ماذا تعرف عن هؤلاء ؟ (41) ... أبو القاسم الشابي

أبو بسام
20-05-2001, 02:52 AM
وُلد شاعرنا في 26 فبراير/شباط 1909 بمدينة "توزر" بالجنوب الغربي لتونس. كان أبوه من رجال القضاء الشرعيّ، فشبّ الطفل في بيئة عربيّة إسلاميّة. حفظ القرآن ودخل "جامع الزيتونة" يدرس علوم الدّين ومتون اللغة والأدب، ثم التحق بالمدرسة التونسيّة للحقوق فتخرّج بشهادتها في القانون سنة 1930 تزوج وأنجب ابنين، ولم يشتغل قطّ في سلك أو وظيف. لم يلبث أن أرهقت العلّة قلبه، ومات في 9 أكتوبر/تشرين الأول 1934 ولمّا يتجاوز من السنّ الخامسة والعشرين.
كان أبو القاسم فتًى رقيق النفس، يقظ الحسّ، عنيدًا، جرئ الفكرة صريح القول. قال الشعر باكرًا متأثرًا بالقدامى و"بالمعرّي" بالخصوص، الذي وجد في تشاؤمه ما يتجاوب مع قلقه الباطن ومزاجه المتقلّب.
وترامت إلى تونس في ذلك العهد أصوات المجدّدين من شعراء المهجر بأمريكا، وجماعة "الدّيوان" في مصر فلقوا في روح الشابّي الثائرة أصدق ناصر. وعرّفه صديقان أديبان من ذوي اللسانين العربيّ والفرنسي بشعراء فرنسا الرومانسيين، وعلى رأسهم "لامرتين"، هذا إلى تهافته على ما كان يُترجَم إلى العربية في المشرق العربيّ من تآليف الأوروبيين، فافتتن، وهو "الزيتوني"، بأدب الغرب.
بقاعة "الخلدونية" سنة 1928، ألقى محاضرته الشهيرة التي حمّل فيها النفس العربيّة كل الذنوب في تأخّرنا عن مواكبة حضارة العصر; فنادى بتحرير الشعر العربيّ من كلّ رواسم القديم والاقتداء بأعلام الغرب في الفكر والخيال وأشكال التعبير. وقسا بالأحكام والنقد حتى صدمت محاضرته عقول المحافظين من رجال الثقافة والسياسة فجعلوا يعرّضون به في المجالس. بدأت نفسه تضيق بحدود البيئة، فاتخذ من مجلة "أبولّو" بالقاهرة منبرًا، ونشر فيها عددًا من قصائده الكبار، جعلت رئيس تحريرها الشاعر أحمد زكي أبو شادي يطلب من شاعرنا الشاب أن يكتب مقدمة ديوانه "الينبوع". ثم عكف الشابّي على إعداد ديوانه "أغاني الحياة" للنشر في القاهرة برعاية "أبولّو"، إلا أنّ الموت عاجله.
نعت البعض الشابّي في حياته تارةً بأنه رومانسي وأخرى بأنه رمزيّ، لكن الكل أجمع على أنه حوّل مجرى الشعر في تونس، فعَلا به عن "الاجتماعيات" و"الأخلاقيات" و"السياسيات" و" وعظ الوُعاظ وتأريخ المؤرخين". حصر همّه في المأثور من أبنية الشعر العربيّ، وفيها سكب شعره الجديد، الذي كانت آية إبداعه جمالُ اللغة وموسيقاها الفائقة من الإيقاع الموزون والنّغم المردّد، والصور البِكْرِ من التشبيه والاستعارة التي تقرن بين المتباعدات من الأحياء والأشياء. لغة شعرية غنّى بها، حسب نوباته: بأسى النفس وغربتها، أو بنشوتها ثملى "بجمال الوجود" وبحبّ المرأة، وبالشعب إذا هبّ يردُّ على عسف الطغاة.
