أبو بسام
27-03-2001, 05:39 AM
يقول عن نفسه وعن أدبه في ختام رسالته الأولى إلى ولده، فيما يشبه التعريف بهما: "هذه الرسائل خليط في ألوانها وفي أحجامها، هي كمئة من الإبل قد لا تجد فيها راحلة واحدة - كما عبر عن ذلك نبي الرحمة - ولكن ما كل بدوي ضاق بإبله تركها هائمة في الصحراء لأنه لا يوجد فيها راحلة واحدة قد لا تحمله وتحمل أطفاله وربة بيته؛ بل يظل نزيلاً في قلب الصحراء يدرب جماله لعله يكون له منها أكثر من راحلة.
ولدي:
لعلي - هنا - ذلك البدوي الذي ظل يدرب إبله أكثر من خمسين عاماً، لعله يكون له منها ما يحمل رحله الذي أثقل كاهله في طريقه التي يسير عليها إلى أن يقول له قدره أنخ مطيتك هنا فلا مسير لك فيه الخيار".
ولد قائل هذا المقطع سنة 1336 هـ، وتعلم مبادئ القراءة والكتابة في كتاب قريته، ثم غادره لينخرط في مدرسة الحياة المفتوحة منذ الأزل، حيث مضى يتحرك فيها بوعي حاضر، وحس حاد، وتلق عميق، من حقل إلى حقل، ومن مستوى إلى مستوى، ومن منهج إلى منهج، ومن مقعد إلى مقعد، ابتداءً بمقعد "اليتيم الباكي على صدر أمه" في أعماق القرية الرابطة على ضفاف الوادي، وانتهاءً بمقعد المسؤول الوجيه الساكن في أعماق المدينة الرابضة على كتف الجبل، على امتداد أكثر من ستين سنة، كان خلالها غارقاً في ذلك التلقي العميق عن الإنسان والحياة والكون والموت وما قبل ذلك وما بعده، وعن حركتها في سياقاتها الخاصة والعامة، ابتداءً بها في أعماق ذاته هو، وانتهاءً بها في أعماق الغيب، يقرأ ويرصد، يحلل ويفسر، يربط ويستنتج، في حركة تأملية نافذة، لا يزال فيها مسافراً - في هدوء تارة وفي جدل داخلي مكتوم أخرى، في لذة تارة وفي ألم أخرى - بين سطوح الأشياء هنا، وبين حقائقها الساكنة هناك في الأعماق البعيدة، لكنها كانت حركة صامتة لا صخب لها ولا جعجعة ولا إثارة ولا استجلاب للأنظار، ولقد ظلت كذلك في بؤرة وعيها أكثر من خمسين سنة تجري في نشاط وفتوة في أعماق هذا الرجل دون أن يأذن لما يعلن عن وجودها أو يعكس صوتها بمغادرة تلك الأعماق، وكأنه آلى على نفسه ألا يبارحها شيء قبل أن يبلغ من الاستواء مداه، إن كان حاملاً أو محمولاً.
أكثر من نصف قرن - إذن - من الكدح الواعي المضني في سبيل إنضاج الأداة والرؤية، نصف قرن وزيادة من التدريبات الشاقة جداً لحمله في فجاج الصحراء قبل أن ينضج ويستكمل المقومات القاسية التي حددها الشيخ فيه ليكون بها قادراً على حمل شيخوخته وأطفاله وربة بيته.
في سن السادسة والستين أرخى البدوي خطام بازله، وقال له: الآن..
إن هذه في حد ذاتها فلسفة بالغة العمق، لا أعتقد أن الكثير قد اهتدى لها، بالغة المشقة لا أعتقد أن الكثير قد استطاع ترويض نفسه لاحتمالها.
بدأ - إذن - عند سن السادسة والستين تدفق نشاطه الإبداعي من خلال ما احتوى عليه مؤلفه الأول: "في أثر أبي الطيب بين اليمامة والدهناء" المنشور سنة 1402هـ - 1982م، تلاه على الفور مؤلفه: "رسائل إلى ولدي" بجزئيه: حتى لا يصيبنا الدوار، ومنازل الأحلام الجميلة، اللذين صدرا سنة 1403هـ - 1983م، تلاهما مؤلفه "حاطب ليل ضجر" المنشور في جزئين سنة 1408هـ - 1987م، ثم تلاه مؤلفه: "أبا العلاء... ضجر الركب من عناء الطريق" الذي نشر سنة 1410هـ - 1990م، ثم تلاه مؤلفه "ذكريات أرتني سرها" المنشور سنة 1411هـ - 1991م، فمؤلفه: "ذكريات وأحاسيس ندمت على عضد الزمن" الذي نشر سنة 1421هـ - 2000م، فمؤلفه: "رسائل خفت عليها الضياع" الذي نشر سنة 1421هـ - 2001م، يضاف إلى ذلك مؤلفه الوثائقي المهم "لسراة الليل هتف الصباح" المنشور سنة 1997م.
نتاج إبداعي غزير متدفق بدأ عند هذا الأديب بعد سن الخامسة والستين، سكبه - إلا ما ندر - في قالب "الرسالة الأدبية" التي أؤكد هنا أنه قد أعطاها شخصية ناضجة جديدة، بالغة الجمال والفتوة والتألق.
لم يكن هذا الانفجار الإبداعي الذي ظهر عند هذا الشيخ فجأة بعد سن الخامسة والستين مصدر الإدهاش الوحيد للمتلقي، لكن ذلك المتلقي - أيا كان - ما إن يبدأ في تلقي أولى عبارات هذا الأديب في أي من مؤلفاته، بل في أي نص يصدر عنه حتى يفاجأ بنمط خاص من الأداء الإبداعي الراقي الذي لا عهد له بمثله في الخطاب الأدبي العربي، سواء على مستوى الخامة أو الرؤية أو أسلوب المعالجة.
فعلى مستوى الخامة تأتي الصحراء الساكنة في أعماق هذا الشيخ بفضاءاتها وبعناصرها الحية وغير الحية لتشكل المنجم المحوري الذي تقد مته لبنات هذا الخطاب، يرفدها - إلى حد بعيد - النص الإسلامي.
وعلى مستوى الرؤية يتكئ خطاب الشيخ على رؤية نافذة، تبدأ بأعماق الشيخ ذاته، ويتسع مداها حتى يلامس في حياء أبواب الحقيقة الكبرى، مروراً بالإنسان والكون والموت، والغيب، وتتوغل في أعماق الأشياء إلى المناطق التي ما عرفت الضوء أبداً، وترقى فيها إلى المرتفعات الوعرة التي تحف الأخطار بالعيون التي ترمقها من بعيد، من خلال حركة فكرية وخيالية، وفلسفية تستند إلى صميم المرجعية الروحية والأخلاقية والإنسانية التي تميز هذه الأمة، وتحدد معالم شخصيتها، وتملأ حقول هويتها الأصيلة في أرقى أمثلتها وأكثرها إشراقاً.
أما على مستوى أسلوب المعالجة فإن خطاب الشيخ يتكئ على شبكة مدهشة من التقنيات التي ذهب بها ذلك الخطاب إلى أقصى درجات التنوع والحيوية، وتوغل بها إلى أقصى درجات العمق في العرض والمعالجة، وارتقى بها في مساحات واسعة منه إلى درجة غدا فيها متحرراً من الدلالة الموضوعية القاطعة، فكثيرة جداً المواضع التي يقف فيها المتلقي المدقق المتمرس على أسلوب هذا الشيخ ليقول لمقطع ما من خطابه: أين مكانك؟ فيأتيه جواب ذلك المقطع قائلاً: أين تريده؟
إن هذا يتيح لكل متلق أن يقرأ خطاب هذا الشيخ قراءة مختلفة تماماً، وأن يذهب معه إلى مناطق قد لا تخطر على بال متلق آخر أنه - بالاتكاء على تلك التقنيات بالغة التنوع - يذهب مع كل متلق إلى حيث يشاء.
إن من يتأمل في هذا الخطاب - بعمق ومرونة - يدرك تماماً أنه أمام نسيج فريد، التحم فيه الأدب في أعلى درجات تحليقاته بالفكر في أعلى درجات انضباطه بنوع جديد من الفلسفة يستمد من الأدب القدرة على التحليق إلى البعيد، والتحرر من القيود اللغوية والموضوعية التي تحد من قدرة اللغة على اقتناص ومضات الخواطر وسوانح الأفكار، كما يستمد من الفكر القدرة على التحليل والتعليل والتفسير والربط، ومن مقومات أصالة هذه الصحراء الروحية والأخلاقية والإنسانية في أعلى درجاتها فتوة المرجعية التي يحاكم إليها قضاياه، فيما يمكن أن أسميه "فلسفة الصحراء".
إن هذا النبوغ المفاجئ الذي جاء بعد سن الخامسة والستين، وهذا النتاج الخصب المتدفق، وهذا الأداء الإبداعي الراقي غير المعهود تشكل عناصر إدهاش حقيقية في هذا الأديب وأدبه.
