انسف تعليمك القديم!!

هل تعلم
06-01-2005, 07:53 AM
الخروج من المأزق الحضاري: انسف تعليمك القديم!


(1)
انتقادات د. عبد الفتاح تركي للتعليم المدرسي:
في كتابه "نحو فلسفة للتربية العربية"، يقول د. (عبد الفتاح إبراهيم تركي) أستاذ أصول التربية بجامعة طنطا بمصر، في الفصل العاشر "المدرسة وسيط تربويّ" ص 209:
"... فنحن نركّز هنا على مظاهر القصور البارزة، والتي تمثّل سماتٍ مشتركة لنظامنا التعليميّ:
1- التلقين:
(.....) فالمتعلّم منذ أوّل درجات السلّم التعليميّ حتّى نهايته لا يفعل شيئا أكثر من الجلوس وتلقّي ما يلقّن إليه من معلّمه.. وهكذا يكون الفعل التعليميّ تأثيرا من جانب واحد، فالمعلّم هو الطرف الإيجابيّ المؤثّر، بينما المتعلّم هو الطرف السلبيّ المستقبل.
2- اللفظية:
(...) ففي ظروف مدارسنا الحالية، حيث تتعذّر الحركة والفعل والممارسة، نتيجة لقصور الإمكانيات المادية والبشرية، فإنّ التعليم يتمّ من خلال الكلام.. حتّى التجارب العمليّة تتحوّل هي الأخرى إلى مجرّد عبارات وصفيّة يتمّ ترديدها أمام الدارسين، تماما كما يحدث مع العلوم اللغويّة أو التاريخيّة أو الجغرافيّة... إلخ.
والنتيجة المترتّبة على هذه اللفظيّة هي أن تتساوى الموادّ العلميّة في قيمتها، حيث تغدو جميعها بالنسبة للدارسين، ألفاظا تتردّد يحتفظون بها بعض الوقت، ثمّ لا يهمّ بعد ذلك المصير الذي تئول إليه!
(راجع في ردّي السابق على العلماني، الموقف الذي ذكرته عن معامل كليّة الهندسة!.. الطريف أيضا أنّهم يدرسون في المرحلة الإعداديّة في مصر حصة يومية اسمها تكنولوجيا التعليم، حيث ((يحفظ)) الطالب خطوات التفكير العلمي، وخطوات التجارب المعملية!!!.. الجدير بالذكر أيضا، أنّ كلّ علمانيّ يتشدّق هنا بعلم الغرب وتقنيته، لا يجيد أفضل من هذه الشعارات، ولا إنجاز لأحدهم في أيّ مجال علميّ.. بمثل هذا ذهبت بعثاتنا العلميّة للغرب لتحضر العلم والتقنية، فأحضرت الفلسفة والعلمانيّة والفكر المنحرف!!!_هل تعلم)
3- الحشو الزائد:
(....)
4- اختزال العقل إلى ذاكرة:
(...)
5- تخلّف المحتوى:
ولمّا كانت المدرسة تعتمد على تلقين معلومات تمّ اقتطاعها من أنساق علميّة وأدبيّة وفنّيّة، ثمّ إعادة صياغتها في هيئة كتب تناسب الدارسين، كان من الطبيعيّ أن يتقادم محتوى هذه الكتب قياسا بالتقدّم العلميّ الذي تعرفه الأنساق الأمّ.. وتزداد حدّة هذه الظاهرة في عالمنا اليوم أكثر من أيّ وقت مضى، حيث يتميّز عصرنا بسرعة التقدّم العلميّ، وما يرتبط به من تطبيقات.. ولا يمكن للمدرسة أن تواكب هذا التقدّم طالما احتفظت بأوضاعها الراهنة!
6- تربية معوّقة:
ومن أخطر النتائج المترتّبة على الممارسات التعليميّة لمدارسنا الحاليّة، تحوّل المتعلّمين مع طول مكوثهم جلوسا، إلى فلول من المعوّقين، الذين لا يتقنون شيئا سوى الكلام.. وتزداد إعاقة الدارس كلّما طالت مدّة بقائه في التعليم أيّ كلّما ترقّى فيه!!
ماذا نريد من طالب يتخرّج في سنّ الثانية والعشرين في الجامعة، بعد أن يكون قد أمضى 16 عاما جالسا يستمع ويحفظ ويردّد؟.. وما يعانيه مجتمعنا اليوم من صعوبات بالغة في البحث عن مخرج لمشكلة البطالة بين الشباب الجامعيّ، ما هو إلا مظهرا لهذه الإعاقة التي أصيب بها هذا الشاب من جرّاء تعليم ما يزال يعدّ الأفندية!!.. وليس عجيبا أن نلمس ذلك أيضا في خريجي المدارس الفنية على اختلاف أنواعها، فالطالب المتخرّج في المدرسة الثانوية الصناعيّة ـ على سبيل المثال ـ لا يستطيع أن يمارس عملا يدويا بنفس مهارة خريج الحياة.. وهو بعد ذلك أفندي، يبحث عن الوظيفة والمكتب.
7- تربية بلا قيم:
وإذا غضضنا البصر عن التربية الخلقيّة، باعتبارها اليوم محصلة لما يحفظه الأولاد من كتب الدين ـ كلام يحفظ ويسمّع ـ فماذا نجد بعد ذلك؟
ما جدوى قيم يعرفها الدارسون ألفاظا تحفظ وتستدعى في الامتحان؟
إنّ ما ينتظم سلوك أبنائنا هو قيم هابطة وهي الأكثر تأثيرا.. ونظرة على واقع مدارسنا اليوميّ، يضعنا أمام هذه القيم الهابطة وجها لوجه.. فقيمة النظافة اختفت، لتنتظم حياة الصغار مظاهر القذارة والإهمال في كلّ مكان: داخل الفصل وفي الفناء (إن وجد) وفي دورة المياه..... إلخ!
ونزاهة المعلّم تختفي وراء سعي الكثير من المدرّسين للحصول على طالبي الدروس الخصوصية!
والأمانة تختفي تحت ضغط الامتحان، حيث لا ينجو إلا من نافق فأظهر ما يعرف وأخفى ما يجهل (لا تنس الغش _هل تعلم)!
والجمال تلاشى خلف أكوام القمامة وعدم الاكتراث بالذوق العام!
والتراحم ولّى تحت ضغط الحاجة والزحام الذي لا يرحم.. لتسود القيم الهابطة: الأنانية، الانتهازية، الجبن، ......!
وأنّى لنا أن نحيط بكلّ القيم السلبية التي تحكم الحياة المدرسيّة داخل مؤسساتنا التعليميّة، والتي يتشرّبها أبناؤنا وتستمرّ معهم؟!
إنّ الإحاطة بكلّ القيم السلبيّة يحتاج إلى دراسة خاصة تعكف على رصد مظاهر الخلق الفاسد الذي يتشكّل بالفعل داخل مدارسنا، وأيضا مصير القيم اللفظيّة التي يجيد أبناؤنا الكلام عنها.
(لو قرأت المواضيع التي أشرت لك إليها، لعرفت أنّني حاولت رصد الكثير من هذه القيم السلبية الناجمة عن المدرسة.. أيضا ألفت نظرك لتجربتي بخصوص القيم اللفظية، فكلّ ما تمّ تلقيني إياه عن أعلام التنوير من أمثال رفاعة الطهطاوي والأفغاني ومحمد عبده وسلامة موسى وأحمد لطفي السيد وقاسم أمين وغيرهم، أدّى لعكس هدفه، فقد كان المدرسون يشرحونه بتهكّم ساخر يحوّله إلى عكس معناه!!.. ومع قراءاتي صرت أراهم أعلام التزوير وليس التنوير!.. إنّني أمتلك الآن عكس الشخصية التي صمّم التعليم ليمنحها لي!.. يجب أن نوقن أنّ محاولة برمجة الصفوة تؤدّي إلى نتائج عكسية، فهم لا يحترمون من لا يحترم عقولهم.. وهذا لا ينطبق على المناهج العلمانيّة فقط.. فلي صديق نشأ في الصعيد وتعلّم في مدرسة إسلامية، حيث كانت كلّ موادّها موجهة لإقناعه بعداء الغرب للإسلام، وأنّ الغرب لا يعيش إلا ليدمرنا.. وكانت أشياء كثيرة تثير تساؤلاته، لكنّه للأسف كان أذكى من مدرسيه، وفي مثل هذه المواقف تكون الإجابات غير مقنعة بل وقمعية!!.. النتيجة أنّه تحوّل إلى ملحد!!!.. تخيّل كيف يمكن لمدرسة أصوليّة أن تخرّج عبقريا ملحدا!!.. ولم يؤمن بوجود الله إلا حينما سمع ((خزعبلات)) زغلول النجار ـ كما يسميها العلماني!! ـ حول سورة الحديد!.. متى تتعلمون أن تحترموا عقولنا، وتتركوا لنا حرّيّة الاختيار؟ _ هل تعلم)
8- تربية مضيّعة للنموّ الجسميّ:
في مدارسنا ـ وبخاصة في الحلقة الأولى من التعليم الأساسيّ ـ ينقسم اليوم الدراسيّ إلى فترتين، وترتفع كثافة الفصل الدراسيّ إلى ما يقرب من 60 طفلا.. هنا يكون الحديث عن العناية بأجسام الصغار وصحّتهم محض هراء!
فهؤلاء الصغار الذين يحتاجون إلى الحركة والنشاط واللعب أكثر من حاجتهم للنوم والراحة، يبقون حبيسي المقاعد والفصول طيلة اليوم!.. وعليهم أثناء ذلك أن يتنفسوا هواء فاسدا، وأن يتحمّلوا إضاءة ضعيفة وأن يتغلّبوا على ضيق المكان!
وليس الحال بأحسن من هذا فيما يلي من مستويات دراسيّة، لنصل إلى قمّة السلّم في كلّيّات الجامعة أيضا!
ولا يغيب عنّا أنّ نموّ الجسم وسلامته رهن بتوفّر الظروف الملائمة لذلك، وأنّ اكتمال النضج الجسميّ يتحقّق مع البلوغ.. إذا عرفنا ذلك وكانت أوضاع مدارسنا على النقيض تماما من متطلبات النموّ الجسدي السليم، فأيّة نتيجة ننتظر بعد ذلك؟
شباب فاتته فرصة العناية ببدنه صغيرا ويافعا وهو يتعلّم بالمدرسة، هو في النهاية شاب معتلّ الصحّة غير مكتمل النضج الجسميّ!
فإذا أضفنا لهذا ما يتميّز به عصرنا من سوء التغذية ومن تلوّث الماء والهواء والأرض، أدركنا خطورة القصور في عمل مدارسنا فيما يتعلّق بترقية البدن وتيسير نموّه!"
9- احتكار التعليم:
ومن أخطر الانحرافات التي انحرفت إليها المدرسة النظاميّة، احتكارها للعمليّة التعليميّة.. فالشخص الذي يريد ولوج باب العلم لا بدّ له من المرور بالمدرسة، فهي المؤسسة الرسميّة التي تمنحه الرخصة للتعلّم، بغضّ النظر عمّا يمتلكه صاحب الشهادة في الحقيقة من علم!
ولقد أدّى هذا الاحتكار إلى تقليص فرص التعليم الذاتي إلى حدّ انعدامها تماما!
وحتّى في الحالات القليلة التي تعدّ على أصابع اليد حيث ينجح بعض الأشخاص في تعليم أنفسهم بأنفسهم، يظلّون محرومين من كلّ ما يتمتّع به أولئك الذين تعلّموا في المدرسة وظفروا منها بالشهادة!
ويتعاظم خطر هذا الاحتكار اليوم بأكثر من أيّ وقت مضى.. فمعنى استمرار المدرسة في الاحتفاظ بحقّ الإذن بالتعلّيم من عدمه في وقت يزخر فيه المجتمع الحديث بإمكانات لا تحصى للتعليم الذاتي، هو إهدار مبدأ تكافؤ الفرص ومصادرة حرّيّة الإنسان وإضاعة المال العام.
(سامع يا عزيزي؟.. إهدار تكافؤ الفرص هو في النظام الحاليّ وليس الذي اقترحتُه أنا.. اخص على علمانيين رجعيي الفكر!.. هذه نكتة آخر زمن!!.. إنكم إذن مع أمريكا وما تقوله أمريكا وما تفعله أمريكا وليس مع العقل والتجديد والفكر والإبداع والحرية!.. بمعنى أدقّ أنتم أدوات أمريكا لترويج ما تفرضه علينا لنظلّ في هذا المستنقع!!.. اخص على علمانيين تقليديين!!.. والله إنّ أشد الأصوليين تعصبا لأكثر تفتحا وتطوّرا منكم!!! _ هل تعلم)
إنّه بشيء من التنظيم للإمكانات المتاحة بالفعل في المجتمع، والتي يمكن أن تسهم في تحقيق التعلّم الذاتي، يستطيع ملايين المواطنين تعلّم مهارات عمليّة واكتساب قدرات عقليّة وامتلاك معارف علميّة بجهد لا يذكر من جانبهم وبنفقات عديمة القيمة من قيمة المجتمع (أعطني سببا واحدا مقنعا يجعلك ترفض هذا إن كنت فعلا تنشد تطوّر الناس والأوطان!!.. أمّ أنّ العلماني مثله مثل الغوغاء عدوّ ما يجهل؟، ولا يثق إلا بما تمليه عليه أمريكا؟ ـ هل تعلم)
فعلى سبيل المثال لا الحصر، يمكن للإنسان المعاصر أن يثقف نفسه وأن يكتسب علما اعتمادا على ما يبثه التلفاز والمذياع وما تنشره الصحف وما تحويه شرائط التسجيل.. وأخطر من هذا كلّه ما يسمح به الكمبيوتر في هذا الصدد من تعلّم فعّال، وما تتيحه اليوم شبكة المعلومات الدولية (الإنترنت) من فرص تعلّم هو أكبر من أن نتحدّث عنه في هذا المقام (باستطاعة إمكانيات كهذه، يستطيع شخص مثلي أن يفلت من الحصار العلماني في الصحف والمجلات ودور النشر وروتين المراحل التعليمية، ليكتب وينشر الأبحاث التي يريدها في أيّ مجال حتّى وإن كان بعيدا عن تخصصه.. فقد صارت كلّ خبرات الآخرين متاحة أمامه بيسر وسهولة غير مسبوقة! آه لو كان هذا كتاب هذا الدكتور موجودا على الشبكة، لكان وفّر لي وقت كتابته لكم!.. من العار يا علمانيي العصر ان تفكروا بعقلية الورقة والقلم، في عصر الإلكترون!!.. نحن في قرن جديد وألفية جديدة يا أحرار!! _ هل تعلم)