----------------
وهذا نموذج من أشعاره .. وهي قصيدة (( الأبد الصغير)) ..
يـا قلـبُ! كـم فيـك من دُنْيا محجَّبَةٍ كأنَّهــا, حــين يبـدو فجرُهـا "إرَمُ"
يـا قلـبُ! كمْ فيك من كونٍ, قد اتّقدتْ فيـه الشُّـموسُ وعاشـتْ فَوقـهُ الأممُ
يـا قلـبُ! كـمْ فيـكَ مـن أفْقٍ تُنَمِّقُهُ كـــواكبٌ تتجــلَّى, ثُــمَّ تَنعــدِمُ
يـا قلـبُ! كمْ فيكَ من قبرٍ, قد انطفأتْ فيـه الحيـاةُ, وضجَّـتْ تحتـهُ الـرِّمَمُ
يـا قلـبُ! كمْ فيكَ من غابٍ ومن جَبَلٍ تَـدوِي بـه الـريحُ أو تسـمو به القِمَمُ
يـا قلبُ! كمْ فيكَ من كهفٍ قد انبجستْ منـه الجـداولُ تجـري مـا لهـا لُجُمُ
تمشـي.., فتحـملُ غُصنًا مُزْهِرًا نضِرًا أوْ وَرْدَةً لــمْ تُشَــوِّهْ حُسْـنَهَا قَـدَمُ
أو نحلــةً جرّهــا التيَّــارُ مُنَدفِعًـا إلــى البحـارِ, تُغنّـي فوقـه الـدِّيَمُ
أو طـائرًا سـاحرًا مَيْتًـا قـد انْفجرتْ فــي مُقلتَيْــه جــراحٌ جمَّـةٌ ودمُ
يـا قلـبُ! إنـك كـونٌ مُـدْهِشٌ عَجَبٌ إنْ يُسْـأل النـاسُ عـن آفاقـه يَجِـمُوا
كـأنك الأبَـدُ المجـهول.., قد عَجَزَتْ عنـكَ النُّهَـى, واكفَهَـرّتْ حولك الظُّلَمُ
****
يـا قلـبُ! كـمْ مـن مسـرّاتٍ وأخْيِلَةٍ ولــذّة, يَتَحَــامَى ظِلّهــا الألــمُ
غَنَّـتْ لفَجـرِك صوتًـا حالمًـا, فَرِحًا نَشْـوَانَ ثـم تَـوارتْ, وانْقَضـى النَّغَمُ
وكــم رأى لَيْلُــك الأشـباحَ هائمـةً مذعــورةً تتهــاوى حولهـا الرُّجُـمُ
ورَفْــرَفَ الألــمُ الـدّامي, بأجنحـةٍ مــن اللهيـب, وأنّ الحـزنُ والنَّـدَمُ
وكـمْ مشـت فـوقَك الدُّنيـا بأجمعِهَـا حـتَّى تـوارتْ, وسـار الموتُ والعدمُ
وشــيَّدَتْ حــولك الأيــامُ أبنيــةً مــن الأناشــيدِ تُبْنَـى, ثـم تنهـدِمُ
****
تمضـي الحيـاةُ بماضيهـا, وحاضرِها وتــذْهَبُ الشـمسُ والشُّـطْآنُ والقمـمُ
وأنـتَ, أنـتَ الخِضمُّ الرّحْبُ, لا فرَحٌ يَبْقَـى عـلى سـطحِكَ الطَّاغي, ولا ألَمُ
****
يـا قلـبُ! كـم قـد تملّيْت الحياةَ, وكمْ رقّصْتَهــا مَرَحًـا مـا مَسَّـكَ السَّـأمُ
وكـمْ توشّـحْتَ مـن ليـلٍ ومن شَفَقٍ ومــن صبـاحٍ تُوشِّـي ذَيْلَـهُ السُّـدُمُ
وكـم نسـجْتَ مـن الأحـلام أرديـةً قــد مزّقَتْهـا الليـالي, وهْـيَ تَبْتَسِـمُ
وكــم ضَفَــرْتَ أكــاليلاً مُـورّدَةً طـارتْ بهـا زَعْـزَعٌ تـدوِي وتَحْتَدِمُ
وكــمْ رسـمتَ رسـومًا, لا تُشـابِهُهَا هــذي العـوالمُ, والأحـلامُ, والنُظُـمُ
كأنهــا ظُلَــلُ الفِــرْدَوْسِ, حافِلـةً بـالحورِ, ثـم تلاشَـتْ, واختفى الحُلُمُ
****
تبلُــو الحيــاةَ فتُبْلِيهــا وتخلعُهَـا وتســتجدّ حيــاةً, مــا لهـا قِـدمٌ
وأنــتَ أنـتَ شـبابٌ خـالدٌ, نضِـرٌ مثــل الطبيعـة: لا شـيبٌ ولا هِـرَمٌ


