففضلوا أن يحتفظوا بصورهم ... وسمعتهم يرددون بالروح بالدم نفديك يا شهيد ... على القدس رايحين شهداء بالملايين "...
أوصاني برباطة الجأش ..
وقد التقينا بزوجة الشهيد القائد (( ياسر رزق )) ... أم عمر" 24 عاماً " ، لم يبدو على تلك المرأة أنها فقدت زوجها ... كان أول حديثها : إن سيرة أبو عمر كانت ترفع الرأس قبل استشهاده فما بالك الآن بعد أن اختاره الله شهيداً ... فأنا افتخر به لأن عمله كان مشرفاً ... وعندما سألناها عن طبيعة عمله قالت : كان عمله جهادياً فقط ... ودائماً كان يوصيني برباطة الجأش ... ويقول لي إذا استشهدت أستحلفكي بالله أن لا تبكي عليّ ...
وفي ليلة استشهاده لم ينام أبو عمر... بقي يتحدث ويلعب مع الأولاد ... وكان يقول لي أشعربان جنود الاحتلال يلاحقونني إلى أي مكان أتوجه إليه ...
أفضله شهيداً ..
ومما قالته أم عمر : (( حمدت الله كثيراً أن زوجي سقط شهيداً ولم يعتقل من قبل الصهاينة ... فضلت أن يكون عند الله شهيداً ... وقبل عامين عندما تلقيت خبر وفاة ابني محمود " 5 سنوات " وابنتي سماء" 4 سنوات "في حادث مؤسف حزنت حزناً شديداً ،وكان أبو عمر يصبرني ويقول لي سننجب الأطفال ، وسيعوضنا الله عنهم ، واليوم عندما سمعت بخبر استشهاد أبو عمر وأشقائه بسام ويوسف لم أحزن لأنهم شهداء ارتقوا إلى هناك حيث الجنة وحيث النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ... على الرغم من أن الأبناء يعوضون والأزواج يفقدون ، لكن المصبر على الفراق هوا لله .
وعندما سألناها عن عدد أبنائها قالت : عندي عمر " 5 سنوات " ، ومحمـود " سنة ونصف " ، وبأحشائي طفل حرم من رؤية أبيه … فقدره أن يُولد يتيماً ، لكن الله لن يتركنا ... وسأربي أبنائي على حب الجهاد وعلى سيرة والدهم ...
عمر ابن الخمسة أعوام قال لـ " عربيات " : بابا في الجنة … وعندما سأكبر … سأحمل سلاح بابا ، وسأقتل اليهود الذين قتلوه … وقد دمعت عيني الطفل البريء ..
فكر في الزواج قبل أسبوع ..
أما الشهيد (( يوسف رزق )) ذاك الشاب الوسيم الخلوق ... فقد كان يقطن برفقة والدته... وقبل أسبوع من موعد الشهادة قال لوالدته : عندما كنت برفقة ياسر في المستشفى الأوروبي ... استوقفتني فتاة محتشمة فخفق قلبي لها ...
تضيف والدته : عندما سمعت من يوسف هذا الكلام فرحت ، قلت له هلا تعرفت على بيت عائلتها كي نخطبها لك ... إلا أن يوسف ابتسم وقال إن شاء الله يكتب لنا الخير ... وما يدريكي يا والدتيقد أتزوجمن الحور العين ...
وبعد أن فاضت الدموع من عيون أم محمد قالت : بعد استشهادهم بيومين .. جاءني يوسف في المناممبتسما ضاحكا وقال لي : أين الشــامبو الذي أغتــسل به كل يوم ... فأخبرته عن مكانه وأخذه وانصرف ضاحكاً كعادته ...
أما نجاح " أم هاني " 40 عاما أخت الشهداء الثلاثة قالت لـ " عربيات " : كان أخوتي كالجسد الواحد … كم كنت أفتخر بهم قبل استشهادهم ، واليوم أنا رافعة الرأس شامخة البنيان … كيف لا وأخوتي سقطوا دفاعاً عن حياض المقدسات … لقد تربى اخوتي على يداي ... وزرعت فيهم حب الخير ... كانوا قبل استشهادهم يزورونني ويملؤن عليّ المكان ، واليوم احتسبهم عند الله شهداء ، وحسبنا الله ونعم الوكيل .
تناثرت أشلائهم ..
وذكر شهود عيان لـ " عربيات " أن طائرتان من طراز " أباتشي " أطلقتا أربعة صواريخ باتجاه سيارة الأجرة التي كان يستقلها الأشقاء ورفيق دربهم " أمير قفة " ، وباتجاه سيارة أخرى على الطريق فأصابت الصواريختلك السيارتان إصابات مباشرةفتناثرت أشلاء الشهداء في بقعة واسعة من المنطقةوتفحمت بقاياها ... وأصيب في الحادث ثلاثة عشر مواطنا مدنيا بجروح متفاوتة من بينهم الطفلة عايشة عمر خليل " 11 عاما " ...
