|
عربيات
فلسطين- ميرفت صادق
لقد
تعرضت العائلة الفلسطينية ، كوحدة أساسية
في المجتمع ، إلى سلسلة من النكبات وحالات
الفقدان على مدى سنوات الاحتلال الطويلة،
فلم تسلم عائلة فلسطينية من حالة اعتقال
أو إصابة أو هدم لمنزلها أو حتى فقدان واحد
أو أكثر من أفرادها . وقد تعززت هذه
الانتهاكات والممارسات التي كانت لها
آثارها السلبية بأوجهها المختلفة خلال
الانتفاضة الحالية، مع تصاعد الحملة
الإسرائيلية المضادة لكل ما هو فلسطيني
على هذه الأرض، فقد قدم الفلسطينيون خلال
أقل من خمسة عشر شهرا مئات الشهداء وأكثر
وآلاف الجرحى حسب إحصائيات وزارة الصحة
الفلسطينية .
ولم
تقتصر الخسائر التي تكبدها الجانب
الفلسطيني على الناحية البشرية من شهداء
وجرحى أنتجت إصابتهم إعاقات دائمة لديهم،
أو على الناحية المادية والاقتصادية ،
إنما ظهرت عندهم أنماط سلوكية ناجمة عن
التأثيرات النفسية الصعبة التي أعقبت هذه
الانتهاكات التي تعرضوا لها ، خاصة عند
العائلات التي قدمت أبناءها في سبيل صد
هذا العدوان فظهر عندها حالة من الفقدان
التي قلبت مجرى حياتها.
الفقدان
وللتركيز
على حالات شكل الفقدان أنماطا مختلفة من
السلوكيات لديها، لا بد من التعرض أولا
لمفهوم الفقدان عامة، ففي دراسة أعدها
الأخصائي النفسي بسام مرشود حول الفقدان
والآثار السلوكيات الناجمة عنه، عرف
الفقدان (loss)
على أنه : حدث حقيقي من فقدان شيء على سبيل
المثال الانفصال أو الموت …
وقد
ارتبط مفهوم الفقدان في هذه الدراسة التي
أجريت حديثا وتناولت عينات من الانتفاضة
الحالية ، بمفهومين هما " ( الأسى أو
الحزن الشديد GRIEF
وكذلك الحرمان الناتج عن موت شخص كالأب أو
الأمن أو الابن BEREAVMENT
).
أصعب
مرحلة
وقد
يمر الشخص الفاقد في عدة مراحل من الفقدان
، ربما تختلف فيها الآثار النفسية
والسلوكيات الناجمة عنها حسب كل مرحلة ،
وتبدأ هذه الحالة بالمرحلة الأولى وهي
فترة الحداد MOURNING
،
التي يعدها الأستاذ مرشود أصعب فترات
الفقدان حيث تبدأ بعملية وداع الشهيد أو
المفقود، ويصفها بأنها أكثر هذه المراحل
صعوبة وحساسية ويعبر عنها بأنها:"
محاولة لقول مع السلامة ". ومن خلال
الإطلاع على العديد من حالات الفقدان عند
أهالي الشهداء فقد لاحظنا اختلفت طرق
التعامل مع هذه المرحلة تبعا لمجموعة من
العوامل.
أم
الشهيدين همام وفراس عبد الحق من مدينة
نابلس واللذان استشهدا في فترة متقاربة
نسبيا ( حوالي شهرين ونصف بين استشهاد
الابنين ) تقول:" عند استشهاد همام في
شهر أيار الماضي حاولت توديعه إلا أن
الأمر كان في غاية الصعوبة، فبالإضافة إلى
أن الجميع لم يستطع رؤيته بشكل كامل بسبب
الإصابة المباشرة في الوجه حيث غطي تماما
، كنت قد فقدت الوعي في تلك اللحظات ولم
أصحو إلا بعد الجنازة وربما كان هذا أفضل
لي" ، أما في حالة وداع فراس فقد استطاعت
الأم رؤيته وتوديعه إلا أنها أيضا فقدت
الوعي ولم تستطع حضور باقي مراسيم الجنازة
، الأمر الذي يشعرها بالأسف حتى الآن رغم
الجسارة العجيبة التي ما زالت تظهرها حتى
اليوم .
