بن سعيد
11-03-2005, 07:35 PM
خصائص العقيدة الإسلامية
أ . د / عبد الله بن عبد العزيز الجبرين
خصائص العقيدة الإسلامية :
الخصائص جمع خصيصة . والخصيصة هي الصفة الحسنة التي يتميز بها الشيء ولا يشاركه فيها غيره .
وخصائص العقيدة الإسلامية كثيرة ، نكتفي بذكر ثلاث منها :
1 - أنها عقيدة غيبية :
الغيب : ماغاب عن الحس ، فلا يدرك بشيء من الحواس الخمس : السمع والبصر واللمس والشم والذوق .
وعليه فإن جميع أمور ومسائل العقيدة الإسلامية التي يجب على العبد أن يؤمن بها ، ويعتقدها غيبي ، كالإيمان بالله ، وملائكته ، وكتبه ، ورسله ، واليوم الآخر ، والقدر ، وعذاب القبر ونعيمه ، وغير ذلك من أمور الغيب التي يعتمد في الإيمان بها على ما جاء في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم .
وقد أثنى الله تعالى على الذين يؤمنون بالغيب ، فقال سبحانه وتعالى في صدر سورة البقرة : ] ذَلِكَ الكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ [ . ( البقرة : 2-3 ) .
2 - أنها عقيدة شاملة : ويتضح شمول العقيدة في الأمور الثلاثة الآتية :
الأول : شمول العبادة ، فالعبادة : اسم جامع لكل مايحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة .
فالعبادة تشمل العبادات القلبية ، كالمحبة ، والخوف ، والرجاء ، والتوكل ، وتشمل العبادات القولية كالذكر والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وقراءة القرآن ، وتشمل العبادات الفعلية كالصلاة ، والصوم ، والحج ، وتشمل العبادات المالية ، كالزكاة ، وصدقة التطوع .
وتشمل كذلك الشريعة كلها ، فإن العبد إذا اجتنب المحرمات ، وفعل الواجبات والمباحات مبتغياً بذلك وجه الله تعالى كان فعله ذلك عبادة يثاب عليها . وسيأتي الكلام على هذه المسألة بشيء من التفصيل عند الكلام على توحيد الألوهية .
الثاني : أنها تشمل علاقة العبد بربه ، وعلاقة الإنسان بغيره من البشر ، وذلك في مباحث التوحيد بأنواعه الثلاثة ، وفي مبحث الولاء والبراء ، وغيرها .
الثالث : أنها تشمل حال الإنسان في الحياة الدنيا ، وفي الحياة البرزخية ( القبر ) ، وفي الحياة الأخروية .
3 - أنها عقيدة توقيفية :
فعقيدة الإسلام موقوفة على كتاب الله ، وماصح من سنة رسوله محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم . فليست محلاً للاجتهاد ؛ لأن مصادرها توقيفية .
وذلك أن العقيدة الصحيحة لابد فيها من اليقين الجازم ، فلابد أن تكون مصادرها مجزوم بصحتها ، وهذا لا يوجد إلا في كتاب الله وما صح من سنة رسوله صلى الله عليه وسلم .
وعليه فإن جميع المصادر الظنية ، كالقياس والعقل البشري لايصح أن تكون مصادر للعقيدة ، فمن جعل شيئاً منها مصدراً للعقيدة فقد جانب الصواب ، وجعل العقيدة محلاً للاجتهاد الذي يخطئ ويصيب .
ولذلك ضل من ضل من أهل الكلام كالجهمية ، والمعتزلة ، والأشاعرة ، حينما جعلوا العقل مصدراً من مصادر العقيدة ، وقدموه على النصوص الشرعية ، حتى أصبح القرآن والسنة عندهم تابعين للعقل البشري ، وهذا انحراف عن الصراط المستقيم ، واستهانة بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، وتلاعب بعقيدة الإسلام ، حيث جعلوها خاضعة لآراء البشر واجتهاداتهم العقلية .
