الفيلم
سقط
ضوء البطارية ، الذي وجهته العاملة ، فوق
وجهي . أبرزت لها ورقة الدخول فقادتني إلى
كرسي فارغ . نفحتها بعض القطع فقالت : "
شكرا ، سيدي " .
اعتذرت
للجالسين و أنا أتخذ مكانا بينهم . لم يجب
أحد . كانت أعينهم مثبتة فوق الشاشة و هم
يحبسون أنفاسهم. لم تكن هناك أية موسيقى
تصويرية .
من
المؤكد أن
الفيلم مثير . نزعت معطفي ، و أثناء هذا ، و
عن غير قصد ، لمس مرفقي ذراع جاري الذي
يجلس عن يميني . طلبت منه المعذرة لكن لم
يبد عليه أنه قد سمعني .أخرجت نظارتي من
غمدها و مسحتها جيدا بمنديلي قبل
أن أضعها فوق أنفي . طويت معطفي كي أضعه
فوق حجري ، فأفلتت إحدى القطع النقدية منه
. سمعتها بوضوح و هي تتدحرج فوق أرضية
القاعة . انحنيت لأستعيدها، لكنني لم أر
شيئا في الظلام . أشعلت عود ثقاب . هاهي ذي ،
لقد كانت بين قدمي بالضبط .
و
أنا أستقيم همهمت ببعض كلمات الاعتذار
للجالسين بقربي ، فلم أر أي رد فعل. كانوا
مسمرين في أماكنهم و عيونهم نحو الشاشة .
بهتّ للحظة ، ثم إني بدأت أشاهد الفيلم
بدوري .
كانت
الشاشة تعرض صورة لكرسي شاغر مسند إلى
حائط أبيض ، و أسفله كان هناك قمقم ممتلئ
بسائل أصفر ، و كان هناك جهاز غريب يحافظ
على توازن كرية صغيرة و
يمنعها من السقوط في السائل .
لم
أفهم جيدا ماذا يعني هذا ، لكني خمنت أن
بقية الفيلم ستجعلني أفهم كل شيء
، لكن الصورة لم تتغير . بدأت أفقد صبري .
دائما ذلك الكرسي ، الحائط الأبيض ،
الكرية المعلقة في الهواء . تفحصت جيراني .
كانوا يبدون و كأنهم منومون مغناطيسيا . هل
ينتظرون - هم أيضا – ما ذا سيحدث ؟ هذا
محتمل .
لكن
.. لا .. نصف ساعة أخرى و الصورة لازالت كما
هي . لم أعد فاقدا للصبر فقط ، بل أصبحت
عصبيا . هناك عطب تقني بدون أدنى شك . لكن
لماذا لا ينفعل المتفرجون ؟ إنهم يحتملون
، دون أي احتجاج ، هذه الصورة المقيتة
المعروضة أمامهم .
حاولت
– عبثا - أن ألفت
انتباههم بحركة عصبية . لا أحد تذمر .
يا
لهذا الوضع الأخرق .
هذا
الخمود الكئيب أصبح بالنسبة لي غير محتمل
بالمرة .
صحت
:
-
إذن
؟ ماذا يحدث هنا ؟ أضيئوا الأنوار .
هكذا
، أصبحت أنا – فجأة – نقطة التقاء كل
النظرات . حاولت أن أبتسم لكن قلقا غريبا
أصاب شفتاي بتيبس كاشفا عن تكشيرة قبيحة
بالفعل . قلت للشخص المجاور لي
،
و الذي يرمقني بنظراته الوقحة ، و أنا
أتلعثم :
-
إذن
.. نعم .. ماذا ؟ .. يجب فعل شيء .
احتبست
الكلمات في لساني . العيون لا زالت ترمقني
في ثبات .
ماذا
يريدون مني ؟ لكي أغير الوضع تظاهرت
بمتابعة الفيلم من جديد . كانت الشاشة تعرض
– الآن – مجموعة من الأشخاص الذين ينظرون
إلي بلهفة . استدرت إلى جاري لأبرر له
موقفي لكنه لم يكن هناك .
أنا
نفسي لم أعد جالسا فوق أريكة الصالة
السينمائية ، بل فوق كرسي . خلفي يوجد جدار
أبيض . عند قدمي .. كرية . بدأ الجنون يحكم
تصرفاتي .
نهضت
في وثبة قوية كي أتجه نحو باب الخروج ،
لكنني ارتطمت بحاجز غير مرئي
.إنني مسجون داخل قفص زجاجي .
ألقيت
بجسدي فوق المقعد. النظرات لازالت متجهة
نحوي . أثار انتباهي ذلك القمقم للحظة .
كانت هناك حركة دقيقة و غير محسوسة، ثم
أصبحت سريعة . أضحت الكرية أقرب من سطح
السائل بعد هذا ، و عندما لامست الكرية
السائل تصاعد دخان كثيف في الهواء . حبست
أنفاسي . و عندما رفعت رأسي وجدت علامات
غريبة فوق الزجاج
. استغرقت ثوان قبل أن أفهم أن الأمر
يتعلق بحروف مألوفة . لم أبذل جهدا كبيرا
لأتعرفها . كانت الأحرف التي تشكل كلمة "
النهاية
"
.
فتحت
الأبواب و غادر المشاهدون الصالة .
استطعت
أن أرى من موقعي ، بالخارج ، صفا طويلا من
الأشخاص الذين يستعدون للدخول لمشاهدة
الفقرة القادمة .
|