لكن، ماذا لو كان هذا - كله - يصدر عن رجل يسكن من هذا العصر على قمة تجعل كل ما حدث وما يحدث في مجال رؤيته وفي دائرة وعيه أينما كان موقعه؟
ثم ماذا لو كان هذا - كله - يصدر عن شخصية ما زالت بها التجربة مع الحياة ومع الأحداث، والخبرة بذاتها وبما هو خارج ذاتها حتى بلغتا بها مداها الأقصى من الانضباط والنضج والتوازن والشعور بالمسؤولية؟
ثم ماذا لو كان ذلك الخطاب - على ما فيه من عناصر إدهاش - يعرفها تماماً من قرأه بعمق وتأن ومرونة - يصدر على لسان صاحبه صدوراً فطرياً تلقائياً لم يخضع أبداً لأي نوع من أنواع المراجعة أو التنقيح، معتمداً على الإملاء الشفوي المباشر، في تدفق يصيب من يشهده بالذهول؟
ومن كان يمني نفسه أن يرى في حياته كيف يتدفق الأدب في أعلى درجاته أدبية على البديهة، وكيف يجري على لسان صاحبه كالينبوع على نحو تلقائي تام فليأت هذا الشيخ، وليستمع إليه وهو يملي على أحدهم نصاً ما، وسيرى العجب إذا كانت لديه القدرة على تذوق الأدب وعلى استيعاب محمولاته.
ثم ماذا - بعد هذا كله - لو كان لهذا الأدب - بهذه المقومات وبسواها مما ليس هنا مقام التفصيل فيه - قدرة غير عادية على التغلغل في الأعماق الفكرية والوجدانية لدى المتلقي الدؤوب، والسيطرة عليها بهدوء، ومن ثم ممارسة التأثير الحقيقي فيها بإعادة صياغتها في رؤاها الصغيرة والكبيرة، وفي مواقفها من الأشياء، وفي طريقة نظرتها إليها، على نحو بالغ العمق والفعالية، يعيد لذلك المتلقي - أولاً - الثقة بذاته وبمقومات أصالته الروحية والأخلاقية والإنسانية.
أبو بسام
30-04-2001, 09:06 AM
لموثق التاريخ صفق المؤرخــــون
بقلم الدكتور / غازي القصيبـــي
صوت من الخليج - المجلة العربية
============================
بيني وبين أبي عبدالمحسن، عبدالعزيز التويجري، مودة قديمة..
اختبرتها الدنيا فوجدتها ثابتة قوية..
وقليل من المودات يصمد أمام اختبار الدنيا..
التي تقبل.. فيقبل معها الكثيرون..
وتدبر.. فيدبر معها الكثيرون..
وعن الدنيا قال طه حسين قولته الشهيرة أمام الذين جاءوا يهنئونه بالوزارة:
«أدبرتم.. حين أدبرت.. وأقبلتم.. حين أقبلت».
وقف أبوعبدالمحسن معي في أكثر من أزمة..
حين أدبر البعض..
ـ ولا أقول الكثيرون ! ـ
ولم أعرف بمواقفه إلا بعد انجلاء الأزمة..
وأحببت ألا تشوب فضله شائبة
فلم أتحدث عن هذه المواقف..
والحديث عن موقف..
كثيراً ما يخدش روعة الموقف
******
ويجمعني بأبي عبدالمحسن حب المتنبي..
وحديث المتنبي حديث ذو شجون..
والذي يحفظ شعر المتنبي..
يستطيع قول كل ما يريد قوله..
على لسان المتنبي..
ومن شعر المتنبي..
وتصل الرسالة إلى أصحابها..
واللوم على المتنبي..
وأبوعبدالمحسن دبلوماسي.. أحياناً.
ويفتقر، أحياناً، إلى الدبلوماسية..
وعندها
ـ في اجتماع سياسي أو محفل عام ـ
يستعين بالمتنبي
الذي يهرع بإسعافه..
حدثني من أثق به..
قال:
كان أبوعبدالمحسن في بلد
لا يستحب ذكر اسمه..
أمام زعيم
أفضي إلى ما قدم..
ودار الحديث عن الأسلحة..
وضرورة الحصول على المزيد منها..
وأبوعبدالمحسن يستمع..
ويتململ..
ثم أنشد فجأة
وما تنفع الخيل الكرام ولا القنا
إذا لـم يكـن فـوق الكـرام كـرام
وابتسم الحاضرون..
وابتسم معهم الزعيم!
الذي لم يفهم المقصود
******
ومن غريب أمر أبي عبدالمحسن
ـ ولكل منا أمر غريب ـ
أنه يصرّ على أنه بدوي ساذَج..
قادم لتوّه من أعماق الصحراء..
إذا سأله سائل عن الأدب..
قال: «لست أديباً!»
وإذا سأله سائل عن التاريخ
قال: «لست مؤرخاً!»
وإذا سأله سائل عن السياسة..
قال: «لست سياسياً!»
وإذا سأله سائل عن تجاربه في الحياة..
قال: «لا توجد لدى تجربة تذكر!»..
حسناً
قد يكون هذا من باب التواضع
ـ وهو تواضع محمود ـ
وقد يكون هذا من قبيل الاعتداد
ـ وهو اعتداد مقبول ـ
والمعنى في بطن المتنبي!
********
هذا الرجل الذي ينفي أنه أديب أو مؤرخ أو سياسي..
قدم للأدباء والمؤرخين وطلبة السياسة
هدية لا تقدّر بثمن..
«لسراة الليل هتف الصباح!»
هدية سيظل الأدباء والمؤرخون وطلبة السياسة
يشكرونه عليها..
زمناً طويلاً..
من أعمق الأعماق
********
هذا الكتاب/ الذخيرة..
عن عبدالعزيز آل سعود..
الرجل..
القائد..
باني الدولة..
الإنسان..
الكتاب يقدم لنا عبدالعزيز
عبر رسائل عبدالعزيز
بلا رتوش
ولا محسنات لغوية..
تاركاً عبر الوثائق الفريدة..
كنزاً لا ينضب للباحثين والباحثات.
********
«لسراة الليل هتف الصباح»
ولمن قضى السنين الطوال
يوثق للمسيرة..
صفق المؤرخون
********
بقيت كلمة في نفسي..
لابد أن أقولها..
كم تمنيت لو جاء الكتاب بلا مقدمات..
وقديماً قال صاحبنا:
إذا كان مدح فالنسيب المقدّم
أكلُّ فصيح قال شعراً متيم؟!
أبو بسام
30-04-2001, 09:15 AM
لهذا جعلت هذا الكاتب
يقدم كتابي عن الملك عبدالعزيز
ردا على مقالة الدكتور القصيبي
بقلم الشيخ عبدالعزيز التويجري
============================
قرأت في «المجلة العربية» ما تفضل به شاعرنا وأديبنا الكبير الدكتور غازي القصيبي، مقالاً بعنون: «لموثق التاريخ صفق المؤرخون». بهذا المقال الأخوي أوقفني أخي غازي أمام التاريخ والمؤرخين وأمام نفسي وقال قولاً كريماً وسديداً عن كتابي «لسراة الليل هتف الصباح». كم أنا سعيد وفخور بهذه الشهادة من رجل كالدكتور غازي، وقد كانت منتظرة من أخي. فالملك عبدالعزيز ـ رحمه الله ـ هو اليوم عند ربه، ونحن نعيش ثمرة كفاحه ومعاناته ومعاناة رجاله معه، من أبناء هذا الشعب.
وأخي غازي، وهو من بيت كريم وفيّ لمؤسس دولتنا الحديثة، هو وريث هذا البيت، ألا يمكن أن يفتح أوراقه لتملي عليه ذاكرة بيته، وتملي عليه ذاكرة شبه الجزيرة العربية ما كان في أحشائها عن الشاب ثم الملك عبدالعزيز؟ من قال عنه أحمد حسن الزيات: «إنه في دينه ا عنه العقاد وسيد قطب والرافعي، وقال عنه كثير من مفكري العرب والمسلمين بل والأجانب الكثير الكثير..
أخي غازي:
قلت عني: «أبوعبدالمحسن دبلوماسي أحياناً، ويفتقر أحياناً إلى الدبلوماسية» وقلت: «وغريب أمر أبي عبدالمحسن، ولكل منا أمر غريب،
أخي غازي:
هأنذا منذ أن كنت ابن خمسة عشر وأنا أحمل معي لوحي الخشبي أقرأ فيه حروف الهجاء ولا شيء معي غير هذا إلى يومي هذا، لأن أيامي الأُول أيام جمل وخيمة ورحلات من قفر إلى قفر، ومن فدفد إلى فدفد، يخادع فيها السراب الجمل وراكبه الظامئين إلى الشراب. وهكذا أعيتني جهالتي به أن أتصالح معه. ولعل ما جاء به الأخ غازي وقاله عني هو من هذا الشيء. نعم كنت ساذجاً أمشي خارج نفسي في قفار من الأوهام، أبحث عن مدر
أخي غازي:
مشكلتي أنه ماكان لي معلم يجمع شتات نفسي ويحدد طريقي في اختصاص التساؤلات معه والأجوبة تمليها عليّ مدرسة من مدارس الحياة. هكذا أنا وهكذا جهالتي عشّتْ على بصري وبصيرتي عن أعظم معلم في أسرتي الذاتية. هكذا قالت لي الشيخوخة وقال أبوالطيب:
إذا كان الشباب السكر والشيـ
ب هماً فالحياة هي الحمام
فما معي، وما في ذاكرتي، هي
وأخي غازي، وهو ربّ قلم وبيان، وريث النابغة الذبياني وامريء القيس وعمر بن أبي ربيعة وأبي الطيب، ماذا يرى لي، وقد تجاوزت ثمانين سنة؟ أبقي لي فيها سؤال أو جواب؟ هذا ما أوصلتني إليه التجربة، ولا أقول المعرفة، فالمعرفة لا أدّعيها، ومن يدّعها فليقلها!