10- مخاصمة العمل:
وكما يمارس التعليم اليوم في مؤسساتنا الرسميّة وغير الرسميّة، فإنّه يتضمّن إبعاد المتعلّم عن مجال العمل الحقيقيّ الذي يعدّ أساسا له.. فالمدرسة عالم مصطنع ينعزل من بداخله عمّا يدور حوله من حياة حقيقيّة.. ولا تنهي عزلة المدرسة عن الحياة محاولات ربطها ببيئتها أو غير ذلك من الترتيبات الإصلاحيّة التي لا تفعل أكثر من تمويه الحقيقة (سامع؟!.. حاول تطوير المدارس كما يحلو لك، هذه الدائرة المفرغة ندور فيها من أيام محمد علي!!_هل تعلم)
11- عمل بلا تقويم:
وإذا كان أبسط معايير الحكم على أداء مؤسسة ما، هو قياس النتائج التي تحقّقها في ضوء الأهداف المسئولة عنها، فإنّ تطبيق مثل هذا المعيار على المدرسة يكشف التباعد التامّ بين المتحقّق والمستهدف!
يبدو أنّ المدرسة عندنا تعي هذه الحقيقة، فالتقويم المعمول به لا يفعل أكثر من تحديد كمّ النجاح والفشل في تحصيل المعارف المدرسية!.. أمّا ما عدا ذلك من نتائج ينبغي تحقيقيها إذا ما طبّقت الأهداف المعلنة بمدارسنا، فلا أحد يهتمّ به!
وكلّنا يعرف أنّ الأداة الوحيدة التي تستخدمها مدارسنا لتقويم عملها هي الامتحان التقليديّ الذي يقيس ما وعته الذاكرة.. ومعنى هذا أنّه لا توجد أيّة وسيلة تستخدمها المدرسة لمعرفة ما تحقّقه من تربية لأبنائنا، وكأنّ هذه التربية تتطابق مع استظهار كمّ المعلومات الذي يؤدّي عنه المتعلّم الامتحان!!
وهكذا يظلّ المعلن عنه من الأهداف التربوية: تنمية القدرات العقليّة، تنمية الجسم والمحافظة عليه، تنمية الولاء للوطن، اكتساب المرغوب فيها.... إلخ، يظلّ كلّ ذلك ـ وهو جوهر التربية ـ أمرا لا يدري عنه احد شيئا، ولا يدخل في حساب تقويم عمل المدرسة!
ولا تناقض في هذا الوضع، فالمدرسة في واقع الأمر لا تفعل أكثر مما تحاول قياسه أو تقويمه عن طريق الامتحان!!.. والقول بأنّ المدرسة تقوم على تربية النشء وفق الأهداف المعلنة للمجتمع، يتطلّب بأن يكون هناك تقويم يسمح بقياس كلّ جوانب الشخصيّة التي ينبغي على التربية تنميتها، وهو أمر يستحيل القيام به مع احتفاظ المدرسة باوضاعها الحالية؟!
(إزيك بقى؟؟.. بالمناسبة: مجرد تسمية وزارة المدارس وزارة التربية والتعليم، هي جريمة لا تغتفر، واسمها القديم ـ وزارة المعارف ـ كان أفضل بكثير.. فالتربية حقّ للأسرة وحدها، ولا يعقل أن نقحم فيه كلّ من هبّ ودبّ من حثالة المدرسين والنظار وواضعي المناهج.. ولكنّ هذا الاسم كان حتميا لخداع الناس: لا تقلق، فابنك الذي تسلمه لنا معظم النهار يوميّا سنربيه لك.. وهذا هو سبب الانحطاط الذي وصلت إليه كلّ مجتمعاتنا العربية والإسلامية، بل ومجتمعات الغرب!.. فلم يكن هناك تربية ولا تعليم، بل كانت هناك: تغبية وتدجين!!_هل تعلم)
12- الجدارة بالشهادة:
وتمثّل هذه الشهادة أحد الانحرافات التي أفقدت المدرسة وجهتها الحقيقيّة.. فالشهادة التي منحتها المؤسسات التعليميّة كائنة ما كان مستواها، تسمح لحاملها بالحصول على عمل لمجرّد امتلاكه لها، وهي تعني لحاملها نهاية مطاف التعلّم، فلقد أصاب ببلوغ الشهادة العليا أرقى مراتب العلم التي تؤهله أن يستمرّ حياته بكاملها على الرصيد المعرفيّ الذي حقّقه من التعليم!!
وإذا كانت الشهادة في حدّ ذاتها أمرا لا غبار عليه إذا ما اقتصر أثرها على تحديد المستوى التعليميّ الذي بلغه صاحبها، فإنّها مع صلاحياتها الحالية تمثّل خطرا عظيما.. فهي تعطي للمدرسة حقّا لا يدخل في نطاق ما ينبغي لها من حقوق، ألا وهو التسليم بقدرة حامل الشهادة على أداء العمل الذي يرتبط بنوع الدراسة التي حصل عليها!!.. وتكمن المغالطة هنا في أنّ هذه الشهادة التي تعبّر عن الكفاءة الداخليّة للمؤسسة التعليميّة التي أصدرتها، تمتدّ صلاحياتها لتأكيد قدرة حاملها على أداء العمل!
(تفهمون من هذا لماذا انهارت كلّ قطاعات التنمية في بلادنا.. لا يعقل أن يظلّ حجر على حجر بعد كلّ هذا التدمير المنظّم لمجتمعاتنا!!_هل تعلم)
وقد يسّر استحواذ الشهادة لهذه المكانة الخطيرة ضمان الدولة حقّ العمل للمتخرّجين في مؤسساتها التعليميّة التي ينفق عليها من المال العامّ.. وهكذا يغدو أمرا طبيعيّا أن نرى الشركات الخاصة تقدم على إجراء اختبارات عديدة للمرشحين للعمل بها من حملة المؤهلات الدراسية، قبل الإقرار بصلاحيتهم للأعمال والوظائف الخالية.. بل إنّ العديد من هذه الشركات يفضّل أصحاب الخبرة ولو كانوا من حملة مؤهلات متواضعة، على أصحاب المؤهلات العالية من عديمي الخبرة!
وإذا كانت الشهادة تفقد اليوم تدريجيّا قيمتها، فإنّ ذلك لا يرجع إلى أنّنا بدأنا ننتبه إلى بطلان ما يرتبط بها من حقوق، وإنّما يرجع ذلك إلى جمود النموّ الاقتصاديّ والاجتماعيّ لبلدنا.. وأكبر دليل على هذا أنّ الناس ما زالت تنظر إلى الشهادة الدراسيّة نظرة تقديس، باعتبارها وسيلة الخلاص من الأعمال الدونيّة وبلوغ الوظائف الرفيعة (والله إنّ الزراعة أهمّ من الطبّ، لكنّ الناس لا يعقلون!! _ هل تعلم) وذلك رغم البطالة وتعاظم أعداد المنتظرين للوظيفة الحكومية!
13- تجاهل المستقبل:
ومن أكبر السلبيات التي تؤكد عزلة التعليم المدرسي عن التطوّرات الحادثة حولنا، انعدام كلّ تعليم يتصل بالتفكير المستقبلي، أي الذي يجعل الإنسان قادرا على صياغة المستقبل.. ونظرة على المقرّرات الدراسيّة ومختلف الأنشطة وبقية عناصر المنهج الأخرى، تضعنا أمام حقيقة أنّ مدارسنا الحالية لا تنظر إلى الزمن ولا تتعامل معه إلا من خلال بعدين: الماضي والحاضر.. أمّا المستقبل فهو زمن غائب!.. في الوقت الذي تحتاج فيه المجتمعات إلى استباق الزمن لصياغة المستقبل، صياغة تتسق مع التطلعات والطموحات.
وفي المجتمعات التي عرفت السبيل إلى التحكّم في مستقبلها، تنشر اليوم أنظمة التعليم نشاطات تعليمية تحتلّ في خطّة الدراسة ثلث شواغلها، وتركّز على إكساب الدارسين مهارات التفكير المستقبلي والتمكّن من التوقّع والاستشراف، والتدريب عمليا في مراكز الدراسات المستقبليّة على كلّ الفنيات المتعلّقة ببناء المستقبل.. إلى آخره.
ويتحقّق بفضل هذا التصحيح لمسار التعليم في هذه البلدان، استغلال الزمن الضائع الذي ظلّت المدارس تتجاهله!
ونحتاج لكي يصالح تعليمنا الزمن ـ والتعليم الجامعيّ لا يشذ عن ذلك ـ أن نتبنّى فهما جديدا للمستقبل، الذي لم يعد مجرّد امتداد للحاضر، بل أصبح كيانا له وجود.. ووفق هذه الرؤية، لا يكون الحاضر محكوما فقط بالماضي وما يفرضه من حدود، وإنّما يكون محكوما أيضا برؤيتنا المستقبلية.

تكشف المظاهر السابقة عن واقع مدرسيّ مثقل بالسلبيات، التي تباعد بينه وبين أن يكون أساسا لتربية نظاميّة ترمي إلى بناء الإنسان الحرّ (أين المتشدقون بالحرّيّة؟!!!_هل تعلم)، فغايات هذه التربية تتطلّب بنية تربوية تيسر النموّ المتكامل والمتوازن للذات الإنسانية.

هل تعلم
07-01-2005, 09:30 AM
(2)
انتقاداتي للتعليم:
يمكنكم الرجوع لهذه المواضيع لمطالعة انتقاداتي للتعليم الإلزاميّ:
• تعليم أم كارثة؟
http://khayma.com/alhkikh/edu\idea\1.htm
• ملابسات ظهور التعليم الإلزاميّ:
http://khayma.com/alhkikh/edu\idea\2.htm
• أسطورة المدرس المثالي:
http://khayma.com/alhkikh/edu\idea\7.htm
• انتزاع سلطة الأبوين في التربية:
http://khayma.com/alhkikh/edu\idea\6.htm
• صراع التربية والتعليم:
http://khayma.com/alhkikh/edu\idea\3.htm
• عودونا على الفشل.. ربونا على اليأس:
http://khayma.com/alhkikh/edu\idea\4.htm
• تعليم لا يراعي شخصية المتعلّم:
http://khayma.com/alhkikh/edu\idea\5.htm
• بيئة المدرسة:
http://khayma.com/alhkikh/edu\idea\8.htm
• حتّى تكتمل الصورة:
http://khayma.com/alhkikh/edu\idea\9.htm
• التعليم وتدمير شخصية النساء:
http://khayma.com/alhkikh/edu\idea\10.htm
• التعليم وكشف عورات النساء:
http://khayma.com/alhkikh/edu\idea\11.htm
• التعليم والمراهقة والبطالة والعنوسة وعمل المرأة:
http://khayma.com/alhkikh/edu\idea\12.htm
• احتقار المهن الشريفة:
http://khayma.com/alhkikh/edu\idea\13.htm
• معركة الاستنزاف التعليمية:
http://khayma.com/alhkikh/edu\idea\14.htm
• التعليم وتغيير بنية المجتمع:
http://khayma.com/alhkikh/edu\idea\15.htm
• ظلمات:
http://khayma.com/alhkikh/edu\aim\zlmat.htm
• تعليم متهالك:
http://khayma.com/alhkikh/arab\nsfqrn\edu.htm
• انتقادات رسميّة للتعليم:
http://khayma.com/alhkikh/edu\stuct\rasmiah.htm
• التعليم من سيء لأسوأ:
http://khayma.com/alhkikh/edu\stuct\aswa.htm
• الدائرة المغلقة:
http://khayma.com/alhkikh/edu\stuct\closed.htm
• تعليمنا الخائف:
http://khayma.com/alhkikh/edu\stuct\afraid.htm
• نزيف العقول:
http://khayma.com/alhkikh/edu\stuct\minds.htm
• مناهج مدمرة:
http://khayma.com/alhkikh/edu\aim\mdmrh.htm
• ما سرّ الهجوم على التعليم مؤخرا؟
http://khayma.com/alhkikh/edu\aim\hgom.htm
• لماذا تحارب أمريكا التعليم الإسلامي؟؟
http://khayma.com/alhkikh/edu\aim\amrica.htm
• المدارس الأجنبيّة العالميّة:
http://khayma.com/alhkikh/edu\aim\mdars.htm
• الحرس الجامعيّ:
http://khayma.com/alhkikh/edu\aim\hrs.htm
• يسمح لمن أرادت الحجاب بذلك!!
http://khayma.com/alhkikh/arab\eba7iah\tonos.htm

هل تعلم
11-01-2005, 12:33 AM
(3)
اقتراحي لمنظومة تعليمية بديلة:
اقتراح لنظام تعليم بديل

