ماذا تعرف عن هؤلاء ؟ (6) ... محمد الفيتوري

أبو بسام
22-12-2000, 10:45 PM
محمد مصباح الفيتوري (1930-000م) شاعر سوداني. ولد بالإسكندرية من أب سوداني وأم مصرية ونشأ فيها، فشهد غارات النازيين أثناء الحرب الثانية. كان أسود البشرة، قصير القامة، دميم الوجه. دخل جامعة الأزهر بعد الحرب. بعد أن تتلمذ في مطلع حياته على الكتاب وحفظ القرآن الكريم. تزوج من "آسيا" وهي ممثلة مسرحية ذات مكانة في السودان، دارت أكثر أشعاره حول المشكلة العنصرية والجنس الأسود. أصدر أولى مجموعاته الشعرية "أغاني افريقية" 1955، ثم "عاشق من إفريقيا"، و "اذكريني يا إفريقيا"، و "أحزان إفريقيا" و "معزوفة درويش متجول". وله أوبريت افريقية "سولارا"، ومجموعة شعرية "البطل والثورة والمشنقة" 1970. جمعت أعماله الشعرية في "ديوان محمد الفيتوري" 1972. وقدم له محمود أمين العالم.
==============
من شعره
((تحت الامطار))


"أيها السائق
رفقاً بالخيول المتعبه !
قف ..
فقد أدمى حديد السرج لحم الرقبه
قف ..
فإِن الدرب في ناظرة الخيل اشتبه "
هكذا كان يغني الموت حول العربه
وهي تهوي تحت أمطار الدجى مضطربه !
* * *
غير أن السائق الأسود ذا الوجه النحيل
جذب المعطف في يأس
على الوجه العليل ..
ورمى الدرب بما يشبه أنوار الأفول
ثم غنى سوطه الباكي
على ظهر الخيول ..
فتلوت ..
وتهاوت ..
ثم سارت في ذهول !

حارس الزمن
23-12-2000, 06:41 AM
أبو بسام
شكل جديد ستثري به محصلاتنا الثقافية ... فلك الشكر
وازيدك إن لمحمد الفيتوري معي حكاية سترد في ......( مختلس الثقافة ) الم أقل لك من قبل ان اختيارات تبعثرني أحياناً؟
لك مني ودي
حارس الزمن

------------------
...................... *** وماعلي اذا لم تفهم البـ(شـر) !!!

أبو بسام
23-12-2000, 08:58 AM
اخي حارس الزمن ..
شكرا لك على ردك الجميل ... وفي انتظار .. ماذا سيجدث معك بخصوص هذا الشاعر ..
وللتذكير فهؤلاء الشعراء ومن سيأتون .. ليس شرطا أن أكون مقتنعا بهم ... فقط كما قال اخي حارس الزمن زيادة المحصلة الثقافية ...
شكرا

نزف
24-12-2000, 12:59 AM
لا شلت يمينك يابو بسام
جميل
تحياتي
نزف

أبو بسام
24-12-2000, 02:37 AM
ويمينك اخي نزف
اشكرك اخي
لك حبي

أبو بسام
01-06-2005, 12:22 AM
مؤلفاته:
1- أغاني إفريقيا 1955- شعر ط2 1956.

2- عاشق من إفريقيا 1964- شعر.

3- اذكريني يا إفريقيا 1965- شعر.

4- سقوط دبشليم 1968- شعر.

5- معزوفة لدرويش متجول 1969- شعر.

6- سولارا (مسرحية شعرية) 1970.

7- البطل والثورة والمشنقة- شعر 1972.

8- أقوال شاهد إثبات- شعر 1973.

9- ابتسمي حتى تمر الخيل- 1975- شعر.

10- عصفورة الدم- شعر- 1983.

11- ثورة عمر المختار- مسرحية 1974.

3- عالم الصحافة العربية والأجنبية- دراسة- دمشق 1981.

4- الموجب والسالب في الصحافة العربية- دراسة- دمشق 1986.