وعلى
العكس من ذلك فقد دخلت والدة الشهيدين
فادي ومحمد سماعنة من قرية بيت إيبا غربي
نابلس حالة من البكاء المتواصل والحزن
الشديد، إذ أنها لم تستطع توديع ابنها
الثاني محمد وظلت تكرر خلال أيام العزاء
كلمات:" لماذا لم تتركوني أودعه كما
ودعت فادي…"، يقول الأستاذ مرشود:"ان
عملية وداع عزيز بشكل عام عملية صعبة
للغاية على الجميع بالرغم من اختلاف طريقة
التعبير واختلاف أثر هذه العملية عند كل
شخص ومع ذلك فإن العملية هامة للغاية إذ
أنها تساعد الشخص الفاقد فيما بعد على
استيعاب ما حدث وعدم الدخول في حالة إنكار
وعدم تصديق انه فقد شخصا عزيزا ، بل ان عدم
المرور في مرحلة الوداع قد تدخل الفاقد في
مرحلة من الإحباط على المدى الطويل ، ويصل
إلى مرحلة يقول فيها "لو أنني رايته ،لو
استطعت توديعه…".
ويعلق
مرشود على حالة الفقدان المتكرر :"ان
الفقدان في المرة الثانية ينجم عنها آثارا
أكثر صعوبة ، فالجاهزية لتجاوز الأزمة
تكون ضعيفة ، إذ تظهر عند هؤلاء الأشخاص
حالة من ضعف المقاومة كلما زادت الأزمات
،ولكن على العكس من ذلك قد تزيدهم هذه
الأمور قوة وصلابة لكنهم قليلون .
مفارقات
ويبدوا
ان تأثيرات الفقدان تختلف من عائلة لأخرى
ومن شخص لاخر حسب درجة قربه من المفقود
وحسب عوامل أخرى، إذ يدخل عمر المفقود
وطريقة الاستشهاد والنشاطات التي كان
يمارسها قبل استشهاده ومدى قربه من الفاقد
ضمن الأمور التي قد تتحكم بمدى تأثير
الفقدان على العائلة أو الشخص الفاقد .
| أخت
الشهيد ( محمود أبوهنود ) عند وفاة
شقيقها قالت: "والله إنني لا أستطيع
البكاء لا ادري لماذا.." .... ووالدته
كانت تهديء المعزيات |

|
فمن
خلال العديد من الزيارات التي قمنا بها
لبيوت الشهداء ، استطعنا ان نستشف فرقا
واضحا بين عائلة وأخرى في كثير من الحالات.
أم أحمد "والدة الشهيد محمود أبو هنود"
استقبلت خبر استشهاد ولدها كمن يتوقعه منذ
زمن إذ لم يتوفر عنصر المفاجأة والصدمة في
حالتها لذا كان تأثير الفقدان عندها،رغم
أنها لم تر الجثمان لسوء حالته، اقل من
العادة بعض الشيء ، جلست معنا وتحدثت بكل
قوة عن ابنها وعن استشهاده ، مسحت دمعاتها
في قليل من المواقف المؤلمة التي كانت
تحدث في بيت العزاء، كانت تهدئ بعض
المعزيات التي اثر عليهن الخبر ولكن الأمر
في هذا البيت الذي بدا جميع اخوة الشهيد
وأخواته فيه متماسكين لدرجة كبيرة حتى ان
أخته الصغرى منار قالت لنا بالحرف الواحد :
"والله إنني لا أستطيع البكاء لا ادري
لماذا.." الأمر هنا مختلف تماما
بالمقارنة مع عائلة الشهيد فهمي أبو عيشه
من قرية عسكر شمال الضفة الذي ما زالت
والدته وزوجته وأبناؤه يعيشون حالة حزن
شديدة فالأم مصابة بإحباط شديد تردد دوما
"مات فهمي… كيف سيعيش أبناؤه بدون أب
،حياتنا سوداء من بعده "... وهي ذاتها
الكلمات التي ترددها زوجته ، في حين يجد
أطفاله الثلاثة في البكاء وعدم تصديق ما
حصل سبيلا للتعبير عن معاناتهم .
