|
كان
من الصعب أن نلملم أفكارنا لنكتب بعض
الأسئلة لزوجة فقدت زوجها ورفيق دربها،
أصبحت وحيدة في هذا العالم، فمن أين
سنبدأ ؟هل بإحياء ذكرى اللقاءات الأولى
أم ذكرى الساعات الأخيرة ؟ أم نتوقف أمام
مواقفه المميزة كقائد ومناضل حمل الوطن
جرحا وهما له، اسئلة تلوح أمام أعيننا
عسانا نستطيع أن نلتقطها.
"منى
زقة" زوجة الشهيد "جمال منصور "
والذي استشهد بنابلس عند قصف مكتبه، في
اليوم الأخير من شهر تموز الماضي، تحدثنا
عن حياة الشهيد الباسلة وكان من المفترصن
أن تكون مقابلة ولكننا خجلنا أن نقطع
حديثها وتركناها تسترسل في
الحديث عن زوجها بعد أول سؤال لنا ....
ماذا يعني أن تكوني زوجة الشهيد جمال
منصور ؟
لم اصدق حتى الان أن الله اختارني
لاكون زوجة شهيد ولكنه فخر لي تنبع منه
مسؤوليات جسام و كزوجة شهيد أكون ملزمة
بالمحافظة على الأفكار و المبادئ التي
كان يتبعها ومتابعة الطريقة التي تعامل
بها مع ابنائة ومع من حوله ... والفرق هو
أننا كنا اثنين نعمل على أفكار وقضية
واحدة والآن أصبحت وحدي أحمل كافة
المسؤوليات دون سند .
وبما
أن أبى بكر كان معتقلا كنت مضطرة لتمثيل
أهالي المعتقلين والحديث باسمهم، لكني
الان في موقع أكثر صعوبة وألما كوني زوجة
شهيد ومعتقل سابق ... كما أنني في هذا
الوقت مطلوب مني عمل الكثير خاصة في
مساعدة أهالي الشهداء وزوجاتهم كوني
مررت بهذه التجربة بالإضافة إلى الوقوف
إلى جانب أهالي المعتقلين والأسرى
والجرحى وعدم إهمال ما بدأه زوجي في هذا
المجال.
وتتابع
أم بكر انتقاء كلماتها وسط إعجابنا
الشديد بهذه الجسارة التي تنتابها ،
تحدثت عن الفترة التي سبقت استشهاده
قائلة :" الأيام التي سبقت استشهاده
خاصة تلك الأيام التي تلت استشهاد رفيق
دربه أبو النور "صلاح دروزة" ( في
25/7/2001)، كان له تصرفات غريبة حتى أنه
انعزل على نفسه وراح يردد مقولة" من
بلغ الأربعين فليهيأ نفسه للآخرة"،
وكان دائم السؤال "بتزعلي إذا
استشهدت؟"، عندها كنت أشرع بالبكاء
فيقول لي :" لماذا ؟ ألا تتمني لي
الخير؟"
وتضيف
انه في الفترة الأخيرة كان يتلقى أكثر من
30 مكالمة في اليوم من أصدقائه ومعارفه
يطلبون منه أن يهتم بأمنه اكثر، وان يقلل
من تحركاته، لكنه كان دائما يقول:"
الستار ربنا" وبعد ضغط منهم وافق على
تغيير السيارة واستخدام مرافقين، وقاموا
بترخيص مسدس له، كل هذا خلق لدينا رهبة ،
وخوف عليه لانه لم يعد يستطيع التنقل
والحركة كما كان من قبل".
تصمت
ام بكر قليلا و تسرح بعيدا عن جو الغرفة
التي يتحدث كل شبر فيها عن شخصية من كان
يسكنها، بدت
لنا كأنها تستحضر أفكارا من الماضي
القريب والبعيد الذي يسكنها، وعندما
بدأت الحديث أدركنا سبب صمتها الطويل،
فقد كانت تحاول ان تجد كلمات تترجم
لنافيها ما حدث يوم الاستشهاد اليوم الذي
لا ينسى رغم ما يحمله من معاناة بالنسبة
لها، تحدث عن لحظة سماعها الصواريخ على
مكتب زوجها حيث كانت بالصدفة قريبة منه
وحتى يوم العزاء… تقول:" لأول مرة بعد
أن تم تعيين مرافقين له لم يأخذ أبو بكر
سيارته ، وقال لي :" تركت لك السيارة
لتتمكني من قضاء أشغالك اليوم" .. وكان
على علم بزيارتي لأم النور" زوجة صلاح
دروزة" وبعد الزيارة توجهت إلى سوق
الخضار في وسط المدينة ، عندها سمعت
انفجارا فأدركت وقتها أن القصف على مكتب
ابو بكر ، لم أفكر وقتها الا في عودتي إلى
المنزل ، خوفا من أن يتلقى الأطفال الخبر
وهم وحدهم ، وعندما وصلت كانت "المكالمات
الهاتفية" تنهال علينا الجميع يسأل عن
ابي بكر، حاولت الاتصال به اكثر من مرة
دون جدوى، ولم يستطيع أي شخص من الأقارب
او الجيران إبلاغي الخبر، الكل يتصل
عندما يعلم أنني لا اعرف يقول لي"
إنشاء الله خير"، إلى أن سمعته في
الإذاعات المحلية التي أخذت تردد خبر
استشهاد "جمال منصور"…
وعن
تقبل أبنائها الخبر تقول:" الحمد الله
على كل شئ، فقد كان الشهيد يهيئنا جميعا
لهذه اللحظات ولم تكن مفاجأة بالنسبة
لنا، فبعد كل عملية اغتيال وسقوط شهداء
كان يجمع أبنائه ويحدثهم عن الشهادة
ومكارم الشهداء ، وبعد استشهاد "صلاح
دروزة" جمعهم جميعا وبدا وكأنه يهيئهم
حقا لحدث قريب، يحدثهم عن استشهاده هو
دون غيره ، حتى أن ابنه البكر "بكر9
سنوات" راح يقول له:" نحن موافقين
على استشهادك ولكن على شرط أن لا تتركنا
وحدنا".
ولكن
بالرغم من هذه التهيئة إلا أن الأمر كان
صعبا علينا للغاية، كما انه زاد من
مسؤولياتي في مراقبة سلوكيات الأطفال
والأماكن التي يرتادونها وأصدقائهم
لاكمال الطريق التي بدأها أبيهم…
وتستذكر
"منى زقة" آخر ليلة لزوجها في البيت،
عندما قام بجمع أبنائه، وسلم كل منهم
مجموعة "فاكسات" لدراستها ومساعدته
في معرفة مضمونها، كما انه قام بتنظيف
البيت" جلى" الأواني في المطبخ، فهو
بالرغم من مسؤولياته الا انه لم يكن
يتوانى عن مساعدتي في أعمالي البيتية
وتربية الأولاد.
وعن
الفراغ الذي خلفه استشهاد "أبي بكر"
في نفسية زوجته، تقول أم بكر:" لن أجد
من يعوضني عن فقدان جمال، فليس هناك من
يفهمني أو يساعدني مثله، كان يرشدني في
كل أموري، وكان بمثابة الدليل الذي أعود إليه كلما استعصى علي أمر،
وكان يعتمد علي في تربية الأولاد مع عدم
إهمال متابعته اليومية لهم، لكنني الان
اشعر انني فقدت هذا، خاصة عندما ارى "بكر"
وقد اصبح يحاول ان يملئ الفراغ الذي خلفه
أبيه، ارى انه بدأ يفقد طفولته ليحل كأنه
في كل شئ بالرغم من صغره."
وتتابع:"
بصراحة لا يوجد الان من يعبئ فراغ ابو
بكر، حتى أنني عندما كنت افتح التلفاز
لاستمع لنشرات الأخبار، ارى أن كل
المتحدثون لا يرتقون الى درجة التي وصلها
زوجي من الوعي والحكمة فاقوم باغلاقه،
فعندما كان يسألني هل ستحزنون إذا
استشهدت، كنت أجيبه "سأحزن عليك لانك
زوجي اولا، ولكنني سأحزن على هذه الأمة
التي بفقدانك ستخسر قائداً".
في
هذه اللحظة قاطعنا حديثها ، لنطلب منها
أن تصف دور المرأة الفلسطينية المطلوب في
مثل هذه الظروف ، أجابت : "الدور ليس
سهلا على الإطلاق فالمرأة الفلسطينية
بصبرها وإيمانها وثباتها وبمعنوياتها
العالية، تكون كالطبيب النفسي الذي
يستأصل المرض قبل استفحاله، فتراه يساعد
الناس ويصبح قدوة لهم في الصمود والجلد
على المعاناة ، خاصة أولئك الذين يعتبروا
مشاريع شهادة ، فمثلا في أيام العزاء
استمدت الكثير من النساء اللواتي يخفن
على أزواجهن الشجاعة والصبر منا...
وبالنسبة لي هذه القوة اكتسبتها من حياتي
من أبي بكر الإنسان والقائد، فقد كان
يردد دائما " لا تخشى على نفسك من
الاغتيال ولكن أخشى عليها من الرضى
بالاحتلال".
وكخاتمة
لهذا اللقاء لم نستطع تجاهل ذلك السؤال
الذي يدور في خلدنا حول رؤيتها للحلول
السلمية ومستقبل الانتفاضة التي تدخل
عامها الثاني في أيامنا الحالية،
ومستقبل الانتفاضة ، بكل ما حملته من
الآمال والآلام وبكل ما خلفته من جرحى
وشهداء ودمار، فقالت:" أن يخرجوا بحل
سلمي بعد كل الذي حصل فهذه مصيبة، تضاعف وما
الآلام الفقدان وحسرة الغياب، فنحن أكثر
من عانى ولا نسطييع القبول بحلول السلمية
مع إسرائيل فهي المعتدية ونحن المظلومين
المدافعين عن أرضنا، وللمظلوم الحق في
متابعة مقاومته مهما كلفه الآمر من
تضحيات ولكل زمان دولة ورجال والذي
يستشهد يخرج عوضا عنه المئات ونحن لسنا
مضطرون للانجراف وراء الحلول السلمية
التي تدفعنا إليها إسرائيل لتفرض علينا
الشروط التي تريد دون أن يكون لنا قرارا
في أي شئ ونحن أصحاب الأرض الصحاب الحق".
|