أبو بسام
13-03-2001, 08:06 AM
ريما يختلف هذا الموضوع عن المواضيع السابقة من السير عن اصحاب الفكر والادب .. وذلك لاني لم أعثر - ربما كسلا مني - على ترجمة للاستاذ الاديب عبدالفتاح أبو مدين .. ولكني ما أن قرأت هذا الخبر الذي صاغه الدكتور الشاعر / صالح زياده ..(ونشر في جريدة الوطن اليوم الاثنين ) عن اللقاء المفتوح الذي اقامه اديبنا ابو مدين في النادي الادبي بأبها .. وبانبهار في اسلوب الدكتور واعجابا فيه .. ورغبة في اطلاعكم على ماكتبه الدكتور صالح زياده ... فضلت أن يكون ضمن هذه السلسلة .. ريثما أجد له ترجمة لسيرته الذاتيه وبعضا من أدبياته ..
أبو بسام
----------------------------
بإيقاع بطيء يشف عن حزن ، وصوت يضاعف المد في واو الجماعة الفاعلة للأفعال المتوالية معطوفة بالواو، راح الأستاذ عبد الفتاح أبو مدين يصف اجتماعات الأندية الأدبية، في لقائه المفتوح مع جمهور نادي أبها الأدب، بقوله:
ـ " يتحدثون، ويسولفون، ويُعْزَمون ، ويَعْرضون ..."
وهو وصف بدا محملاً بضجر لا يخلو من المرارة ، والانتقاد لفعل مترهل لا تحكمه قيمة ثقافية ولا تحزمه منهجية تباعده عن المجانية وتبنيه باتجاه صاعد نحو ما يضيف وينسق ويزيد من فاعلية الأندية في ميدانها الذي أنشئت ومُوِّلت من أجله.
والدلالة التي يحملها حديث أبي مدين لا تحيلنا إليها، فقط, نصية الوصف الذي قدمه، ولا كثرة نواح النائحين على جدوى الأندية وانحسار فعلها, في غير مناسبة وفي أكثر من موقع ـ بل يحيلنا إليها ما يحمله أبو مدين نفسه من بعد دلالي بوصفه علامة فارقة على مستوى الريادة والجدية والإنتاجية والمعاناة بالمعنى الثقافي والإبداعي عبر تجربة ابتدأت من الصفر.
عبد الفتاح أبو مدين يثير شهيتك للكلام، ويحرضك على التفكير، ويفتِّق فيك طموحاً لا يُحَد. مَن غالبه الملل ، وغزاه الإحباط ـ فليستمع إلى أبي مدين، وليقرأ أبا مدين.
كان لقاء أبي مدين لقاء لجيل سمع عن رواد الصحافة والثقافة السعودية ولم يرهم، وقرأ نجاحهم ولم يعرفهم، وظنهم ماضياً انقضى فإذا هم بعض جلده ولحمه ودمه في الراهن الذي يوشك هذا الجيل أن تنغلق دائرة إبصاره في حدوده. حقاً للأساتذة جلالهم الذي تزيده الأيام ألقاً، والأستاذية هنا مركب لعصامية تفعل ولا تنفعل، وتشارك ولا تستبد, وتحاور ولا تقصي، وتعمل ولا تتقوَّل، وتعي ولا تضل, وتطمح ولا تقنع، وتتفاءل ولا تيأس، وتبعث في الآخرين شهية العمل وإرادة الحياة...
ـ "لا شيء يقف أمام الطموح بتوفيق الله"
كانت هذه العبارة متكأ الأستاذ حين يتوقف في منعطفات الكلام والزمان, ويتحول من رحلة إلى رحلة، ومن طموح إلى طموح . في هذه الوقفة القصيرة تلحظ التقاطه لنفَسه وإغماضه لعينيه، لكأنه ينظر إلى مالا ترى ، ويستحضر زمنا معجونا بالتعب والأحلام معاً، ويخيل إليك أنه يصعد بك الجبل؛ جبل المسافة بين الطفولة والشيخوخة ، و(الأضواء) و(علامات)، الصمت والكتابة... إنه جبل المكابدة والعناء؛ حيث لا أحد يمنحك شهادة الريادة لأنك تصنعها لنفسك ، ولا أحد يتوجك بطلاً لأن البطولة ليست أمنية أو رغبة، ولا أحد يعلمك لأن العلم لا يوهب بقدر ما يُكتسب.
من هنا كان للكتابة التي خطها قلم أبي مدين ذلك المعنى الذي يستحضر الاصطراع ويلج مضمار التحدي ، وما عناوين كتبه قبل تفاصيلها إلا دال من دوال هذا المعنى الذي لا تخفيه " أمواج وأثباج" ولا ينتهي عند "الصخر والأظافر" ولا تنعزل عنه "حكاية الفتى مفتاح" أو "وتلك الأيام". لكأن الوجود الذاتي هنا من حيث هو علاقة قراءة وانكتاب في حاجة إلى مصطرع تعي به الذات ذاتها وتتحقق من فعلها وتبلغ اليقين في حيوية دورها وناتج وظيفتها حسيا.
وسواء قرأت أبا مدين في نقده، أو في سرده وحكيه، أو في صحافته، فلن يغيب عنك هذا المعنى الذي هو في العمق معنى جوهري للحياة، وهو معنى يشكل بكيفية ما نوعاً من الانعكاس بين فضاء الذات وفضاء الجماعة ، بحيث يغدو أبو مدين ـ تماما كما هم رواد صحافتنا وثقافتنا الأدبية من العواد إلى الجهيمان ومن الجاسر إلى السباعي ـ نموذجاً لذلك الوعي الذي تتداخل فيه الذات مع منظومتها الاجتماعية والوطنية ، على ذلك النحو الذي يجد شواهده وأدلته واقعيا في مواقف عديدة ليست قضية "الأضواء" و "أرامكو" الشهيرة إلا إحدى أمثلتها.