الكتب المترجمة:
5- نحو فهم المستقبلية- دراسة- دمشق 1983.

6- التعليم في بريطانيا.

7- تعليم الكبار في الدول النامية.

أبو بسام
01-06-2005, 12:24 AM
يا أخي في الشرق ، في كل سكن

يا أخي فى الأرض ، فى كل وطن

أنا أدعوك .. فهل تعرفنى ؟

يا أخاأعرفه .. رغم المحن

إنني مزقتأكفان الدجى

إننى هدمت جدرانالوهن

لم أعد مقبرة تحكى البلى

لم أعد ساقية تبكى الدمن

لم أعد عبد قيودى

لم أعد عبد ماض هرم عبد وثن

أنا حى خالد رغم الردى

أنا حر رغم قضبان الزمن

فاستمعلى .. استمع لى

إنما أذن الجيفة صماء الأذن

إن نكن سرنا على

الشوك سنينا

ولقينا من أذاه ما لقينا

إن نكن بتنا ولقينا من أذاه ما لقينا

إن نكن بتنا عراة جائعينا

أو نكن عشنا حفاة بائيسنا

إن تكن قد أوهت الفأس قوانا

فوقفنا نتحدى الساقطينا

إن يكن سخرنا جلادنا

فبنينا لأمانينا سجونا

ورفعناه على أعناقنا ولثمنا قدميه خاشعينا

وملأنا كأسه من دمنا

فتساقانا جراحا وأنينا

وجعلنا حجر القصر رؤوسا ونقشناه جفونا وعيونا

فلقد ثرنا على أنفسنا ومحونا وصمة الذلة فينا

الملايين افاقت من كراها ما تراها

ملأ الأفق صداها

خرجت تبحث عن تاريخها

بعد ان تاهت على الأرض وتاها

حملت فؤسها وانحدرت

من روابيها وأغوار قراها..!

فانظر الإصرار فى أعينها وصباح البعث

يجتاح الجباها

يا أخى فى كل أرض عريت من ضياها

وتغطت بدماها

يا اخى فى كل ارض وجمت شفتاها

واكفهرت مقلتاها

قم تحرر من توابيت الأسى

لست اعجوبتها

أو مومياها انطلق

فوق ضحاها ومساها

أبو بسام
01-06-2005, 12:26 AM
الهوى كل هوى دون هوانا نحن من أشعلت الشمس يدانا
والخُطى مهاتناءت أودنت فهى في دورتها رجع خطانا
واذا التاريخُ أغنى أُمَّةً بشهيدً فأُلوف شهدانا
واذا الثورة كانت بطلاً يطأُ الموت ويحتلّث الزمانا
فلنا في كُلِّ جيل بطل’’ مجدهُ يحتضن المجد أحتضانا
عرب’’ نحن .. وهذا دمنا يتحدى في فلسطين الهوانا
عرب رايتُنَا وحدتنا حلقت صقرا وحطت في سمانا
عرب’’ .. لا أمضُغُ الملح ، ولا أكسر السيف بعينيّ مُهُانا
فأنا أعرف أنَّ الروح من روحنا نحن..وأن الكون كانا
وأنا أعرف أن الشمس في غيبة ثم تعود الدورانا
والمخاضاتُ عذاب.. ولقد تلدُ الأرحامُ وَحلاً واحتقانا
وأنا أعرفُ أني أُمَّةُ هي عند الله أعلى صولجانا
وأنا أركضُ فى بسُتانها خيلاءً..وأغُنىَّ المهرجانا
وأسألوُا التاريخ عنها ينتفض كلُّ عرق عربي عُنفُوانا
*** ***
أه يا ذاكرة الأرض لكم ثقُلتْ أقدامُهم فوق ثرانا
والدُّجى كان بطيئاً والأسى كان مُرًّا رَشَفَتُه شفتانا

أبو بسام
01-06-2005, 12:27 AM
يَمُرُّ غَيْركَ فِيهَا مُحْتضرُ

لا برق يخطف عينيه ولا مطر

وأنت.. لا أسألأُ التاريخ عن هرمٍ

في ظلِّه قمم التاريخ تنتظر

عن عاشق في الذُّرى..