يجب تغيير منظومة التعليم من جذورها.. والعودة بها للنظام القديم العبقريّ، الذي صنع حضارتنا الإسلاميّة:
مؤسّسات غير إلزاميّة، تقدّم العلم لمن يريد.. في أيّ وقت.. وباختياره هو.. يختار المكان والزمان والمنهج والطريقة والمدرّس..
وكلّما تعلّم شيئا، حصل على إجازة فيما تعلّمه.
هكذا كان الأزهر.. أعرق جامعات العالم.. حسرة على ما آل إليه بسب تحويله لنظام الجامعات الأوروبيّة!!!!!!
***
بعد تحليل المشاكل القائمة بالفعل في نظام التعليم، وضعت بعض التصوّرات لنظام بديل يحاول تلافيها.. والفكرة تقوم على الموازنة بين ثلاث قوى:
1- الدولة: التي يجب أن تتخلّص من بقايا السيطرة الشمولية على التعليم والفكر.. ولكنها يجب ألا تتخلى عن دورها الحيوي في وضع خطط التعليم وتوفير مقوّمات الإبداع والتقدم.
2- الأسرة والفرد: وحقهم في اختيار الأنسب لهم مما يتماشى مع ميولهم وواقعهم وظروفهم.. مع حق كل أسرة في اختيار الطريقة التي تربي بها أبناءها.
3- السوق: الذي لا يمكن فصله عن العملية التعليمية ـ كما هو حادث حاليا فالتخصصات بالدرجات وليس باحتياج السوق!! ـ حتى لا يكون التعليم كارثة على الاقتصاد!
ويجب ألا تطغى قوة من هذه على الأخرى.. وهذا لا يكون إلا بترك الأمور للعرض والطلب.
ولكن.. كيف يمكن أن نحقّق هذه المواصفات؟
***
هنا أنا أطرح هذا النموذج:
تطرح الدولة خطط شهادات غير إجبارية وغير متلازمة، وتوفر المرونة الكافية للمتعلم لاختيار ما يحب أن يدرسه في الوقت الذي يناسبه والمكان الذي يناسبه والطريقة التي تناسبه.. وأسرع وقت ممكن.
يختار الفرد الموادّ التي يريدها طبقا لميوله أو ظروفه المادية أو لاحتياجات السوق.
يتحكم العرض والطلب في الإقبال أو الإحجام عن شهادات معينة (للغالبية التي لا تنحو للإبداع والعلم حبا في العلم.. وهذا لن يؤثر على الصفوة المبدعة بل سيفسح لها الطريق).. مع ملاحظة أن الشهادات المفتتة ستعطي قابلية هائلة لتغيير مجال العمل بأسرع وقت (دراسة شهادة أو اثنتين في فترة محدودة كلما تطلب الأمر ذلك ليعيد الإنسان تأهيل نفسه لمهنة معينة) وبهذا يكون وقت التعلم مفتوحا في أي عمر بدون تحديد.
وهذا سيؤدي لانقراض مصطلح البطالة تماما.. فالدولة غير ملزمة بتوظيف أحد.. ولكنها تطرح العلم ليساعدك في تطوير حياتك، دون أن تجبرك عليه ـ على عكس الموجود حاليا ـ وبذلك لا يضيّع التعليم نصف عمرك ويعطلك عن العمل ويفسد شخصيتك ويجعلك سلبيا في انتظار وظيفة الحكومة التي لا تجيء!
وطبعا سيساند هذا النموذج إعلام تربوي هادف تثقيفي تعليمي.
***
فلنفصّل الأمر أكثر:
ماذا لو تمّ تفتيت الشهادات، بحيث يصير من حقّ كلّ إنسان أن يتقدّم في أيّ فترة للحصول على شهادة في علم معيّن، بغضّ النظر عن سنّه وإجادته للعلوم الأخرى.. هذا أشبه بالشهادات العالمية في البرمجة (مثل شهادات مايكروسوفت)، وهي لا تشترط عمرا معينا.. فقط تدفع المصاريف وتتسلّم المنهج وتدرسه كما يروقك (في مراكز خاصة أو تذاكره بنفسك) ثمّ تحدّد موعد الامتحان الذي يناسبك.
تعالوا نتخيّل شيئا مشابها تقوم به الدولة.. طبعا مع بعض التطوير:
ستظلّ قيادة التعليم من اختصاص الدولة.. فهي التي ستحدّد مستوى كلّ شهادة من الشهادات المقترحة في العلوم المختلفة، والمعلومات الأوّليّة المطلوب توافرها لكلّ شهادة..
فمثلا: لكي تدرس شهادة في الهندسة الفراغيّة، لا بدّ أن تكون لديك شهادات من مستوى معيّن في الهندسة المستوية والجبر.. وهو ما يناظر الترتيب الطبيعيّ للدراسة في الصفوف.. ولكنّ به ثلاث ميزات:
1- لا دخل للدولة بسِنّ الطالب.. فهو يقدّم ما يثبت أنّه مؤهل لهذه الشهادة، ويدفع المصروفات المطلوبة وفقط.. وهذا يعطيه حرّيّة ترتيب أولوياته وتنظيم وقته، واختيار المواعيد التي تناسبه، والتوفيق بين الدراسة والعمل والهوايات وظروفه الخاصة أو أيّ مشاكل تطرأ عليه تعطّله عن الدراسة لفترة.
2- سترحم الطالب من دراسة علوم يكرهها.. سنفترض أنّه يحبّ الرياضة ويكره الكيمياء.. لماذا يجب أن نطالبه بدراسة عشرات المناهج في الكيمياء وهو غير مهتم بها؟
3- سترحمه من الرسوب وإعادة عام كامل، لمجرّد فشله في مادة واحدة.. فهنا لا توجد أعوام دراسية، ولا يوجد وقت مخنوق يحاصره!
عندئذ ستدفع المصروفات اللازمة للشهادة.. هذه المصروفات ستجعل الطالب أكثر حرصا خوفا على ضياع ماله لو رسب (لأنّه في الغالب سيدفع المال من عمله هو وليس من نقود أهله).. ويمكن دعم المتفوقين من الطلاب، بإعفائهم من رسوم الشهادات، إذا كانت شهاداتهم السابقة متميزة.. وبهذا نضمن أنّ التعليم ليس طبقيّا، ففيه فرصة للمجتهد.
وستقوم الدولة بتوفير ما يلي:
1- كتب مبدئيّة تناسب المنهج المحدّد.
2- المعامل المناسبة للتدريب.. (سأعود لهذه النقطة).
3- مراكز مخفّضة المصروفات لتدريس هذه المادة (لدعم الطالب الفقير.. ولكنّ الميزة أنّها غير إلزاميّة لأحد).
4- قنوات تعليميّة ومواقع إنترنت للتصفح وجلسات فيديو تفاعلية.
5- امتحانات دوريّة في هذه المادة (ولتكن كلّ أربعة أشهر).. بحيث يستطيع كلّ طالب أن يحدد الوقت الذي يمتحن فيه.
وبهذا نرى أنّ منح الشهادة هو حقّ للدولة وحدها.. وهذا يدفعني للتنبيه لخطورة المدارس الخاصة الموجودة حاليّا.. فهي تهدف للربح.. وترك تقييم الطالب خاضعا لها يجعلها تتلاعب بالنتائج، لإشعار أولياء الأمور بأنّ نتائجها أفضل، وبالتالي جذب المزيد من ((الزبائن))!
ولا يكفي أن تضع الوزارة الامتحان.. فما زالت لجان الامتحان موجودة داخل هذه المدارس، وهي عرضة للغش والتلاعب!
لهذا يجب الفصل بين التعليم والتقييم.. بحيث يكون للمتعلّم والقطاع الخاص حرّيّة صياغة العمليّة التعليميّة.. لكن يظلّ للدولة وحدها سلطة التقييم لضمان أعلى جودة.
ومع فكرة الامتحانات الدوريّة في شهادات مفتتة، لن تكون هناك تلك الكثافة الضخمة في كلّ مادة.. مما يسمح للدولة بتوفير أماكن للامتحان.. (ستكون هناك امتحانات طيلة العام، بحيث توزع المواد المختلفة على أشهر السنة)
وهذا يحيلنا لمباني المدارس الحكوميّة الموجودة حاليّا.. وهذا سيكون أحد استخداماتها: كلجان للامتحان.. وفي توفير دروس مخفضة للطلاب الفقراء.
وأهمّ استخدام هو تحويل معظمها إلى معامل (ومع النقود التي ستتوفّر بعد تخلص الحكومة من عبء دفع رواتب المدرسين ـ وهي تمثل 60% من ميزانية التعليم!! ـ بالإضافة لما يدفعه الطالب للحكومة من مصاريف الشهادة، فلن تكون هناك مشكلة في التوسّع في المعامل).. مع تخصيص مواعيد لكلّ طالب مشترك في الشهادة لحضور المعمل.. وطبعا يمكن تشغيل المعامل من الشروق إلى الغروب، بنظام الورديات، ليختار كلّ طالب المواعيد التي تناسبه.
***
بالمناسبة:
فكرة إعطاء المتعلم حقّ تأجيل المواد على حسب رغبة المتعلّم ليوفّق بين الدراسة والعمل والهوايات وممارسة باقي حياته، نوقشت في مؤتمر الحزب الوطني المصري.. وذلك بهدف كسر الانتظام الذي يراه البعض حتميّا.. يجب أن نعرف أنّ معظم ما أطرحه هنا هو مطلب من المختصّين.. حتّى وزير التعليم المصري السابق تحدّث عن التعليم عن بعد.
ولكنّ كلّ ذلك لن يجد أذنا صاغية أبدا ولن يدخل حيّز التنفيذ في أيّ مرحلة قريبة!.. أظنّكم تعرفون السبب!
***
طبعا هناك معلومات أساسيّة يجب تلقينها للطفل قبل سنّ 10 سنوات.. وهي الخاصة باللغة والدين والحساب وبعض تاريخ الوطن وجغرافيته.. وبعض أساسيات العلوم.
وهي معارف أساسيّة يجب تنميتها لدى كلّ طفل.. ولن تكون هناك مدرسة لتنميتها (لأنّ الخلل كلّه ينشأ من هذه البيئة غير الانتقائيّة).. يمكن اعتماد نفس النموذج الذي طرحته.. ولكن سيغيب منه فقط عامل اختيار المناهج، لأنّها كلّها أساسيّة.
ولكن سيظلّ للأسرة حقّ اختيار الزمان والمكان.. (يعني قد يتأخّر طفل لظروف معينة، وقد يستطيع طفل آخر متوهج الذكاء الحصول على هذه الشهادات في فترة أقلّ.. طبعا مع اختيار المدرّس المناسب).
وهذا النموذج سيعيد للأسرة دورها في تربية الطفل في أعوامه الأساسيّة.. حيث ستختار له أنسب وسيلة للدراسة.. وأفضل مدرس أو مؤسسة تثق بها.. ولن يكون ذلك بالشكل اليوميّ الممل الموجود حاليا.. حيث تجد ملايين الأطفال يوميّا يملأون الشوارع باكرا في برد الشتاء، ليذهبوا إلى مدرسين يكرهونهم وفصول كالحة كئيبة!.. ويمضون نصف اليوم في رعب من هذا وفي ملل من هذا... إلخ!
***
ولكن.. ألن يشكّل دراسة كلّ المناهج في مراكز متخصصة أو عند مدرس خصوصي عبئا ماليا كبيرا؟
بخلاف أنّ كلّ الطلاب صاروا يتعاطون التعليم الخصوصي في النظام الحاليّ، فإنّ الاعتماد الأساسيّ في التعلّم سيكون على الوسائط المتعدّدة:
لماذا يجب على البنت أو الولد أن يذهبا لمدرس في مكان مخصص، ولماذا يجب أن تكون لدينا جيوش جرارة من المدرسين تعيد ـ دون أن تزيد ـ في نفس المنهج، ما دام بإمكاننا تسجيل المحاضرات ودعمها بالأفلام والوثائق وكلّ وسائل الإيضاح، ثمّ بثّها على الفضائيّات وبيعها على أفلام فيديو وأسطوانات ضوئيّة وتحميلها عبر الإنترنت؟
ألن يوفّر هذا الجهد البشريّ والوقت والمال على كلّ من التلميذ والمدرّس.. والأسرة والدولة، ويساعد الطالب في الاستذكار بنفسه، أو بمساعدة الأمّ والأب؟
وإذا كان البعض لا يفهم جيدا بهذه الطريقة، فيمكن عمل جلسات فيديو تفاعلية عبر الإنترنت لمتابعة المدرس وسؤاله.. هذا بخلاف قدرة البرمجة على إيجاد برامج تفاعلية عالية الجودة.
أمّا من لا يستسيغ إلا الوسائل التقليدية، فما زال لديه مدرسون خصوصيون ومراكز تعليمية ومجموعات خاصة حكومية، يمكنه أن يلجأ إليها.
ولو اعتمدت الدولة هذه الطرق ودعمتها، فسيتم إنشاء الكثير من الشركات لتوفير المواد التعليميّة وتحسين عرضها، مع إنشاء الكثير من مواقع الإنترنت المقروءة والتفاعليّة.
وهذا سيكون أكثر إفادة للاقتصاد من الشكل المريض الموجود حاليّا.. فبينما يتمّ إهدار مجهود المدرس مرارا وتكرارا عبر الشرح، وتتكدس المواصلات نتيجة تحريك جيوش من التلاميذ والمدرسين للمدارس، وإلقاء أطنان من الأوراق والكتب في الزبالة بعد انتهاء العام، فإنّ هذا الشكل سيضمن تراكم الخبرات المسجلة مع الزمن، وتوفّر مئات الآلاف من المحاضرات لخيرة المدرسين في مختلف المواضيع، مما يسمح للطالب بحرية الاختيار.
هكذا سنجد أنّ كلّ البدائل متوافرة، ولكلّ حرّيّة اختيار الأنسب والأجود والأكثر ملاءمة لظروفه المادية.
مع ملاحظة أنّ الفقراء ما زالوا إلى الآن عاجزين عن دفع تكاليف هذا التعليم ((المجاني)) العابر لقارات السنوات!!.. ويفضلون تشغيل أبنائهم مبكرا على حساب تسربهم من التعليم.. لا أعتقد أنّ النظام المقترح سيشكّل لهم عبئا، بل على العكس، سيسمح لهم بتشغيل أبنائهم والحصول على بضع شهادات على فترات متباعدة لتغيير وضعهم الاجتماعيّ.
***
نصل الآن لفكرة التخصص:
لو تمّ تأسيس مثل هذا النظام، فلا بدّ أن يماشيه تغيّر في آليّات السوق وشكل العمل..
فسنحصل على الكثيرين من الطلاب عابري التخصص..
فشخص مثلا سيكون مؤهلا في اللغة العربية والبرمجة ممّا يجعله مناسبا للعمل في معالجة اللغات الطبيعيّة NLP..
وشخص آخر سيكون مؤهلا في الفيزياء والرياضيات والقانون، ممّا يجعله مناسبا للعمل في لجان براءات الاختراع وحماية الملكيّة الفكريّة..
وشخص يجيد أيّ شهادة، يستطيع أن يعمل داخل المراكز الخاصة التي تشرحها للطلبة.. وهكذا..
كما أنّ السوق سوف يطرح احتياجاته.. وعلى أساسها ستتوجّه اهتمامات الدارسين..
فمصنع معين يريد حاملا لشهادة في بعض علوم الاتصالات والديناميكا الحراريّة وشهادة في الإدارة والتسويق..
ومؤسسة أخرى تحتاج لحامل شهادة في البرمجة واللغة الفرنسية للعمل في برامج ترجمة..
وهكذا..
وهذا سيقلل من مشكلة البطالة إلى حدّ مذهل.. بل سيلغيها تماما!!
فالعمل لن يكون مرتبطا بالسن.. ولا بإنهاء 16 عاما من التعليم.. يكفي أن يسعى المرء لتأهيل نفسه في بعض الشهادات المطلوبة.. فلو لم يجد عملا بها أخذ شهادات غيرها.. وهكذا.
***
ولكن ماذا لو أدّى السوق إلى زيادة الطلب على شهادات بعينها؟.. ألن يفقر هذا الدولة في المتخصصين في علوم كثيرة؟
حتّى لو حدث هذا، فإنّ نوعا من التشبع سرعان ما يحدث، حيث سيكتفي السوق بعدد معين، في حين سينتج طلب آخر على تخصص آخر.. وهكذا..
كما أنّ علينا ألا نغفل عن وجود أشخاص ينزعون إلى العلم والمعرفة بالفطرة.. وتستخدم الدولة النقود التي ستتوفّر من تفكيك النظام العقيم الحالي، في التوسع في المعامل والمختبرات والبحوث من أجلهم.
***
لكن.. هل سيُقبل الأفراد على التعليم بهذه الصورة؟.. ألن تدفعهم الحرية المطلقة للإهمال؟
طالما ظللنا ننظر لأجيالنا الجديدة باعتبارها أوعية غير واعية يجب ملؤها، فلن يتغير شيء في مجتمعاتنا!
لماذا نفترض أنّ الناس أغبياء وجهلة بطبعهم؟
لماذا لا نضع في اعتبارنا أنّ الله أودع في الكثيرين الشغف للمعرفة، والطموح إلى العلم؟
وأنّ الذي قتل ذلك هو ذلك الشكل المتعفّن من التعليم الإجباريّ، الذي تكون أسعد لحظة فيه حينما يخرج الطالب من لجان الامتحان ويلقي الكتب في الزبالة؟!!!!
كيف تريدوننا أن نشترك في صنع القرار، ونحن لا نستطيع تقرير ما يناسبنا؟
كيف تثقون بآرائنا ودورنا في منظومة الديمقراطيّة والانتخاب (مع تحفظي عليها)، ما دمتم لا تثقون بقدرتنا على اختيار ما ينفعنا؟؟
ثمّ دعنا نثق بأنّ إهمال الطلاب للتعليم أمر غير وارد.. فوراءهم أسرة.. وعندهم هدف في الحياة!
الأسرة ستدفعهم من صغرهم للعمل (لأنّ الدولة لا تضمن وظيفة لأحد)، كما ستدفعهم على التوازي لتحصيل بعض الشهادات الأساسيّة.. ومع تربية الطفل بهذه التناغم منذ صغره، لن نجد أبدا مراهقين فاسدين متمردين كما نراهم اليوم!.. فلا أحد عالة على أهله بلا مسئولية، ولا مناهج مفروضة على أحد.
وطبعا سيعود للوجود الزواج المبكّر، وستتقلص مظاهر العري وحبّ المراهقة، وستختفي العنوسة مع اختفاء البطالة.. لتعود مجتمعاتنا للاستقرار كما كانت طوال التاريخ.
***
ولا مانع من إيجاد نمط آخر للمرحلة الجامعيّة في هذه المنظومة، خاصة في مهنة الطبّ لخطورتها.. (على ألا تكون دراسة الطب كما هي حاليا في مصر: 6 سنوات تعليم طبي شامل.. سنة امتياز للتدريب.. سنة تكليف (لمن ليس لهم تجنيد إجباري).. 3 سنوات ماجستير للتخصص.. هذا انتحار وليس دراسة!!!)
مع مسار مستقلّ للباحثين وحملة الماجستير والدكتوراة.. والذين سيضمنون أفضل إمكانيات، فلا توجد أعداد مذهلة تنافسهم في مسارهم العلميّ لمجرّد أنّ هذا مفروض عليهم، بل إنّ الغالبية ستكون قد اختارت ما يناسب قدراتها، ووجدت نفسها في العمل والزواج والحياة، تاركين للمبدعين والعلماء فرصتهم في التخصّص والابتكار.. كما كان يحصل طول التاريخ.
***
وبالنسبة للبنات في هذه المنظومة..
يسهل أن تمتحن البنت الشهادات التي تريدها.. دون أن تبتعد عن بيتها ورقابة أهلها معظم حياتها.. وبهذا سيتمّ تدعيم الشكل الذي اقترحته لتعليم البنات سابقا، بإضافة شهادات موثقة رسمية إليه، فيما لو احتاجت المرأة للعمل لظروف خارجة عن إرادتها.. وإن كان الأفضل لو وفرت الدولة الآليات التي تحمي نساءها من تقلب الظروف، بحيث تتكفّل الدولة بإعالة اليتيمة والأرملة والمطلقة.
***
والآن لو تأملت هذا النموذج، فستجد أن به ميزة هامة:
فلا توجد فيه جهة تسيطر على مسار حياة الأفراد.. فكل جهة تطرح ما لديها وتترك للأفراد حق تقرير مصيرهم!
لهذا فإن مثل هذه المنظومة قابلة لتطوير نفسها باستمرار.
ولكنّ ما يعنيني في هذا الطرح هو معالجة عيوب نظريّة التعليم الحاليّة.. فالنظرية التي أطرحها تقدم ما يلي:
1- لا إلزام ولا إكراه ولا تلقين لمناهج يكرهها الطالب.
2- هناك حرّيّة كاملة في اختيار الوقت والمكان والمدرس (أو الوسيلة البديلة للمدرس).
3- يمتلك المدرس يومه كاملا لإعطاء دروس خصوصية، أو العمل في مراكز متخصصة تشرح الشهادات.. وهذا سيرفع دخله ـ فراتب الحكومة لا يسمن ولا يغني من جوع، ولا يستحقّ عناء اليوم الدراسيّ!
4- ليس على الدولة أن تتكلف ميزانيات مرعبة لتلقين كلّ الناس كلّ المعارف في عملية عقيمة!
5- ستنتهي مهن النظار والموجهين، لأنّها ستعود مرّة أخرى للاسرة، ممّا سيعيد التلاحم الاجتماعي والتواصل التربوي والثقافي.
6- هناك تفاعل بين السوق والتعليم.. ولن يتعطل الطالب عن العمل.. فلديه الحرية الكاملة للاشتراك في أيّ نشاط تجاري منذ صغره، مع تنظيم تعلّمه طبقا لما يناسبه ولما يتطلبه السوق.. وهذا سيخفف العبء عن والده، وسيسمح للشباب بالزواج المبكر لو أرادوا.
7- ستقلص مشاكل المراهقة، وسيعود الزواج المبكر مع انتعاش الاقتصاد.
8- سيتمّ تجاوز حواجز التخصص، وهي ضرورة ملحّة في العصر الحاليّ.
9- سيتمّ غربلة غير الموهوبين، حيث سيقتصرون على بعض الشهادات السهلة أو المطلوبة للعمل.. أمّا المبدعون فلن يوقف نهمهم للمعرفة حد أو عائق.. وهذا سيعطينا الأمل في حدوث طفرة علمية وتكنولوجية طال انتظارها.
***
عموما ما زالت هذه التصورات تحتاج لدراسة شاملة.. ولو افترضنا أن أحدا أراد أن يبدأ تطبيقها، فلا بد أن يفعل ذلك كنموذج تجريبي.. ولو نجح النموذج وأقبل الناس عليه، يمكن التوسع فيه باطراد.
كما أنني لست مع فكرة شكل التعليم الواحد..
في كل الأحوال أفضّل بقاء النظم الأخرى للتعليم، مع حق الأفراد في اختيار المنظومة التي يرون أنها تفيدهم أكثر، بناء على النتائج القائمة على أرض الواقع.. فليس ممكنا صبّ كلّ الناس في قالب واحد!
وعلى أيّ حال، النظام الذي أقترحه لن يوجد بين عشية وضحاها.. فسيتم تدريجيّا، بينما تتقلص المدارس القديمة التقليديّة.. فهناك مرحلة انتقاليّة يمكن تحديدها حتّى لا تحدث أيّ نتائج غير متوقعة.. وهو ما يحدث الآن فعليا في مصر:
فقد قررت الحكومة تحويل 10% من المدارس في كلّ محافظة إلى مدارس نموذجية، و10% أخرى إلى مدارس تعاونية.. (بدأ هذا من العام 2004)..
مع إنشاء جامعة القاهرة الأهليّة (بالمصاريف وليس الدرجات)..
وكلّ ذلك سيدخل فيه النقود والمصاريف.. أيّ أنّه لشريحة معينة من المجتمع (ومن أبسط حقوق الغنيّ أن يستمتع بنقوده ويستفيد بها.. وإلا فما الهدف من امتلاك النقود؟؟).. ولكنّ كلّ ذلك لن يحقق نتائج تختلف كثيرا.. فكما قلت مرارا: الخطأ في النظريّة قبل أن يكون في التطبيق.. فما دامت هذه الأنواع تنتمي للشكل الإلزاميّ العقيم الحاليّ، فلا تتوقّعوا إلا فشلا ذريعا.. ولكن كالعادة: لن نكتشف ذلك إلا بعد خمسين عاما أخرى!!
***
بالمناسبة:
علّقت أخت سعودية على هذه المقترحات قائلة إنّها تعيدنا للوراء ولا تدفعنا للأمام.. فرددت عليها قائلا:
أرجو أن تُعرّفي لي بالضبط، ما هو (الوراء)) الذي سنعود إليه؟؟
وهل التعليم في بلدك هو الذي دفعكم ((للأمام)) أم شراء السلع الاستهلاكيّة بنقود النفط؟؟
وهل ما فيه بلدي وباقي البلاد العربيّة، يمكن أن يسمّى ((أماما)) بأيّ شكل من الأشكال؟؟
إذا كان هذا هو الأمام الذي يقدّمه لنا التعليم الإلزاميّ، فحبّذا العودة إلى نقطة الصفر.. أو ما تحت الصفر!
وكانت حجّتها في قولها هذا، أنّني أغفلت "ما حققه العمل المؤسسي المتكامل من قفزات في العلوم بشتى أنواعها، وذلك إذا قارناه بالعمل الفردي الذي كان معمولا به طول هذه القرون".
فرددت على ذلك قائلا:
هذا غير حقيقيّ بالمرّة..
ليس عندنا فقط (فنحن خارج أيّ إنجازات حضاريّة منذ حوالي 4 قرون!!)
ولكن حتّى في الغرب..
فالمؤسسات تالية للتكنولوجيا (وجدت الآلة أولا، ثمّ وجد المصنع، ومن ثمّ وجد التعليم الإلزاميّ لتخريج من يحتاجهم المصنع!!)
والحضارة الغربية لم تكن لتزدهر بتلك الصورة من دون الاعتماد على الاستعمار لسلب ثروات الشعوب الأخرى وتصريف المنتجات الغربيّة في أسواقها.. وهذا ما ثبت في العقود الأخيرة، حيث اختنقت الحضارة الغربيّة بعد انتهاء الاستعمار، ومنافسة دول شرق آسيا، واتجاه الدول النامية نحو التصنيع أو التجميع.
ويكفيك أن تعرفي أنّ فوائد ديون الولايات المتحدة الأمريكية (وهي أكبر دولة عليها ديون في العالم!!) في عام 2010 ستفوق حجم الناتج المحلي لها!
لعلك تفهمين إذن لماذا سارعت بغزو أفغانستان والعراق!
إنّها منظومة محكوم عليها بالفشل مسبقا.. إلا لو لجأت للسرقة والتسلط!!
أرجو قراءة هذا الموضوع: "احتضار المجتمع الصناعيّ".
وقالت أيضا:
"ثم إننا بحاجه إلى أن نصعد الفضاء وأن نلحق بالعالم المتقدم ونجاريه في علومه واختراعاته وأبحاثه وما ذلك إلا بنسق طويل المدى نعلم فيه الكيمياء مع الفيزياء مع الرياضيات إلى آخر ذلك".
فقلت لها:
عجيب هذا؟
لنا نصف قرن نردد هذا الكلام ولم يحدث إلا أن تراجعنا للخلف!
نحن لن نعيد اختراع العجلة!
هناك ما يسمى بالهندسة العكسيّة Reverse Engineering، وبواسطتها يمكن تحليل أيّ نظام أو جهاز أو مرّكب لمعرفه تفاصيله.. وبهذا يمكن نقل التكنولوجيا بطريقة أخرى غير إعادة اختراعها!
وفي هذا لا نحتاج لتعليم كلّ الشعب هذه العلوم.. نحتاج لصفوة مبدعة.. وهي ستزداد في ظلّ النظام الذي أوضحته لك.. وستعرف أكثر ممّا يمكنك أن تتخيّليه!
فلن يعوقها عن هذه العلوم حفظ نسب الجغرافيا أو تاريخ بعض العلمانيين!!
كما أنّ العلوم الأساسيّة منشورة بالفعل، ويعرفها كلّ من يريد.. فهي ليست أسرارا سنعيد اكتشافها.
ولدينا حشود من المتخصصين فيها... فماذا فعلنا بهم؟
المشكلة في تطبيق هذه العلوم..
وهذا التطبيق يحتاج لميزانيات لتوفير المعامل ورعاية المبدعين والإنفاق على البحوث..
ولكنّ هذه الميزانيات تضيع على تعليم عقيم، يحشد فيه الجميع كالقطيع، فلا يحصلون إلا على عقد نفسية وفشل وتمرد على الأهل وانحرافات غريزية لطول فترة المراهقة وبطالة وعنوسة و.. و...
وفي النهاية تكتشفين أنّ معظم خريجي الجامعة جهلة!.. حتّى بعلوم تخصصهم!.. ولا صبر لهم على القراءة أو المعرفة؟
فأيّ فضاء هذا الذي تريدين الصعود إليه؟
إنّنا نسبح بطلاقة في عدم مطلق!