[ 19 فبراير / شباط 1930 ، 20 رمضان 1348 ]


------------------
<FONT COLOR="Green">اقرأ ان شئت هذه الموضوعات :</FONT c>
ماذا تعرف عن هؤلاء؟ (http://www.arabiyat.com/ash3ar/qwho.htm)
ملف الامسيات الشعرية (http://www.arabiyat.com/ubb/Forum6/HTML/003152.html)
ملف المحاضرات (http://www.arabiyat.com/ubb/Forum6/HTML/003913.html)
قـ(1)ـراءات (http://www.arabiyat.com/ubb/Forum6/HTML/003273.html) قـ(2)ـراءات (http://www.arabiyat.com/ubb/Forum6/HTML/003915.html) قـ(3)ـراءات (http://www.arabiyat.com/ubb/Forum6/HTML/004073.html)
ابداعات قصصية (http://www.arabiyat.com/ubb/Forum6/HTML/004101.html)
قضية ثقافية (http://www.arabiyat.com/ubb/Forum6/HTML/004100.html)
ملف التجارة الالكترونية (http://www.arabiyat.com/ubb/Forum4/HTML/001290.html)

أبو بسام
22-08-2001, 02:39 PM
أبو القاسم الشابي.. قيثارة الحب
بقلم : علاء الدين حسن
جريدة الجزيرة


لا يُقاس خلود المبدع بعدد السنوات، وإنما بقيمة ما أعطى، وروعة ما ترك، ولو لم تكن لأبي القاسم الشابي غير قصيدته التي يقول في مطلعها:
إذا الشعب يوما أراد الحياة..

لكفته أن تحمل اسمه الى سدرة المجد.. وهذا الشاعر الذي مات شاباً، ترك لنا شعراً كثيرا الأهمية، نتعرف على هذه الأهمية من خلال هذه الدراسة. ولد الشابي في الرابع والعشرين من شباط عام تسعة وتسعمائة وألف في بلدة «الشابية» جنوبي تونس، وعني والده بتعليمه في البيت، ولما بلغ الخامسة أرسله الى الكتّاب، وبعد الثانية عشرة أرسله الى العاصمة حيث التحق بجامع الزيتونة فكون لنفسه ثقافة جمعت بين التراث القديم والأدب الحديث. وعلى اثرتخرجه التحق بمدرسة الحقوق التونسية فتخرج فيها سنة ثلاثين وتسعمائة وألف.. وفي هذه الفترة أصيب بعدة صدمات، منها زواج غير موفق، لأنه كما يقول زكي أبو شادي لم ير في زوجته تلك الصورة الشعرية التي كان يرسمها للمرأة في قصائده، ومنها وفاة والدته التي شكلت خسارة مادية وأدبية هزت قلبه:



يا موت قد مزقت صدري
وقصمت بالإرزاء ظهري
وهدمت صرحاً في الحياة
تصدُّ عني كل شرّ


إن الألم الذي يقطر في كثير من قصائده، إنما هو نتيجة لخوفه من الموت، فلقد كان يراه شبحا لا يبقي على شيء من آمال، ولعله كان يحسب أن حياته المثالية ستستمر طويلاً، فإذا بها تتحول الى ألم وشقاء، وإذا بنا نرى تلك الأتعاب أدت الى إصابته بداء تضخم القلب فذابت أنفاسه الأخيرة آهات في أرجاء الكون، وتحطمت قيثارة الإنسانية، وصعدت روحه الى دنيا البقاء في التاسع من تشرين أول أربعة وثلاثين وتسعمائة وألف ومن يقرأ شعر الشابي يجد أنه يدعو إلى تأمل النفس وحب الطبيعة، فقد كان عميق الإحساس بما يحيط به.