أخي غازي:
جاءت ملاحظتك على مقدمات الكتاب خفيفة ولطيفة، وهي ملاحظة مقبولة قابلتني ببعض التساؤلات: لماذا؟ وليت! من بعض الإخوة، وكان جوابي:
لا تعذل المشتاق في أشواقه
حتى يكون حشاك في أحشائه
أنا عاشق لبطلي، كما قال الأستاذ هيكل، عاشق لوحدة بلادي بعد شتات، عاشق لتحكيم شريعة الله فيها، عاشق لتأمين الخائف ولقطع دابر قاطعي الطرق، والفوضى، عاشق لهذا اليوم، يوم الجامعات والمدارس، عاشق لإحراق أعلام العزلة قبل أن تصل إلى سارية الصورة التي لي عند أي قارئ؟ ما الذي يعرفه عني؟ ما الذي في جيبي من شهادات يمكن أن تمررني وتمرر معي كتابي إليه؟ فجاء الجواب أن ابحث لك عمن يقدم كتابك، فكرت طويلاً فيمن يكون هذا الأخ، فكرت فيك يادكتور غازي، فكرت في الكثيرين من إخو فطلبت إلى بعض الإخوة أن يساعدوني ويرشحوا لي إنساناً لقلمه صدى كبير عند القراء في العالم العربي والإسلامي، وكان مما أطمع فيه أن يكون لكتابي قراء من شتى الميول والثقافات، حتى وإن كان واديهم غير وادينا. ومثل هؤلاء القراء قد لا تجذبهم قرا من هذا المفهوم المخلص جاء الاختيار. وقد كان للكتاب من ذلك مدخل مثير لإحساس القارئ بأهمية الكتاب. وما أكثر الذين تساءلوا أيضاً: كيف كان هذا، وكيف حصل الكتاب على هذا التقديم؟ وكان الجواب طبيعياً، إنه حصل بقناعات كاتبه بعظمة الملك عبدالعزيز وأ
أخي غازي:
لقد أخذتني مقالتك مآخذ شتى، فاستجبت لها بقدر مكانتها من نفسي وتأثيرها عليّ. فقد مسّت مكامن نفسية عندي كانت في ح
وما أنا بالباغي على الحب رشوة
ضعيف هوى يُبغى عليه ثواب
أخي غازي:
لا أعرف كيف أعبر لك عن تقديري واحترامي وامتناني، فقد أضفيت عليّ، أيها الأخ، شيئاً من مكارم أخلاقك لا أستحقه. أقول هذا بصوت جهوري غير هامس. ولك صادق الود.
أبو بسام
28-05-2001, 07:17 AM
يقوم النهج التأملي والأسلوبي لدى الكاتب الشيخ عبدالعزيز بن عبدالمحسن التويجري على فكرة واحدة وهي التبدّي، أي دعوة الإنسان العربي المعاصر للعودة إلى منابعه وجذوره إلى الصحراء العربية التي رسمته ورسمت أجداده بميسمها، ومنحته هويته المميّزة، وهي التي وحدت ثقافته وحضارته وحدة هذه الصحراء وشموليتها.واليوم، حين ينأى الإنسان عن جذوره بحكم تبدل حياته من البداوة إلى الحضارة، ومن الفكر الذي خلفه له أجداده إلى الفكر المستورد، وفي صفاء العقيدة وانسجامها مع الذات العربية إلى معتقدات تتنافى وطبيعة ذلك الإنسان وتراثه، فرنه يفقد هويته وسيادته على ذاته، وتكيفه مع قيمه الأصيلة.لم يكن الشيخ التويجري أول من نادى بالعودة إلى الجذور، لكنه أول من فهم جوهر الإنسان العربي، ونَفَذَ إلى أعماقه منطلقاً من البيئة التي صنعته، ولا يعني ذلك أن الشخصية العربية التي تعايشها مع وسطها ومجتمعها تختلف عن البشر في نوازعهم العامة، فقد شهد الإنسان العربي فوق تلك الصحراء كسواه من الناس ضروباً من الصراع وانقساماً على نفسه تحت ضغط ودافع الحاجة إلى البقاء، فكانت العصبية والغزو والثأر والاقتتال على موارد العيش والمياه مظاهر من الحياة القبلية، غير أن هذا الانقسام، وتغليب المنافع المادية على قيم الروح، كانت تجارب غنية لذلك الإنسان، علمته كيف يسمو على منازعه، وينتصر على أنانيته وغريزة الصراع لديه. ومثلما كانت كثبان الرمال تتشكل فوق جسر الصحراء مع كل ريح عاصفة، كانت تلك الريح نفسها تسوّي معالم الصحراء فتطمسها كل يوم لتعيد إلى الصحراء توحدها في هذا الكل الشامل الذي تعلم منه الإنسان كيف يتطلع إلى ما وراء عواصف النفس ونزواتها.كثيرون سبقوا "التويجري" إلى اصطناع عباءة البداوة، ولو عدنا إلى معجم الألقاب الأدبية والفكرية، لهالنا عدد الذين اتخذوا لقب البداوة من المفكرين والأدباء، وهناك أكثر من بدوي يرتدي البنطال على صعيد السياسة، وياطلب أن يعود العرب إلى الخيمة، ويهجروا المدنية المعاصرة، حتى بلغت الجرأة بأحدهم أن يتحوّل إلى بيت الشعر، ويربي الأغنام، ويطالب زوجته بأن تتزيّا باللباس البدوي. وفي ظنه أن هذا الحل كفيل بأن يعيد للروح العربية نقاءها وصفاءها. مع ما في ذلك من معاكسة لمنطق التاريخ وسنة الحياة.هؤلاء لم يدركوا أن التاريخ لا يعود إلى الوراء، وان العودة إلى الجذور، لا تكون بالمظاهر المادية الخارجية، إنها تحوّل نفسي داخلي ومواقف داعية من المؤثرات الخارجية التي تحاول اقتلاع العربي من هويته وعزله عن قيم الصحراء، وهي خيارات داخلية تستند إلى إرادة الإنسان في أن يحقق ذاته، ويضع لحياته رسالة ومعنى.* * *في رحلة الشيخ عبدالعزيز التويجري الطويلة مع الذات، من خلال كتبه كلها، ومحاوراته هؤلاء الذين حاورهم ممن سبقوه كالمعري والمتنبي، كان يرصد دائماً مواقفهم الفكرية والتأملية ليكشف القيم التي حملوها، مبرزا صلتها بمدرسة الصحراء التي أفرزتهم وولاءهم لها، سواءٌ كانوا منسجمين مع هذه المبادئ أم متشككين فيها، هو يتابع بدقة تأملاتهم النفسية والفكرية والروحية، يثني على وفائهم للنبع، أو يحاول كشف غلطهم إن هم حادوا عنه، ليردّهم إلى جادة الصواب، أو يظهر صلة ما ينادون به من قيم بمدرسة الصحراء.نلاحظ أن "التويجري" ينهل مبادئه من تجربته الحياتية الواسعة لأنه ابن هذه الصحراء، فهو ربيبها وهي معلمته، درج على ثراها طفلاً، وأتيح له ما لم يتح لسواه من مدّعي البداوة، من ملازمتها والتوحّد فيها، وتمثَّل عاداتها وتقاليدها في زمن لم تكن فيه الحضارة الوافدة قد غزتها. وفي مرحلة من العمر لم يكن فيها مَنء يعرف القراءة والكتابة، بل كان كتابه شمسها ونجومها ونوءها ورياحها وحداءها وأغانيها، وعالمه الروحي فيها هو عالم الإسلام دين الفطرة والسماحة.كما نلمس ان "التويجري" يرصد في كتبه ورسائله ذلك الاغتراب والقلق والاضطراب الذي تواجهه النفس العربية، حين خرجت من عالم الصحراء إلى عالم التمدن في المدينة، وهو عالم كوّنته المنفعة المادية، الاجتماعية في جوهره، ويحلل بذكاء قلق النفس العربية وهي تتخلى عن فطرتها في مواجهة العالم المادي الغريب والمصطنع، فيقف امام حنين "المتنبي" إلى الجمال الفطري في البداوة إذ يقول:حُسن الحضارة مجلوب بتطرية وفي البداوة حسن غير مجلوبمثلما يقف أمام غربته في شعب بوّان، إذ لا يجد ذاته ولا هويته فيه . فيردد:ولكن الفتى العربي فيها غريب الوجه واليد واللسانهذا الحنين إلى الوسط والنفس، يرى فيه "التويجري" صمام أمان للحفاظ على الذات، وما أكثر ما يقلقه أن تتبلّد تلك المشاعر، وتطبّع لدى الإنسان العربي، فيكون ذلك سبيلاً إلى التخلي عن الهوية والذات والذوبان والتلاشي أمام ذلك الوافد الغريب الذي يملك من مغريات المادة وبهرجها ما يجرد الروح من أثمن قيمها الموروثة أي قيم الصحراء.وإن دعوة "التويجري" ليست جموداً أو دعوة إلى الوراء، ولا تعطيلاً للتطور أو العقل في حلّ مشكلات الإنسان، وتحسين سبل حياته، فليركب العربي السيارة أو الطيارة بدلاً من الجمل، وليرحل بهما إلى افاق لم يحلم بها جده، لن المهم ألاّ تزعزع تلك النقلة قيمه العليا، وأن يدرك أن الإضافات العلمية لعصرنا، ليست بديلاً من تلك القيم التي أعلاها آباؤنا، وجعلوها دستوراً لهم في الحياة، وهذا ما تحمله رسائله أيضاً إلى قومه وأبناء دينه.* * *يكتب الشيخ التويجري رسالة إلى الشيخ محمد أحمد النعمان .. فيقول:لا أدري وأنت رجل سياسة وضجيج وصراع، كيف تراني في هذه الرسالة؟؟ قد تراني واعظاً، وقد تراني حالماً، وقد تراني متراجعاً إلى الخلف والناس تمشي إلى الأمام، فمهما رأيتني أو رآني غيرك في صورة من الصور، شكّلتها في ذهنه وعلى حائطه الذاتي مفاهيمه، فهي مناقضة لمواقف عمقتها عندي من الطفولة فيما بين اليمامة والدهناء، مع رعاة الغنم أو رعاة الإبل أو رعاة البشر.. ألوان من الصور المتباينة، رصدتُ لها في مدخل النفس كلّ همسة أو خطوة إلى أن كست جزءاً من عُريي، وبللت جزءاً من وعيي الممحل، وهذا ما حصلت عليه في السنين الطويلة..* * *ويكتب الشيخ التويجري إلى الشاعر أحمد بن إبراهيم الغزاوي رسالة يقول فيها: (قد تتساءل من أنا؟؟ ومن أكون، وما نظرتي إلى الحياة؟؟ ولكي تعرف، أودّ أن أقول لك: إنني إنسان من أبناء الصحراء، فطرتي وتأملاتي وتجاربي الخاصة، هي كل ما أملكه من زاد في هذه الحياة، لست شاعراً ولا كاتباً، لم أتعلم في مدرسة، ولم أتلق درساً من أستاذ، معارفي البسيطة، انعكاس لتفكيري الخاص، ومتابعتي سير التاريخ وما خطّه لنا عبر القرون).ويلخص تأملاته في رسالة يوجهها إلى "الغزاوي" نفسه يقول فيها: (إن كثيراً من البشر تعطيه الحياة فرص العمر الطويل، لكنه لا يدرك معنى الحياة، ولا تستيقظ له بصيرة يلحظ من خلالها ملامح الحقيقة، بل يظل كما هو خواءً فارغاً وعدماً.. ولا يحس بوجوده، يأتي ثم يذهب دون أن يعي رسالة الإنسان تجاه الحياة).* * *ويكتب إلى صلاح الدين البيطار.. فيقول: (إن للإنسان العربي خصائص مميزة أفرغتها في نفسه ومن روحه ظروف قاسية في أحقاب متعاقبة، لم يتيسر لها مَنء يقاضيها، فتراكمت على عقله وروحه أتربتها، فكوّنت عنده حسرة العربي في رغبة جامحة إلى أن يدمي نابه، ويلغ بها الناب في لحمه ودمه وعرضه).ويصوّر ضياع الإنسان العربي بين فلسفات اليمين واليسار الوافدة والمستوردة بعلب مزورة مصبوغة وملونة في أشكال مختلفة. فيقول: (في بيتي محاورون، جاؤوا إليَّ من أقصى الغرب، ومن أقصى الشرق.. أعطاني المحاور الأول في يدي اليمنى قدحاً من شرابه، وقال لي: هذا هو ماء الحياة، تعال معي واتبعني، ففي متابعتك لي يكون لك شرف التبعية، فأنا اليمين فحذار من اليسار، إنه الصعلوك الشحاذ المتسول.. وصعد على منبر الخطابة، فلم يمهله اليسار ... صفعه وشتمه ونعته بأبشع النعوت .. وأنا فيما بين اليمين واليسار واقف أترنح، يجذبني هذا ويشدني ذاك.. يميني تقطع شمالي وشمالي تقطع يميني.. ولا أنا فيما يسمى يميناً أو يساراً، معجون بعجينة اليمين أو اليسار، فلا أرضي أرضهم ولا تربيتي تربيتهم، أرادوني لهم عَرَضاً مباحاً وليس لي إلا صوت النباح، أهرّ به على ذاتي كلما أرادوا.. فأين أنا..؟! أين ذاتي..؟؟أين شخصيتي العربية..؟؟ متى تحرقون كتبكم يا عرب وفلسفاتكم؟؟وأحاجيكم وكبرياءكم وغرركم؟ متى نفهم معنى الأمة ونمشي إليها ولو على الأقدام الحافية؟؟)* * *ويردّ على الكاتب يوسف ادريس في رسالة له، فيقول: (أنت وأنا .. إذا نحن خضنا معركة الجدل من أجل الحقيقة، فمن أجل أن تنتفي عنا هذه السحب الداكنة التي أثارتها سلبيات هذه الحضارة وعجرفتها. أترانا سائرين على خُطى لا تمل السير من أجل الهدف الذي يجب ألا نسعى من أجله، وأن تساقطنا من الإعياء دونه؟؟ فالذين يتساقطون اليوم على الطرقات إعياء وجيفاً نتنة دون أن يكون لهم هدف أو غاية كريمة هم ضحايا فتنة هذه الحضارة وتألهها).* * *ويرى "التويجري" أن مشكلة قومه في عصرنا مشكلة خلقية قبل أن تكون فكرية، في حين يلتمس المتنطعون لها حلاً لها خارج هذا الإطار يكتب إلى الأديب لطفي الخولي: (مشكلتنا اليوم الضاربة في التربة مشكلة خلقية قبل أن تكون فكرية، فالفكر العربي .. كالحصان العربي مميز وأصيل، يعترف له بالأصالة، عزوف لا يدخل حظيرة البغال، وإن مسّه الضر، لا يشاركها في أعلافها وشرابها!!).والتويجري في بحثه المستمر عن الماضي المفقود الذي هو فردوسه المرتجى يشعر بالحزن والتشاؤم من الواقع (الآن تبدلت بي الأحوال والحمد لله، وتحولت عن ظهر الجمل، وسكنت القصر بدل الخيمة، إلا أني أشعر أني غريب في بيت بناه لي النفط، أنا رجل في الماضي البعيد.. أحاول أن أغتسل من وعثاء السفر الطويل حتى بدموعي).* * *تجربته التأملية الطويلة والعميقة، كانت تردّه إلى الإسلام سفينة للخلاص، للفرد والأمة، وخالق هذا الكون، المطلق المتعالي، وأكثر ما كان يخشاه أن تستسلم الأمة وأبناؤها أمام مغريات الحضارة المادية، فتنسى عقيدتها ومبادئها الأصيلة: (هذا العصر وإنسانه وعلومه ومجادلته .. لا أدري كيف نراه؟؟ أنمنحه اعجابنا ونرثي لحالنا..؟ أتساءل، ولكن لا أريد أن يقزمني ويرميني نفاية، إن مثل هذا الإحساس الداخلي ومخاضه الذاتي والنفسي إذا توافر لدى الإنسان العربي وأخيه المسلم مكنه تراثه وعقيدته وكبرياؤه من أن يختار الطريق التي تحقق له شخصيته المبددة في النزاعات التي لم ينتج منها غير العقم والصراخ).* * *ثمة ملاحظتان يجدد الالتفات إليهما في نهج الشيخ عبدالعزيز التويجري التأملي والفكري في رسائله وكتبه:الملاحظة الأولى: ان التويجري بالقياس إلى المفكرين المصلحين الذين سبقوه كالشيخ محمد عبده، وجمال الدين الأفغاني.. لم يَدّع أنه يقدم نهجاً اصلاحياً شاملاً لمجتمعه أو حلولاً نظرية للمسألة الاجتماعية، ولا استورد نظرياته الإصلاحية من خارج ثقافة المجتمع الذي عاش فيه، لأنه أدرك أن ثوب العارية لا يستر جسد الأمة، وأن البلاء كله في محاولة المستعيرين لهذه النظريات الاجتماعية الغريبة فَسِرُّ واقع أمتنا وادخاله في قالب صيني بصورة مصطنعة ومبتسرة، كان يرى الحلّ ماثلاً في ما أفرزته الأمة من قيم وعقيدة، ولذلك ظلّت تأملاته تنهل من المبادئ العامة للتراث العربي الإسلامي، فهي معياره في تحليل الإنسان العربي خلال رحلة ذلك الإنسان التاريخية الطويلة، واستبطانه ومراقبة مواقفه التاريخية، وردود فعله بعد انسياحه من الصحراء، واقتصر بعضها على التساؤل والحيرة.والملاحظة الثانية: ان الشيخ التويجري يستند في تحليل المواقف النفسية والاجتماعية والتاريخية واستقرائها على معطيات التراث والأدب: شعره وقصصه على أنها وثائق هامة في تعرّف القيم والسلوك الفردي أو الاجتماعي، ولا يغامر في تقديم أحكام عامة لا تستند إلى الدليل، وهذه المواقف التي يستخلصها، تغدو في رسائله رموزاً هامة للاستقراء، كأنه يتخذ من زرقاء اليمامة وبصرها الحاد رمزاً لوعي الإنسان العربي وبُعد نظره، وهو يستعير بصرها ليتطلع من خلال بصيرته إلى استقراء التاريخ، مثلما يستعير حصان امرئ القيس رمزاً لرحلته الفكرية والتأملية في الأدب والتاريخ، وبذلك يقيم لوناً من التوحد والاندماج في ماضي أمته المجيد، وفي حياة إنسان الصحراء، وهما في نظره المعيار الذي يجب أن نحكم من خلاله على حاضرنا ومستقبلنا.إن توحد عبدالعزيز التويجري مع التراث إضافة إلى سحر بيانه وقوة تعبيره الأدبي وعمق غوره في سبر أسرار النفس الإنسانية، جعلت رسائله وثائق أدبية هامة تخرج من دائرة الكتابة الاجتماعية الإصلاحية إلى دائرة الأدب، إذ تغدو اللغة جزءاً أساسياً من تشكيل النص، ولوناً جمالياً يضفي عليه قوة وقدرة على الاقناع عبّر عنه الأديب "بلال الحسن" بقوله عن رسالة موجهة إلى التويجري.(بدأت أحسّ بالروح تسري في عروق الكلمات، فيزداد تفاعلي معها، وأنا إنسان تكاد تكون القراءة متعته الوحيدة، وأفرح حين أقرأ نصاً أحسّ من خلاله بالنسمة أو بالفرح أو بالصدق أو بالأصالة، أو بجمال اللغة).الشيخ عبدالعزيز بن عبدالمحسن التويجري، مدرسة جديدة في أدب الترسل، ردّت للحجاز أمجاده الأدبية السالفة في عصور خَلَتء، لكن لا في دنيا الشعر، بل في عالم النثر الجميل الذي يرتدي حلّة الشعر الزاهية..!