هل تعلم
12-01-2005, 09:56 PM
(4)
اللا مدرسيّة:
الكلام هنا من كتاب "دراسات في تطوّر الفكر التربوي" لـ د.(ثناء يوسف العاصي) أستاذ أصول التربية بجامعة طنطا..
تقول د. ثناء في ص 269:
ثانيا: حركة اللامدرسية:
لقد أدّى تطبيق البرجماتية إلى آثار سيئة في المجتمع الأمريكي ((هذا يردّ على من يتساءلون: لماذا لم تتأثر مجتمعاتهم من جراء تطبيق هذا النظام المريض_هل تعلم))، من أهمّها انخفاض المستوى العلميّ للتلاميذ، كما يشكو بعض المعلمين الأمريكيين من ازدياد نسبة الأمّيّة بين خريجي التعليم الإلزامي الذي يصل إلى المرحلة الثانوية، كما حدثت تأثيرات سلبية على أخلاق الشباب ((ستسألني: كيف إذن تقدّمت هذه الدول؟.. بنهب ثرواتنا يا عزيزي، ليس فقط المواد الخام، أو أسواقنا التي يحتكرونها، بل خيرة عقول العالم الثالث ممن يفلتون بعبقريتهم من مجزرة التعليم المتخلّف، فيغرونهم بالمنح الدراسيّة ومنحهم الجنسية.. وبينما يزني الشباب الأمريكي ويغتصب ويشذ ويحشش ويسرق ويقتل وينتحر في جنّة حرّيّة المرأة، نكتشف أنّ ثلث طلاب الدراسات العليا في جامعات أمريكا هم من دول العالم الثالث، وأنّ اليونسكو أعلنت أنّ الثمانينيات شهدت يوميا هجرة 1000 عالم وخبير وتقني محترف من العالم النامي للغرب، وأنّ هناك مليون عالم وخبير وتقني وطبيب عربي يعيشون حاليا في الغرب، ويمكنك أن تضرب هذا الرقم في خمسة لتتوقّع كم نزف من عقول العالم الإسلاميّ من بلادنا إلى هناك.. وفي النهاية، يخرج محللو أمريكا واقتصاديوها وسياسيّوها ليعلنوا أنّ الإنفاق على التعليم والصحة يتراجع والبطالة تتزايد، وأنّ أمريكا ستعجز عن سداد فوائد ديونها في عام 2010 لأنّ فوائد الديون ستفوق الدخل القومي (إشهار إفلاس يعني!!!)!!.. والنتيجة: تهرول أمريكا لاحتلال أفغانستان والعراق وتهدد السودان وأيّ مكان آخر تشم فيه رائحة بترول.. باختصار يا عزيزي: هذا نظام تعليم استعماري محكوم عليه بالفشل عقلا ونقلا، نظرية وتطبيقا، ولم يكن له أن يخرج أيّ نتائج سوى بالاستعمار، بداية من سرقة مكتبات الأندلس ونسبة علوم العرب لأدعياء الغرب، مرورا باحتلال العالم وسرقته وتدميره والتسلط عليه، وصولا لعودة الاحتلال باسم الحرّيّة والحرب على الإرهاب كما تراه الآن!!!... ما علينا، نعود لكتابنا ـ هل تعلم)
ومن الاتجاهات الغربية المعاصرة في النظر إلى تعليم المستقبل "اللا مدرسية" وهي إحدى استجابات الفكر التربويّ الغربيّ لأزمة التعليم المعاصرة، عن طريق الثورة على التعليم وإلغاء المدارس.
لقد ظهرت مجموعة من المفكرين التربويين، ينتقدون بشدة أوضاع التعليم في العالم الغربيّ، ومن رأيهم أنّ معظم ما نتعلّمه ونستفيد منه ويبقى معنا، نتعلّمه خارج المدرسة.. وكان الحلّ في رأيهم أن يتمّ التعليم بواسطة مؤسسات اجتماعية أخرى غير المدرسة، ويتمّ على أساس التعليم الذاتي، كلّ ينتقي ما يريد أن يتعلّمه، فالخطوة الأولى من تعليم المستقبل هي إلغاء التعليم النظاميّ الذي يكبّل ويقتل القدرة على التعلّم الذاتي الإبداعي!!
ومن أهمّ المفكرين من دعاة اللامدرسية "إيفان إيلتش"، وسوف نقدّم عرضا لآرائه التي تقوم عليها اللا مدرسية....

هل تعلم
12-01-2005, 09:57 PM
(5)
يرجع اهتمام إيلتش باللامدرسية منذ عام 1958 ((منذ نفس هذا التاريخ والتعليم المصري في تدهور صاروخي، وكأنّه كان يثبت كلّ أطروحات إيلتش!!! _ هل تعلم)، عندما التقى أوّل مرّة بإيفرت ريمر Everett Reimer، واقتنع ايلتش بأنّ تعميم التعليم عن طريق إنشاء المدارس والإلزام غير ممكن التحقيق، وأنّه يكون أكثر إمكانيّة لو استخدمت مؤسسات بديلة.. وعلى المجتمع أن يبحث على نظم تربوية بديلة، عن طريق شبكات تربوية تساعد كلّ فرد على أن يحوّل كلّ لحظة من حياته إلى عمليّة تعلّم ومشاركة واهتمام.
وقد نشر إيفان إيلتش آراءه في كثير من المقالات والكتب، كما دعا إليها في عديد من المؤتمرات.. وهو في الوقت الحاضر أهمّ وأشهر دعاة اللامدرسية.

ظاهرة المدرسة:
يحلّل إيلتش ظاهرة المدرسة، ويحاول تحديد هذا المصطلح، فيقول:
"إنّ كثيرا من الكلمات والمصطلحات أصبح غير محدّد، بحيث فقد فائدته!.. ومن هذه الكلمات المدرسة والتدريس.. في الواقع أنّه توجد أساليب كثيرة لتعريف المدرسة.. يمكن أن نعرّفها مثلا تعريفا وظيفيّا يذكر الوظائف التي تقوم بها المدرسة المعاصرة، ومن ذلك أنّها المكان الذي تتمّ فيه رعاية الأطفال وتلقينهم وتعليمهم.. يمكن كذلك أن نعرّف المدرسة عن طريق التعرّف على جمهورها أو تحديد عملائها، وبالتالي نقول إنّها المكان الذي نجد فيه التلاميذ ويعمل المدرسون وغيرهم من الموظفين والعاملين ويتردّد عليه الآباء.. أيضا نستطيع أن نعرّف المدرسة تاريخيّا، وذلك بتتبّع تاريخ المؤسسات التي كانت تقوم بعمليّة التربية أو بوظائف مشابهة على طول التاريخ الإنساني وفي الحضارات المختلفة.. ويمكن أخيرا أن نتبع أسلوبا معياريا، وذلك بحصر المعارف التي حدّدت ماهيّة المدرسة ووظيفتها من أقوال المربين والفلاسفة وغيرهم"
ويقترح إيلتش أسلوبا جديدا لتعريف المدرسة، يركّز على ظاهرة المدرسة، وبالتالي يعرّفها بأنّها: "عمليّة ترتبط بسنّ محدّد، تتميّز بعلاقة معيّنة بين المدرسين والتلاميذ، تتطلّب حضورا أو تفرّغا للدراسة، والالتزام بمنهج معيّن"!
كما يعرّفها أيضا بأنّها "المكان الذي يسجّل فيه التلاميذ ويخضعون لإشراف مدرس مؤهّل، لكي يحصلوا على شهادات"!
ويضيف:
"من بين المعتقدات التربويّة التي تقوم عليها المدرسة في المجتمعات الحديثة، مفهوم الطفولة.. وهو مفهوم حديث المنشأ نسبيا، حيث واكب ظهوره صعود الطبقة البرجوازية كطبقة حاكمة.. وظهور هذا المفهوم كان ضروريّا لكي يتعاظم دور المدرسة في تطويع الأجيال الصغيرة وفق متطلّبات الطبقة الحاكمة الجديدة.. إنّ نظرة الأجيال السابقة إلى الطفولة، هي أنّها كانت رجولة أو أنوثة مصغّرة.. فالطبقات الفقيرة والغنيّة لم تكن تعترف بالطفولة، كما كانت الطفولة ترتبط بالنظام الصناعيّ والمدن.. فمعظم أبناء الريف لا يعرفون الطفولة، وما إن يبلغ الأطفال سن الحادية عشر أو الثانية عشر من عمرهم، حتّى يبدأوا في ممارسة العمل المنتج، وينخرط الصغار في حياة الكبار.
وفصل الصغار في فئة خاصة، يسمح بقبول المدرسة كمؤسسة ضرورية للقيام على تربيتهم، ويقبل المعلم أن يعتني بتلاميذه الصغار، الذين يتشكلون وفق رؤية المعلّم الذاتيّة.. وفي ذلك تناقض بين ما يتمّ في واقع الأمر، وما تعلنه الأنظمة التعليميّة من هدف خلق المواطن الحرّ منفرد الشخصية!!
فالمعلّم يدّعي القيام بثلاث وظائف: الراعي والمبشّر والمعالج.
فهو الذي يتولّى الإشراف على العمليّة التعليمية، ويحدّد سلوك التلاميذ وما ينبغي أن يفعلوه، ويقوم بدور الوالد مندوب العناية الإلهيّة والدولة في الإشراف على السلوك والتكوين الخلقيّ لتلاميذه، ويعلّمهم الصواب والخطأ داخل المدرسة وخارجها.. وهو يتولّى في النهاية معالجة وتقويم من ينحرف منهم.. أي أنّ المعلّم أصبح معيار الصواب والخطأ!
وفي الحقيقة، المعلّمون يعوقون عمليّة التعلّم!!
ويدرك التلاميذ أنّ الدور الذي يقوم به المعلّمون في حياتهم وتعليمهم ضعيف، وأنّهم بجهودهم الذاتية ـ عن طريق القراءة أو الاستظهار ((الدروس الخصوصية عندنا _هل تعلم)) ـ قد تعلّموا كيف يجتازون الامتحانات ويصنعون مستقبلهم!
وتزعم المدرسة أنّه لكي يتمّ التعليم، لا بدّ أن يمارس المدرّس عمله في مكان محدّد، وأن يحضر التلاميذ إليه، وأن يتفرّغوا لعمليّة التعلّم.. لقد تحوّل التدريس إلى مهنة مقدّسة، وأصبحت المدارس وسيلة لخلق وظائف للمدرسين، بغض النظر عمّا يعلّمونه لتلاميذهم فعلا!!
نتيجة لهذه، لا يمكن إقامة مجتمع حرّ على أساس تربية تعتمد على النظام المدرسي!.. إنّ ضمانات الحرّيّة الفرديّة تلغى تماما في علاقة المعلّم مع تلاميذه، وتتزايد سلطة المدرّس ونفوذه وتأثيره، مع إلزام التلاميذ بالحضور والتفرّغ، إذ لا يوجد ما يحمي التلاميذ من سلطة المدرّس، وكذلك يعزل الحضور والتفرّغ التلاميذ عن العالم الخارجي سنوات طويلة.
أمّا عن المناهج: فيلزم النظام المدرسيّ التلاميذ بمناهج معيّنة، جانب منها واضح، يتمثّل في تلقينه حضارة المجتمع في رزم، أو تقسيمها لكي تعطى على مراحل، يؤدّي كلّ منها إلى المرحلة التالية!
لكن على الجانب الآخر، هناك منهج خفيّ، عبارة عن المفاهيم والمبادئ التي تغرسها المدرسة في نفوس تلاميذها.. هذا المنهج الخفيّ أصبح نمطا دوليّا تلتزم به المدارس في الدول المتقدّمة والمتخلّفة، الغنيّة والفقيرة، الديمقراطيّة والدكتاتوريّة!
فالبرنامج المدرسيّ يعدّ على أساس من معايير موضوعة سلفا.. ودور المدرسة يتمثّل في قولبة الأفراد!.. والتعليم المدرسيّ لا يسمح للإنسان إلا بالتفكير في الحدود التي وضعت له ومارسها أثناء الدراسة!
إنّ متطلّبات البرامج المدرسيّة يرتبط تحقيقها بتوفّر أوضاع اقتصاديّة واجتماعيّة معيّنة لا تعرفها عادة إلا الأسر الغنيّة.. ومعنى هذا أنّ المدرسة تؤكّد التفاوت الطبقيّ بدلا من مقاومته!!
لقد تحوّلت المدرسة على أداة للقهر، بعد أن كانت أداة للتحرّر، وأصبحت سببا لامتهان الكرامة، بدلا من أن تكون دافعا للشعور بالعزّة.. إنّها مثير للضعف وليست عاملا للسلام الاجتماعي، تُسبّب غربة الإنسان في عمليّة التعلّم، وغربته في المجتمع!
وهي تشجّع على التطلّعات والاستهلاك، ومتحيّزة ضدّ الفقراء، حيث تستفيد قلّة ممتازة من جهد وإنفاق الغالبيّة!!
إنّها تسلب الفرد القدرة على النموّ والتعلّم الذاتيين"
هذه هي المدرسة كما يراها (إيفان إيلتش)، فهي إحدى المؤسسات التي تخدم فئات قليلة، بينما يصرف عليها جانب كبير من إمكانات المجتمع الماديّة!