والحق أن العقل مؤيد للنصوص الشرعية ، فالعقل الصريح يؤيد النص الصحيح ، ولا يعارضه ، وما توهمه المعطلة والمؤولة من التعارض بينهما فهو بسبب قصور عقول البشر ، ولذلك فإن ما قد يراه أحدهم متعارضاً قد لايراه الآخر كذلك ، وهكذا
وعليه فإن العقل يعد مؤيداً للنصوص الشرعية في باب العقائد وغيرها ، وليس مصدراً من مصادر العقيدة ، ولايجوز أن يستقل بالنظر في أمور الغيب ، ولا فيما لايحيط به علما ، والبشر لايحيطون علماً بالله ولا بصفاته ، كما قال تعالى : ] وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً [ ( طه : 110 ) [
وسطية أهل السنة والجماعة :
عقيدة أهل السنة والجماعة والتي هي عقيدة الإسلام الصحيحة وسط بين عقائد فرق الضلال المنتسبة إلى دين الإسلام ، فهي في كل باب من أبواب العقيدة وسط بين فريقين آراؤهما متضادة ، أحدهما غلا في هذا الباب والآخر قصر فيه ، أحدهما أفرط والثاني فرّط ، فهي حق بين باطلين ، فأهل السنة وسط أي عدول خيار بين طرفين منحرفين في جميع أمورهم .
وسأذكر خمسة أصول عقدية كان أهل السنة والجماعة وسطا فيها بين فرق الأمة :
الأصل الأول : باب العبادات :
توسط أهل السنة في هذا الباب بين الرافضة والصوفية وبين الدروز والنصيريين .
فالرافضة والصوفية يعبدون الله بما لم يشرعه من الأذكار والتوسلات ، وإقامة الأعياد والاحتفالات البدعية ، والبناء على القبور والصلاة عندها والطواف بها والذبح عندها ، وكثير منهم يعبد أصحاب القبور بالذبح لهم أو دعائهم أن يشفعوا له عند الله أو يجلبوا له مرغوباً أو يدفعوا عنه مرهوبا .
والدروز والنصيريون الذين يسمون العلويون تركوا عبادة الله بالكلية ، فلا يصلون ، ولايصومون ، ولايزكون ، ولايحجون .. إلخ .
أما أهل السنة والجماعة فيعبدون الله بما جاء في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، فلم يتركوا ما أوجب الله عليهم من العبادات ، ولم يبتدعوا عبادات من تلقاء أنفسهم ، عملاً بقول النبي : " من أحدث في أمرنا هذا ماليس منه فهو رد " متفق عليه [، وفي رواية لمسلم : " من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد " وقوله عليه الصلاة والسلام في خطبته : " أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله ، وخير الهدي هدي محمد ، وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة " رواه مسلم .
الأصل الثاني : باب أسماء الله وصفاته :توسط أهل السنة والجماعة في هذا الباب بين المعطلة ، وبين المشبهة والممثلة .
فالمعطلة منهم من ينكر الأسماء والصفات ، كالجهمية ، ومنهم من ينكر الصفات كالمعتزلة ، ومنهم من ينكر أكثر الصفات ، ويؤولها ، كالأشاعرة ؛ اعتماداً منهم على عقولهم القاصرة ، وتقديما لها على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، فيعرضون النصوص الشرعية على عقولهم فما قبلته قبلوه ، ومالم تقبله ردوه أو أولوه ، وعدوا ذلك تنزيهاً ، فجعلوا النصوص محكوماً عليها ، لا حاكمة على غيرها ، فيجعلون العقل وحده أصل علمهم ، ويجعلون القرآن والسنة تابعين له والمعقولات عندهم هي الأصول الكلية الأولية ، المستغنية بنفسها عن النصوص الشرعية . ولذلك حكموا بوجوب أشياء ، وامتناع أشياء أخرى في حق الله تعالى ، لحجج عقلية بزعمهم ، اعتقدوها حقا ، وهي باطل ، وعارضوا بها نصوص القرآن وسنة المعصوم صلى الله عليه وسلم ، حتى قال قائلهم :
وكل نص أوهم التشبيها أوله أو فوض ورم تنزيها ]
والمشبهة والممثلة يضربون لله الأمثال ، ويشبهونه بالمخلوقات ، كقول بعضهم : " يد الله كيدي " و " سمع الله كسمعي " تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً .
فهدى الله أهل السنة والجماعة للقول الوسط في هذا الباب ، والذي دل عليه كتاب الله وسنة رسوله ، فآمنوا بجميع أسماء الله وصفاته الثابتة في النصوص الشرعية ، فيصفون الله تعالى بما وصف به نفسه ، وبما وصفه به أعرف الخلق به رسوله محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم من غير تعطيل ولا تأويل ومن غير تشبيه ولا تمثيل ولا تكييف ، ويؤمنون بأنها صفات حقيقية ، تليق بجلال الله تعالى ولاتشبه صفات المخلوقين ، عملاً بقوله تعالى : ] فَاطِرُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَمِنَ الأَنْعَامِ أَزْوَاجاً يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [ ( الشورى : 11 ) .
فأهل السنة يعتمدون على النصوص الشرعية ، ويقدمونها على العقول البشرية ، ويجعلون العقل البشري وسيلة لفهم النصوص الشرعية ، وشرطاً في معرفة العلوم ، وكمال وصلاح الأعمال ، وبه يكمل العلم والعمل ، لكنه ليس مستقلاً بذلك ، فهم قد توسطوا في أمر العقل أيضاً ، فلم يقدموه على النصوص كما فعل أهل الكلام من المعتزلة والأشاعرة وغيرهم ، ولم يهملوه ويذموه كما يفعل كثير من المتصوفة ، الذين يعيبون العقل ، ويقرون من الأمور ما يكذب به صريح العقل ، كما يصدقون بأمور يعلم العقل الصريح بطلانها ممن لم يعلم صدقه [8] .
الأصل الثالث : باب القضاء والقدر :
توسط أهل السنة والجماعة في هذا الباب بين القدرية والجبرية .
فالقدرية نفوا القدر ، فقالوا : إن أفعال العباد وطاعاتهم ومعاصيهم لم تدخل تحت قضاء الله وقدره ، فالله تعالى على زعمهم لم يخلق أفعال العباد ولا شاءها منهم ، بل العباد مستقلون بأفعالهم ، فالعبد على زعمهم هو الخالق لفعله ، وهو المريد له إرادة مستقلة ، فأثبتوا خالقاً مع الله سبحانه ، وهذا إشراك في الربوبية ، ففيهم شبه من المجوس الذين قالوا بأن للكون خالقين ، فهم " مجوس هذه الأمة " .
والجبرية غلوا في إثبات القدر ، فقالوا : إن العبد مجبور على فعله ، فهو كالريشة في الهواء ، لافعل له ولا قدرة ولا مشيئة .
فهدى الله أهل السنة والجماعة للقول الحق والوسط في هذا الباب ، فأثبتوا أن العباد فاعلون حقيقة ، وأن أفعالهم تنسب إليهم على جهة الحقيقة ، وأن فعل العبد واقع بتقدير الله ومشيئته وخلقه ، فالله تعالى خالق العباد وخالق أفعالهم ، كما قال سبحانه : ] وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ [ ( الصافات : 96 ) . كما أن للعباد مشيئة تحت مشيئة الله ، كما قال تعالى : ] وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ العَالَمِينَ [ ( التكوير : 29 ) .
ومع ذلك فقد أمر الله العباد بطاعته ، وطاعة رسله ، ونهاهم عن معصيته ، وهو سبحانه يحب المتقين ، ولايرضى عن الفاسقين ، وقد أقام الله الحجة على العباد بإرسال الرسل وإنزال الكتب ، فمن أطاع أطاع عن بينة واختيار ، فيستحق الثواب الحسن ، ومن عصى عصى عن بينة واختيار ، فيستحق العقاب ، ] وَمَا رَبُّكُ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ [ ( فصلت : 46 ) .
فأهل السنة يؤمنون بمراتب القضاء والقدر الأربع الثابتة في الكتاب والسنة ، وهي :
1 - علم الله المحيط بكل شيء ، وأنه تعالى عالم بما كان وما سيكون ، وبما سيعمله الخلق قبل أن يخلقهم .
2 - كتابة الله تعالى لكل ما هو كائن في اللوح المحفوظ قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة .
3 - مشيئة الله النافذة ، وقدرته الشاملة ، فما شاء كان ، وما لم يشأ لم يكن ، وأن كل ما يقع في هذا الوجود قد أراده الله قبل وقوعه
4 - أن الله خالق كل شيء ، فهو خالق كل عامل وعمله ، وكل متحرك وحركته ، وكل ساكن وسكونه [9] .
وقد نظم بعضهم هذه المراتب بقوله :
علم كتابة مولانا مشيئته كذاك خلق وإيجاد وتكوين
الأصل الرابع : باب الوعد والوعيد :
توسط أهل السنة والجماعة في هذا الباب بين الوعيدية وبين المرجئة .
فالوعيدية يغلبون نصوص الوعيد على نصوص الوعد ، ومنهم الخوارج الذين يرون أن فاعل الكبيرة من المسلمين كالزاني وشارب الخمر كافر مخلد في النار .
والمرجئة غلبوا نصوص الرجاء على نصوص الوعيد ، فقالوا : إن الإيمان في القلب ، وأن الأعمال ليست من الإيمان ، فلا يضر مع الإيمان معصية ، فالعاصي كالزاني ، وشارب الخمر لا يستحق دخول النار ، وإيمانه كإيمان أبي بكر وعمر رضي الله عنهما .
أما أهل السنة والجماعة فيرون أن المسلم إذا ارتكب معصية من الكبائر لا يخرج من الإسلام ، بل هو مسلم ناقص الإيمان ، ما دام لم يرتكب شيئاً من المكفرات ، فهو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته ، وهو في الآخرة تحت مشيئة الله ، إن شاء عفا عنه ، وإن شاء عذبه حتى يطهره من ذنوبه ، ثم يدخله الجنة ، ولا يخلد في النار إلا من كفر بالله تعالى أو أشرك به .
فالإيمان عند أهل السنة : قول باللسان واعتقاد بالقلب ، وعمل بالجوارح ، يزيد بالطاعة ، وينقص المعصية [10] .
الأصل الخامس : باب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم :
توسط أهل السنة والجماعة في هذا الباب بين الشيعة وبين الخوارج .
فالشيعة ومنهم الرافضة غلوا في حق آل البيت كعلي بن أبي طالب وأولاده رضي الله عنهم فادعوا أن علياً رضي الله عنه معصوم ، وأنه يعلم الغيب ، وأنه أفضل من أبي بكر وعمر ، ومن غلاتهم من يدعي ألوهيته .
والخوارج جفوا في حق علي رضي الله عنه فكفروه ، وكفروا معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما وكفروا كل من لم يكن على طريقتهم .
كما أن الروافض جفوا في حق أكثر الصحابة ، فسبوهم ، وقالوا : إنهم كفار ، وأنهم ارتدوا بعد النبي صلى الله عليه وسلم ، حتى أبو بكر وعمر عند بعضهم كانا كافرين ، ولا يستثون من الصحابة إلا آل البيت ونفراً قليلاً ، قالوا : إنهم من أولياء آل البيت ، كما أنهم يشتمون أمهات المؤمنين ، وأفاضل الصحابة ، وعلى رأسهم أبو بكر وعمر علانية لكنهم قد يترضون عنهم ، ويظهرون موالاتهم لهم تقرباً إلى أهل السنة ؛ لأن من عقائدهم عقيدة التقيَّة فيظهرون لأهل السنة خلاف مايبطنون .
أما أهل السنة والجماعة فيحبون جميع أصحاب النبي ، ويترضون عنهم ، ويرون أنهم أفضل هذه الأمة بعد نبيها صلى الله عليه وسلم ، وأن الله اختارهم لصحبة نبيه ، ويمسكون عما حصل بينهم من التنازع ، ويرون أنهم مجتهدون مأجورون ، للمصيب منهم أجران ، وللمخطئ أجر واحد على اجتهاده ، ويرون أن أفضلهم أبو بكر ، ثم عمر ، ثم عثمان ، ثم علي رضي الله عنهم أجمعين ويحبون آل بيت النبي [] ، ويرون أن لهم حقين : حق الإسلام ، وحق القرابة من رسول الله ، فيوالونهم ، ويترضون عنهم [] .