------------------
<FONT COLOR="Green">اقرأ ان شئت هذه الموضوعات :</FONT c>
ماذا تعرف عن هؤلاء؟ (http://www.arabiyat.com/ash3ar/qwho.htm)
ملف الامسيات الشعرية (http://www.arabiyat.com/ubb/Forum6/HTML/003152.html)
ملف المحاضرات (http://www.arabiyat.com/ubb/Forum6/HTML/003913.html)
قـ(1)ـراءات (http://www.arabiyat.com/ubb/Forum6/HTML/003273.html) قـ(2)ـراءات (http://www.arabiyat.com/ubb/Forum6/HTML/003915.html) قـ(3)ـراءات (http://www.arabiyat.com/ubb/Forum6/HTML/004073.html) قـ(4)ـرات (http://www.arabiyat.com/ubb/Forum6/HTML/004232.html)
ابداعات قصصية (http://www.arabiyat.com/ubb/Forum6/HTML/004101.html)
قضية ثقافية (http://www.arabiyat.com/ubb/Forum6/HTML/004100.html)
ملف التجارة الالكترونية (http://www.arabiyat.com/ubb/Forum4/HTML/001290.html)
أبو بسام
05-06-2001, 12:10 PM
«أعجــزت نثــري»
شعر يحيى السماوي
«إلى معالي الأديب الكبير الشيخ عبدالعزيز التويجري.. صدىً لرسالة منه «أعجزت نثري».
دعيني من أماسيكِ العِذاب
فما أبقى التشردُ من شبابي
قَلبْتُ موائدي ورميتُ كأسي
وشيَّعْتُ الهوى ورَتجْتُ بابي
خبَرْتُ لذائذ الدنيا فكانت
أمرَّ عليَّ من سمٍّ وصاب
وجدْتُ حلاوة الإيمان أشهى
وأبقى من لُماكِ ومن إهابي
إذا يبُسَ الفؤادُ فليس يُجدي
ندى شفة مُطيَّبةِ الرضابِ
أنا جرحٌ يسير على دروبٍ
يتوه بها المصيبُ عن الصوابِ
سُلبْتُ مسرَّتي واسْتفردتني
بدار الغُرْبتينِ مدى ارتيابي
وحاصَرَتِ الكهولة بعد وهْنٍ
يَدُ النكباتِ جائعة الحِرابِ
وما أبقتْ لي الأيامُ إلاّ
حُثالتها بأبريقٍ خَرابِ
ترَشَّفْتُ اللظى حين اصطباحي
وأكملتُ اغتباقي بالضبابِ
أُطلُّ على غدي بعيونِ أمسي
فما شرَفي إذا خنْتُ انتسابي؟
تُحرِّضُني على جرحي طيوفٌ
فأنْبشُهُ بسكيني ونابي
وربَّ لذاذةٍ أوْدَتْ بنفسٍ
وحرمانٍ يقودُ إلى الطلاب
أظلُّ العاشقَ البدويَّ.. أهفو
إلى شمسٍ وللأرضِ الرَغابِ(1)
أنا البدويُّ لا يُغري نِياقي
رُخامُ رُبىً.. وناطحةُ السحابِ
أنا البدويُّ.. لا يُغوى صُداحي
سوى عزف السواني والرَّبابِ(2)
ودلَّةُ قهوةٍ ووجاقُ جمرٍ
تَحَلَّقَ حوله ليلاً صحابي
وبيْ شوقٌ إلى خبزٍ وتمر
كما شوق البصيرِ إلى شِهابِ
وَلِلَبَنِ الخضيضِ وماءِ كوزٍ
وظلِ حصيرةٍ في حَرِّ آبِ
فُطِرْنا قانعينَ بفقرِ حالٍ
قناعةَ ثغرِ زِقٍّ بالحَبابِ(3)
أبٌ صلَّى وصامَ وحَجَّ خمساً
وأمٌ لا تقومُ عن «الكتابِ»
ألا ياأمس أين اليوم مني
صباحاتٌ مُشَعْشعةُ القِبابِ؟
وفانوسٌ خجولُ الضوءِ تخبو
ذؤابتُهُ فَيُسْرِجُها عتابي؟
وأين شقاوتي طفلاً عنيداً
أبى إلاّ انتهالاً من سرابِ؟
أُشاكِسُ رفقتي زهْواً بريئاً
ومن خَيْشٍ و«جُنْفاصٍ» ثيابي(4)!
ألوذُ بحضنِ أمي خوفَ ذئبٍ
عوى ليلاً وخوفاً من عُقابِ!
كبرتُ ولايزال الخوفُ طفلاً
وقد صار «الرفاقُ» إلى ذئابِ!
تطاردُ مقلتي منهم طيوفٌ
فعزَّ عليَّ ياأمي إيابي
وعزَ على يديك تَمَسُّ وجهي
لتمسحَ عنه وَحْلَ الاغترابِ!
وعزَّ .. وعَزَّ.. حتى أنَّ عِزّي
غدا ذُلاً فيالي من مُصابِ!
وعاقبني الزمان ـ وهل كنأيٍ
بعيدٍ عن بلادي من عِقابِ؟
تقاسَمَتِ المنافي بعض صحبي
وبعضٌ آثَرَتْهُ يدُ الغيابِ
ولولا خشيتي من سوءِ فهمٍ
وما سيقالُ عن فقدي صَوابي
لَقلتُ: أَحِنُّ يابغداد حتى
ولو لصدى طنينٍ من ذُبابِ!
لِوَحْلٍ في العراقِ وضُنْكِ عيشٍ
جِوارَ أبي المُدَثَّرِ بالترابِ
جوارَ أُخيَّةٍ وأخٍ وأمٍ
وأحبابٍ يُعَذِّبُهم عذابي!
| \ |
أبا الحرف البليغ وهل جوابٌ(5)
كصمتي حين أعجزني جَوابي؟
بلى.. لم ألقَ مثل عرارِ نجدٍ
ولا كرحابِ مكةَ من رحابِ
ولا كعشيركم أهلاً وصحباً
ولا كحصونكم دِرْعاً لما بي
عشقتُ ديارَ ليلى قبل ليلى
فَمِنْ رَحمِ الصِّبا وُلِدَ التصابي
ولكن شاءتِ الأيامُ مني
وشاءَ جنونُ طيشي من لُبابي
ولستُ بِمُبْدلٍ كأساً بكوزٍ
ولا لهواً بِعِفَّةِ «ذي نِقابِ»
أنا البَدويَّ.. في قلبي عِقالٌ
و(َيَشْماغٌ)(6) ولستُ بِمَنْ يُحابي
إذا كان العراقُ رغيفَ روحي
فإنَّ عَرارَ واديكم شرابي
الهوامش:
(1) الرغاب: الأرض التي تشرب كثيراً من ماء المطر فلا تسيل (المقصود هنا البادية).
(2) السواني: آلات لرفع الماء من الآبار.
(3) الحباب: الفقاقيع التي تعلو الماء.
(4) الخيش: نسيج خشن من الكتان. والجنفاص نسيج أكثر خشونة شاع ارتداؤه في العراق قبل عقود خلت.
(5) المخاطب: هو معالي الأديب الشيخ عبدالعزيز التويجري.
(6) (اليشماغ) هو غطاء الرأس لأهل الجزيرة العربية ويعرف عندهم بـ(الشماغ) وهو واضح في صورة الشيخ التويجري.
------------------
<FONT COLOR="Green">اقرأ ان شئت هذه الموضوعات :[/COLOR]
ماذا تعرف عن هؤلاء؟ (http://www.arabiyat.com/ash3ar/qwho.htm)
ملف الامسيات الشعرية (http://www.arabiyat.com/ubb/Forum6/HTML/003152.html)
ملف المحاضرات (http://www.arabiyat.com/ubb/Forum6/HTML/003913.html)
قـ(1)ـراءات (http://www.arabiyat.com/ubb/Forum6/HTML/003273.html) قـ(2)ـراءات (http://www.arabiyat.com/ubb/Forum6/HTML/003915.html) قـ(3)ـراءات (http://www.arabiyat.com/ubb/Forum6/HTML/004073.html) قـ(4)ـرات (http://www.arabiyat.com/ubb/Forum6/HTML/004232.html)
ابداعات قصصية (http://www.arabiyat.com/ubb/Forum6/HTML/004101.html)
قضية ثقافية (http://www.arabiyat.com/ubb/Forum6/HTML/004100.html)
ملف التجارة الالكترونية (http://www.arabiyat.com/ubb/Forum4/HTML/001290.html)
أبو بسام
03-06-2005, 12:42 AM
بقلم / د نجم عبدالكريم
الإنسان ابن بيئته:
في تراثنا الثقافي حكمة تقول: "إن الإنسان ابن بيئته".. بمعنى: أنه يكتسب ملامح تلك البيئة، ويصبح جزءاً منها، تؤثر فيه•• ويؤثر فيها حتى تتجذّر تلك الملامح في وجدانه وكيانه. وتغدو وطناً يسكنه ويستحوذ على كل مشاعره وأحاسيسه، وتظل ملازمة له طوال حياته حيث يصعب عليه الانسلاخ منها. وبعبارة أكثر دقة.. فإن الإنسان يصبح صاحب هوية يتميّز بها عن أقرانه ممن يتعايشون مع بيئات أخرى. ويؤكد ابن خلدون هذا المفهوم في مقدّمته فيقول: "لكل شيء طبيعة تخصه". وعلى هذا الأساس فإن هذه الخصوصية تفرز التمايز الذي يطبع التاريخ البشري، وهو تمايز لا يمكن أن يفهم على أنه مجرّد حركة أو نقلة في الزمان وإنما هو تراث مفعم بالثراء الإنساني نتيجة للتراكم الثقافي.. وهو حصيلة لتجارب كثيرة سابقة مليئة بالخبرات التي بنى عليها الإنسان مسيرة حياته منذ العصور السحيقة.
انطلاقاً من هذا المفهوم، فإن كل مرحلة جديدة يمر بها الإنسان لها هويتها التي تميّزها عما سواها، والتي تعد تطوّراً متجدّداً للهوية السابقة عليها•• ولهذا نجد أن الإنسان الذي يتخضرم ويتيسر له أن يعيش بيئتين مختلفتين لابد أن يكون حكماً موثقاً على إظهار واقع التحوّل والانعطاف الذي مرّت به حقب تاريخية متفاوتة في تأثيراتها ومعطياتها، بل ربما يتعذّر على من سوى هذا المخضرم أن يؤثر في تفاصيل تلك الحقب بمثل الدقة والدراية اللتين يستطيع المخضرم نفسه أن يؤثر من خلالهما في أدق تفاصيلها.. لاسيما إذا كان هذا الإنسان قد تميَّز عن أقرانه بالدأب والتفاعل مع الأحداث مستلهماً من الخبرة المليئة بالوقائع المتلاحقة والمتجددة.
والشيخ عبدالعزيز التويجري يكاد يكون من تلك القلة المتميزة التي توافرت لها مثل هذه الفرصة، فهويته قد تشكّلت عبر مراحل غائرة في القدم لأنه يحمل تراث أعظم الحضارات الإنسانية، إذ انطلق في إبراز ملامح هذه الهوية من أرض كانت مصدراً لتلك الحضارات، سواء حضارة وادي الرافدين، أو حضارة وادي النيل، والحضارة الفينيقية، والحضارة السبئية، وحضارات جزيرة العرب المتعاقبة•
ناهيك عن شعور التويجري المفعم بالاعتزاز لانتمائه إلى منطقة قد صدرت منها تلك الديانات والإشعاعات الروحية التي طهرت الوجدان الإنساني من التلوّث والتسربل في عبادة الأوثان.. ودعت إلى عبادة الله خالق هذا الكون. وينتمي التويجري إلى منطقة قد وُلد وترعرع على أرضها كل الرسل والأنبياء الذين بعثوا هداية للإنسانية جمعاء.
أي نعم، فإن الشيخ عبدالعزيز التويجري يعيش في بلاد عرفت بغزارة إنتاجها من النفط، ولكن أجداده قدّموا للبشرية عصارة ما تمخض عنه الذهن الإنساني المشع بالعلوم والفنون والآداب والثقافة التي ألهمت عصوراً كاملة بالعطاء الحضاري، ومازالت تغذي جامعات العالم بذلك العطاء.
وبهذا الصدد يقول التويجري: "المؤسف أننا لم نعد نعرف في هذا العالم إلا بالنفط، لأنه المداد الذي يغذي الحضارة المعاصرة، في حين أن معطياتنا الإبداعية متمثّلة في مضامير الطب، والهندسة، والكيمياء، والرياضيات، والمنطق، بالإضافة إلى ما تتمتع به حضارتنا من مكانة متقدّمة في مجالات الشعر، الأدب، والفنون المختلفة.. ناهيك عن الفلسفة. هذه الأنشطة الإبداعية والحضارية قد جُرّدت كلها- للأسف- من أصولها العربية والإسلامية، وأصبح العالم يتعامل معها وكأنها بلا مرجعية تستند إليها، وقد أُهمل ذكر أسماء أولئك العلماء الذين كانت الجامعات الأوروبية تعتبرهم من مصادرها المهمة، وجلهم من العرب والمسلمين، وأصبحنا الآن لا نعرف إلا كمصدّرين للنفط. ولعل من يفعلون ذلك يحاولون أن يلووا ذراع الحقائق، ويتحايلوا عليها عندما يباعدون بين العرب والمسلمين وبين مكانتهم من الحضارة الإنسانية المعاصرة.. ويريدون إقناع العالم بأننا لسنا سوى أقوام من البدو الرحّل قد افترشوا الصحراء.. وبالتالي فإن هؤلاء الذين سخروا وسائل الإعلام المعاصرة لخدمتهم يريدون القول: "إنهم هم بناة هذه الحضارة.. وليس أبناء الصحراء".
رسول المحبة:
وعبدالعزيز التويجري قد عُرف في المملكة العربية السعودية بحكم موقعه كمسؤول كبير في الحرس الوطني، لكنه في العقود الثلاثة الماضية أخذ اسمه ينتشر في الوطن العربي بعد أن قام بتأليف كتب احتوت في مضامينها العامة على حوارات ذاتية، وتطرح تساؤلات فلسفية وفكرية، كما تضمنت رسائل تربوية اجتماعية، وقد عُني التويجري بالتوجّه بالحديث إلى الشباب والمرأة، وعلى الأجمل فإنه يتناول في كتابه قضايا وهموم الإنسان بصفة عامة.
ويغلب على كتابات التويجري الطابع التربوي الأخلاقي المشوب بمسحة ذاتية حزينة تعكس تجارب هذا الرجل التي لا تخلو من جوانب مأساوية في بعض فصولها.
وقد تناول عدد من النقّاد كتابات التويجري بالتحليل، وخلصوا إلى أنه يتميّز بأسلوب يكاد يكون نسيج وحده، إذا ما قُورن بأقرانه من الكتّاب المعاصرين.
وتردّد اسم عبدالعزيز التويجري عند صنّاع القرار السياسي في العالم العربي عند أية محاولة لتسوية الخلافات التي تنشب أحياناً بين أعضاء أسرة الدول العربية، كي يلعب دور الوسيط في حل النزاعات والخصومات. وهذه المكانة العملية، والأدبية، والسياسية، لم تهبط على التويجري بمحض الصدفة، أو أنها جاءت من فراغ، أو لاعتبارات أخرى، وإنما مصدرها ذلك الإرث الكبير الذي اكتنزه خلال حياته التي تجاوزت عقدها الثامن.. وبسبب نصاعة هويته، ونقاء سريرته.
فهذا الرجل قد سجّل حضوراً متميزاً منذ أن خرج من تلك الصحراء القاسية ليؤكد أنه يحمل تراثاً وقلماً ودفتراً.. ويريد أن يساهم في دفع عجلة التقدّم الإنساني فيما ينشره من مفاهيم وقيم، رغم أنه لم يمر عبر مناضد المدارس والمعاهد والجامعات.
والمتابع لما يجري في المملكة العربية السعودية من تغيرات، يلمح أنها أدت إلى نقلة نوعية في البنية الاجتماعية نتيجة للاستفادة من ريع النفط، ويلحظ كذلك أنه قد تمخضت عن هذه النقلة إنجازات مهمة في شتى ميادين الحياة، وعلى وجه الخصوص في مضمار الآداب والفنون، فبرزت نخبة من أولئك الذين أخذوا يكتبون في الصحف والمجلات والكتب، وهم لا يحملون سوى الهوية المفعمة بالفطرة والسليقة، مستندين إلى أصالتهم في ذلك الموروث المليء بالثراء.
وقد أُطلق على أصحاب هذه الفئة من المثقفين لقب >الفطريون< كناية عن كونهم قد وُلدوا في أوساط أو بيئات قد طبعتهم بطابعها، فهم لم يتلقوا العلم عبر المؤسسات الأكاديمية، لكنهم قد تأهلوا فطرياً.
ونظرية الفطرة هذه، وإن كانت تحمل جزءاً من الحقيقة، إلا أنها لا تحتوي على كل الحقيقة، فهؤلاء الفطريون من الندرة بمكان، وإن وُجد البعض منهم.. فسرعان ما نجدهم قد توقّفوا عند حد محدود من العطاء بعد أن ينضب معينهم.. لكن البعض منهم يطبع لنفسه بصمات إيجابية في مسيرة حياة مجتمعه الذي يعاصره.