في المشاركة القادمة بإذن الله، سنرى تفصيليا أسباب دعوة إيلتش لإلغاء المدارس.

هل تعلم
16-01-2005, 10:47 AM
(6)
أسباب دعوة إيلتش لإلغاء المدارس:
أولا: تمويل التعليم:
ارتفاع معدلات ميزانيات التعليم، وعدم توازنها مع العائد.. وحتّى يومنا هذا لا يوجد في العالم كلّه مجتمع واحد، استطاع أن يوفّر لنظامه التعليميّ كلّ حاجته من المال العامّ كما يقدّرها المسئولون عن التعليم.. وهي ظاهرة عامّة في الدول المتقدّمة والنامية.. مثلا الولايات المتّحدة الأمريكيّة، زادت نفقات التعليم فيها، ولكنّ عائد هذا الإنفاق يوضّح تدهورا مستمرّا في النتائج!.. ومن الأدلّة على ذلك، ارتفاع نسبة التسرّب من التعليم، وترك مدرّس التعليم الابتدائيّ العمل، وتزايد الشعور بالإحباط عند التلاميذ والمدرسين، وعجز المدارس عن تأدية وظيفتها، وإلقاء اللوم على نقص المال أو المباني أو التجهيزات ((لا تنسوا موضة الطفل الذي يحمل رشاشا ويرسل مدرسيه وزملاءه للجحيم!! _هل تعلم))
كما أنّ المجتمع الأمريكيّ لم يعد يستطيع الالتزام بتقديم التعليم الإلزاميّ للأطفال نتيجة للالتزام بالمدرسيّة!
إنّ حالة الولايات المتحدة الأمريكيّة توضّح بجلاء أنّ أحدا لا يملك الموارد الماليّة التي تمكّنه من إيجاد نظام تعليميّ يستطيع تلبية وإشباع الاحتياجات التعليمية والتوسّع فيها!!
وتتفاقم المشكلة في دول العالم الثالث، حيث تعجز بلدانه عن تحقيق تعميم التعليم ولو لسنوات قليلة، رغم ما يخصّص للتعليم من ميزانية هذه الدول!!
((لكي تفهم لماذا يصرّون في بلادنا على تعليم كلّ الشعب، رغم أنّهم أصلا لم يوفروا الأماكن الكافية للجزء الذي يتعلّم منه حاليا، اقرأ هذه الاعترافات من إحدى البلهاوات في أحد البرامج التلفزيونية المصريّة:
ظلمات:
http://khayma.com/alhkikh/edu\aim\zlmat.htm
_ هل تعلم))
إنّ النظرة التقليدية ترى علاج مشكلات التعليم بزيادة مخصصاته المالية، وهو تفكير خاطئ، أفضل منه وأجدى، البحث عن بدائل للمؤسسات التعليمية الحالية.
وعند مقارنة التعليم المدرسي والتعليم اللامدرسي، في المدّة التي يستغرقها تعلّم المهارات وتكلفة تعلّمها، يتضح أنّ التعليم المدرسيّ يستغرق وقتا أطول وتكلفة أكبر.. وكمثال على ذلك: تستغرق برامج التعليم والتدريب المهنيّ غير المدرسيّة في الجيش والمؤسسات الصناعيّة وقتا وتكلفة أقلّ من التدريب على نفس المهارات في التعليم المدرسيّ التقليديّ ((لكن الإخوة العلمانيين الذين استوردوا لنا هذا النظام اللعين مستعدون للموت في سبيله كأغبى متعصب وثنيّ يدافع عن صنم!!.. إنّهم رجعيون تقليديون متعصبون جهالا حمقى بدرجة لا توصف.. ولكنهم يتهمون الآخرين بهذا في مفارقة مثيرة للسخرية!!.. إنّ كلمات الدنيا لا تسعني للتعبير عن حسرتي على ما ضاع من نقودنا وأعمارنا وعقولنا وأخلاقنا وفطرتنا وعاداتنا وتقاليدنا وثقافتنا وديننا وحضارتنا وتقدمنا (المتوقّع) بسبب هذا النظام التعليميّ المريض.. المهمّ هو: متى سنوقف هذه المجزرة _هل تعلم))

ثانيا: العدالة الاجتماعيّة:
التعليم المدرسيّ لا يحقّق العدالة الاجتماعيّة، لأنّه يتحيّز عادة ضدّ الفقراء، ويفيد منه أبناء الأغنياء بدرجة أكبر.. فأبناء الفقراء لا يستطيعون اللحاق بأبناء الأغنياء، حتّى وإن تعلّموا في مدرسة واحدة.. وذلك لأنّ الفرص التربويّة المتوفّرة لطفل الطبقة الوسطى، تجعله متفوّقا على طفل الطبقة الفقيرة.. كما أنّ أبناء الأغنياء يمكثون في التعليم مدّة أطول، وبالتالي يحصلون على قسط أكبر من الإنفاق الحكوميّ على التعليم!.. وهذا ينطبق على الدول الفقيرة والغنيّة.
إنّ الأموال التي تنفق على التعليم في دول العالم الثالث لا يستفيد بها أبناء الفقراء، وإنّما يستفيد بها أبناء الأقليّة المحظوظة.. وهكذا نرى أنّ الفقراء لا يحصلون على المساواة نتيجة التعليم المدرسيّ الإلزاميّ!!
ويمكن تحقيق تكافؤ الفرص، عن طريق غير المدارس.

ثالثا: المدرسة لا تحقّق التعليم:
إنّ قيمة ما تقوم به المدرسة، هي أن تعطى في نهايتها الشهادات، والتي تتحدّد على أساسها مكانة الفرد الاجتماعيّة والاقتصاديّة طيلة حياته.. ومن الطبيعيّ أن يشعر الإنسان بأنّه مدين للمدرسة بكلّ ما تحقّق في حياته!
ومن المفاهيم الخاطئة التي يقوم عليها النظام المدرسي، أنّ التعليم هو نتيجة للتدريس!!
صحيح أنّ التدريس قد يساهم في بعض أنواع التعلّم تحت ظروف معيّنة، لكنّ الحقيقة أنّ أهمّ ما تعلّمناه من مهارات وقدرات اكتسبناه من خارج المدرسة ((لا تنس الدروس الخصوصية، والتي تشير أصلا إلى عدم الحاجة للمدرسة!!.. بالمناسبة: أنا حفظت القرآن وقرأت وكتبت القصص والروايات والأشعار، وتعلمت البرمجة، كلّ هذا خارج النظام التعليميّ.. ولا يقل لي أحد لو لم تذهب للمدرسة فلم تكن لتتعلّم كلّ هذا.. هذا غير صحيح.. فلو لم تكن أمّي ربّة البيت قد علّمتني الحروف الأبجدية والقراءة والكتابة والحساب وساعدتني في حفظ وتسميع القرآن الكريم وكلمات اللغة الإنجليزية، لكنت مجرّد تلميذ بليد من الذين يصلون لنهاية المرحلة الإعدادية بدون أن يستطيعوا هجاء حرف واحد!!.. وقراءتي لروايات الخيال العلميّ هي التي دفعتني لكتابة القصص والروايات، ممّا دفعني للقراءة في العلم والفكر والأدب.. وهذا في الواقع دفعني لاحتقار التعليم، لأنّي لم أفهم أبدا لماذا عليّ أن أمكث عاما كاملا لحفظ وتسميع كتب الأحياء والجغرافيا والتاريخ، في حين أنّ هذا يعطّلني عن قراءة آلاف الكتب في نفس الفترة، علما بأنّ ذهني في تلك الفترة كان أكثر خصوبة وقدرة على الاستيعاب، فلماذا أهدر هذه الفترة الذهبية في هذا العك؟؟!!.. الحقيقة أنّ الأغلبية التي كانت معي كانت تمقت القراءة، بل إن رؤية أيّ كتاب كانت تثير لديها اقترانا شرطيا بالامتعاض من ذكرى الحفظ والقلق والامتحانات!!.. والنتيجة أنّه لا يوجد سوق حقيقيّ للنشر في بلادنا، وأفضل كتاب لا يبيع أكثر من 3 آلاف نسخة في الطبعة الواحدة، في حين يبيع شريط شعبولة الهابط أكثر من مليون نسخة في لمح البصر!!!.. إنّ هذا النظام عقيم بدرجة لا توصف، بل مدمّر لأقصى حدّ.. أيّ أمل ننتظره في الغد في ظلّ هذا العبث؟! _هل تعلم))
فالأطفال يتعلّمون اللغة من آبائهم بطريقة تلقائية دون مساعدة المدرسة.. كما أنّ إتقان القيادة والسباحة والعزف على آلة موسيقية وغير ذلك يتمّ خارج المدرسة.. من هنا تبدو أهمية البدء بتخليص المجتمع من المدرسة، كأوّل خطوة إلى تخليصه وتحريره من سيطرة بقية المؤسسات.
وليس معنى هذا أنّ المدرسة لا تعلّم شيئا على الإطلاق، أو أنّ التدريس لا يحقّق أيّ نوع من التعليم، فالإنسان قد يتعلّم داخل المدرسة، ولكنّ هذا النوع من التدريس بحاجة ماسّة إلى التطوير.

رابعا: كفاءة أساليب التعليم:
هناك حقيقة تغيب عنّا، وهي أنّ اكتساب المعرفة العلميّة التي يحتاجها الإنسان لممارسة عمل مريح، لا يحتاج إلى انتظام سنوات لمتابعة البرامج المدرسيّة.. بل إنّ بمقدور كلّ إنسان أن يحصل على مثل هذه المعرفة في أيّ مكان وزمان وبأيسر وسيلة ((تخيّل النكتة: 16 سنة تعليم وشهادة جامعية من أجل ماذا؟.. أن تصير جارسون (سياحة وفنادق) أو مدرس ألعاب (تربية رياضية) أو مدرس حضانة (رياض أطفال).. إنّ هذا عبث يكاد يصيبني بالجنون!!!.. إنّ أيّ مهنة من هذه لا تحتاج لتعلّم الفيزياء والكيمياء والرياضيات و... و... و... طوال كلّ هذه السنوات، والتأهيل لها لا يحتاج سوى للممارسة الميدانية والقليل من التدريب (مع دورة لغات للجارسون)!!!! _هل تعلم))
ومن بين الأسباب التي تكمن وراء فشل المدرسة في تحقيق رسالتها، هو إصرارها على إكساب المعرفة العلميّة والنظريّة على السواء، دون أن تحقّق أيّا منهما!!.. إنّ الوعي بهذه الحقيقة يسمح لنا بتصوّر صيغة جديدة، ربّما أسهمت في تدارك الموقف المتردّي الذي بلغته التربية المدرسيّة.. فالمجتمع يمتلئ بإمكانات تربويّة هائلة غير مستخدمة.. ومثال لذلك، ما حدث في مدينة نيويورك، عندما برزت الحاجة لتعليم اللغة الأسبانية لفئة من المدرسين والعاملين في الخدمة الاجتماعيّة، لكي يستطيعوا التفاهم مع المهاجرين، فقد أعلن المشرف على البرنامج عن حاجته لبعض الأهالي، فتقدّم مئات من الشباب لغتهم الأصليّة هي الأسبانية، معظمهم من المتسربين والراسبين في التعليم(!!!).. وتمّ تدريب مجموعة منهم لمدّة أسبوع تقريبا على استخدام كتاب تعليم اللغة الأسبانية الذي يستخدمه الجيش الأمريكيّ، حيث انطلقوا بعد ذلك ليكون كلّ منهم مسئولا عن تعليم أربعة أفراد.. وخلال ستة أشهر تمّت المهمّة وتعلّم الطلاب الأسبانية!
إنّ التعليم للجميع يعني التعليم بواسطة الجميع، وليس مجرّد تعبئة الناس في مؤسسة معينة لفترة محدّدة.

لهذه الأسباب يرى إيفان إيلتش أنّه يجب إلغاء المدارس، فهي لا توفّر إمكانية تطبيق المعارف المكتسبة ولا تيسير الإبداع الفردي، لأنّ نشاطها محكوم ببرنامج يطبّق حرفيا.. وهي لا تنجح في إعداد أصحاب المهارات العمليّة، ولا في تشكيل العقليّة الحرّة.. ومن ثمّ تأتي ضرورة تصفيتها، وإيجاد صيغة جديدة تسمح بالتربية الحرّة، التي يتخلص فيها الإنسان من قهر البرامج المعدّة سلفا ليحقّق ذاته، فيتعلّم بنفسه وفق معاناته الشخصيّة، وتبعا لرغبته الحقيقيّة في المعرفة.. والأساس في هذه التربية الحرّة هو الإفادة العلميّة من كلّ ما ينجح الإنسان في تحصيله من معارف نظريّة، ومن مهارات وقدرات عمليّة.

في الردّ القادم بإذن الله نرى صيغة بديل المدرسة عند إيلتش.