ليت لي أن أعيش في هذه الدنيا
سعيدا بوحدتي وانفرادي
أتغنى مع البلابل في الغاب
وأصغي الى خرير الوادي


وأكثر ما تتمثل الطبيعة في قصيدته وأغاني الرعاة:



أقبل الصبح يغني للحياة الناعسة
والربى تحلم في ظل الغصون اليابسة


وهو الصادح عبر أشعة الشمس:



سأعيش رغم الداء والأعداء
كالنسر فوق القمة الشماء


قد مد الشابي بينه وبين الطبيعة كل أسباب التواصل، بشفافية نفس تتفاعل مع الجمال. عاش مع الأشجار وبين الجبال وراح ينادي:



اسكني يا جراح
واسكتي يا شجون
مات عهد النواح
وزمان الجنون


ومما زاد من توهج جمال الطبيعة في عينيه، اطلاعه على أشعار الرومانسيين الأوروبيين أمثال: لا مرتين وبيرون.. وإعجابه بشعراء المهجر أمثال:
جبران وأبي ماضي.. على أن الشابي كا يرى محمد كرو يمتاز بدقة بالغة في تعبيره، وبراعة فائقة في تصويره.
إن الشابي بحساسيته ووجدانه وبحثه عن واحة لعواطفه، لم يستعذب إلا عناق الطبيعة من خلال المرأة التي تجمع في أغاني الحياة بين براءة الطفولة وجمال الورد:



عذبة أنت كالطفولة كالأحلام
كاللحن كالصباح الجديد
كالسماء الصحوى كالليلة القمراء
كالورد كابتسام الوليد


أحب الشابي رفيقة طفولته التي ماتت لفراقه فازداد ألما وراح يفرق همه بالشعر الباكي الحزين:



قد كان لي ما بين أحلامي الجميلة جدول
يجري به ماء المحبة طاهرا يتسلسل


فتعلق الشابي بالمرأة ليس قائما على المحاسن الجسدية، بل كان منصرفا الى مافي جوانحها من معاني العطف والمحبة، وهذه الحقيقة نجدها في رائعته في هيكل الحب:
أنت فوق الخيال والشعر والفن والنهى وفوق الحدود
وكانت إذا برقت للشابي بارقة أمل من ثغر امرأة جميلة، حملته تلك البارقة على أن يرى كل شيء أجمل مما هو في الواقع:



أراك فتحلو لديَّ الحياة
ويملأ نفسي صباحُ الأملْ
وتنمو بصدري ورودٌ عِذابُ
وتحنو على قلبي المشتعلْ


إن الشرارة الأولى في وطنية الشابي إنما اندلعت من اصطدامه بالواقع المتخلف هذه أمته يهيب بأبنائها أن سيروا في طريق الحياة:



خُلقت، طليقا كطيف النسيم
وحرا كنور الضحى في سماه
فما لك ترضى بذل القيود
وتحني لمن كبَّلوك الجباه؟


لقد آمن أن طريق النهضة هو يقظة الحس، فأخذ يشدد على هذه الظاهرة حتى يرى أثرها في التقدم أشد من الحرية، ومما نقرأ في كتاباته:
إن يقظة الإحساس روح الحياة.
وينطلق هتاف الشابي طليقا مؤمنا بالطموح، مترفعا عن الركود:



ومن يتهيب صعود الجبال
يعش أبد الدهر بين الحفر
لقد ثار الشابي على الأعداء


وهكذا نجد الشابي صوتا واقعيا، سابق الزمن بصوره الشعرية الى عوالم رحبة، وخلف تراثا أدبيا تضمن العديد من المفاهيم.
إن الشابي كما يرى النقاد قد تقدم عصره، وكان حسب محسن حميد الشاعر الوحيد الذي عاش مأساة شعبه كله.
ولعل الإنصاف في شأن الشابي كما يذهب عمر فروخ أن يقال إنه شاعر جاء في مقدمة الشعراء المعاصرين الذين التزموا عمود الشعر العربي.
رحل الشابي عن عمر لا يتجاوز خمسة وعشرين عاماً وكان صوتا متفردا، خسر الأدب بموته خسارة عظيمة، وهو يلفظ أنفاسه يتجلى لنا شاعر يحب الحياة، فيطلق آهته الأليمة التي ر ددتها الجبال والوديان، وترنمت بها قيثارة الزمن.
ولا نغالي حسب الدكتور عباس جرادي إذا قلنا إن الشابي مدرسة في الشعر العربي العربي أساسها أدب إنساني يصل الى أعماق الحياة.