|
البكاء
والتعبير عن الحزن ضروري
|
المتضرر
الأكبر
ويلعب
القرب دورا كبيرا في ارتفاع التأثير
السلبي للفقدان ،يقول مرشود" إن الأم قد
تكون عادة اكثر من يستجيب لاضطرابات القلق
نحو أبنائها وقد يدخلها الفقدان في حالة
من الاكتئاب والحزن الشديد وهنا يشدد
مرشود على ضرورة منح الأم الحرية في
التعبير عن حزنها بالبكاء والصراخ في بعض
الاحيان في محاولة للتفريغ أولا بأول من
مشاعرها "عندما نطلب من والدة الشهيد ان
تزغرد عندما تودع ولدها نحكم على مشاعرها
بالإعدام نوعا ما ، فنحن لا نعلم ماذا
سيكون وضعها حين تذهب لتنام أو عندما تكون
وحيدة ".
وبالفعل
قد تكون الأم اكثر المتضررين نفسيا من
فقدان ابنها الأمر الذي يؤثر على حياتها
وسلوكياتها فيما بعد الأخصائية النفسية
" فتنة خليفة" تذكر انه وفي نابلس
بالتحديد وصل الحال بإحدى الأمهات إلى
إهمال بيتها وابنائها وترك مسؤولية البيت
كاملة على عاتق أحد بناتها الصغار التي
تصغر الشهيد بأعوام وهو الذي استشهد وعمره
14عاما وقد دخلت الأم في حالة من اليأس
والإحباط وعدم القيام بأية نشاطات جديدة
وتواجه صعوبة بالغة في العودة إلى الحياة
الطبيعية .
|
د.
مصطفى عمر : قد يتأثر والد الفقيد أكثر
من الأم
|
"مصطفى
عمر" المشرف النفسي والاجتماعي بجمعية
الشبان المسيحية للتأهيل يقول :"إن
الآثار التي تظهر عادة على الأم كونها من
اكثر المتأثرين تتركز في صعوبة العودة
للحياة الطبيعية والدخول في مرحلة من
الحزن والاكتئاب وقد يذهب بها الأمر لقضاء
وقت كبير في المقبرة والابتعاد عن أي عمل
لا يرضي المفقود واستهجان قيام أي فرد من
المحيط بعمل مماثل".
ويركز
عمر على ان المتضرر الأكبر قد لا يكون
بالضرورة الأم وانما أي شخص آخر في
العائلة ، ففي حلقات العلاج النفسي التي
يعقدها الأخصائيون للعائلات الفاقدة من
اجل التفريغ قد يكتشف المرشد ان الأب هو
الشخص الأكثر تأثرا على سبيل المثال، يقول
عمر :"ان الأب مطلوب منه التماسك
والوقوف في بيت العزاء كرجل قوي من منطلق
نظرة المجتمع للرجل على انه لا يجب ان يبكي
أو ان يعبر عن مشاعره تجاه فقدان ابنه،
الأمر الذي يترك لديه آثارا نفسية صعبة
على المدى الطويل ، كما قد تظهر لديه أعراض
مرضية ذات علاقة بالتأثير النفسي وتسمى
أعراض نفس –جسمانية مثل وجع المعدة،
الشعور بالتعب والألم والإرهاق …."ويضيف
عمر:"إنه في بعض الحالات كان الأب يشعر
بالذنب تجاه ابنه المفقود ويصل إلى تحميل
ذاته السبب في فقدان ابنه نتيجة لمشكلة قد
تكون حدثت بينه وبين ابنه قبل الحادث أو
حتى لأنه لم يستطع منعه من الخروج يوم
استشهاده، وفي إحدى الحالات لم يخرج الأب
للعمل لمدة ثلاثة اشهر لشدة حزنه على ابنه
ولان هذا الابن كان الساعد الأيمن في
العمل ".