هل تعلم
21-01-2005, 07:34 AM
(7)
بديل المدرسة:
بعد أن عرض إيلتش أسباب إلغاء المدارس، وجّه سؤال ما البديل للمدرسة.
وللإجابة عن هذا السؤال يقول:
"التربية الحرة تعني في المقام الأوّل، التخلص نهائيا من العلاقة التي كانت تربط الفرد بنظام التعليم التقليديّ، وإيجاد علاقة جديدة تربط الإنسان بكلّ ما يحيط به من منظّمات لها قدرة على تنمية واكتساب المعلومات والخبرات، التي تسمح له بالسيطرة على الحياة والعيش بطريقة أفضل، وتجعله سيدا للموقف، فهو يكون حرا فيها لا التزام عليه إلا بما اختاره لنفسه".
ويؤكّد إيلتش على معنى اللامدرسية، بأنّها "علمنة العمليّة التعليمية، بحيث تصبح عملية إبداعيّة استكشافيّة، تهتمّ بالنموّ للفرد، تلقائيّة غير تحكّميّة، تتمّ عن طريق التعليم غير النظاميّ أو غير الشكليّ".
ويتبنى إيلتش ثلاثة أهداف للنظام التربويّ المقترح:
1- أن يتيسّر لكلّ من يريد أن يتعلّم شيئا، الفرصة الملائمة للتعلّم في أيّ وقت من الأوقات.
2- أن يتيسّر لكلّ الراغبين في إيصال معارفهم للآخرين أن يفعلوا ذلك.
3- أن تتاح الفرصة لأصحاب الأفكار الجديدة، أن يخاطبوا الجماهير بأفكارهم.
((بالمناسبة: الوسائط المتعدّدة والتلفاز والكتب والكمبيوتر والإنترنت تضمن هذا.. لكن المشكلة أنّها لا تمنح شهادات للاعتراف بدورها!!.. هذه هي لبّ المشكلة التي تسبّبها المدرسة!! _هل تعلم))
ويتصوّر إيلتش أنّ هناك أربع قنوات أو مصادر تربويّة يستطيع المتعلّم أن يعرف عن طريقها ما يشاء وما يرغب، وهي:
1- أنّ الطفل ينمو وسط عالم من الأشياء، يتعرّف عليها ويتعامل معها.
2- الطفل محاط بأفراد يمكن أن يكونوا قدوة له، بما يعرفون من مهارات أو قيم.
3- الطفل يتبادل الخبرة مع من هم في سنّه، ويمكن أن يتعاون ويتنافس معهم في البحث.
4- الطفل يستفيد من مساعدة من يكبرونه، فقد يتلقّى التوجيه أو النقد والاهتمام منهم.
هذه المصادر الأربعة يستطيع الطفل أن يتعلّم منها.. ويحتاج كلّ منها إلى نوع خاص من الترتيبات أو الإجراءات التي تجعلها ميسّرة للراغبين في الوصول إليها.. معنى هذا أنّنا بحاجة إلى أربعة مداخل أو أربع شبكات تربوية تصل بين المتعلّم والمصدر التربويّ.. معظم هذه الوسائل متوفّرة في البيئة والمجتمع، ويجب البحث عن علاقات وأساليب جديدة تجعل الوصول إليها والإفادة منها في التعليم أمر يسيرا.
ولقد حدّد إيلتش الشبكات الأربع التي تمثّل المقوّمات الماديّة للتربية الحرّة، فيما يلي:

أولا شبكة الموادّ التعليميّة:
تتمثّل في خدمة تيسّر للجماهير الإفادة من الأشياء ذات الخصائص التربويّة والتعليميّة التي تستخدم في النشاطات اليوميّة في المصانع والمزارع والمطارات... إلخ.
فالوضع الحاليّ يعزل التلاميذ عن التعلّم من الأشياء الموجودة في البيئة.. فالصناعة وغيرها من المؤسسات تحمي نفسها من تدخّل الغرباء.. كذلك تحتكر المدرسة السيطرة على الموادّ التربويّة المخصصة للتعليم، باعتبارها أدوات غالية الثمن تجب المحافظة عليها.. ولا يستخدمها التلاميذ لأنّهم يريدون أن يعرفوا، لكن لأن عليهم استخدامها وفق متطلبات البرامج وتحت سيطرة وإشراف المعلّمين.. وقد يكره التلميذ هذه الأشياء لارتباطها بالمدرسة والواجبات.
ولا بدّ من تغيير هذا الوضع، بحيث تصبح هذه الأشياء في متناول الراغبين في التعلّم، يلجأون إليها وفق احتياجات كلّ منهم أثناء تعلّمهم.. لهذا فلا بدّ من تنظيم شبكة للموادّ التربويّة، تيسّر الوصول إلى الأشياء والعمليّات والمؤسسات.. ويصبح المربّون والمشرفون على هذه الشبكة أقرب إلى أمناء المكتبات أو المتاحف، منهم إلى المعلّمين، يقومون بإرشاد المتعلّمين إلى المصادر أو الخبراء.
ويمكن تمويل شبكة الموادّ التربويّة عن طريق:
1- تخصيص ميزانية للتعليم.
2- معونة مالية تخصص لكلّ فرد وفقا للسن، لكي يمولوا منها عمليات التعلّم التي يقومون بها.
3- تتحوّل المصانع والمؤسسات والمكاتب إلى بيئات تربوية مفتوحة أمام المواطنين.
4- تحويل ميزانيات التعليم الضخمة لتمويل عمليات التعليم اللامدرسية.
5- تخفيض الضرائب على المؤسسات التي تساهم في أغراض التعليم.
6- تعويض المؤسسات التي يتعلّم فيها الأفراد.

ثانيا: شبكة تبادل الخبرات:
تتمثّل في خدمة تيسّر للأشخاص الراغبين في إفادة الآخرين من معارفهم بلوغ ذلك الهدف.. وتتحمّل هذه الشبكة مسئولية تنظيم العلاقة بين الراغبين في نقل معارفهم للآخرين، والراغبين في الإفادة منها.. ويمكن في كلّ مجال تحديد الأشخاص الذين يمكنهم إعطاء المعلومات والخبرات الضروريّة لإتقان العمل في هذه المجالات.. وليس من الضروريّ أن يكونوا محترفين، ولكنّهم يستطيعون عطاءً خصبا في مجال بعينه.. أمّا المعيار الذي نحكم به على انتقال المعرفة والخبرة من شخص لآخر، فهو قدرة المتعلّم على أداء العمل بالشكل المطلوب.
ويمكن تطبيق نظام تبادل الخبرات عن طريق:
1- إقامة مراكز خبرات مجانية وخاصة في الأماكن التي تشتدّ فيها الحاجة إلى ذلك.
2- تمكين الخبراء من إعطاء خبراتهم مقابل أجر.
3- إنشاء بنك لتبادل الخبرات يعطي رصيدا أساسيا لكلّ فرد، لكي يحصل على المهارات الأساسيّة اللازمة للحياة في المجتمع، ويمنح أرصدة إضافيّة لمن يقومون بتعليم غيرهم مهارات معينة.
4- يمكن منح الآباء أرصدة مقابل تعليم أبنائهم.

ثالثا: لقاء الأقران:
تتحدّد مهمّة هذه الشبكة في تنظيم جهود الأشخاص الراغبين في تبادل معارفهم وخبراتهم مع آخرين من نفس مستواهم العلميّ، ويشاطرونهم نفس الاهتمامات في البحث والمعرفة.
وهدف هذه الشبكة تخليص المجتمع من طابعه المدرسيّ، أي إنهاء الإجبار الذي قد يفرض علينا المشاركة في اجتماع بعينه.
ويمكن بسهولة تشغيل شبكة البحث عن الرفاق، باستخدام كمبيوتر تودع فيه أسماء الأشخاص وعناوينهم، وأنواع النشاط الذي يريدون الاشتراك فيه، أو إعلانات الصحف.. كما يمكن استخدام المدارس في عقد الاجتماعات.

رابعا: المربّون المحترفون:
تتمثّل هذه الشبكة في دليل يحوي أسماء وعناوين المربين المحترفين والهواة، سواء أكانوا أعضاء في هيئات أم لا.. وتقوم هذه الشبكة على تنظيم عمليّة الإفادة من جهود المربين الذين يمكن تصنيفهم إلى ثلاث فئات:
1- المربون المحترفون:
ويقومن بتشغيل وإدارة الشبكات التربوية الثلاث.. ويتركّز اهتمامهم في ضمان استمرار انفتاح المصادر التربوية المختلفة أمام الراغبين في الإفادة منها وحماية حريتهم أثناء تعاملهم مع هذه المصادر.. وكذلك مراعاة قواعد استخدامها وتطويرها.. سوف يكونون أقرب إلى مديري المؤسسات، وسيكون عددهم أقلّ بكثير من عدد المعلمين الحاليين.
2- المستشارون التربويون:
يقدّمون النصائح التربوية لمن يطلبها.. فمثلا: إذا أراد أحد المتعلّمين أن يدرس لغة، قد يساعده المستشار في اختيار الخبير، واختيار الكتب وطريقة التعلّم، بما يتلاءم مع شخصيته وإمكانياته وظروفه.. ويكن الاستعانة بخدمات المستشارين عن طريق بطاقات تربوية.
3- الأساتذة:
يتجمّع التلاميذ في النظام الجديد حول أساتذتهم على أساس من إرادتهم الحرّة، وإفادتهم الفعليّة.. والعلاقة التي تنشأ بين الأستاذ وطلابه هي علاقة إثراء متبادل يفيد الطالب والأستاذ معا.

لقد شجّعت حركة اللامدرسية على البحث عن بدائل متنوّعة وأساليب جديدة للتعليم في البلاد الصناعيّة وفي البلاد الفقيرة، حيث لا تستطيع هذه البلاد توفير التعليم لجماهيرها عن طريق المؤسسات التقليديّة.
يقول إيفان إيلتش:
"اللامدرسية اتجاه حتميّ للتطوّر الاجتماعيّ والتربويّ.. وهو اتجاه بدأ في الحدوث فعلا، وسوف تزداد سرعته باطراد"
وقد يكون من الغريب أن يهتمّ التربويون بآراء إيلتش وغيره من اللا مدرسيين التي تهاجم المدارس والتعليم النظاميّ وتدعو إلى إلغائها.. وربّما يعود هذا الاهتمام إلى سعة أفق التربويين ورجال التعليم، ورغبتهم في معرفة ما يقال ضدهم.. أو يرجع إلى قدرة المؤسسات على استيعاب ما يوجّه إليها من نقد عن طريق فتح باب المناقشة.. أو الشعور بالذنب الذي يحس به التربويون، واقتناعهم بأنّ النقد الذي يوجّه إليهم حقيقيّ أو به جانب من الصحّة.. أو أن يكون سبب هذا الاهتمام هو جدّة هذه الآراء وطرافتها وغرابتها.
إنّ التحدّي الذي يطرحه اللامدرسيون خطير، ونحن بحاجة إلى دراسة هذا التحدّي وتحليله لكي نواجهه.

انتهى كلام د. ثناء.
والآن...
تلاحظون أنّني لست أوّل من طرح فكرة اللامدرسية.. ولكن من وجهة نظري أنّ أفكار إيلتش هلامية، فهي تنفي المدرسة نفيا قاطعا، وتكاد لا تتضح فيها سلطة الدولة.. هذا في حين أنّ اقتراحاتي تراعي التوازن بين الفرد والأسرة والسوق والدولة.. كما أنّ المدرسة لن تختفي نهائيا، ولكنّها ستتحوّل إلى مؤسسة غير إلزامية زمان ومكانا ومقررات!.. سيظلّ منها البنية والمعامل والشهادات المجزأة ـ مقررات الشهادات وامتحاناتها.
إن اقتراحاتي بالتأكيد نابعة عن معايشتي لمشاكل مجتمعي، ومراعية للإمكانيات المتاحة.. أنا أنتقد التعليم كرياضة يوميّة منذ 12 عاما (طبعا أصبت أسرتي بصداع مزمن، لأن هذه الانتقادات صارت تلازمهم في كلّ وجبة!!)، وكلّ يوم كانت كوارث هذه المنظومة تتضح في ذهني بصورة مرعبة، حتّى اكتشفت أن خراب بلادنا الحقيقيّ ناتج عن هذا النظام التخريبي!!.. ولم أصل لمقترحاتي بسهولة ولا في لمح البصر، بل نمت تدريجيّا على أطلال السلبيات التي تراءت لناظري.. وعلى فكرة:
سبب حصولي على كتابين يُدرّسان في جامعة طنطا، هو حوار مع صديق حاصل على دبلومة تربوية.. فبعد أن قصصت عليه أطروحاتي، قال إن هذا بالضبط هو ما درسه، لهذا حصلت منه على هذين الكتابين..
أرجو أن تدرسوا هذه الاقتراحات.

هل تعلم
24-01-2005, 04:35 PM
(8)
حركة التحرّر من القهر: باولو فريري:
سنتحدّث الآن عن باولو فريري، "الذي انتشرت آراؤه في الولايات المتحدة وأوروبا في السبعينيات، مع الاهتمام به كمفكّر من العالم الثالث (البرازيل)، وكواحد من فلاسفة التربية البارزين في العالم المعاصر، وخاصة أنّ بعض الفئات المضطهدة في العالم الأوّل بدأت تجد في هذه الأفكار استجابة لأوضاعها وحلا لمشاكلها، ومن ثمّ زاد الاهتمام به".
"ويعتبر كتاب "تربية المقهورين" هو أكمل أعماله وأهمّها، وهو أوّل كتاب نشر له في الولايات المتّحدة الأمريكية".
حسنا.. دعنا نواصل الحديث عنه لنتعرّف على أفكاره عن التربية والتعليم، من خلال كتاب "دراسات في تطوّر الفكر التربوي" لـ د.(ثناء يوسف العاصي) أستاذ أصول التربية بجامعة طنطا:
التعليم أداة للقهر وأداة للحرية:
يستخدم النظام التعليميّ لتكريس أوضاع القهر وتبريرها وإضفاء الشرعية عليها ومحاربة محو أمّيّة الملايين وإثارة وعيهم (هل يبدو هذا الكلام جديدا على واقع مجتمعاتنا؟ _هل تعلم)
كما أنّ التعليم أيضا أداة للحرّيّة، حينما يعتبر الناس كائنات إيجابية فعّالة ويقضي على الثنائيّة أو الانفصال بين المدرّس والتلاميذ بالحوار، ويكشف الحقائق التي تتعلّق بحياتهم ويزيل الإحساس بالغربة وانفصال التعليم عن الواقع (لا تعليق! _ هل تعلم)
ويبرز فريري مفهومين للتربية، هما:
1- المفهوم البنكي Banking Concept of Education:
2- المفهوم الحواري Dialogue Concept of Education:

1- التعليم البنكي:
يكشف التحليل الموضوعي لعلاقة المعلّم والطالب القائمة داخل المدرسة وخارجها، عن أسلوب أسلوب التواصل بينهما، وهو أسلوب يعتمد على وجود راوي يقوم بدوره المعلّم، ومستمع يقوم بدوره الطالب.. وسواء كان الموضوع قيما عامّة أو له أبعاد عقليّة مستمدّة من الواقع، فإنّه يظلّ فاقدا للحياة، وتلك هي أزمة التعليم.
ويتضح من مفهوم التعليم البنكيّ أنّ التعليم مجرّد منحة يتفضّل بها أولئك الذين يعتبرون أنفسهم مالكين للمعرفة، على أولئك الذين يفترضون أنّهم لا يعرفونها!.. إنّ غضفاء الجهل على الآخرين هو في حقيقة الأمر مخلفات فلسفة القهر التي تجرّد التعليم والمعرفة كليهما من خاصيتهما كعمليتي بحث مستمرّ من أجل اكتساب الحرّيّة (بالمناسبة: أفكار فريري الثورية سببت اعتقاله وطرده من البرازيل!!)
التعليم البنكي يعكس أيدلوجيّة القهر، إذ يفترض الجهل المطلق في الآخرين (هذا يذكرنا بالآراء التي تقول إنّ الناس لن تتعلّم إلا إذا ألزمناها بهذا، وكأنها قطعان من الماشية! _ هل تعلم)، ولا يعتبر التعليم والمعرفة كعملية بحث عن الحقيقة، يضع المعلّم والطلاب في طرفين متناقضين، وهذا يتجسّد في المفاهيم التالية:
1- المعلّم يعلّم والطلبة يتلقّون.
2- المعلّم يعرف كلّ شيء والطلبة لا يعرفون.
3- المعلّم يفكّر والطالب لا يفكّر.
4- المعلّم يتكلّم والطالب يسمع.
5- المعلّم ينظّم والطالب لا ينظّم.
6- المعلّم يختار ويفرض اختياره والطالب يذعن.
7- المعلّم يتصرّف والطالب يعيش في وهم التصرّف من خلال المعلّم.
8- المعلّم يختار المحتوى والطالب يتأقلم مع الاختيار.
9- المعلّم يخلط المعرفة ويتدخّل فيها، ويحول دون ممارسة الطلاب لحرياتهم.
10- المعلّم هو قوام العملية التعليمية والطالب نتيجتها.
(في الواقع هذا الكلام يختلف جوهريا عما يحدث في بلادنا، فالمعلم في بلادنا يكاد يكون موجودا في نفس خانة المتعلمين، وكلّ السمات التي نسبت له هنا، تنطبق في بلادنا على الحكومات، فهي التي تختار المناهج وتقرّر السياسات وتحدّد الآليات ولا سلطة للمدرس في هذه المنظومة إلا في اضطهاد الطالب وضربه لدفعه للدروس الخصوصية!!.. إنّ البنك التعليمي الوحيد في بلادنا هو البنك المركزي!!_ هل تعلم)
التعليم البنكي وسيلة للتلقين وأداة للقهر، وهو تعليم لا يصلح لبناء الإنسان في مجتمع الحرّيّة، ولذا لا ينبغي أن يستخدم المجتمع الثوريّ هذا التعليم التقليديّ الذي كان سائدا في مجتمع القهر، ومع ذلك فإنّ المجتمع الثوريّ يرث هذا التعليم ويستخدمه أحيانا، دون أن يفطن المسئولون إلى أنّه تعليم يتناقض مع واقع وأهداف المجتمع الجديد (لعلك فهمت لماذا لم تؤدِ الثورات العربية إلا إلى مزيد من الانحدار، بحيث صرنا الآن نرى أنّ وضعنا أيام الاحتلال كان أفضل كثيرا مما صرنا عليه الآن!!.. قتل الله الجهل، هذه البحوث منشورة منذ أكثر 40 عاما، ولكن لا حياة لمن تنادي!_ هل تعلم)