اخوكم بن سعيد
:sword:
أ . د / عبد الله بن عبد العزيز الجبرين
خصائص العقيدة الإسلامية :
الخصائص جمع خصيصة . والخصيصة هي الصفة الحسنة التي يتميز بها الشيء ولا يشاركه فيها غيره .
وخصائص العقيدة الإسلامية كثيرة ، نكتفي بذكر ثلاث منها :
1 - أنها عقيدة غيبية :
الغيب : ماغاب عن الحس ، فلا يدرك بشيء من الحواس الخمس : السمع والبصر واللمس والشم والذوق .
وعليه فإن جميع أمور ومسائل العقيدة الإسلامية التي يجب على العبد أن يؤمن بها ، ويعتقدها غيبي ، كالإيمان بالله ، وملائكته ، وكتبه ، ورسله ، واليوم الآخر ، والقدر ، وعذاب القبر ونعيمه ، وغير ذلك من أمور الغيب التي يعتمد في الإيمان بها على ما جاء في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم .
وقد أثنى الله تعالى على الذين يؤمنون بالغيب ، فقال سبحانه وتعالى في صدر سورة البقرة : ] ذَلِكَ الكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ [ . ( البقرة : 2-3 ) .
2 - أنها عقيدة شاملة : ويتضح شمول العقيدة في الأمور الثلاثة الآتية :
الأول : شمول العبادة ، فالعبادة : اسم جامع لكل مايحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة .
فالعبادة تشمل العبادات القلبية ، كالمحبة ، والخوف ، والرجاء ، والتوكل ، وتشمل العبادات القولية كالذكر والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وقراءة القرآن ، وتشمل العبادات الفعلية كالصلاة ، والصوم ، والحج ، وتشمل العبادات المالية ، كالزكاة ، وصدقة التطوع .
وتشمل كذلك الشريعة كلها ، فإن العبد إذا اجتنب المحرمات ، وفعل الواجبات والمباحات مبتغياً بذلك وجه الله تعالى كان فعله ذلك عبادة يثاب عليها . وسيأتي الكلام على هذه المسألة بشيء من التفصيل عند الكلام على توحيد الألوهية .
الثاني : أنها تشمل علاقة العبد بربه ، وعلاقة الإنسان بغيره من البشر ، وذلك في مباحث التوحيد بأنواعه الثلاثة ، وفي مبحث الولاء والبراء ، وغيرها .
الثالث : أنها تشمل حال الإنسان في الحياة الدنيا ، وفي الحياة البرزخية ( القبر ) ، وفي الحياة الأخروية .
3 - أنها عقيدة توقيفية :
فعقيدة الإسلام موقوفة على كتاب الله ، وماصح من سنة رسوله محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم . فليست محلاً للاجتهاد ؛ لأن مصادرها توقيفية .
وذلك أن العقيدة الصحيحة لابد فيها من اليقين الجازم ، فلابد أن تكون مصادرها مجزوم بصحتها ، وهذا لا يوجد إلا في كتاب الله وما صح من سنة رسوله صلى الله عليه وسلم .
وعليه فإن جميع المصادر الظنية ، كالقياس والعقل البشري لايصح أن تكون مصادر للعقيدة ، فمن جعل شيئاً منها مصدراً للعقيدة فقد جانب الصواب ، وجعل العقيدة محلاً للاجتهاد الذي يخطئ ويصيب .
ولذلك ضل من ضل من أهل الكلام كالجهمية ، والمعتزلة ، والأشاعرة ، حينما جعلوا العقل مصدراً من مصادر العقيدة ، وقدموه على النصوص الشرعية ، حتى أصبح القرآن والسنة عندهم تابعين للعقل البشري ، وهذا انحراف عن الصراط المستقيم ، واستهانة بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، وتلاعب بعقيدة الإسلام ، حيث جعلوها خاضعة لآراء البشر واجتهاداتهم العقلية .