أبو بسام
14-09-2001, 11:58 AM
أحد نصوص أبو القاسم الشابي




الى طغاة العالم.

الا ايها الظالم المســــتبد حبيب الظــــلام عدو الحياة
سخرت بانات شـعب ضعيف وكـــفك مخضوبة من دماه

وسرت تشوه ســـحر الوجود وتبذر شوك الاســـى في رباه
رويدك لايخدعــــنك الربيع صحو الفــضاء وضوء الصباح

ففي الافق الرحب هول الظلام وقصف الرعود وعصف الرياح
حذار فتحت الرماد الـــلهيب ومن يبذر الشوك يجني الجراح

تامل هنـــاك اني حصدت رؤس الــورى وزهور الامل
وروّيت بالدم قـــلب التراب واشربته الدمــــع حتى ثمل
سيجرفك الســــيل سيل الدماء وياكلك العاصـــف المشتعل.

أبو بسام
14-09-2001, 12:05 PM
اسكتي يا جراح واسكتي يا شجون
مات عهد النواح وزمان الجنون
واطل الصباح من وراء القرون

في فجاج الردى قد دفنت الالم
ونشرت الدموع لرياح العدم
واتخذت الحياة معزفا للنغم
اتغنى عليه في رحاب الزمان.

واذبت الاسى في جمال الوجود
ودحوت الفؤاد واحة للنشيد
والضيا والضلال والشذى والورود
والهوى والشباب والمنى والحنان

اسكتي يا جراح واسكتي يا شجون
مات عهد النواح وزمان الجنون
واطل الصباح من وراء القرون

في فؤادي الرحيب معبد للجمال
شيدته الحياة بالرؤى والخيال
فتلةت الصلاة في خشوع الضلال
وحرقت البخور فاضات الشموع

ان سحر الحياة خالد لا يزول
فعلام الشكاة من ظلام يحول
ثم ياتي الصباح وتمر الفصول..؟
سوف ياتي ربيع ان تقضي ربيع.


اسكتي يا جراح واسكتي يا شجون
مات عهد النواح وزمان الجنون
واطل الصباح من وراء القرون
من وراء الظلام وهدير المياه
قد دعاني الصباح وربيع الحياة
ياله من دعاء هزّ قلبي صداه
لم يعد لي بقاء فوق هذي البقاع

الوداع.. الوداع.. يا جبال الهموم
يا ضباب الاسى يا فجاج الجحيم
قد جرى زورقي في الخضم العظيم
ونشرت القلاع فالوداع الوداع...

أبو بسام
12-08-2005, 04:09 AM
لسـتُ يـا أمسـيَ أبكيك لِمَجْدٍ أو لجاهْ

ســلبته منِّـيَ الدُّنيـا, وبـزّتْني رداهْ

فأنـا أحـتقرُ المجـدَ وأوهـامَ الحيـاهْ

*******


أو لعُمْـرٍ, بلغـتْ منـه اللّيـالي منتهاهْ

وتلاشـتْ في خضمِّ الزّمَنِ الطاغي قواهْ

فأنـا ما زلت في فجر شبابي أو ضُحاهْ

*******


لا, ولا أبكيكَ يا أمسي, إذا ما قلت: "آهْ"

لنعيـم, لـم يَنْـلْ قلبـيَ منـه مُشْتهاهْ

فبنُـو الأيـام فـي الدنيا كما شَاءَ الإلهْ

*******


إنمـا أبكـيك للحـبِّ, الـذي كان بَهاهْ

يمـلأ الدنيـا فأنّى سرتُ في الدُّنيا أراهْ

فـإذا ما لاحَ فَجْرٌ, كان في الفجر سناهْ

وإذا غـرّد طـيرٌ, كان في الشدْو صداهْ

وإذا ما ضاع عِطْرٌ, كان في العطر شذاهْ

وإذا ما رفّ زهرٌ, كان في الزّهر صِبَاهْ

فهـو في الكون جمالٌ, يَملأ الأفْقَ ضِياهْ

وتُوشِّـي هـذه الأكـوانَ بالسِّـحر رُؤاهْ

وهو في قلبي - الذي عانقه الفجر - إلهْ!