ولعل التطوّرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي طرأت على حياة مجتمع المملكة العربية السعودية قد جعلت هؤلاء الفطريين يتفاعلون معها، فيساهمون بما تتفتق عنه قرائحهم. فالمحيط قد يكون مصدراً مؤثراً فيما ينتجون، لكنه غير كاف لصناعة مبدع تتوافر فيه كل شروط التميّز التي تضمنتها كتب عبدالعزيز التويجري إذ أنها احتوت على مضامين بعيدة الغور في النفس الإنسانية.
وإن الباحث ليتساءل عن سر ظاهرة كتابات عبدالعزيز التويجري.. هل يكمن هذا السر في ذات الإنسان نفسه؟
في الدراسات السيكولوجية، يؤكد العلماء أن أدمغة البشر جميعاً متشابهة، وقد يحدث أن تكون جمجمة بعضهم أكبر من البعض الآخر، لكن الأداء الفسيولوجي يكاد يكون متطابقاً. ويؤكد العلماء أن هناك اختلافاً بين مستويات الاستيعاب والتلقي.. أي أن كل إنسان لديه درجة معينة من الاستيعاب لما يسمعه أو يشاهده أو يتذكره، لذلك فإن ما اصطلح عليه بالـ (الموهبة) أصبح حقيقة واقعة، إذ أن أولئك الموهوبين يستطيعون في مجالات وميادين محدّدة أن يقرأوا أو يخزّنوا في عقولهم كل شيء له علاقة بتفاصيل تلك الميادين، ويستقبلون هذه المعلومات من خلال أدائهم الشخصي. أي أن الموهبة، بالإضافة إلي الخبرة والمعايشة، كل هذه العوامل هي التي تحدّد وتوجّه مستقبل الأفراد الموهوبين ونظرتهم إلى الحياة وتعاملهم مع العالم المحيط بهم. والموهبة توهب إلى العلماء والأدباء والسياسيين والفنانين وغيرهم من المبدعين منذ الطفولة، ولكنها تتميّز وتأخذ طريقها إلى التفاعل مع الحياة لتثريها بمرور السنين. والتاريخ يحدّثنا عن أمثلة عديدة من المبدعين والموهوبين الذين لم يتيسر لهم- تحت أي ظرف من الظروف- الجلوس إلى منضدة الدراسة الأكاديمية المتعارف عليها، ولكنهم أصبحوا من الأسماء اللامعة والبارزة في كتب البحوث العلمية والثقافية، ولهم دورهم الفاعل في التراث الإنساني.
طفولة بائسة:
والشيخ عبدالعزيز التويجري يعد واحداً من هؤلاء الموهوبين ونموذجاً يمكن أن نعتد به. ولكن قبل أن نبحث في تأكيد هذه الحقيقة، لابد لنا من الوقوف على نتف من تفاصيل سيرة حياته، وكيف استطاع أن يندمج في سنوات عمره التي تكاد تتوازى مع عمر وطنه، وأخذ يبشّر الأجيال بمقولة تعد الأساس الذي يرتكز عليه فكره حيث يقول: "إن الأصالة هي الحضارة•• والحضارة هي الأصالة.. مع اختلاف المراحل وتجدّد الهوية". وما كان يمكن للتويجري أن يصل إلى هذا المستوى من الأداء الإنساني الإبداعي لو لم يكن قد تجرّع مرارة قسوة الحياة في ظروف قد جعلته يقف بصلابة في مواجهة الصعاب، فأخذ يقدح زناد ذهنه وفكره، وأخذ يفكر ويتأمّل•• ثم بدأ يحاور نفسه في (منولوج) داخلي.. وبعدها أخذ يحاور أهله وأصدقاءه لينتهي به المطاف إلى محاورة التاريخ الماضي، ويضع رؤاه للمستقبل.
عن طفولته يتحدّث التويجري قائلاً: "لقد مررت بيتم، وقد تعرف ماذا يعني اليتم! وأنت محاصر بالطموح والزحام والتدافع من حولك بالمناكب والأبدان•• لقد اجتمع لي يتم وطموح مع عوز.. وسقم وقلة ذات اليد". ويضيف مكملاً شيئاً من ملامح تلك الومضات من أيام طفولته: "قبل تدفق النفط في بلادنا، كنا نعيش مستوى معيشياً بسيطاً من الحياة، ثم جاء النفط•• وتحوَّلت المغبة إلى خيرات، لكن آلامنا بقيت معنا". هكذا يعبّر التويجري عن نفسه، وعن البيئة القاسية التي نشأ فيها.. ولكنه لا يحقد، ولا يتبرم من الحياة.. حيث نجده يبرز تلك العلاقة الحميمة جداً بينه وبين الوطن، فنجده يعتز أيما اعتزاز بماضيه وحاضره، وبقومه، وأمته. يقول في هذا الصدد: "وما أهلي وقومي الذين في الجزيرة العربية في هذا العصر والعصور الخوالي إلا الإرادة العربية، المعبّرين عنها في أصالة الجذور، وما هم في هذا العصر الهائج ومياهه الكدرة إلا المورد العذب الذي تحاول المياه الكدرة أن تلوّثه بكل وسيلة"
هذه العبارة مقياس لهوية التويجري التي كثيراً ما نجده يتفاخر بها، وهو شديد الاعتزاز بمعطيات الحضارة الأولى التي انبثقت فوق أراضي الجزيرة العربية منذ أن وضع سيدنا إبراهيم وسيدنا إسماعيل أقدامهما فوق رمال صحرائها ليفجّرا تلك العيون التي ازدهرت واخضوضرت، ثم أينعت على يدي رسول الإنسانية المصطفى أحمد عليه الصلاة والسلام، تساعده كوكبة آمنت بدورها الحضاري، فقامت بوضع اللبنات الأولى للصرح الحضاري الإنساني كي يعم هذه المعمورة المترامية الأطراف.
ولو اقتربنا نحو العالم الخاص بالتويجري الذي أمضى فيه أيام طفولته، لوجدناه شديد الاعتزاز بانتمائه لقريته (المجمعة) رغم حالات البؤس والشقاء التي كثيراً ما يذكرها حيث يقول: "حينما توفي والدي كنت طفلاً صغيراً، ولم أكن أستطيع القيام بأي عمل.. وكنت أقضي وقتي في الجلوس مع الصغار تحت ظلال النخيل أو تحت ظلال سدرة الوادي، وكنا نحن الصغار غير قادرين على القيام بمهمات الحرث أو الزرع، ولكنا كنا نراقب الطير ونطرده بعيداً عن حبات السنابل أو عن ثمرات النخيل، كان كل واحد منا يحمل في يده مقلاعه ويصيح ويصرخ على الطير: اترك لي تعبي، فأمي جائعة، وأبي انحنى ظهره على محراثه... لكن الطير ذا الجناح يدخل المعركة معنا نحن الأطفال دون مبالاة، ودون خوف، ودون تراجع.. وأسترجع الذكرى مع الطير كيف كان يسير مع فطرته في أمانة دقيقة، تحرسها هذه الفطرة".
ونجد التويجري قد أخذ درساً في التعامل مع الحياة، إذ استعاد طفولته مستذكراً ذلك (الجهاد) الذي يبذله الطير الصغير من أجل توفير لقمة العيش لأفراخه، وبهذا الاستذكار لمثل هذه الحوادث فإن المعادلة عند التويجري تأخذ بُعداً إنسانياً طافحاً بالمشاعر الأبوية، فالذكريات وإن كانت مؤلمة بالنسبة له، إلا أنه يستمد منها مواطن القوة في تعامله مع ما يحيط به، بل إنه يعطي تلك الذكريات أبعاداً تكاد تطبعها بطابع الرومانسية، فهو يتحدّث عن الأرض التي ينتمي إليها، والتي كانت في يوم من الأيام موطناً للمفكرين والشعراء، وكانت ساحة للمنازلات التي كادت أخبارها تصل حد الأساطير، فهنا جال عنترة العبسي وصال، وهناك ذرف قيس بن الملوح الدموع.. وفوق هذه الأرض مرَّ امرؤ القيس جوالاً، وفي تلك البقعة كان الحطيئة يهجو نفسه وهو ينظر إلى صورة وجهه المنعكسة على المياه، وفي ذلك الوادي بكت الخنساء شقيقها صخراً.
لقد حوَّل التويجري كل هذه الذكريات الرومانسية إلى أمثلة كأنها تعيش معنا في وقتنا الراهن، فهو يكتب رسالة لابنه يحدّثه فيها عن: >مدافن الآباء والأجداد، هذه منازل عبلة وفارسها، وتلك منازل حاتم الطائي، وهذه أصداء أغاني أمير الصعاليك عروة بن الورد.. وهنا الدخول.. وحومل، وهنا جرير وهناك قيس.. عالم لا تضني الرحلة إليه إليه لأنه عالم الصحراء، عالم الوضوح، وعالم مكارم الأخلاق، وعالم الفروسية والحب". تلك هي الرومانسية الطبيعية الفطرية، التي تجذّرت في روح ووجدان التويجري منذ نعومة أظفاره.
مصدر لحظات الإبداع!