أليس أبو مدين ـ إذن ـ مساحة ناصعة بكبرياء القلم ، بكبرياء الوطن ؟!!.
د/صالح زيادة
أبو بسام
----------------------------
بإيقاع بطيء يشف عن حزن ، وصوت يضاعف المد في واو الجماعة الفاعلة للأفعال المتوالية معطوفة بالواو، راح الأستاذ عبد الفتاح أبو مدين يصف اجتماعات الأندية الأدبية، في لقائه المفتوح مع جمهور نادي أبها الأدب، بقوله:
ـ " يتحدثون، ويسولفون، ويُعْزَمون ، ويَعْرضون ..."
وهو وصف بدا محملاً بضجر لا يخلو من المرارة ، والانتقاد لفعل مترهل لا تحكمه قيمة ثقافية ولا تحزمه منهجية تباعده عن المجانية وتبنيه باتجاه صاعد نحو ما يضيف وينسق ويزيد من فاعلية الأندية في ميدانها الذي أنشئت ومُوِّلت من أجله.
والدلالة التي يحملها حديث أبي مدين لا تحيلنا إليها، فقط, نصية الوصف الذي قدمه، ولا كثرة نواح النائحين على جدوى الأندية وانحسار فعلها, في غير مناسبة وفي أكثر من موقع ـ بل يحيلنا إليها ما يحمله أبو مدين نفسه من بعد دلالي بوصفه علامة فارقة على مستوى الريادة والجدية والإنتاجية والمعاناة بالمعنى الثقافي والإبداعي عبر تجربة ابتدأت من الصفر.
عبد الفتاح أبو مدين يثير شهيتك للكلام، ويحرضك على التفكير، ويفتِّق فيك طموحاً لا يُحَد. مَن غالبه الملل ، وغزاه الإحباط ـ فليستمع إلى أبي مدين، وليقرأ أبا مدين.
كان لقاء أبي مدين لقاء لجيل سمع عن رواد الصحافة والثقافة السعودية ولم يرهم، وقرأ نجاحهم ولم يعرفهم، وظنهم ماضياً انقضى فإذا هم بعض جلده ولحمه ودمه في الراهن الذي يوشك هذا الجيل أن تنغلق دائرة إبصاره في حدوده. حقاً للأساتذة جلالهم الذي تزيده الأيام ألقاً، والأستاذية هنا مركب لعصامية تفعل ولا تنفعل، وتشارك ولا تستبد, وتحاور ولا تقصي، وتعمل ولا تتقوَّل، وتعي ولا تضل, وتطمح ولا تقنع، وتتفاءل ولا تيأس، وتبعث في الآخرين شهية العمل وإرادة الحياة...
ـ "لا شيء يقف أمام الطموح بتوفيق الله"
كانت هذه العبارة متكأ الأستاذ حين يتوقف في منعطفات الكلام والزمان, ويتحول من رحلة إلى رحلة، ومن طموح إلى طموح . في هذه الوقفة القصيرة تلحظ التقاطه لنفَسه وإغماضه لعينيه، لكأنه ينظر إلى مالا ترى ، ويستحضر زمنا معجونا بالتعب والأحلام معاً، ويخيل إليك أنه يصعد بك الجبل؛ جبل المسافة بين الطفولة والشيخوخة ، و(الأضواء) و(علامات)، الصمت والكتابة... إنه جبل المكابدة والعناء؛ حيث لا أحد يمنحك شهادة الريادة لأنك تصنعها لنفسك ، ولا أحد يتوجك بطلاً لأن البطولة ليست أمنية أو رغبة، ولا أحد يعلمك لأن العلم لا يوهب بقدر ما يُكتسب.
من هنا كان للكتابة التي خطها قلم أبي مدين ذلك المعنى الذي يستحضر الاصطراع ويلج مضمار التحدي ، وما عناوين كتبه قبل تفاصيلها إلا دال من دوال هذا المعنى الذي لا تخفيه " أمواج وأثباج" ولا ينتهي عند "الصخر والأظافر" ولا تنعزل عنه "حكاية الفتى مفتاح" أو "وتلك الأيام". لكأن الوجود الذاتي هنا من حيث هو علاقة قراءة وانكتاب في حاجة إلى مصطرع تعي به الذات ذاتها وتتحقق من فعلها وتبلغ اليقين في حيوية دورها وناتج وظيفتها حسيا.
وسواء قرأت أبا مدين في نقده، أو في سرده وحكيه، أو في صحافته، فلن يغيب عنك هذا المعنى الذي هو في العمق معنى جوهري للحياة، وهو معنى يشكل بكيفية ما نوعاً من الانعكاس بين فضاء الذات وفضاء الجماعة ، بحيث يغدو أبو مدين ـ تماما كما هم رواد صحافتنا وثقافتنا الأدبية من العواد إلى الجهيمان ومن الجاسر إلى السباعي ـ نموذجاً لذلك الوعي الذي تتداخل فيه الذات مع منظومتها الاجتماعية والوطنية ، على ذلك النحو الذي يجد شواهده وأدلته واقعيا في مواقف عديدة ليست قضية "الأضواء" و "أرامكو" الشهيرة إلا إحدى أمثلتها.
أليس أبو مدين ـ إذن ـ مساحة ناصعة بكبرياء القلم ، بكبرياء الوطن ؟!!.
د/صالح زيادة