بالمناسبة: كلام فريري عن نموذج المدرسة البنك، لا يختلف جوهريا عن كلام ألفين توفلر عن نموذج المدرسة المصنع.. اسمح لي أن أنقل لك بتصرف بعض كلامه هنا لاتساقه مع السياق.. كان توفلر يتكلّم عن سمات الحضارة الصناعية (الموجة الثانية من الحضارة) فكان منها:
- التوحيدُ القياسيُّ والنمطيّة:
ولم يقتصرْ ذلك على توحيدِ أنظمةِ قياسِ الأطوالِ والأوزانِ والنظمِ النقديّة، بل امتدَّ أيضًا إلى التعليم، إذ تطلّبتِ الصناعةُ نوعًا معيّنًا من التعليم، بحيثُ يُؤهّلُ المرءَ لأداءِ دورٍ معيّنٍ على (خطِّ التجميع).. لهذا تضمّنَ منهجُ التعليمِ ـ بالإضافةِ إلى القراءةِ والكتابةِ والمعارفِ الأساسيّةِ ـ ثلاثةَ أهدافٍ هامّة:
1- التدرّبَ على الالتزامِ بالمواعيد: لأنَّ العملَ في المصنعِ يتطلّبُ عمالا يَصِلونَ في موعدِهم.
2- طاعةَ الرئيس: لأنَّ العملَ في المصنعِ يتطلّبُ عمالا يتلقَّوْنَ التعليماتِ من رؤسائِهم وفقًا للتسلسلِ الوظيفيّ فيطيعونها دونَ تساؤلٍ أو استفسار.
3- التعوّدَ على العملِ المتكرّر: لأنَّ العملَ في المصنعِ يتطلّبُ رجالا على استعدادٍ للعملِ كعبيدٍ للآلةِ أو المكتب، يقومونَ بالعملِ المتكرّرِ كلَّ يومٍ دونَ احتجاجٍ أو تذمّرٍ أو ملل.
ليسَ هذا فحسب، بل لعبتْ وسائلُ الإعلامِ الجماهيريِّ دورًا هامًّا في تكريسِ صورةِ التوحيدِ القياسيّ، حيثُ يقرأُ أو يرى ملايينُ البشرِ في نفسِ الوقتِ نفسَ الإعلاناتِ ونفسَ الأخبارِ ونفسَ القصصِ القصيرة، ممّا أدّى إلى اختفاءِ العديدِ من اللهجاتِ المحليّةِ والإقليميّة، بل وبعضِ اللغات.. ومع تعليمٍ هذا عهدُه، وإعلامٍ هذا ديدنُه، تَصبغُ أساليبُ التوحيدِ القياسيِّ كلَّ شيءٍ في الدولةِ بنفسِ الصّبغة: نفسُ محطّاتِ خدمةِ السيارات، نفسُ طرازِ المباني، نفسُ المطاعمِ العامّة.. إلخ.
- التخصّص:
لمْ يقتصرِ التّخصّصُ على مجالِ التعليمِ لإنتاجِ وظائفَ محددّةٍ فحسب، بل إنّه امتدَّ لكلِّ قطاعاتِ المجتمع، فحتّى وظائفُ الأسرةِ قد انتزعتْ منها، وأوكلتْ إلى مؤسّساتٍ متخصّصةٍ جديدة، فأوكلَت رعايةُ الصغارِ إلى الحضانة، وتعليمُ الأطفالِ إلى المدارس، ورعايةُ كبارِ السّنِّ إلى الملاجئِ وبيوتِ العجزةِ أو المصحّات.. وأدّى كلُّ هذا إلى تفتيتِ المجتمعِ والذاتِ الجماعيّةِ والعلاقاتِ الأسريّة، واتساعِ رقعةِ الفرديّة.. فكلُّ إنسانٍ لا يفهمُ غيرَ دورِه على خطِّ التجميع، ولا يهمُّه من الدنيا غيرُ المجالِ الذي تعلّمَه ويعملُ به.. وهو ما أدّى إلى زيادةِ التباعدِ الاجتماعيّ، بل وربّما إلى فقدانِ الإنسانيّة!
- المصنعُ في كلِّ مكان: سيطرتْ صورةُ المصنعِ على جميعِ التنظيماتِ الاجتماعيّةِ الأخرى، كالمدارسِ (كما رأينا فيما سبق) والمستشفياتِ والسّجونِ والمكاتبِ الحكوميّة، والتي راحتْ تستمدُّ خصائصَها من خصائصِ المصنع: تقسيمِ العمل، والبناءِ الوظيفيِّ المتسلسل، والالتزامِ الباردِ بكلِّ ما هو غيرُ شخصيّ.. بل إنَّ الأمرَ ذاتَه امتدَّ إلى الحياةِ الأدبيّةِ والفنّيّة، فبدلا من العملِ تحتَ رعايةٍ حاكمٍ أو كفيلٍ كما كانَ الأمرُ في المجتمعِ الزراعيّ، وقعَ الأدباءُ والممثّلونَ والموسيقيّونَ والمصوّرونَ تحتَ رحمةِ السوق، حيثُ بدأ الفنّانُ يُقدّمُ إنتاجَه لمستهلكٍ مجهول، وبالتالي تغيّرتْ أسسُ الإنتاجِ الفنّيّ لإرضاءِ أذواقٍ قد تكونُ فاسدة، أو محاولةِ تغييرِ الذوقِ العامِّ ليتواءمَ مع اتّجاهاتٍ ثوريّةٍ سياسيّةٍ أو اقتصاديّة.

نعود لكلام فريري، والنظام الذي يقترحه للتعليم هو:
2- التعليم الحواري:
بدلا من التربية البنكيّة التقليدية التي تدعم القهر، يطرح باولو فريري مفهوما جديدا للتربية يدعو للحرية، يعتمد أسلوب التعليم الحواري عن طريق طرح المشكلات على جوهر الوعي وهو الفرضية، بدلا من عمليات نقل المعلومات في التربية البنكية، لتتكوّن التربية الحوارية من عمليات معرفية إدراكية تعتمد على فاعلية التلاميذ وإيجابيتهم.
يقوم هذا الأسلوب على أساس مفهوم للإنسان وعلاقته بالعالم.. فلا يوجد إنسان مجرّد أو عالم بدون بشر، بل يوجد بشر في تفاعل وارتباط مع العالم.. فالوعي والعالم متلازمان.
يقضي أسلوب طرح المشكلات على الثنائية بين المدرّس والتلاميذ.. فعن طريق الحوار يختفي مفهوم معلّم التلاميذ وتلاميذ المعلّم، ويظهر مفهوم المعلّم التلميذ والتلاميذ المعلّمون، فلا يصبح المعلّم هو الشخص الذي يقوم بالتدريس، بل الشخص الذي يتعلّم أيضا من خلال حواره مع التلاميذ، وهؤلاء بدورهم يعملون في الوقت الذي يتعلّمون فيه (سامع؟.. يجب الربط بين التعلم والعمل باكرا في شخصية الطفل_ هل تعلم).. أي أنّ المعلّم والتلاميذ يشاركون في عمليّة ينمون فيها جميعا.
كذلك تقضي التربية الحواريّة على ثنائيّة (عمل المدرّس)، ففي طريقة طرح المشكلات يكون المدرّس دارسا متعلّما باستمرار، سواء أكان يحضر درسه أم يدرسه لتلاميذه، ولا يعتبر المعلومات ملكا له، بل مادة للتأمّل والتفكير يتعامل معها هو وتلاميذه، ويتحوّل التلاميذ من مستمعين سلبيين إلى باحثين مشاركين في حوار مع المدرّس، الذي يطرح المادّة العلميّة أمام التلاميذ لكي يفكروا فيها، ويعيد هو التفكير في تصوراته ومفاهيمه في ضوء مناقشتهم.
يتضمّن التعليم عن طريق المشكلات كشفا مستمرّا للحقيقة والحياة، يعرض التلاميذ باستمرار لمشكلات تتعلّق بحياتهم وبالعالم.. وبذلك يحسّ التلاميذ بالتحدّي المستمرّ والرغبة في مواجهة هذا التحدّي والتغلّب عليه، وتصبح عمليّة التعلّم ذات مغزى، ويختفي الإحساس بالغربة وانفصال التعليم عن الواقع.
نستخلص مما سبق أنّ التربية عن طريق طرح المشكلات هي تربية ثوريّة مستقبليّة، تتفق مع الطبيعة التاريخيّة للإنسان، وتؤكّد على تقدّمه وتطلّعه للأمام، وعلى أنّ الجمود يمثّل خطرا ماثلا للإنسان، وأنّ النظر إلى الماضي ينبغي أن يكون فقط وسيلة لفهم حقيقة الوجود وبناء المستقبل (العلمانيون يرفضون الماضي جملة وتفصيلا!!_ هل تعلم)
هذه التربية الحواريّة تهدف إلى أن يحقّق الإنسان إنسانيته، ولا يتمّ ذلك في عزلة أو بطريقة فرديّة، ولكن في جماعة متكافئة، تقوم على أساس أنّ الإنسان المستعبد يجب أن يقاتل في سبيل حريته.
وهذا المنهج يمكن كلا من الطلبة والمدرسين من تجاوز ظاهرة الاحتكار الثقافيّ، ويمكّن الرجال من تجاوز الخضوع التصورات الكاذبة عن العالم، فالكلمة في هذا المنهج لا تفسر بكلمة كاذبة، وإنّما هي وسيلة لتطوير الرجال من أجل تحقيق إنسانيتهم، وبذلك لا يستطيع القاهرون أن يستفيدوا من هذا النظام أو يستخدموه لتكريس القهر، ذلك أنّ نظام القهر لا يسمح للمتعلّم بالسؤال.. أمّا في ظلّ النظام الثوريّ القائم على منهج طرح المشكلات، فباستطاعة الإنسان أن يتساءل.
انتهى النقل.

لي تعليقات حول تعليم فريري الحواري:
1- هل يمكن هذا الحوار في فصل به 70 طالبا؟
2- هل يمكن عقلا إمكان قيام هذا النظام في مدارس محددة الحصص والمناهج والفصول الدراسية والامتحانات...... إلى آخر مفردات النظام الحالي؟
3- إذا اقترح أحد تقليل كثافة الفصل إلى مجموعات لا تزيد عن 15 طالبا (الخُمس)، أفلن يتطلّب هذا مضاعفة عدد المدرسين خمسة أضعاف عددهم الحالي على الأقلّ، مما يعني أنّ هذا التعليم سيؤدي إلى إشهار إفلاس الدول التي تتبناه؟!
4- ألم يكن نظام العالم والمريد في الحضارة الإسلامية وما سبقها هو خير تطبيق للتعليم الحواري، إلى أن جاءنا دعاة التنوير (التزوير) بنفاية الغرب؟
5- يحتوي تصور فريري على مغالطة كبيرة، فالحوار لا يمكن أن يكون مستقلا ومحايدا مع الأطفال، وهذا يضعهم تحت تأثير المدرس وعقله وذاكرته والمنظومة التي يحملها في شخصيته (وقد تكون قمعية)، مما يدفعنا للتذكير مرّة أخرى بحقّ كلّ أسرة في حماية أبنائها وواجبها في التدخّل لحمايتهم من الأفكار التي تراها مدمرة لهم (ناهيك عن أنّ حكوماتنا لن تسمح بفقدان سيطرتها على العقول، وترك المعارضين لبرمجة الأجيال الجديدة على هواهم!!).
6- ألا يقودنا كلّ هذا لحتمية تفكيك المدارس تبعا للنظام الذي اقترحته أنا، لتتولى الدولة الإشراف وتترك للأسرة والمتعلّم حرية التطبيق وحقّ الاختيار؟

mmaghm
24-01-2005, 08:13 PM
ياليل مااطولك

هل تعلم
27-01-2005, 10:05 PM
mmaghm:
شكرا لمرورك.. وأرجو أن تستغلّ طول الليل للقراءة بتأنّ، فربّما تصادف فكرة تنفعك!
بالمناسبك: أرى أنّ لك 16221 مشاركة.. لعلّها لا تكون جميعا تغنيا بطول الليل!

ثمّ إنّك تذيّل معرّفك بوصفك عاشق القمّة.. الآ تعتقد أنّ ما تعشقه يستحقّ أن تتعب للوصول إليه؟
أم ستكتفي بيا ليل يا عين عشقا بدون سعي؟!
اقرأ!

alshaabi
27-01-2005, 10:31 PM
جزاك الله كل خير اخي الفاضل

ولا اعتقد ان اخيناmmaghm عاشق القمة يقصد طول ما كتبت لكن الواضح جدا انه يقصد ان وصولنا للهدف المنشود هو امر صعب يجعلنا نقول ياليل ما اطولك ليس تغنيا ولكن كناية عن الاستحالة

وفقك الله لكل خير ونفع الله بك

هل تعلم
28-01-2005, 05:42 PM
alshaabi:
شكرا لك.
حتّى لو كان يقصد هذا، فليست تلك هي الطريقة الملائمة لقول ما يريد! (هذا يعيدنا لعيّ وفهاهة خريجي التعليم، فلا يجيد أحدهم لغة القرآن، ولا حتّى لغات الغزاة الذين وضعوا له ذلك النظام!!)
على كلّ حال، أنتظر نقاشا جادا حول الأفكار المطروحة.. على كل منا أن يدرك أن ما نتحدّث عنه هنا هو مصير أبنائه (على المستوى الأصغر) ومصير الأمة كلها (على المستوى الأكبر).
وأرجو ممن يمتلك منكم بعض المصادر عن التعليم أو نظرياته أو تاريخه، أن يذكر روابطها هنا، أو أن يتفضل بتلخيص بعض منها لو كانت لديه كتب بهذا الخصوص.

تحياتي

هل تعلم
30-01-2005, 12:34 AM
مدرسة جديدة:
د. عبد الفتاح تركي:
من الأفكار الشائعة عن التعليم أنّه من أكثر المؤسّسات مقاومة للتغيير.. وإذا كان ذلك حقّا، فإنّه ينطبق أيضا على كلّ مؤسسة تمسّ وظائفها حياة الناس على مدى سنين طويلة.. فحينما يألف الناس وجود مؤسسة ما بينهم، يصبح وجودها جزءا لا يتجزّأ من حياتهم.. وكلّما كانت وظيفة المؤسسة وثيقة الصلة بحياة كلّ يوم، كان تغلغلها في حياة الناس كبيرا ـ وهذا يصدق على المدرسة ـ ومن ثمّ يصعب تصوّر الحياة بدونها!
ومن أشهر الدراسات التي تعرّضت لقضيّة المؤسسات في حياة البشر، الدراسة التي قام بها إيفان إيلتش Ivan Illich والتي احتواها كتابه "مجتمع بلا مدارس"..
ففي هذه الدراسة يوضّح هذا المفكّر طغيان المؤسسات في المجتمع الحديث، ويصل هذا المفكّر إلى حد المناداة بتخليص المجتمع من المدارس لإعادة الحرّيّة إلى الناس، حيث تحتكر المدرسة التعليم دون أن تقوم عليه خير قيام!
ويحتاج تقبّل مثل هذه الدعوة خيالا عظيما، لتصور إمكانية أن تستمر حياة المجتمع وحياة الناس فيه دون أن تقوم على تربية الصغار مدارسٌ ألفنا وجودها عشرات السنين!
فما هي أهمّ الخصائص التي نريدها في المدرسة الجديدة؟
1- خصائص بنيوية:
أوّل الخصائص البنيوية للمدرسة باعتبارها وسيطا تربويا، هو جعل مبدأ التربية المتكاملة المقوّم الأساسيّ الذي ينتظم نشاط هذه المدرسة.. ويعني هذا أن تتحقّق للمؤسّسات وحدتها أفقيا وراسيا.
أ. وحدة المؤسسات التعليمية أفقيا:
تعني اختفاء الازدواجية الحالية، وأخطرها انقسام المدارس بين عامّة وفنّيّة.. فهذه الازدواجيّة تقوم على التسليم بأنّ الناشئة ينبغي قسمتهم بين أهل نظر وأهل عمل.. بين من يؤهلون للعمل الذهني ومن يؤهلون للعمل اليدويّ.
وهذا تقسيم باطل، فالإنسان قابل أن يتوجّه هذه الوجهة أو تلك.. أو أن يجمع بينهما وهو أكمل الحلول التي تتفق مع الطبيعة البشريّة كما هي في حقيقتها.
وهناك من المجتمعات ما حاول بلوغ تلك الوحدة، عن طريق ما يعرف باسم "المدرسة الشاملة".. هذه المدرسة تتوحّد داخلها مدرسة التعليم العامّ والفنّيّ، لتقدم تربية متوازنة، تسمح للإنسان بأن يفكّر ويعمل في ذات الوقت.