والحق أن العقل مؤيد للنصوص الشرعية ، فالعقل الصريح يؤيد النص الصحيح ، ولا يعارضه ، وما توهمه المعطلة والمؤولة من التعارض بينهما فهو بسبب قصور عقول البشر ، ولذلك فإن ما قد يراه أحدهم متعارضاً قد لايراه الآخر كذلك ، وهكذا
وعليه فإن العقل يعد مؤيداً للنصوص الشرعية في باب العقائد وغيرها ، وليس مصدراً من مصادر العقيدة ، ولايجوز أن يستقل بالنظر في أمور الغيب ، ولا فيما لايحيط به علما ، والبشر لايحيطون علماً بالله ولا بصفاته ، كما قال تعالى : ] وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً [ ( طه : 110 ) [
وسطية أهل السنة والجماعة :
عقيدة أهل السنة والجماعة والتي هي عقيدة الإسلام الصحيحة وسط بين عقائد فرق الضلال المنتسبة إلى دين الإسلام ، فهي في كل باب من أبواب العقيدة وسط بين فريقين آراؤهما متضادة ، أحدهما غلا في هذا الباب والآخر قصر فيه ، أحدهما أفرط والثاني فرّط ، فهي حق بين باطلين ، فأهل السنة وسط أي عدول خيار بين طرفين منحرفين في جميع أمورهم .
وسأذكر خمسة أصول عقدية كان أهل السنة والجماعة وسطا فيها بين فرق الأمة :
الأصل الأول : باب العبادات :
توسط أهل السنة في هذا الباب بين الرافضة والصوفية وبين الدروز والنصيريين .
فالرافضة والصوفية يعبدون الله بما لم يشرعه من الأذكار والتوسلات ، وإقامة الأعياد والاحتفالات البدعية ، والبناء على القبور والصلاة عندها والطواف بها والذبح عندها ، وكثير منهم يعبد أصحاب القبور بالذبح لهم أو دعائهم أن يشفعوا له عند الله أو يجلبوا له مرغوباً أو يدفعوا عنه مرهوبا .
والدروز والنصيريون الذين يسمون العلويون تركوا عبادة الله بالكلية ، فلا يصلون ، ولايصومون ، ولايزكون ، ولايحجون .. إلخ .
أما أهل السنة والجماعة فيعبدون الله بما جاء في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، فلم يتركوا ما أوجب الله عليهم من العبادات ، ولم يبتدعوا عبادات من تلقاء أنفسهم ، عملاً بقول النبي : " من أحدث في أمرنا هذا ماليس منه فهو رد " متفق عليه [، وفي رواية لمسلم : " من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد " وقوله عليه الصلاة والسلام في خطبته : " أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله ، وخير الهدي هدي محمد ، وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة " رواه مسلم .
الأصل الثاني : باب أسماء الله وصفاته :توسط أهل السنة والجماعة في هذا الباب بين المعطلة ، وبين المشبهة والممثلة .
فالمعطلة منهم من ينكر الأسماء والصفات ، كالجهمية ، ومنهم من ينكر الصفات كالمعتزلة ، ومنهم من ينكر أكثر الصفات ، ويؤولها ، كالأشاعرة ؛ اعتماداً منهم على عقولهم القاصرة ، وتقديما لها على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، فيعرضون النصوص الشرعية على عقولهم فما قبلته قبلوه ، ومالم تقبله ردوه أو أولوه ، وعدوا ذلك تنزيهاً ، فجعلوا النصوص محكوماً عليها ، لا حاكمة على غيرها ، فيجعلون العقل وحده أصل علمهم ، ويجعلون القرآن والسنة تابعين له والمعقولات عندهم هي الأصول الكلية الأولية ، المستغنية بنفسها عن النصوص الشرعية . ولذلك حكموا بوجوب أشياء ، وامتناع أشياء أخرى في حق الله تعالى ، لحجج عقلية بزعمهم ، اعتقدوها حقا ، وهي باطل ، وعارضوا بها نصوص القرآن وسنة المعصوم صلى الله عليه وسلم ، حتى قال قائلهم :
وكل نص أوهم التشبيها أوله أو فوض ورم تنزيها ]
والمشبهة والممثلة يضربون لله الأمثال ، ويشبهونه بالمخلوقات ، كقول بعضهم : " يد الله كيدي " و " سمع الله كسمعي " تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً .
فهدى الله أهل السنة والجماعة للقول الوسط في هذا الباب ، والذي دل عليه كتاب الله وسنة رسوله ، فآمنوا بجميع أسماء الله وصفاته الثابتة في النصوص الشرعية ، فيصفون الله تعالى بما وصف به نفسه ، وبما وصفه به أعرف الخلق به رسوله محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم من غير تعطيل ولا تأويل ومن غير تشبيه ولا تمثيل ولا تكييف ، ويؤمنون بأنها صفات حقيقية ، تليق بجلال الله تعالى ولاتشبه صفات المخلوقين ، عملاً بقوله تعالى : ] فَاطِرُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَمِنَ الأَنْعَامِ أَزْوَاجاً يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [ ( الشورى : 11 ) .
فأهل السنة يعتمدون على النصوص الشرعية ، ويقدمونها على العقول البشرية ، ويجعلون العقل البشري وسيلة لفهم النصوص الشرعية ، وشرطاً في معرفة العلوم ، وكمال وصلاح الأعمال ، وبه يكمل العلم والعمل ، لكنه ليس مستقلاً بذلك ، فهم قد توسطوا في أمر العقل أيضاً ، فلم يقدموه على النصوص كما فعل أهل الكلام من المعتزلة والأشاعرة وغيرهم ، ولم يهملوه ويذموه كما يفعل كثير من المتصوفة ، الذين يعيبون العقل ، ويقرون من الأمور ما يكذب به صريح العقل ، كما يصدقون بأمور يعلم العقل الصريح بطلانها ممن لم يعلم صدقه [8] .
الأصل الثالث : باب القضاء والقدر :
توسط أهل السنة والجماعة في هذا الباب بين القدرية والجبرية .
فالقدرية نفوا القدر ، فقالوا : إن أفعال العباد وطاعاتهم ومعاصيهم لم تدخل تحت قضاء الله وقدره ، فالله تعالى على زعمهم لم يخلق أفعال العباد ولا شاءها منهم ، بل العباد مستقلون بأفعالهم ، فالعبد على زعمهم هو الخالق لفعله ، وهو المريد له إرادة مستقلة ، فأثبتوا خالقاً مع الله سبحانه ، وهذا إشراك في الربوبية ، ففيهم شبه من المجوس الذين قالوا بأن للكون خالقين ، فهم " مجوس هذه الأمة " .
والجبرية غلوا في إثبات القدر ، فقالوا : إن العبد مجبور على فعله ، فهو كالريشة في الهواء ، لافعل له ولا قدرة ولا مشيئة .
فهدى الله أهل السنة والجماعة للقول الحق والوسط في هذا الباب ، فأثبتوا أن العباد فاعلون حقيقة ، وأن أفعالهم تنسب إليهم على جهة الحقيقة ، وأن فعل العبد واقع بتقدير الله ومشيئته وخلقه ، فالله تعالى خالق العباد وخالق أفعالهم ، كما قال سبحانه : ] وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ [ ( الصافات : 96 ) . كما أن للعباد مشيئة تحت مشيئة الله ، كما قال تعالى : ] وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ العَالَمِينَ [ ( التكوير : 29 ) .
ومع ذلك فقد أمر الله العباد بطاعته ، وطاعة رسله ، ونهاهم عن معصيته ، وهو سبحانه يحب المتقين ، ولايرضى عن الفاسقين ، وقد أقام الله الحجة على العباد بإرسال الرسل وإنزال الكتب ، فمن أطاع أطاع عن بينة واختيار ، فيستحق الثواب الحسن ، ومن عصى عصى عن بينة واختيار ، فيستحق العقاب ، ] وَمَا رَبُّكُ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ [ ( فصلت : 46 ) .
فأهل السنة يؤمنون بمراتب القضاء والقدر الأربع الثابتة في الكتاب والسنة ، وهي :
1 - علم الله المحيط بكل شيء ، وأنه تعالى عالم بما كان وما سيكون ، وبما سيعمله الخلق قبل أن يخلقهم .
2 - كتابة الله تعالى لكل ما هو كائن في اللوح المحفوظ قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة .
3 - مشيئة الله النافذة ، وقدرته الشاملة ، فما شاء كان ، وما لم يشأ لم يكن ، وأن كل ما يقع في هذا الوجود قد أراده الله قبل وقوعه
4 - أن الله خالق كل شيء ، فهو خالق كل عامل وعمله ، وكل متحرك وحركته ، وكل ساكن وسكونه [9] .
وقد نظم بعضهم هذه المراتب بقوله :
علم كتابة مولانا مشيئته كذاك خلق وإيجاد وتكوين
الأصل الرابع : باب الوعد والوعيد :
توسط أهل السنة والجماعة في هذا الباب بين الوعيدية وبين المرجئة .
فالوعيدية يغلبون نصوص الوعيد على نصوص الوعد ، ومنهم الخوارج الذين يرون أن فاعل الكبيرة من المسلمين كالزاني وشارب الخمر كافر مخلد في النار .
والمرجئة غلبوا نصوص الرجاء على نصوص الوعيد ، فقالوا : إن الإيمان في القلب ، وأن الأعمال ليست من الإيمان ، فلا يضر مع الإيمان معصية ، فالعاصي كالزاني ، وشارب الخمر لا يستحق دخول النار ، وإيمانه كإيمان أبي بكر وعمر رضي الله عنهما .
أما أهل السنة والجماعة فيرون أن المسلم إذا ارتكب معصية من الكبائر لا يخرج من الإسلام ، بل هو مسلم ناقص الإيمان ، ما دام لم يرتكب شيئاً من المكفرات ، فهو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته ، وهو في الآخرة تحت مشيئة الله ، إن شاء عفا عنه ، وإن شاء عذبه حتى يطهره من ذنوبه ، ثم يدخله الجنة ، ولا يخلد في النار إلا من كفر بالله تعالى أو أشرك به .
فالإيمان عند أهل السنة : قول باللسان واعتقاد بالقلب ، وعمل بالجوارح ، يزيد بالطاعة ، وينقص المعصية [10] .
الأصل الخامس : باب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم :
توسط أهل السنة والجماعة في هذا الباب بين الشيعة وبين الخوارج .
فالشيعة ومنهم الرافضة غلوا في حق آل البيت كعلي بن أبي طالب وأولاده رضي الله عنهم فادعوا أن علياً رضي الله عنه معصوم ، وأنه يعلم الغيب ، وأنه أفضل من أبي بكر وعمر ، ومن غلاتهم من يدعي ألوهيته .
والخوارج جفوا في حق علي رضي الله عنه فكفروه ، وكفروا معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما وكفروا كل من لم يكن على طريقتهم .
كما أن الروافض جفوا في حق أكثر الصحابة ، فسبوهم ، وقالوا : إنهم كفار ، وأنهم ارتدوا بعد النبي صلى الله عليه وسلم ، حتى أبو بكر وعمر عند بعضهم كانا كافرين ، ولا يستثون من الصحابة إلا آل البيت ونفراً قليلاً ، قالوا : إنهم من أولياء آل البيت ، كما أنهم يشتمون أمهات المؤمنين ، وأفاضل الصحابة ، وعلى رأسهم أبو بكر وعمر علانية لكنهم قد يترضون عنهم ، ويظهرون موالاتهم لهم تقرباً إلى أهل السنة ؛ لأن من عقائدهم عقيدة التقيَّة فيظهرون لأهل السنة خلاف مايبطنون .
أما أهل السنة والجماعة فيحبون جميع أصحاب النبي ، ويترضون عنهم ، ويرون أنهم أفضل هذه الأمة بعد نبيها صلى الله عليه وسلم ، وأن الله اختارهم لصحبة نبيه ، ويمسكون عما حصل بينهم من التنازع ، ويرون أنهم مجتهدون مأجورون ، للمصيب منهم أجران ، وللمخطئ أجر واحد على اجتهاده ، ويرون أن أفضلهم أبو بكر ، ثم عمر ، ثم عثمان ، ثم علي رضي الله عنهم أجمعين ويحبون آل بيت النبي [] ، ويرون أن لهم حقين : حق الإسلام ، وحق القرابة من رسول الله ، فيوالونهم ، ويترضون عنهم [] .
اخوكم بن سعيد
:sword: