أبو بسام
30-04-2001, 12:46 PM
هذا اللقاء نشر في المجلة العربية العدد 281 السنة 25 جمادى الآخرة 1421 هـ سبتمبر 2000 م
==========================
«توارى وانقسم على ذاته، هدد وبدد كالوشل منساب على الصخر، لم يكن الحوار معه مفرغاً أو خالياً من الوضوح بقدر ما كان رمزاً واضحاً يحتفظ بحب كبير لارباب الكلمة، يقول: «فلو لم أكن لما كنت»، وما هذا الذي ندعوه إنه «عبدالله الزيد» الذي عرفناه منذ عشرين سنة من خلال المذياع وفي نفس الوقت الشاعر الذي عرفناه من صدى «بكيتك نوارة الفأل..» باكورة إنتاجه.
تجولنا معه ووجدناه ساكن في ضمير
من هنا نقترب منه لنتعرف على أبعاد حديثه، من خلال هذه المكاشفة التي لاتنقصها الصراحة.
\\ من حيث الميلاد أيهما سبق الآخر في العطاء.. الشاعر أم الإعلامي؟
| لكي أسجل شيئاً هنا.. ينبغي أولاً أن أفرق - وهذا هو تصوري- بين «الميلاد» بشرى، وإشراقة أولى، وبين «العطاء» تكوناً وفعلاً..: في لحظات الميلاد جاء الشاعر والإعلامي توأماً لايفصل بينهما زمان ولا مكان.
والأشياء التي كانت غائمة وبدون ملامح في المرحلة الابتدائية أمست في المرحلة المتوسطة والثانوية تكونات لها قسمات..
وفي أحضان «المعهد العلمي» في «شقراء» تفتحت الورود والأزاهير، وتبرعم «الشاعر» و «الإعلامي» معاً: ففي الوقت الذي كنت فيه أحفظ الأشعار شحاتة، .. عرفت كذلك ومن خلال المذياع، كثيراً من الأساتذة: زهير الأيوبي (وبالمناسبة أعد هذا الرجل أنموذجاً لايتكرر بسهولة إذاعياً ومرئياً).. غالب كام الزيت».. وبعض أعداد مجلة «الهلال» المصرية..
أما في زمن العطاء والمشاركة فقد جاء «الأديب الشاعر» أولاً وسبق «الإعلامي»: حيث بدأت بالكتابة شعراً ونثراً قبل تخرجي في كلية اللغة العربية بثلاث سنوات في حينٍ لم أبدأ فيه بالمشاركة والعطاء الإعلامي إلا بعد تخرجي بسنين!!
ولا أريد هنا أن أحلل ذلك أو أسجل فلسفة ما وإنما أشير -فقط- إلى أن الأدب والشعربخاصة يتفجر بشكل تلقائي من منابع الذات ليفصح عن عالمها وأس
وباختصار: بدأ الأديب، في الإفصاح عام 1392هـ، وبدأ الإعلامي في الصداح عام 1397هـ.
الأديب بدأ أثناء الدراسة الجامعية عبر جريدة «الدعوة» عندما كان رئيس التحرير الأستاذ عبد
الإعلامي، بدأ عام 1397هـ في إذاعة الرياض، وأتذكر هنا تشجيع الأستاذ محمد المنصور، مدير عام الإذاعة آنذاك -الوكيل حالياً- ود. علي النجعي مدير البرنامج العام آنذاك -الوكيل حالياً- والأستاذ محمد الشعلان -رحمه الله- كبير المذيعين آنذاك...
كذلك لا أنسى من بدأت معهم وتدربت، وأفدت من خبرتهم:
إبراهيم الذهبي -رحمه الله-، عدنان الدبسي، ميسر سهيل، سليمان الشبانة -رحمه الله-، محمد كامل خطاب -رحمه الله-، عبدالملك عبدالرحيم، على غرايبة، سلامة محاسنة. سيد سالم، أحمد رضوان.
\\ ما أثر التخصص في دراسة اللغة العربية على إبداع الشاعر وموهبة الإعلامي في داخلك؟
| الحديث هنا -بلا شك- سيكون عادياً جداً إلى حد أنه يمكن أن يقال: إنّ السؤال غير وارد.. لكن يكف
\\ الأمسيات الشعرية ماذا تقول عنها مشاركاً ومتلقياً؟
| يكفي الأمسيات أنها أمسيات من أجل أن تترع بالجمال والتألق بشرط وحيد: هو أن تكون حرة مطهرة من أي هدف وليست موظفة لأي توجه ضد الإبداع والحياة الحقيقية..
أما فيما يخصني فقد مضى زمنٌ كنت فيه فارساً أنافس أقراني وأراهن على الوصول إلى نهاية ميدان الألق والتجلي.. أما الآن.. فقد صددت وأعرضت؛ لسبب واحد: هو أني لم أستطع حتى الآن أن أروض نفسي وشعري وشعوري.. ووجداني على ماجرى بعد ذلك ويجري..
إذا قلت: مابي يا قصيدة موجعي
من الشعر قالت: وافرٌ وطويلُ
وإن جئت أستاف المدى بنثيرة
تصدى مفاعيل لها وفعول
فلا أنا محظي بها جئت شاعراً
ولا الفعل في وجد الشعور يقول
تلوك جماهير الصدى ميت الصدى
ويعتادها عند الطلوع أفول
إذا القاعة الفيحاء تاقت لموسمٍ
وأشعلها قبل الهزيع هطول
وسحت قناديل القصيد بوجدها
وأوفى بإيقاع النشيد رسولُ
أشاحت وجوه مات فيها نقاؤها
ودوت بصمت المرجفين طلول
وشاهت تحيات الندى قبل بدئها
وران على صمت الشفاه ذبول
ألا ما الذي يختاره الصوت للصدى
وهل يحتفي بالردهتين صهيل
إذا كان للصوت انتحار وشهقة
ولم ينتفض بالمطرقين مثيلُ؟!!
\\ هل تمارس عملك الإذاعي من خلال رؤية المثقف أم بقناعة الموظف؟
| أدركت في البدء بقايا من المناخ الصحي فقدمت عملي الإذاعي من خلال الرؤى الثقافية، ومن الأمثلة والشواهد على ذلك أنموذجان:-
- طريقة تقديم الفقرات الحية عبر البث اليومي..
- برنامج «ورقة من الماضي» الذي عبرت من خلاله عن رؤيتي النقدية والثقافية إزاء كثير من النصوص التي قدمتها في البرنامج.
ثم جاءت فترة صودر فيها المناخ الصحي فصرت أمارس عملي برؤية «الموظف» الذي يسدد ويقارب ويضع الناتج النهائي في حسبانه فافتقدت شخصيتي وتكويني وضاقت الرؤية والعبارة معاً..
والآن.. لا أعيش المناخ الصحي، ولا أمتلك قناعة الموظف، ولم يتبق لي برغم كل التفسيرات سوى رؤية اليائس وقناعة المحبط..؟!!
\\ حدثنا عن إصداراتك الأدبية وما هي فلسفتك في التسمية؟
| تتمثل إصداراتي في خمسة دواوين:
ü «بكيتك نوارة الفأل سجيتك جسد الوجد».
ü «مالم يقله بكاء التداعي»
ü «ما قاله البدء قبلي»
ü «أمد الدمع من عيني لبدء الريح»
ü «مورق بالذي لايكون»
وليس هناك من فلسفة معينة أتعمدها عند التسمية وإنما أحرص أن يكون العنوان منتظماً لهموم المجموعة، وأن يعبرعن جميع القصائد.
\\ هناك مقولة تقول: إن البرامج الثقافية في الإذاعة قليلة وبعيدة عن أهلها ما مدى صحة القول؟
| هذه المقولة أو المحصلة صحيحة، صحيحة، صحيحة، لا أسجل ذلك عن طريق الرواية أو التأمل والتحليل وإنما أسجله بروحِ المعاناة والتجربة والألم بدليل أن خارطة البرامج في الإذاعة تحتوي برامج حوارية وثقافية ينفذها مجموعة من المسطحين والذين لايمتون إلى الثقافة بصلة.
\\ بماذا تفسر طغيان صفحات الفن على الثقافة في الصحف والمجلات في الوقت الحالي؟
| ولا تحتاج المسألة إلى تحليل ولاتفسير.. المسألة تتحدد في طغيان المنتمين إلى هشاشة الساحة الفنية وانحسار مساحة المثقف الحقيقي.. وذلك يشير أيضاً إلى تقلص المسألة الثقافية لدى المتلقين في العصر الحاضر..
\ في اعتقادك عدم الاهتمام محلياً بالأمسيات الشعرية للنص الفصيح ما أسبابه؟
| يعود ذلك إلى أنّ النوادي الأدبية والجمعيات الثقافية واللجان الأدبية في الجامعات والمؤسسات قد أصابها البلاء ووقفت في الطابور العامي ذاته واصطفت في منظومة التردي الفكري واللغوي والثقافي وفي كل الأحوال تذكرنا هذه الحالة المزرية بقول الشاعر:-
«إذا كان رب البيت بالدفِ ضارباً
فشيمة أهل البيت كلهم الرقص»
\\ بصدق.. هل تخاطب النخبة في مجال الشعر والنثر؟
| نعم.. أخاطب «النخبة».. لسبب بسيط جداً وهو أني قرأت للنخبة وحفظت النخبة وتمثلت النخبة ولايعجبني ولايطربني إلا النخبة ثم إن لغير النخبة من يكتب لهم ويخاطبهم ولست منهم.
\\ هل سطعت شمس النقد على أعمالك الأدبية، ومن القلم الناقد الذي نال إعجابك؟
| هي لم تسطع تماماً ولكنها أشرقت إلى حدما؛ وذلك - كما يقول بعض النقاد- يعود إلى «الغموض» الذي قد يصل إلى «الانغلاق»، وتعدد المحاور والأصوات الذي قد يصل إلى التشتت وإلى «طول النص» الذي قد ينقطع منه نفس النقد والتحليل.
هناك أقلام مثقفة ناقدة تعجبني كثيراً.. منها:
| د. عبد
\\ بماذا تفسر إعطاء الصحافة الخليجية عموماً للأقلام العربية هالة إعلامية تستحوذ مكانة ومساحة أكبر من مساحة المبدع المحلي؟
| ببساطة، وبدون أي تعمق.. المسألة تقع تحت طائلة: «زامر الحي الذي لايطرب»، هذا إذا تجاوزنا تلك الأشياء غير المعروفة، أو غير المعلنة، مثل تبادل مصالح معينة، أو فتح تسهيلات في النشر والتوزيع، أو تقديم دعوات ما..!!
\\ هناك اتهام بوجه دائماً إلى مثقفي الإذاعة مقتضاه هروبهم من شمس البرامج إلى ظل الفترات ما تعليقك؟
| لعل في الإجابة عن الفقر
وأنا واحدٌ من المذيعين -ولا أقول من المثقفين- الذين ضاقت بهم مساحة البرامج والعمل الثقافي فانزوى في دائرة البث اليومي على الهواء..
\\ لماذا لاتمارس النقد بشكل دائم خاصة أن النقاد المتميزين قليلون؟
| أعد العدة لمشروع نقدي جديد يتناول كثيراً من الأعمال الأدبية.. والإشكالية ليست في
هذا كله.. وأنا حتى الآن لم أشر إلى ضياع المقابل المادي الذي هو حقٌ معروف للكاتب والمكتوب..!؟
\\ من تجربتك هل اختلاف الرأي أفسد للود قضية؟
| نعم.. مع شديد الأسف.. وأنا أعرف وأدرك ماذا حصل لكل الذين كتبت عنهم. والذين فسدت قضية الود معهم نوعان:-
ü نوع لم يتمالك نفسه ولم يقدر أن يخفى الامتعاض، ووصل الأمر معه إلى مرحلة الهجر والقطيعة والتربص..
ü ونوع أظهر التقبل وعدم الاكتراث، وبالغ بعضهم فأبدى الترحيب والإعجاب وأبطن خلاف ذلك..
ويسعدني في هذه اللحظات أن أشيد بالمبدعين والكتاب الحقيقيين الذين رحبوا بصدق.. وفي مقدمتهم د. غازي القصيبي، ود. عبدالعزيز خوجة، والأستاذ أحمد الصالح، والأستاذ محمد المشعان، والأستاذ عبدالله بن سالم الحميد وغيرهم.
الشيء الذي لايغيب عن البال الآن هو أن الدافع إلى مثل تلك الأعمال والمداخلات هو الصدق والصراحة والحقيقة مع المؤلَّف والمؤلِّف.. ثم أن ما أسجله وأكتبه هو موقفي ورأي الحقيقي سواءً كان الكاتب حبيباً أو غريباً.
\\ كم تبلغ مساح الحزن في قلبك وقلمك؟
| هي مساحة كبيرة لاشك؛ ذلك لأن هذه الدنيا بأسرها ليست محلاً للفرح البكر والابتهاج الحقيقي لسببين كبيرين:
الأول أن الإنسان لا يمتلك ذاته ولا زمانه ولا مكانه..
ولآخر: أن كل الأشياء التي يتصور الإنسان أنها مصدر للفرحة والابتهاج موعودة بنهاية وزوال..
لذلك يحق لي أن أضع يدي في يد شاعرنا المبدع «محمد الماغوط» وأمدّ صوتي معه عندما بكى ذات مساء وقال:-
«الفرح ليس مهنتي»
\\ ما تعليقك على قول الشاعر الحميدين: الشاعر إسفنجة تمتص جميع الأشياء؟
| لكل شاعر رؤيته التي يتفرد بها عن غيره؛
\\ بماذا تفسر تراجع الجمهور عن اقتناء المجلات الثقافية والأدبية بالرغم أنها رخيصة الثمن مقارنة بالمجلات الأخرى؟
| لقد قلت ذات مساء:-
«سيدي:
ليس هذا زمانك
أو ليس هذا مكانك
هذا جزاء الذين إذا عاشر الصحو أزمانهم ونفى الحال أحزانهم..
أرخصوا العمر والعافية
لكتاب غريب
وسطر مريب
ووجد تلفع بالقافية..
ليس هذا زمانك..
هذا زمان الذين تجاوزهم موسم وحساب
ليس هذا مكانك
هذا مكان الذين تشربهم مرقص وغراب...»
\\ بعض المثقفين يحاربون الشعر الشعبي لكنهم يثنون على رموزه، كيف تفسر هذه الإزدواجية؟
| أبداً.. هم يتصفون بالجبن والكذب وبالنفاق ويحتاجون إلى من يربيهم من جديد ويربي فيهم الاعتزاز بمواقفهم ورؤاهم واعتقادهم.. هذا كل ما في الأمر.
\\ لماذا يعتقد بعضهم أن النقد الممارس على كتاباته نقد لشخصه؟
| لسبب بسيط هو أنه لايثق بنفسه ولابتجربته وليس كفؤاً لأن يعرض ذاته للشمس والهواء.. هذا إذا لم يكن وجوده أصلاً في الساحة لأهداف غير أدبية ولاثقافية..
\\ ماذا عن فضاء قراءتك..ومن يعجبك؟
| أتمنى أن آخذ من كل فن بطرف وأميل إلى الثقافة الموسوعية لأن «الروافد» المعرفية لها إسهام هائل في عمق التجربة وثراء التعبيرعنها ودرامية الأداء فيها... غير أني لا أفر أبداً من مجالين اثنين:-
- الشعر الخالص و النقد الأدبي والثقافي ويعجبني كثيراً د. علي أحمد سعيد شعراً ونثراً..
\\ من الشاعر الذي يزرع إبداعه مساحات للجمال في داخلك؟
| بعامة:- الشاعر الذي يعبر عن جوهر الإنسان وحقيقته.. وأبعاد معاناته..
وبخاصة:- الشاعر العربي الكبير: «سامي مهدي».
\\ ماذا تقول عن:
\ «عبدالعزيز مشري»:
| أنموذج الصبر والاحتمال والتفوق وأنموذج الإبداع والتجلي - رحمه الله- وأسكنه فسيح جناته وأسبغ عليه خيراً مما حرم في هذه الحياة. آمين.
\ «خالد البنيان»:
| «خالدٌ.. خالدُ
لاتقل : مات..
قل: عاش في موقفٍ وكتاب..
لاتقل: راح..
قل ظل في سيرة وخطاب
لاتقل: غاب..
لا..
إنه حاضر في مواعيدنا
في أحاديثنا..
إنه..
عندما يستبد بنا همنا
وارد.. وارد.. وارد»..
(رحمه الله رحمة واسعة).
\ «المجلة العربية»:
| مرت هذه المجلة في رؤيتي بثلاث مراحل:-
ü الأولى: شعرت فيها بأنها تكوين هش وبدائي ولا تختلف عما يؤلفه الطلاب في المدارس.. غير أنها وقفت وصمدت.
ü الثانية: أحسست فيها بأنها تستجدي الكتاب من الخارج وبأن غالب من يكتب فيها هم قراؤها ومراسلوها.. غير أنها قاومت.. واستمرت..
ü الثالثة: شعرت وأحسست وتأكد لديّ أنها مجلة جادة محترمة وبأنها أخذت بأسباب التفوق باستكتابها لكتابنا، وبموضوعاتها الحيوية، وبصدق الطرح، وبتطور الإخراج والجاذبية الصحافية..!!
تحيةً لها.. ولربانها المهذب المحبوب «حمد بن عبدالله القاضي» مع صادق الدعاء بالتوفيق وبمزيد التفوق والثراء.
\ الأندية الأدبية:
| يؤلمني كثيراً وقوفها في طابور المؤسسات المتردية، واهتمامها ببعض المناسبات والموضوعات المسطحة، وملاحقة الأسماء الملمعة، وانحسار الثقافي والحقيقي في خارطة الأمسيات والإصدارات.
\\ الشاعر إبراهيم العواجي:
| أتمنى ومن خلال مجموعته الشعرية الكاملة أن أصل إلى محصلة جديدة تثبت لي تفوقه «الفصيح» على العامي في ذاته وكتابته. وهو من قبل ذلك ومن بعده شاعر في ذاته وتعامله.
بلدتك التي ولدت فيها؟
\\ «الداهنة»:
لا لأيامي الأولى تفر مواسمي..
ولي في نشيج الروح أنشودة سكرى
إلى دارة في الوشم تهفو مواردي
وأنثال مثل الوجه في نشوة البشرى
أجىء كما يأتي الربيع لفصله..
وألثم قبل الوجد نوارة الذكرى
وفي ريق الأحباب تندى مواجدي
ويعتادني بوحي ولا أعرف السرا
==========================
«توارى وانقسم على ذاته، هدد وبدد كالوشل منساب على الصخر، لم يكن الحوار معه مفرغاً أو خالياً من الوضوح بقدر ما كان رمزاً واضحاً يحتفظ بحب كبير لارباب الكلمة، يقول: «فلو لم أكن لما كنت»، وما هذا الذي ندعوه إنه «عبدالله الزيد» الذي عرفناه منذ عشرين سنة من خلال المذياع وفي نفس الوقت الشاعر الذي عرفناه من صدى «بكيتك نوارة الفأل..» باكورة إنتاجه.
تجولنا معه ووجدناه ساكن في ضمير
من هنا نقترب منه لنتعرف على أبعاد حديثه، من خلال هذه المكاشفة التي لاتنقصها الصراحة.
\\ من حيث الميلاد أيهما سبق الآخر في العطاء.. الشاعر أم الإعلامي؟
| لكي أسجل شيئاً هنا.. ينبغي أولاً أن أفرق - وهذا هو تصوري- بين «الميلاد» بشرى، وإشراقة أولى، وبين «العطاء» تكوناً وفعلاً..: في لحظات الميلاد جاء الشاعر والإعلامي توأماً لايفصل بينهما زمان ولا مكان.
والأشياء التي كانت غائمة وبدون ملامح في المرحلة الابتدائية أمست في المرحلة المتوسطة والثانوية تكونات لها قسمات..
وفي أحضان «المعهد العلمي» في «شقراء» تفتحت الورود والأزاهير، وتبرعم «الشاعر» و «الإعلامي» معاً: ففي الوقت الذي كنت فيه أحفظ الأشعار شحاتة، .. عرفت كذلك ومن خلال المذياع، كثيراً من الأساتذة: زهير الأيوبي (وبالمناسبة أعد هذا الرجل أنموذجاً لايتكرر بسهولة إذاعياً ومرئياً).. غالب كام الزيت».. وبعض أعداد مجلة «الهلال» المصرية..
أما في زمن العطاء والمشاركة فقد جاء «الأديب الشاعر» أولاً وسبق «الإعلامي»: حيث بدأت بالكتابة شعراً ونثراً قبل تخرجي في كلية اللغة العربية بثلاث سنوات في حينٍ لم أبدأ فيه بالمشاركة والعطاء الإعلامي إلا بعد تخرجي بسنين!!
ولا أريد هنا أن أحلل ذلك أو أسجل فلسفة ما وإنما أشير -فقط- إلى أن الأدب والشعربخاصة يتفجر بشكل تلقائي من منابع الذات ليفصح عن عالمها وأس
وباختصار: بدأ الأديب، في الإفصاح عام 1392هـ، وبدأ الإعلامي في الصداح عام 1397هـ.
الأديب بدأ أثناء الدراسة الجامعية عبر جريدة «الدعوة» عندما كان رئيس التحرير الأستاذ عبد
الإعلامي، بدأ عام 1397هـ في إذاعة الرياض، وأتذكر هنا تشجيع الأستاذ محمد المنصور، مدير عام الإذاعة آنذاك -الوكيل حالياً- ود. علي النجعي مدير البرنامج العام آنذاك -الوكيل حالياً- والأستاذ محمد الشعلان -رحمه الله- كبير المذيعين آنذاك...
كذلك لا أنسى من بدأت معهم وتدربت، وأفدت من خبرتهم:
إبراهيم الذهبي -رحمه الله-، عدنان الدبسي، ميسر سهيل، سليمان الشبانة -رحمه الله-، محمد كامل خطاب -رحمه الله-، عبدالملك عبدالرحيم، على غرايبة، سلامة محاسنة. سيد سالم، أحمد رضوان.
\\ ما أثر التخصص في دراسة اللغة العربية على إبداع الشاعر وموهبة الإعلامي في داخلك؟
| الحديث هنا -بلا شك- سيكون عادياً جداً إلى حد أنه يمكن أن يقال: إنّ السؤال غير وارد.. لكن يكف
\\ الأمسيات الشعرية ماذا تقول عنها مشاركاً ومتلقياً؟
| يكفي الأمسيات أنها أمسيات من أجل أن تترع بالجمال والتألق بشرط وحيد: هو أن تكون حرة مطهرة من أي هدف وليست موظفة لأي توجه ضد الإبداع والحياة الحقيقية..
أما فيما يخصني فقد مضى زمنٌ كنت فيه فارساً أنافس أقراني وأراهن على الوصول إلى نهاية ميدان الألق والتجلي.. أما الآن.. فقد صددت وأعرضت؛ لسبب واحد: هو أني لم أستطع حتى الآن أن أروض نفسي وشعري وشعوري.. ووجداني على ماجرى بعد ذلك ويجري..
إذا قلت: مابي يا قصيدة موجعي
من الشعر قالت: وافرٌ وطويلُ
وإن جئت أستاف المدى بنثيرة
تصدى مفاعيل لها وفعول
فلا أنا محظي بها جئت شاعراً
ولا الفعل في وجد الشعور يقول
تلوك جماهير الصدى ميت الصدى
ويعتادها عند الطلوع أفول
إذا القاعة الفيحاء تاقت لموسمٍ
وأشعلها قبل الهزيع هطول
وسحت قناديل القصيد بوجدها
وأوفى بإيقاع النشيد رسولُ
أشاحت وجوه مات فيها نقاؤها
ودوت بصمت المرجفين طلول
وشاهت تحيات الندى قبل بدئها
وران على صمت الشفاه ذبول
ألا ما الذي يختاره الصوت للصدى
وهل يحتفي بالردهتين صهيل
إذا كان للصوت انتحار وشهقة
ولم ينتفض بالمطرقين مثيلُ؟!!
\\ هل تمارس عملك الإذاعي من خلال رؤية المثقف أم بقناعة الموظف؟
| أدركت في البدء بقايا من المناخ الصحي فقدمت عملي الإذاعي من خلال الرؤى الثقافية، ومن الأمثلة والشواهد على ذلك أنموذجان:-
- طريقة تقديم الفقرات الحية عبر البث اليومي..
- برنامج «ورقة من الماضي» الذي عبرت من خلاله عن رؤيتي النقدية والثقافية إزاء كثير من النصوص التي قدمتها في البرنامج.
ثم جاءت فترة صودر فيها المناخ الصحي فصرت أمارس عملي برؤية «الموظف» الذي يسدد ويقارب ويضع الناتج النهائي في حسبانه فافتقدت شخصيتي وتكويني وضاقت الرؤية والعبارة معاً..
والآن.. لا أعيش المناخ الصحي، ولا أمتلك قناعة الموظف، ولم يتبق لي برغم كل التفسيرات سوى رؤية اليائس وقناعة المحبط..؟!!
\\ حدثنا عن إصداراتك الأدبية وما هي فلسفتك في التسمية؟
| تتمثل إصداراتي في خمسة دواوين:
ü «بكيتك نوارة الفأل سجيتك جسد الوجد».
ü «مالم يقله بكاء التداعي»
ü «ما قاله البدء قبلي»
ü «أمد الدمع من عيني لبدء الريح»
ü «مورق بالذي لايكون»
وليس هناك من فلسفة معينة أتعمدها عند التسمية وإنما أحرص أن يكون العنوان منتظماً لهموم المجموعة، وأن يعبرعن جميع القصائد.
\\ هناك مقولة تقول: إن البرامج الثقافية في الإذاعة قليلة وبعيدة عن أهلها ما مدى صحة القول؟
| هذه المقولة أو المحصلة صحيحة، صحيحة، صحيحة، لا أسجل ذلك عن طريق الرواية أو التأمل والتحليل وإنما أسجله بروحِ المعاناة والتجربة والألم بدليل أن خارطة البرامج في الإذاعة تحتوي برامج حوارية وثقافية ينفذها مجموعة من المسطحين والذين لايمتون إلى الثقافة بصلة.
\\ بماذا تفسر طغيان صفحات الفن على الثقافة في الصحف والمجلات في الوقت الحالي؟
| ولا تحتاج المسألة إلى تحليل ولاتفسير.. المسألة تتحدد في طغيان المنتمين إلى هشاشة الساحة الفنية وانحسار مساحة المثقف الحقيقي.. وذلك يشير أيضاً إلى تقلص المسألة الثقافية لدى المتلقين في العصر الحاضر..
\ في اعتقادك عدم الاهتمام محلياً بالأمسيات الشعرية للنص الفصيح ما أسبابه؟
| يعود ذلك إلى أنّ النوادي الأدبية والجمعيات الثقافية واللجان الأدبية في الجامعات والمؤسسات قد أصابها البلاء ووقفت في الطابور العامي ذاته واصطفت في منظومة التردي الفكري واللغوي والثقافي وفي كل الأحوال تذكرنا هذه الحالة المزرية بقول الشاعر:-
«إذا كان رب البيت بالدفِ ضارباً
فشيمة أهل البيت كلهم الرقص»
\\ بصدق.. هل تخاطب النخبة في مجال الشعر والنثر؟
| نعم.. أخاطب «النخبة».. لسبب بسيط جداً وهو أني قرأت للنخبة وحفظت النخبة وتمثلت النخبة ولايعجبني ولايطربني إلا النخبة ثم إن لغير النخبة من يكتب لهم ويخاطبهم ولست منهم.
\\ هل سطعت شمس النقد على أعمالك الأدبية، ومن القلم الناقد الذي نال إعجابك؟
| هي لم تسطع تماماً ولكنها أشرقت إلى حدما؛ وذلك - كما يقول بعض النقاد- يعود إلى «الغموض» الذي قد يصل إلى «الانغلاق»، وتعدد المحاور والأصوات الذي قد يصل إلى التشتت وإلى «طول النص» الذي قد ينقطع منه نفس النقد والتحليل.
هناك أقلام مثقفة ناقدة تعجبني كثيراً.. منها:
| د. عبد
\\ بماذا تفسر إعطاء الصحافة الخليجية عموماً للأقلام العربية هالة إعلامية تستحوذ مكانة ومساحة أكبر من مساحة المبدع المحلي؟
| ببساطة، وبدون أي تعمق.. المسألة تقع تحت طائلة: «زامر الحي الذي لايطرب»، هذا إذا تجاوزنا تلك الأشياء غير المعروفة، أو غير المعلنة، مثل تبادل مصالح معينة، أو فتح تسهيلات في النشر والتوزيع، أو تقديم دعوات ما..!!
\\ هناك اتهام بوجه دائماً إلى مثقفي الإذاعة مقتضاه هروبهم من شمس البرامج إلى ظل الفترات ما تعليقك؟
| لعل في الإجابة عن الفقر
وأنا واحدٌ من المذيعين -ولا أقول من المثقفين- الذين ضاقت بهم مساحة البرامج والعمل الثقافي فانزوى في دائرة البث اليومي على الهواء..
\\ لماذا لاتمارس النقد بشكل دائم خاصة أن النقاد المتميزين قليلون؟
| أعد العدة لمشروع نقدي جديد يتناول كثيراً من الأعمال الأدبية.. والإشكالية ليست في
هذا كله.. وأنا حتى الآن لم أشر إلى ضياع المقابل المادي الذي هو حقٌ معروف للكاتب والمكتوب..!؟
\\ من تجربتك هل اختلاف الرأي أفسد للود قضية؟
| نعم.. مع شديد الأسف.. وأنا أعرف وأدرك ماذا حصل لكل الذين كتبت عنهم. والذين فسدت قضية الود معهم نوعان:-
ü نوع لم يتمالك نفسه ولم يقدر أن يخفى الامتعاض، ووصل الأمر معه إلى مرحلة الهجر والقطيعة والتربص..
ü ونوع أظهر التقبل وعدم الاكتراث، وبالغ بعضهم فأبدى الترحيب والإعجاب وأبطن خلاف ذلك..
ويسعدني في هذه اللحظات أن أشيد بالمبدعين والكتاب الحقيقيين الذين رحبوا بصدق.. وفي مقدمتهم د. غازي القصيبي، ود. عبدالعزيز خوجة، والأستاذ أحمد الصالح، والأستاذ محمد المشعان، والأستاذ عبدالله بن سالم الحميد وغيرهم.
الشيء الذي لايغيب عن البال الآن هو أن الدافع إلى مثل تلك الأعمال والمداخلات هو الصدق والصراحة والحقيقة مع المؤلَّف والمؤلِّف.. ثم أن ما أسجله وأكتبه هو موقفي ورأي الحقيقي سواءً كان الكاتب حبيباً أو غريباً.
\\ كم تبلغ مساح الحزن في قلبك وقلمك؟
| هي مساحة كبيرة لاشك؛ ذلك لأن هذه الدنيا بأسرها ليست محلاً للفرح البكر والابتهاج الحقيقي لسببين كبيرين:
الأول أن الإنسان لا يمتلك ذاته ولا زمانه ولا مكانه..
ولآخر: أن كل الأشياء التي يتصور الإنسان أنها مصدر للفرحة والابتهاج موعودة بنهاية وزوال..
لذلك يحق لي أن أضع يدي في يد شاعرنا المبدع «محمد الماغوط» وأمدّ صوتي معه عندما بكى ذات مساء وقال:-
«الفرح ليس مهنتي»
\\ ما تعليقك على قول الشاعر الحميدين: الشاعر إسفنجة تمتص جميع الأشياء؟
| لكل شاعر رؤيته التي يتفرد بها عن غيره؛
\\ بماذا تفسر تراجع الجمهور عن اقتناء المجلات الثقافية والأدبية بالرغم أنها رخيصة الثمن مقارنة بالمجلات الأخرى؟
| لقد قلت ذات مساء:-
«سيدي:
ليس هذا زمانك
أو ليس هذا مكانك
هذا جزاء الذين إذا عاشر الصحو أزمانهم ونفى الحال أحزانهم..
أرخصوا العمر والعافية
لكتاب غريب
وسطر مريب
ووجد تلفع بالقافية..
ليس هذا زمانك..
هذا زمان الذين تجاوزهم موسم وحساب
ليس هذا مكانك
هذا مكان الذين تشربهم مرقص وغراب...»
\\ بعض المثقفين يحاربون الشعر الشعبي لكنهم يثنون على رموزه، كيف تفسر هذه الإزدواجية؟
| أبداً.. هم يتصفون بالجبن والكذب وبالنفاق ويحتاجون إلى من يربيهم من جديد ويربي فيهم الاعتزاز بمواقفهم ورؤاهم واعتقادهم.. هذا كل ما في الأمر.
\\ لماذا يعتقد بعضهم أن النقد الممارس على كتاباته نقد لشخصه؟
| لسبب بسيط هو أنه لايثق بنفسه ولابتجربته وليس كفؤاً لأن يعرض ذاته للشمس والهواء.. هذا إذا لم يكن وجوده أصلاً في الساحة لأهداف غير أدبية ولاثقافية..
\\ ماذا عن فضاء قراءتك..ومن يعجبك؟
| أتمنى أن آخذ من كل فن بطرف وأميل إلى الثقافة الموسوعية لأن «الروافد» المعرفية لها إسهام هائل في عمق التجربة وثراء التعبيرعنها ودرامية الأداء فيها... غير أني لا أفر أبداً من مجالين اثنين:-
- الشعر الخالص و النقد الأدبي والثقافي ويعجبني كثيراً د. علي أحمد سعيد شعراً ونثراً..
\\ من الشاعر الذي يزرع إبداعه مساحات للجمال في داخلك؟
| بعامة:- الشاعر الذي يعبر عن جوهر الإنسان وحقيقته.. وأبعاد معاناته..
وبخاصة:- الشاعر العربي الكبير: «سامي مهدي».
\\ ماذا تقول عن:
\ «عبدالعزيز مشري»:
| أنموذج الصبر والاحتمال والتفوق وأنموذج الإبداع والتجلي - رحمه الله- وأسكنه فسيح جناته وأسبغ عليه خيراً مما حرم في هذه الحياة. آمين.
\ «خالد البنيان»:
| «خالدٌ.. خالدُ
لاتقل : مات..
قل: عاش في موقفٍ وكتاب..
لاتقل: راح..
قل ظل في سيرة وخطاب
لاتقل: غاب..
لا..
إنه حاضر في مواعيدنا
في أحاديثنا..
إنه..
عندما يستبد بنا همنا
وارد.. وارد.. وارد»..
(رحمه الله رحمة واسعة).
\ «المجلة العربية»:
| مرت هذه المجلة في رؤيتي بثلاث مراحل:-
ü الأولى: شعرت فيها بأنها تكوين هش وبدائي ولا تختلف عما يؤلفه الطلاب في المدارس.. غير أنها وقفت وصمدت.
ü الثانية: أحسست فيها بأنها تستجدي الكتاب من الخارج وبأن غالب من يكتب فيها هم قراؤها ومراسلوها.. غير أنها قاومت.. واستمرت..
ü الثالثة: شعرت وأحسست وتأكد لديّ أنها مجلة جادة محترمة وبأنها أخذت بأسباب التفوق باستكتابها لكتابنا، وبموضوعاتها الحيوية، وبصدق الطرح، وبتطور الإخراج والجاذبية الصحافية..!!
تحيةً لها.. ولربانها المهذب المحبوب «حمد بن عبدالله القاضي» مع صادق الدعاء بالتوفيق وبمزيد التفوق والثراء.
\ الأندية الأدبية:
| يؤلمني كثيراً وقوفها في طابور المؤسسات المتردية، واهتمامها ببعض المناسبات والموضوعات المسطحة، وملاحقة الأسماء الملمعة، وانحسار الثقافي والحقيقي في خارطة الأمسيات والإصدارات.
\\ الشاعر إبراهيم العواجي:
| أتمنى ومن خلال مجموعته الشعرية الكاملة أن أصل إلى محصلة جديدة تثبت لي تفوقه «الفصيح» على العامي في ذاته وكتابته. وهو من قبل ذلك ومن بعده شاعر في ذاته وتعامله.
بلدتك التي ولدت فيها؟
\\ «الداهنة»:
لا لأيامي الأولى تفر مواسمي..
ولي في نشيج الروح أنشودة سكرى
إلى دارة في الوشم تهفو مواردي
وأنثال مثل الوجه في نشوة البشرى
أجىء كما يأتي الربيع لفصله..
وألثم قبل الوجد نوارة الذكرى
وفي ريق الأحباب تندى مواجدي
ويعتادني بوحي ولا أعرف السرا