عبْقـريُّ السِّحرِ, ممراحٌ وديعٌ في سماهْ

يَنْسـجُ الأحـلامَ في قلبي بأضواء الحياهْ

ويُغنِّينـي, فأنسَـى فـي مسـرّاتِ غِناهْ

كلَّ ما في الكون من حزنٍ وأفراحٍ, عَداهْ

أبو بسام
12-08-2005, 04:13 AM
يــا صميــمَ الحيـاةِ! إنـي وحـيدٌ مــدْلجٌ, تائــهٌ, فــأين شـروقُكْ?
يــا صميــمَ الحيــاةِ! إنـي فـؤادٌ ضــائع, ظــامئٌ, فـأين رحـيقكْ?
******
يـا صميـمَ الحيـاةِ! قـد وجَـم النَّايُ وغــام الفضــا, فــأين بـروقكْ?
يــا صميـمَ الحيـاةِ! أيـن أغـانيك! فتحــت النجــومِ يُصغِـي مَشـوقكْ
******
كـنتُ فـي فجـرِك, الموشَّـح بالأحـ ــلام, عِطْـرًا, يَـرِفُّ فوق ورودكْ
حالمًــا, ينهــل الضيـاءَ, ويُـصـ ـغـي لـكَ فـي نشـوةٍ بوحي نشيدكْ
******
ثــمّ جــاء الدُّجــى.., فأمســيـ ــتُ أوراقًا, بدادًا, من ذابلاتِ الورودِ
وضبابًــا مــن الشّـذى, يتلاشـى بيـن هـول الدُّجـى وصمـتِ الوجودِ
******
كـنتُ فـي فجـركَ المغلَّـفِ بالسحـ ــرِ, فَضَـاءً مـن النشـيد الهـادي
وســحابًا مــن الـرُّؤى, يتهـادى فـــي ضمـــيرِ الآزالِ والآبــادِ
******
وضيــاءً, يعــانق العـالَمَ الـرحـ ــبَ, ويسـري فـي كـلٍّ خافٍ وبادِ
وانقضـى الفجـرُ.. فـانحدرتُ من ال أفــق ترابًــا إلـى صميـم الـوادي
******
يـا صميـمَ الحيـاةِ! كـم أنا في الدنـ ـيـا غـريبٌ! أشـقى بغربـةِ نفسـي
بيــن قــومٍ, لا يفهمــونَ أناشـيـ ـــدَ فــؤادي, ولا معـانيَ بؤسـي
******
فـــي وجــودٍ مكبَّــلٍ بقيــودٍ, تائــهٍ فــي ظـلام شـكّ ونحـسِ
فـاحتضِنِّي, وضُمَّنـي لـك - كالمـا ضـي - فهـذا الوجـودُ علّـةُ يأسـي
******
لــم أجـد فـي الوجـودِ إلاّ شَـقَاءً, ســـرمديًّا, ولـــذّةً, مضمحلَّــهْ
وأمــانيَّ, يُغــرِقُ الـدمعُ أحلاهـا, ويُفنــي يــمُّ الزمــان صداهــا
******
وأناشــيدَ, يــأكل اللَّهَـبُ الـدّامي مســـراتِها, ويُبْقِـــي أســـاها
وورودًا, تمــوت فـي قبضـةِ الأشـ ــواكِ, مـا هـذه الحيـاة المُمِلَّـهْ?!
******
ســـأمٌ هـــذه الحيــاة مُعَــادٌ وصبــاحٌ, يكــرُّ فــي إثـر ليـلِ
ليتنــي لـم أَفِـدْ إلـى هـذه الدنيـا, ولــم تســبح الكــواكبُ حـولي!
******
ليتنـي لـم يعـانق الفجـرُ أحـلامي, ولــم يلثــم الضيــاءُ جــفوني!
ليتنـي لم أزل - كما كنت - ضوءًا, شـائعًا فـي الوجـود غـيرَ سـجينِ!