|
أعراض
وسلوكيات تظهر لدى أبناء الفقيد
|
وكما
قلنا فان التأثير لا يتعلق بالضرورة بشخص
دون الآخر فالأطفال في العائلة قد يكونوا
اكثر المتضررين عل الرغم من عدم فهمهم
الكامل لمعنى الفقدان والموت، لذا تظهر
الآثار لديهم على شكل سلوكيات وأثار نفسية
وجسمية مرضية كالتبول اللاإرادي الليلي ،
والحركة الزائدة ، الخوف من أي شيء ،
والسلوك العدواني تجاه الآخرين ، تدني
التحصيل الدراسي ….
|
ارتفاع
مستوى الإيمان بالقضاء والقدر يساعد
على تجاوز الأزمة
|
آثار
محتجبة
وقد
يذهل البعض تجاه عدم دخول الفاقد في مراحل
الفقدان المختلفة من صدمه وحداد وحزن
وأسى، ومن عدم ظهور آثار وسلوكيات مختلفة
عليهم نتيجة لحادث الفقدان.
تقول
فتنة خليفة :" إن هناك عوامل مهمة تؤثر
في هؤلاء الناس، منها: ارتفاع مستوى
الإيمان بالقضاء والقدر ، وتبني فكرة أن
الجنة هي مثواهم، وإن رحيلهم من هذه
الدنيا هي انتقال إلى الأفضل والأحسن".
يضيف
الأستاذ مرشود قضية " توقع الاستشهاد
" كعنصر يساعد كثيرا في تقبل الأمر
مثلما هو الحال مع عائلة الشهيد أبو هنود،
ووالدة الشهيدين محمد وعاصم ريحان التي لم
تبك في الحالتين ومازالت تمارس حياتها
الطبيعية مثلما كانت قبل استشهادهما"
وهنا
يحذر مرشود من أنه ليس بالضرورة أن تظهر
آثار الفقدان في سلوكيات فورية بعد
الفقدان مباشرة، فقد تظهر على المدى
البعيد وفي بعض الحوادث، " فلا أحد يعلم
متى سيكسر جهاز المناعة عند هؤلاء الأشخاص".
ويقول
مرشود: إن معظم هؤلاء الفاقدين بحاجة
لمتابعة نفسية من قبل متخصصين مؤهلين في
مجال الإرشاد والعلاج النفسي ، لأن هذه
الآثار لا يمكن أن تظهر مباشرة وأن عملية
دفنها ومحاولة التغطية عليها، والضغط على
الشخص المتأثر لإخفائها ، فهي بمثابة "قمع
للمشاعر" على حد قول الأخصائي مصطفى عمر.
قضية
إيجابية
ويجمع المختصون في المجال النفسي
وقضايا دعم الشهداء، إن الوضع بالنسبة
لحالات الفقدان في المجتمع الفلسطيني
المنبثق عن المجتمع الإسلامي والعربي،
مختلف عنه بالمقارنة مع حالات الفقدان في
المجتمع الغربي، لتوفر فكرة الإيمان
بالقضاء والقدر أولا، ولتوفر نظام الدعم
الاجتماعي لأهل المفقود حتى لو كان طفلا
صغيرا إذ غالبا ما يجد الفاقد الدعم
النفسي والمعنوي والمادي خاصة الأم في
الأيام الأولى، في فترة الحداد والجنازة
والمقبرة وتقديم وجبات الطعام لأهل
المفقود ومتابعة الزيارة لهم، وهذه
القضية لها تأثير إيجابي كبير في شعور
الفاقد أن هناك من يقف إلى جانبه.
يقول
مرشود: إن هذا الأمر إيجابي، إذ أن المجتمع
الغربي ينظم برامج تدخل ودعم من قبل
مؤسسات وهيئات متخصصة خلال أل 48 ساعة
الأولى للفقدان، بينما يقوم المجتمع
العربي عندنا بسد هذا
|