لم تكتمل أبداً

إلا على صدره الآيات والسور

عن الذي كان عصرا شامخا

ويدداً تشد عصرا اليها

وهو ينحدر

يمر غيرك

بعض العابريت على بطونهم

يثقلون الأرض إن عبروا

كمثل من أبصرت عيناك

ثم نأت عيناك عنهم

فلا غابوا.. ولا حضروا

وبعضهم أنت تدري

ان شعرك لو لم يلق ضوءاً

على أيامهم غبروا

كانوا ملوكا على أرض ممزقة

يجوع فوق ثراها النبت والبشر

كانوا ملوكا مماليكا

وأعظمهم تحت السموات

من في ظللك استتروا

***

ورحت تنفخ فيهم منك

ترفعهم ، فيسقط البعض

أو تبنى ..فينكسر

أردت تخلق أبطالاً ، تعيد بهم

عصر النبوة والرؤيا ، فما قدروا

هتفت : ياعمر

مكتوب لك العمر

وليس ينقص فيك الجهد والسهر

وإنما تنقص الاعمار في وطن

يغتاله القهر، أو يغتاله الخطر

!وقلت..

والشاهدان ، اللّيل والسفر

وشغلة في مدار الكون تستعر

هذي الطيور التي احمرت مخاليبها

فوق الصخور لنا

ولتستح الحفر

وسرت غضبان في التاريخ

لا عنق إلأ ومنك على طياته أثر

تصفو ، وتجفو

وتستعلي ، وتبتدر

وتستفز ، وتستثنى ، وتحتقر

هذا زمانك

لا هذا زمانُهم

فأنت معنى وُجُودٍ ليس ينحصر

في كل أرض وطئتها أمم

تُرعى بعيدٍ كأنها غنم

وإنما الناس بالمملوك

وما تصلح عرب ملوكها عجم

وتكفهر على مرآتك الصُّوَرُ

!أتعقم الأ{ض؟ هذي الأم

أيُ دجى هذا الذي في عُيون الناس ينتشر

وينحني شجر الأيام

والغضب القدسي يغدُو انكسارات

وينحسر

***

فلتسمع النُصُبُ الجوفاء والأُطُرُ

هذى الأغاني البواكي في فمي نذر

إذا تساقط في أيامهم علمُُ

فأن أعلام من يأتي ستنتصر

وإن يخن خائن فالارض واحدة

برغم من خان .. والآلأم مُخْتبرُ

***

وقلت بغداد

يا بغدادُ أيُّ فتى كان الفتَى

وهو في عينيك يزدهر

أنت التي اخترته للعشق

كان إذا رآكِ في لهب الأحداث

ينفجر

ويحرث الأرض كالمجنون

يحرثها براحتين هما الإحباط والظفر

أقل مجك أن الفاتحين وقد

جاءوا غُزاةًَ على أبوابك انكسروا

وبعض مجدي ، أنَّ الكون لي فلكُُ

شعري وأنت عليه : الشمس والقمر

بغدادُ.. أشأمتُ مشدوداً إليك

ويا شام الهوى أنا في العاقُول أنتظر

ويا حدائق كافور القديم

سوى تلك الثمار التي حُمِّلتها الثَّمرُ

**

الله.. يا كم تغرّبنا

وكم بلغت منا الهموم

كما لم يبلغ الكبر

فإن أكُن أمس قد غازلت أُمنيةً

حيث آستوى الصمتُ

أو حيث استوى الضّجر

فالمجد أعظم ايقاعاً

وَربَّ دمٍ يمشي حزيناً

ويمشي إثرهُ القَدَرُ

أبو بسام
24-06-2005, 01:48 AM
قراءة سيدي محمد
الجزيرة نت


لم يكن الشاعر العربي الكبير محمد الفيتوري مبالغا في ما كتبه للشاعر الأخطل الصغير وهو يجر ذيوله إلى العزلة الأبدية راثيا له, بل على العكس من ذلك كان الفيتوري العظيم عظيما في وصفه ودقة نصله واستئصاله كما هو عظيم دائما في عذوبة عروبته وملوحة أفريقيته يقول:

أنت في لبنان..
والشعر له في ربى لبنان عرش ومقام
شاده الأخطل قصرا عاليا
يزلق الضوء عليه والغمام
وتبيت الشمس في ذروته
كلما داعب عينيها المنام
أنت في لبنان..
والخلد هنا
والرجال العبقريون أقاموا
حملوا الكون على أكتافهم
ورعوا غربته وهو غلام
غرسوا الحب فلما أثمر الحب
أهدوه إلى الناس وهاموا
غرباء ومغنين
وأحلى أغانيهم على الأرض السلام.

وحق للفيتوري ذلك, فالشاعر بشارة الخوري هو صناجة لبنان وأخطله الذي اتقدت نار شعره وشرارة إبداعه مع أول ضوء لنار الحرية ومع أول فجر لشمس الفضاء الرحيب, الأخطل الذي أذهلت منمنمات معانيه وجمالية بناء ألفاظه وفسيفساء قصائده أبناء جيله فغنوا وراءه لليأس من منطلق البحث عن أمل, كما تغني الذئاب السائبة لليل باحثة عن الصباح وراء عتمته, الأخطل هو الذي ابتسم ساخرا من القهر والظلم الذي انتعل جسده وجسد لبنان, سخرية معرية تساوي العدم بالوجود والظلام بالضياء والليل بالنهار قائلا:

طلت يا ليلي أو لم تطل مثلك الفجر الذي سوف يلي
ما يفيد النور في إشراقه إن يكن أطفئ نور الأمل...

مشوار
ولد شاعرنا في بيروت عام 1890 وسرعان ما بدأ يتردد على الصحافة, لينشر فيها بعضا من قصائده ومقالاته.. إلى أن استفاد من إعلان الدستور العثماني فرخص لجريدته "البرق" التي ضمت كبار الأدباء والمفكرين ممن ناصروا حركات التحرر ومحاربة الاستبداد لينخرط بعد ذلك في العمل السياسي بعد تردي الأوضاع إثر سياسة تكميم الأفواه وتعطيل كل مظاهر الحرية والرقابة المشددة على الصحف حتى تعرض لمحاولة اغتيال كادت تودي بحياته عام 1910 تبعها إغلاق جريدته ثم تشرده متخفيا من النظام التركي، يقول الشاعر في ذلك:

ضحك المجد لنا لما رآنا بدم الأبطال مصبوغا لوانا
عرس الأحرار أن تسقي العدا كأسا حمرا وانغاما حزانا.

إلا أن هذه الحالة الظلامية وحياة الدهاليز لم تدم طويلا فعاد الشاعر إلى الكتابة في أغلب الجرائد اللبنانية ولكن باسم مستعار لشاعر عربي من العصر الأموي وهو الأخطل الذي وجد فيه شاعرنا مثلا له من الناحية السياسية، لتعود صحيفته "البرق" إلى الصدور عام 1918 ويستمر في الحياة السياسية بأنفة وكبر حتى يودع الحياة في يوليو/تموز 1968 قائلا:

ضجت الصحراء تشكو عريها فكسوناها زئيرا ودخانا
شرف للموت أن نطعمه أنفسا جبارة تأبى الهوانا.

حزن وحب
إن شعر الأخطل الصغير تكسوه مسحة شبابية تشوبها مسحات أخرى من الحزن العميق وحب للحياة بكل مفرداتها. فقد جمع شعره بين الرقة والحب، وصدر عن عاطفة متدفقة كأنه يرى أفقا خياليا لا نراه نحن ولا نسمعه ولا نفهمه إلا حينما يسقينا جماليته بغيوم فلسفية يقلب فيها كل معايير الجمال وينسف فيها كل مؤشرات الذوق بصورة ساحرة مبهرة للقارئ لا يماثلها سوى جمال لبنان وغناء الريح على سفوح تلاله ومرابع هضابه وصوت فيروز تغني له:
يا عاقد الحاجبين على الجبين اللجين
إن كنت تقصد قتلي قتلتني مرتين

ويتجلى ذلك الإبداع الصوري في قوله:

نفض الحسن عرشه فسألنا
من تراها له فدل عليك
اسكبي روحك الحنون عليه
كانسكاب السماء في عينيك

ولا شك أن مسيرة شاعر بهذا الحجم، وهذه التجربة الطويلة المليئة بالدم والتيه، لا تتوقف عند الوصف وفلسفة الجمال، بل نجده يوظف كل ذلك لقضيته وهموم أرضه ووطنه, فعلى الرغم من أنه كان إنسانيا في نظرته وكينونيا في إحساسه وعربيا في انتمائه ولبنانيا في نضاله وشعره، فإنه لم يلتزم خطا سياسيا معينا ولم يؤمن بأفكار نمطية بل انطلق في مسار أوسع وبمضامين فكرية عصرية وإن صيغت بشكل شعري قديم.



عشق بيروت
عشق الأخطل الصغير بيروت كما كل اللبنانيين وتغنى بها في كل قصائده وجاذبها الهوى, بل تقمصته وتقمصها ترابا وحبرا ولونا أزرق:

فدت المنابر كلها منارة هي في فم الدنيا هدى وتبسم
ما جئتها إلا هداك معلم فوق المنابر أو شجاك متيم
بيروت هل ذرفت عيونك دمعة إلا ترشفها فؤادي المغرم
أنا من ثراك فهل أضن بأدمعي في حالتيك ومن سمائك ألهم..

لكن الملاحظ في قصائده دون غيره أن رؤيته الشعرية لم تكن آنية أو متقوقعة في مطحنة الحاضر العصيب -أنذاك- بل تعدتها بنظرة ثاقبة إلى الآن وما يعيشه لبنان وكأنه قدر يمر به كل جيل أرضعته بيروت العاشقة المشؤومة على عشاقها, يقول الأخطل مخاطبا بيروت بهذين البيتين اللذين يحملان كل شوارع بيروت الصامتة وكل ظلامها الدامس الذي بدأنا نراه يصرع كل حب ويطمس الحقيقة الإنسانية:

لهفي عليك أكل يوم مصرع للحق فيك وكل عيد مأتم
والأمر أمرك لو رجعت إلى الهدى الحب يبني والتباغض يهدم

وليس هناك ما يفوق جمال شعر الأخطل سوى تصوير الفيتوري لرحيل أي شاعر ومبدع وعبقري عندما ينسحب بهدوء دون أن يشوش الذاكرة العربية المملوؤة دوما بالنسيان لملهميها ومن ضمنهم بشارة الخوري أو الأخطل الصغير:

غرسوا الحب فلما أثمر الحب
أهدوه إلى الناس وهاموا
غرباء ومغنين
وأحلى أغانيهم على الأرض السلام.

أبو بسام
29-08-2005, 12:55 AM
عندما نكتب عن شاعر عربي فإننا بالتأكيد سنكتب وأمام أعيننا أننا نكتب عن قصيدة عاشت في المنفى وماتت في المنفى دون أن يقرأها أحد لا لشيء سوى أن الكلمة الإبداعية مزعجة، خاصة إذا كان صاحبها يمتلك تاريخا وامتدادا إبداعيا لا يعترف بقوانين الرتابة وأقفاص السكون.

الشاعر محمد الفيتوري ويده المتعبة أحد المنفيين داخل وطنه حيث لم يعد المنفى مجرد حرمان من العيش على أرض تصالحت معها النفس والروح بل أن تغيب وأنت حاضر... فقليلون هم الذين يعرفون أن الشاعر الذي غنى لأفريقيا وعاش لأفريقيا وسيموت لأفريقيا لم يعد قادرا على الكتابة بيده اليمنى بعد أن شدت أجمل الألحان مسجلة الماضي والحاضر والمستقبل.

يد الفيتوري المرتعشة بعد أن أصيب بجلطة دماغية أصبحت تأبى أن تطاوع ترنيمات يمليها عبقر شعره الذي قال عنه مرة إنه يذهب إليه ولا ينتظر مجيئه عكس الشعراء الآخرين.

الفيتوري مهر أصيل ضل وهاده ما بين مضارب تغلب وبكر وكندة وعبس ساكنا روح عنترة مرورا بكل عصور التشظي العربي شعرا وسياسة، حتى أصبحت قصائده سجلا وديوانا لكل أشكال الحركة المعاصرة بترسباتها وسباتها وثوراتها ومخاضها، وكأنما سكنت روحه شجر النيل أو خبأ ذاته في نقوش تضاريس أمته:

سأرقد في كل شبر من الأرض
أرقد كالماء في جسد النيل
أرقد كالشمس فوق
حقول بلادي
مثلي أنا ليس يسكن قبرا.

إنه طيف منفلت من عصور الرتابة جاء تاركا خلفه كتب الرمل متطلعا إلى كتب الغيم وشموسها التي لا تضيء وكائناتها التي تعيش في الظلام كالدبابير.. بدءا من أغاني افريقيا سكب الفيتوري حريته على كل بقعة من أرض أفريقيا وأسال دم قصيدته فداء للقصائد الأخرى.. مستنشقا نسيم الشعر الذي لا تحده الحدود ساخطا ومعريا لأبشع صور الموت داخل الحياة:

قلها‏,‏ لاتجبن‏,‏ لا تجبن
قلها في وجه البشرية
أنا زنجي وأبي زنجي الجد
وأمي زنجية
أنا أسود‏,‏ لكني
حر أمتلك الحرية
أرضي أفريقية.

الحرية عنده هي الأصل بينما الأحداث الأخرى عوارض:

أمس قد مر طاغية من هنا
نافخا بوقه تحت أقواسها
وانتهى حيث مر.

وهنا ندرك أن سر هذه الحرارة في قصائده التي يشكل فيها التصادم والعناد والصرخة إيقاعا ‏يكاد يكون منتظما، هي بسبب الجمرة الأفريقية في دم الفيتوري التي مازالت متقدة تلتهم عواطفه وتثور معها أحاسيسه مع مأساة انتعال ذلك الجسد الأفريقي كما عرتها رواية الجذور بكل قرف حضاري:

جبهة العبد ونعل الســيد
وأنين الأسود المضطهـد
تلك مأساة قرون غبـرت
لم أعد أقبلها لم أعــــد
كيف يستعبد أرضي أبيض
كيف يستعبد أمسي وغـدي
كيف يخبو عمري في سجنه
وجبال السجن من صنع يدي
أنا فلاح ولي الأرض التـي
شربت تربتها من جســدي

وربما غذى تلك الجمرة الزنجية لدى شاعرنا لهيب من الدم العربي الصحراوي المكهرب بقضايا أمة مازالت في حالة موت سريري منذ نصف قرن ليشكل الفيتوري بذلك حالة فريدة من الانتماء للونين مختلفين وتاريخين يصعب المزج بينهما، وهي حالة الجيل الذي ينتمي إليه الفيتوري ‏(‏ محيي الدين فارس وتاج السر الحسن وجيلي عبد الرحمن) والذي تضج قصائده بأصداء هذه النزعة الزنجية والولاء العربي.

فهل نجح الفيتوري في خلق التوازن أم ضاع بين الثقافتين؟

قد لا نظلم الشاعر الكبير إذا قلنا بأنه كان منصفا جدا ووفيا لأفريقيته وزنجيته وكتب عنها أجمل ما يمكن أن يهديه عاشق لمحبوبته، ووعيا منه بذلك كان لا بد من وداع يثبت في الذاكرة البشرية هذا الرصيد الشعري الذي يؤكد على التحام الفيتوري بقضيته، فجاء ديوانه "اذكريني يا أفريقيا" كنهاية لمرحلة وبداية لأخرى قومية عربية.