ب. وحدة المؤسسات التعليمية رأسيّا:
وتستند أيضا على مبدإ احترام وحدة الذات الإنسانية، وتعني اختفاء التقسيم التقليديّ لمراحل التعليم: ابتدائيّ، إعدادي، ثانويّ.
إنّ بقاء هذا التقسيم مرتبط ببقاء وسيطرة النظرة التي ترى في البشر طبائع متمايزة، يؤهّل بعضها للمكانة العليا، بينما يقصر البعض الآخر عن ذلك.. فبدلا من هذا التقسيم التعسّفيّ، تنشأ بنية مرنة تتسم باستمراريّة المستويات، التي تكون بنيتها الرأسية.. مستويات تجيب عن حاجة النمو الجسميّ والعقليّ والنفسيّ للناشئة، وليس على متطلبات التقسيم العمري الذي لا يعني شيئا، والمعمول به حاليا!!
((التقسيم العمري الغبيّ الحالي، يصيب الطالب الأقل من المتوسط بالإحباط ويدمره نفسيا، بينما يحنق الطالب الأعلى من المتوسط ويدفعه لاحتقار التعليم!! _ هل تعلم))
ولنا أن نتخيّل مدى المرونة في بنية المؤسسات التعليميّة لبجديدة حينما نتخلص من الحشو الزائد الذي يكبّل حركتها اليوم، وحين تعكف على التربية الحقيقية التي يقوم فيها النشء بالدور الرئيسيّ، فيمضي في طريق نموّه وتعليمه واكتسابه للمهارات الفعلية وممارسته للعمل الحقيقيّ، دون أن تكبّله الأغلال والقيود الحالية.
ولنا أن نتخيل ناشئا ينصرف إلى إتقان العزف على آلة موسيقية ((مع التحفظ على المثال.. عموما هو ينطبق على المواهب والمهارات بشكل عام _ هل تعلم))، ويهتمّ في نفس الوقت بدراسة الموسيقى، دون أن يهمل تنمية جسمه، ودون أن يفقد صلته بالعمل المنتج.. لنا أن نتخيل هذا الناشئ يمضي في طريقه إلى آخره، دون أن يتعرّض لتبديد طاقته فيما لا يسهم في دعم إبداعه الموسيقي.
إنّ ناشئا كهذا يحقّق مستوى راقيا من إتقان المهارات المتعلّقة بهذا الفنّ في وقت قياسيّ قد لا يزيد عن السنتين أو الثلاث.
ج. مرونة البنية المدرسية الجديدة:
تتأكد من خلال التيسيرات التي تسمح بتجاوز القوالب الجامدة التي اشتهر بها النظام التعليميّ التقليديّ.. ومن هذه التيسيرات التخلّص من قيود السنّ، حيث يسمح لطالب العلم بأن يتردّد على المؤسسة التعليميّة التي تقدّم ما يناسبه في أيّ وقت يشاء، وأن يتركها أيضا حينما يشاء ((هذا مستحيل في تركيب المدارس الحالية، بسبب الفوضى التي ستحدث في أعداد الطلبة بالفصول والمدرسين المطلوبين وتنظيم الجداول.. ولا يمكن أن يحدث إلا بتفتيت الشهادات بالطريقة التي اقترحتها _ هل تعلم))
ومن التيسيرات أيضا، السماح لطالب العلم بأن ينخرط في المستوى التعليميّ الذي يناسبه، دون أن يطلب منه تقديم الدليل على مروره بالمستويات السابقة.. فطالما كان بمقدور طالب العلم أن ينتظم في مستوى تعليميّ يرى فيه تحقيقا لاهتماماته ودعما لرصيده من المعرفة والمهارات، فيجب ألا تصدّ عن ذلك أيّ شروط ((هذا بالضبط هو مفهوم الشهادات المفتتة التي اقترحتها _ هل تعلم)).
ويجب أن يسمح للطالب بالانتقال من مجال دراسيّ لآخر، طالما كان ذلك عن رغبة واهتمام منه.. والمعيار الوحيد للسماح للطالب بالاستمرار في مجال دون آخر، هو تحقيقه لذاته واكتساب المهارة والخبرة والمعرفة، والقدرة على توظيف هذا الرصيد في إنجاز عمل حقيقيّ.

د. انفتاح المؤسسات التعليمية على مجالات العمل والإنتاج:
يعني إنهاء العزلة الحاليّة التي تعيشها مدارسنا.. وفي إطار التيسيرات السابقة، يمكن للطالب أن يختلف إلى أماكن العمل والإنتاج أثناء دراسته.. فالتعلّم ليس من أجل التعلم، وإنّما من أجل تنمية قدرة الإنسان على تحقيق ذاته، من خلال العمل الفعليّ، وتوظيفه لرصيده المعرفيّ والمهاريّ.. ونلمح هنا كيف لا يمكن تحقيق ذلك إلا في إطار التغييرات الجذريّة لبنية المؤسسات التعليمية ((كما ترى: الشكل المثالي لتطبيق هذه الأطروحات، هو ترك التعليم والعمل للعرض والطلب وتفتيت الشهادات كما اقترحت، _هل تعلم)).
هـ. تأسيس التقويم على مبدأ تشخيص الصعوبات:
التي تعترض نمو الطالب وتؤخر نجاحه في بلوغ مستوى التعليم.. وهذا هو نقيض ما نسعى إليه اليوم من وراء التقويم!
((في النظام الذي أقترحه، ستعود مهام المتابعة والدعم للأسرة والمتعلّم نفسه، ولن تكون ثمّة مشكلة في تقييم التحصيل بالدرجات والتطبيق العمليّ، لأنّ هناك حرية كاملة من المتعلم في إكمال أو تغيير المواد التي يتعلمها، واللجوء للشخص أو الوسيط الذي يراه مناسبا لمساعدته في الاختيار والتعلّم))
ويسمح هذا القلب لوظيفة التقويم، بتخليص العمل التربوي من أخطر عوامل فشله، وهو استحواذ الامتحان على الاهتمام في كلّ جوانب العمل التربوي، للدرجة التي تجعل منه هدفا مطلوبا لذاته، على حساب بقية أهداف التربية!
و. اختفاء الحاجة على إصدار الشهادات الدراسية:
فطالب العلم هو في ذات الوقت ممارس العمل، وجدارته تفصح عن نفسها من خلال أدائه لهذا العمل، وقدرته على توظيف رصيده المعرفيّ والمهاريّ.. ومعنى هذا أنّ الجهة المسئولة لها القول الفصل في الحكم على كفاءة طالب العلم الذي يمارس عمله لديها، وليس الجهة التي وفّرت له فرصة التعلّم.
((من وجهة نظري أنّ هذه الأطروحة هي التي عاقت هذه الأفكار عن التطبيق في الأعوام الماضية.. فإلغاء الشهادات يلغي دور الدولة ويجعل العملية منفلتة وبلا ضوابط، ولا يمكن تصورها أصلا!!.. لهذا فإنّ اقتراحي للشهادات المفتتة يقدم الموازنة المفقودة بين الأسرة والفرد والسوق والدولة.. وهو يسمح بتطبيق باقي الأطروحات، دون تقليل من حجم الشهادات، ودون أن تستعبد طالبها _هل تعلم))

نكمل هذا الطرح لاحقا بإذن الله.

هل تعلم
07-02-2005, 09:20 PM
نواصل مع د. عبد الفتاح تركي:

2-2: التعلّم عمل:
مبدأ بسيط تناسته المدرسة التقليدية، هو أنّ التعليم الحقيقيّ إتقان لعمل يعود بالنفع على الإنسان وعلى جماعته.. وحينما تنقطع الصلة بين التعليم والعمل بما تعلّمناه، يتوقّف التعلم الحقيقيّ، ليحلّ محلّه عبث لا طائل من ورائه.
يكون التعلّم حقيقيّا حينما يعكف الإنسان على تعلّم السباحة ـ على سبيل المثال ـ فيتقن مهاراتها بالتدريج إلى أن يمارسها باقتدار.. وهو حينما ينجح في ذلك، فإنّه يقرن التعلّم واكتساب المهارات المتعلّقة بهذا اللون من الرياضة، بالممارسة الفعليّة، أي العمل وفق ما يتعلّمه كلّ يوم، إلى أن يصير التعلّم التامّ قرينا بالممارسة الكاملة الصحيحة للسباحة.. ويستطيع الإنسان أن يقيس على ذلك أشكالا عديدة من التعلّم الحقيقيّ الذي تمتلئ به الحياة ((حدث هذا معي حينما بدأت أكتب الأدب في مراهقتي، فأقبلت على قراءة الأدب، وكذلك العلم (فقد كنت أكتب الخيال العلميّ) وهو ما دفعني لحبّ مناهج الفيزياء والكيمياء.. كما اهتممت بكلّ المعلومات التي درستها في اللغة العربيّة لتقوية لغتي، لهذا كنت أكثر من استفاد بهذه المناهج، رغم أنّ جميع من أعرفهم متفقون على قبح مناهج اللغة العربية وعدم جدواها!!.. وكنت أحمل معي المعجم يوميّا للمدرسة، لأستغلّ الفترات بين الحصص والفسحة لأحفظ بعض الكلمات الجديدة منه.. هذا بخلاف كتابة آلاف المحاولات في الشعر والخواطر والقصة والرواية والمقال.. لكن للأسف كلّ هذا المجهود كان يبدو للمجتمع أنّه ضد العمليّة التعليميّة، ووضعني في مواجهات وصراعات يومية مع الأهل والأقارب والناصحين من المدرّسين!!.. فقد كانت تضحيتي ببعض الدرجات في سبيل التعلّم وتنمية المهارات ضربا من الجنون، رغم أنّ الفارق كان درجة أو درجتين!!.. نفس هذا الأمر تكرّر بحذافيره عندما أقبلت بشغف على عالم البرمجة.. إنّ نظام التعليم الحاليّ ليس فقط خاليا من التعليم!!، بل ويحاربه باستماتة!! _هل تعلم))
أمّا العبث، فهو أن يبدّد الإنسان طاقته بلا هدف في حفظ أشتات من المعارف، يحتفظ بها في ذاكرته سنينَ انتظارا لأن تسعفه يوما بما يعينه في عمل يقوم به أو صعوبة تواجهه.. ولا مبالغة إذا قلنا إنّه باستثناء المهارات الأساسيّة التي تتشكّل لدينا في بداية تعاملنا مع التعليم النظاميّ، فإنّ ما يأتي بعد ذلك هو من قبيل هذا العبث.
ولكي يستقيم الأمر ـ أي لكي يتحوّل الجهد المبذول من أجل بناء أجيالنا إلى تعلّم حقيقيّ ـ لا بدّ أن يكون الشعار الأوّل لمؤسساتنا التعليميّة هو: "التعليم عمل".. وترجمة هذا الشعار إلى ممارسة فعلية يقضي بأن يخطّط للتعليم من خلال التخطيط للعمل والإنتاج، بحيث تصبح المؤسسة التعليميّة جزءا لا يتجزّأ من مراكز العمل والإنتاج.. ولا يمكن بلوغ هذا الهدف باللجوء إلى الحلول التسكينيّة، مثل إدخال التدريبات العمليّة في المدارس أو الأخذ بفكرة المجالات كما هو الحال في التعليم الأساسيّ ((أو تطبيق فكرة المدرسة المنتجة ـ كما يحدث الآن في مصر على الورق ـ بدون خطط حقيقيّة بل ودون أن تتوفر للمدارس المساحات المطلوبة حتّى لعمل طابور الصباح!! _هل تعلم)).. واللجوء إلى مثل هذه الحلول غير الناجعة بالطبع، يزيد من عزلة المدرسة عن حياة العمل والإنتاج، نظرا لاستحالة أن تكون هذه الممارسات ممارسات لعمل حقيقيّ، بل كثيرا ما تتحوّل هذه الإجراءات إلى مجرّد طقوس مدرسيّة تعطي للغار صورة مشوّهة وغير حقيقيّة عن العمل ومتطلّباته!
وهناك العديد من التجارب الناجحة في هذا الصدد.. فبالإضافة إلى ما يعرفه كلّ إنسان مارس بنفسه التعلّم لإتقان عمل بعينه، توجد لدينا مؤسسات تعليمية تصدر في عملها على أساس أنّ التعلّم عمل.. في مجتمعنا اليوم هناك نظام التلمذة الصناعية الذي يأخذ به مرفق السكك الحديدية، حيث ينخرط الصغار منذ الثانية عشر في الأعمال الفنية التي تمارس في وحدات الصناعة بهذا المرفق، ليتحوّلوا من خلال التعلّم القائم على العمل إلى فنيين مهرة.
ولدينا أيضا تجربة شركة كيما بأسوان، حيث تعدّ الفنّيين بمدرسة ملحقة بمصانعها تقرن التعلّم بالعمل.
ولسنا بحاجة إلى الحديث عن النتائج الإيجابيّة التي تنجم بالضرورة عن تأسيس عملنا التربويّ على هذا المبدأ التربويّ البسيط: "التعلم القائم على العمل".. إنّ إعمال هذا المبدأ يجنّبنا الأزمة الطاحنة التي توشك أن تدفع بمجتمعنا إلى الكارثة، وهي أزمة البطالة.. حيث تقذف الآلة التعليميّة كلّ عام بألوف من الشباب الذي لا يجد فرصة عمل، والذي هو في الحقيقة لا يقدر على العمل!! (أعلن رئيسا الوزراء السابق والحالي، أنّ التعليم المتوسّط والجامعي يخرّج لسوق العمل سنويا حوالي 600 ألف خريج، ستوفّر الحكومة فرص العمل لـ 150 ألفا منهم (أفلح إن صدق)!! _هل تعلم))
بل إنّ التعلّم المقترن بممارسة العمل الحقيقيّ يفتح أمامنا باب التنمية الشاملة لمجتمعنا على مصراعيه، حيث لن يكون هناك من تعلّم إلا وهو مرتبط بمجال أو بآخر من مجالات العمل والإنتاج.
إنّ مراكز إنتاجيّة تنشأ على طول سواحلنا البحرية العظيمة تعمل على استثمار وتنمية ثرواتنا البحرية، وترتبط بها مؤسسات تعليمية تشكّل كوادرها الفنّيّة والإداريّة والعلميّة، لهو واحد من مئات المجالات التي تجسّد فكرتنا عن مبدإ ارتباط التعلّم بالعمل، والتخطيط للتعليم في إطار التخطيط الشامل لتنمية مجتمعتنا.
والتعليم العالي الذي يعمل على أساس هذا المبدإ، تتحوّل ممارساته التعليميّة والبحثيّة إلى نشاطات تسهم في تطوير الإنتاج، وتخليصه من معوّقاته، وابتكار الحلول والبدائل الواقعيّة.. فبدلا من أن نفتعل البحوث ـ كما هو الحال في النظام التعليميّ الحاليّ ـ دون أهداف حقيقيّة لنصل إلى نتائج لا طائل منها، تتخذ هذه الأبحاث من مشكلات العمل الحقيقيّ منطلقا لها، فتبلغ بذلك من نتائج هي من صميم عوامل النجاح للتنمية وتحقيق أهدافنا القومية.. ولنا أن نتصوّر كيف تكون النتائج لوحدات البحث العالي المرتبطة بمجال الإنتاج الزراعيّ في الوادي وفي الأراضي التي نستنقذها من البوار، مثمرة وفعالة وعلمية!
((في النظام الذي أقترحه، سيكون تطبيق هذا الأمر أكثر مرونة، عن طريق اجتياز بعض الدورات التدريبية التي تقيمها المصانع ومراكز البحوث، دون الاضطرار إلى الالتصاق بها طيلة العمر، مما يسمح بسرعة وسهولة تغيير مجال العمل إذا تطلّب الأمر _ هل تعلم))
وليس هناك تعارض بين إعمال مبدإ التعلم القائم على العمل، والحاجة الجديدة إلى أن يغيّر الفرد من عمله أكثر من مرّة خلال حياته لمواجهة التطورات التقنية المتسارعة.. ففي ظلّ العزلة الحاليّة للمدرسة التقليديّة يصعب مواجهة هذه الحاجة، نظرا لعدم مباشرة محتوى التعليم لهذه التطوّرات.. أمّا في ظلّ بنية تعليميّة تؤسّس على مبدإ التعلّم القائم على العمل، فإنّ تجديد الإنسان لمهاراته ومعلوماته يصبح أمرا طبيعيّا، فهو لم يفارق العمل في الوقت الذي يتعلّم فيه.