الدكتور علي موسى مدير عام مستشفى أبو يوسف النجار في رفح قال : إن جثث الشهداء الستة وصلت إلى مستشفى رفح ممزقة ومتفــحمة لدرجة أنه من الصعب التعرف عليها ...
وقال مصدر أمني فلسطيني أن قوات الاحتلال أطلقت أربعة صواريخ على سيارتين في حي الجنينة بالقرب من مستشفى أبو يوسف النجار في رفح ... فأودت بحياة ستة أشخاص ، وأصيب ثلاثة عشر آخرين وصفت حالتين منها بالخطيرة ...
مسيرة مشرفة ..
من جهته قال أشرف شقيق الشهداء : إن سيرة أشقائه مشرفة فهم من رواد مسجد الأبرار الواقع في المخيم ، وقد اتسموا برباطة الجأش والوحدة والأخوة الصادقة ... فقد جمعتهم الأخوة في الدم والفكرفي الحياة الدنيا والشهادة في الآخرة ...
وأضاف أشرف : أن شقيقه ياسر كان منذ نعومة أظفاره مجاهداً يطرق كل الأبواب الجهادية ويبذل الغالي والنفيس من أجل الذود عن الوطن والمقدسات ... فقد طُورد في عام 1992 من قبل القوات الإسرائيلية ، واعتقل في كمين نصب له على أبواب بيتنا ... وحكم على إثرها عام ونصف ... وبعد أن خرج من معتقل النقب واصل مسيرته في العطاء ... وعند اندلاع انتفاضة الأقصى اشتهر ياسر بصناعة العبوات الموجهة وزراعتها وكان مهندساً ماهراً للعديد من العمليات الناجحة ... أما " بسام " فقد كان حنوناً في أهله ... هو أبو الجميع في المصاريف وحل المشاكل العالقة ... صحيح أنه كان تاجر خضار متواضع لكن عطائه وكرمه زاد عن كل الحدود ... فبيته مضافة للشرفاء وللمحـتاجين وكان يبر الجميع ويحسن لمن أساء إليه …
وبعد أن شرد أشرف بفكره بعيداً واصل الحديث عن شقيقه" يوسف " والذي يصغره بعامين قال : يوسف أخي محبوب الجميع ذاك الشاب الطائع لوالدتيالحنون عليها ... كان يعطف على الجميع ... فما بين يديه ليس ملكه ... وكان يفضل لعب الكرة ، واتسم بالأخلاق الرفيعة ... وهو الابن المدلل عند والدتي الحاجة ... أما الشهيد أمير قفة "26 عاما " فكان زميل ياسر الروح بالروح ، وكان دائما يرافقه إلى أي مكان يتجه إليه ، وأمير كان مثالاً للأخلاق وللرزانة وللعمل القيادي ...
وسائق السيارة المسكينسامي محمد عمر " 29 عاما " خرج من بيته لتحصيل لقمة العيش ... إلا أن القدر منحة الشهادة برفقة اخوتي .. أما بالنسبة لـ مدحت الجوراني " 25 عاما " فقد أصيب بشظية فصلت رأسه عن جسده على الرغم أنه كان في سيارة أخرى كانت تبعد عدة أمتار عن السيارة التي كان يستقلها أخوتي ...
دُفنوا في قبر واحد ..
وأضاف شقيق الشهداء : في يوم الاثنين الحزين انطلق الموكب الجنائزي من أمام منزلنا دون أن نتمكن من إلقاء نظرة الوداع الأخيرة على الشهداء ... لقد دُفن أشقائي الشهداء ورفيق دربهم " أمير قفة " في قبر واحد في المقبرة الشرقية التي استقبلت ما يزيد عن مائتي وخمسين شهيداً من بينهم سبعين من الأطفال دون سن الثامنة عشر ،فقد جمعت الشهداء الأخوة والصداقة في الدنيا والشهادة في الآخرة...
هنا في الأراضي الفلسطينية المحتلة تتسع الذاكرة لاستيعاب قصص المآسي ... فيغتال الأشقاء بالجملة ، وقد استقبل مخيم الشابورة في محافظةرفح الحدودية عرساً جديداً لأشقاء شهداء ... خرجوا من بيتهم في صبيحة يوم هادئ... كان يحدوهم فيه الأمل... عندما خرجوا برفقة أخيهم " ياسر " لمتابعة علاجه في مستشفى ناصر بمحافظة خان يونس ، إلا أن صواريخ العدو فرقت الأهل ويتمت الأطفال ورملت النساء ، وتركت جرحاً غائراً في قلوب الأحياء ... و مهما كتبت الصحف والمجلات و تناقلت وسائل الإعلام قصص الشهداء ...فلن تنقل صورة المأساةالفلسطينية على طبيعتها ...