هذا الشاعر الذي أصبح كالعامل المتنازع عليه في عرف النحويين رصد في هذه المرحلة كل الأفلاك المحيطة بفلكه القومي... آخرها كان مع سقوط بغداد حينما أبحر الفيتوري الثائر كعادته بين كلماته المتعبة بمرور السنين والمفجعة مثل عمره الذي أثكله الماضي ساحبا وراءه شموخ جيل عاش مرحلة من مراحل التعب الحضاري والتحدي. وقد تجذر هذا التحدي في الأجيال الحالية رمزا للفداء.

ففي قصيدة له بعد الغزو والاحتلال نجده لا يسخر من الواقع العربي بقدر ما يربت على كتف الشهيد العراقي والعربي، ولا ينتقص من قيمة العطاء رغم قلته بقدر ما يمسح الدموع عن خدود ضائعة مبتلة بين دجلة والفرات بل بين المحيط والخليج، ليعلن صرخة الميلاد بصوته المبحوح مؤذنا بفجر جديد ومولود يبتسم مع شيب الليل وسواد خيوط النهار رغم كل تناقضات الواقع:

دعونا نعلِّقْ على مشجب الشمس أكفاننا..
ونهزُّ بيارقنا..
أو دعونا نصلي..
فقد تُخْصِبُ الصلواتُ التي يبِستْ في حناجرنا
ثم سالتْ نُعوشا عراقيةً
ومدائنَ مكسوةً بالحرائقِ, مزدانةً بالدماءْ..
دعونا نُغَنِّي لمن يستحق الغناءْ
ونبكي لمن يستحِقُّ البكاءْ
ومن تتناغم أطيافُنا في رؤاهْ
ومن هو نافورةُ الضوءِ تحت السماءْ..

يسبح الفيتوري ضد التيار ومعه أحيانا أخرى، وأشعاره تتجول في أحيان كثيرة -بعد ذلك التنازع- في الأفق الصوفي الوجداني كنوع من تلطيف المرحلة الشعرية واسترخاء من شاعرنا الكبير في أريكة الكون الواسعة، يقول في قصيدة "معزوفة إلى درويش متجول":

شحبت روحي صارت شفقا
شعت غيما وسنا
كالدرويش المتعلق
في قدمي مولاه أنا.

ثم لا يلبث أن يجد نفسه مجموعة أشياء متناثرة ومتناقضة:

فأنا جسد.. شجر.. شيء عبر الشارع
جزر غرقى في ماء البحر
قنديل زيت مبهوت
في أقصى بيت في بيروت.

ثم يتوحد مع مكانه وزمانه وعشقه:

عشقي يفني عشقي
وفنائي استغـراق
مملوكك لكني
سلطان العشـاق.

بدر الفيتوري لم يأفل بعد كما هي شمسه التي لم تغب.. بل نجده مازال يرقص معها عريانا في رسالة استهزاء بكل تابوهات الوجود, مع ديوانه الجديد الذي حمل عنوان "عريان يرقص في الشمس" هذا الديوان الجديد يكاد يشكل عنوانه بعدا خياليا واسعا بدءا من الرقص إلى استخدام مفردة الشمس مع العري من مبدع جاوز السبعين من عمره, لكنه أيا كانت الأبعاد فإن الشاعر في هذا الديوان مازال يتغنى بأفريقيته جنبا إلى جنب مع عروبته على نغمات صوفية يقترب فيها من فلسفة المعري وتلاشي الشعور في دخان الكلمات منذ تمثل تجربته الشعرية على مدى نصف قرن يقول:

بعض عمرك ما لم تعشه
وما لم تمته
ومالم تقله
وما لا يقال
وبعض حقائق عصرك
أنك عصر من الكلمات
وأنك مستغرق في الخيال.
______________
الجزيرة نت

mmaghm
10-11-2005, 06:18 PM
مشكور والله يعطيك العافية اخي ابو بسام
مع التحية