ما هي الحالة التي تعترض التويجري عندما يكتب؟ إنها حالة من العشق تفوق التصور، وتتحوَّل إلى شيء يضاهي ذلك الإحساس الذي لايزال نقّاد الأدب يبحثون عنه في أعماق نفوس المبدعين، وكثيراً ما يطلقون على مثل تلك الحالات مصطلحات قد لا تقترب من الحقيقة المجهولة. فمرة يسمونها (عبقرية الشاعر)، ومرة أخرى يدعونها بـ (اللحظة الشعرية) أو (شيطان الشاعر)، أو (إلهام المبدع) أو (الروح الخفية). كل تلك المسميات لم يحالفها التوفيق في الوصول إلى ذلك الشيء الذي يجعل التويجري ينطق بما يختزنه من إبهام مبدع، فهو كثيراً ما يسترسل في ذكرياته، فينطلق باستحضار ذكرى أولئك الصبية الصغار الذين كانوا يفترشون أرض القرية، ثم تتولد من الذكرى فكرة تعقبها فكرة أخرى، وإذا بالذكريات قد انتظمت في نسيج واحد وكأنه شبكة من التساؤلات والحوارات والمعارف المكتسبة. قد هبطت متسلسلة بعفوية وفطرة متركّزة حول السدرة والمنعطف، تلك السدرة التي يتذكّرها كما يتذكّر شجرة سيدنا آدم•• منها يسترسل التويجري في سرد ذكرياته عن مسيرته منذ أن ترعرع وسط بيئة الصحراء المفتوحة إلى أن يقف به المطاف أمام المتنبي ليناجيه، وكأنه في مجالسته ذلك الشاعر العظيم يسترجع الزمن الغابر الذي أجاز ما لم يجزه الزمن الحاضر، فيغدو الحوار مع المتنبي على شكل مناجاة قد تبدو لقارئها وكأنها تخاطب المتنبي حول ما يجري في عصره، ولكنها في واقع الأمر مناجاة وحوارات قد اتخذت من الشاعر الفذ تكية يتكئ عليها التويجري ليبثه ويناجيه عن المعاناة التي يعيشها إنسان القرن العشرين، ويطرح عليه آراء وأفكاراً تكاد تكون في أعداد المحظورات في وقتنا الراهن. وكان التويجري يخاطب شاعره أبا الطيب المتنبي كما لو كان يجلس معه تحت ظلال تلك السدرة الباسقة، ويتكئ وإياه على جذع تلك النخلة، وكانا وكأنهما متفقان ومختلفان على تفاصيل الأحداث والمواقف التي يحاوره فيها. وكأن كلاً منهما يعرف الآخر.. ولِم لا؟! أليسا هما من أصل واحد؟ ومن بيئة واحدة؟ إنهما من نفس الصحراء التي وُلد فيها الشاعر. ولعل المقارنة التي سنقوم بها قد لا تحظى بقبول التويجري حينما نقول: إن قاسماً مشتركاً يربط بين كليهما. فالمتنبي الشاعر العظيم هو ابن بيئته، وهبطت عليه (العبقرية) دون مقدّمات•• وما من أحد من الدارسين يعرف حتى الآن كيف تم ذلك، وأصبح المتنبي الشغل الشاغل لكل الشعراء الذين جاءوا من بعده، وربما بز الشعراء الذين كانوا قبله. ومع هذا فهو يقول بكل اعتداد بالنفس:
أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي
وأسمعت كلماتي من به صمم
أستاذه الأول:
ورغم الفارق في عطاء كل من الرجلين إلا أننا نجد التويجري يتواضع جداً مع نفسه، لكن المراقب الكيس والفطن لمعطياته يدرك أن فيها شيئاً من ذلك السر الذي كان مصدر حيرة لمن يبحثون عن مكمن تلك (العبقرية) التي هبطت عليه، وهو ذلك الأمي الذي لم يتسن له دخول المدارس ولم يجلس إلى المربين كما هي الحال لدى الكثير من المبدعين. ولكي لا نجانب الحقيقة فلابد لنا من الإتيان على قصة ذلك الرجل الذي التقاه التويجري عند حداثة سنه، وهو لا يريد أن يفصح عن هويته أو عن اسمه، ويقول عنه: "لقد علّمني الحرف الأول في تلك الظلمة المعتمة، ففي ذات يوم أشرفت على واد صغير في بلدتي (المجمعة) فرأيت كهلاً يقرأ في كتاب ويردّد هذا البيت:
كفى بك داءً أن ترى الموت شافياً
وحسب المنايا أن يكنَّ أمانيا
فالتفت إليّ وقد رآني واقفاً على رأسه، فسألني عن اسمي فأخبرته، ثم سأل: هل تقرأ؟ قلت له: لا أقرأ ولا أكتب! فراح يشرح لي معنى هذا البيت الذي كان يردّده، وأخذ يحدّثني عمن هو المتنبي، ثم اقترح عليّ أن يعلّمني القراءة والكتابة، فوافقت، فكنت ألتقيه في هذا الوادي على فترات طويلة، كان فيها نعم الأستاذ، ومن هنا بدأت علاقتي بالمتنبي".
رغم أن التويجري يؤكد دائماً في معظم أحاديثه لوسائل الإعلام، وفي مجالسه الخاصة أنه سيفرد فصلاً خاصاً يتحدّث فيه عن ذلك المعلم في مذكراته التي يعكف على كتابتها، إلا أنه كان يدلي بين الحين والآخر بالقليل من المعلومات عن هذا العلم الذي له تأثير كبير في خط سير حياته.
يقول التويجري عن معلمه: "كان يعتزل الناس لأنه كان متجاوزاً لأقرانه في تفكيره، لم يكن ينتمي إلى أفق قرية (المجمعة).. هذه القرية الضاربة في الأمية- حينذاك- والتي هاجر منها المعلم وعمره 02 عاماً، ثم عاد إلى بلدته (المجمعة) وله من العمر ما يزيد على الـ 06 عاماً، فكان يختلف عن الجميع!
كنا جميعاً أميين أو أشباه أميين.. أما هو فليس مجرّد شخص متعلّم بل إنه قارئ ومطلع وصاحب رؤية وثقافة واسعة تتجاوز هذا العالم الصغير في قلب الصحراء.. تعرفت عليه، وقد كنت طفلاً في الثالثة عشرة من عمري، يتيماً، وكنت قد تردّدت بضع مرات إلى (الكتاتيب) ولم أخرج منها بحصيلة تنسبني إلى المتعلّمين، ولكن حين التقيت هذا الرجل، كان اللقاء معه بداية لإحساسي بالوعي الذي يتجاوز الحدود الضيقة لقريتنا".
من هنا، من ذلك اللقاء مع المعلّم، بدأت لحظات الوعي عند التويجري الذي أدهش بما كان يسرده عليه، مما جعل مداركه تتحفز، وتتأثر بعد أن وجد أمامه من يستطيع أن يقدح حالة الجذب المغناطيسي داخل خلايا روحه وذهنه.
وفي لقاء صحفي مع التويجري قال عن ثقافة معلّمه: "لقد قرأ الفلسفات الشرقية، وكان ذا وعي فكري وسياسي، وكان يحس بالاغتراب الفكري، وقد رأيت فيه ما لم أره لا في أخ ولا صديق، ولا قريب، لقد نقلني من عالمي القروي البسيط إلى عوالم أرحب، وتتملكني تجاه هذا المعلم مشاعر الحب والوفاء التي لابد أن أفصح عنها بالتفصيل عندما أكتب ذكرياتي". الذي يبدو أن تأثيرات ذلك المعلم كانت المحطة الأولى التي انطلق منها عبدالعزيز التويجري في مسيرته عبر ما يزيد على ثمانية عقود أعقبتها محطات أخرى عملت على تشكيل ملامح هوية وشخصية هذا البدوي الذي لايزال يعيش على الفطرة والسليقة، ويتعامل مع الحياة- أحياناً- بمفردات تذكّرنا بأولئك الدهاة من العرب ممن يتمتعون بالحنكة والذكاء المفرط.
ومن المحطات التي عملت على تغيير مجرى حياة عبدالعزيز التويجري أنه فكر في تنفيذ مشروع توطن في عقله حينما أراد أن يهاجر من قريته (المجمعة) إلى العراق حيث كان والده قد سبق له أن هاجر إلى هناك بسبب ظروف سياسية. ولما كانت هناك أواصر محبة ومودة قد ربطت بين مؤسس الدولة السعودية الحديثة الملك عبدالعزيز آل سعود وأسرة آل تويجري، فقد ولّى عبدالمحسن التويجري والد عبدالعزيز منصب مسؤول على بيت مال منطقة السدير بعد أن عاد من هجرته من العراق. ولما توفي الوالد تولى مسؤولية بيت مال السدير الشقيق الأكبر حمد التويجري. ولما شعر عبدالعزيز بأنه ليس له من دور يقوم به، اختمرت في ذهنه فكرة الهجرة إلى العراق•• لكن البعض لم يوافقه على فكرته، ونصحوه بالذهاب إلى مدينة الرياض، وهناك قدّم التماساً إلى الملك عبدالعزيز ليوجد له عملاً في العاصمة.
لكن العاهل السعودي طلب منه أن يعود مسؤولاً عن بيت مال السدير في (المجمعة) بعد أن أصدر أمراً آخر بتعيين أخيه حمد مسؤولاً عن بيت المال في القصيم، فلم يعد لدى عبدالعزيز من مبرّر لتنفيذ خطته في الهجرة إلى العراق. وأخذ التويجري يتنقّل في الوظائف الحكومية إلى أن تبوأ موقع نائب رئيس الحرس الوطني، وانتقل إلى العاصمة الرياض، وأخذ يتفاعل مع الأحداث في تلك المدينة التي تحمل الجديد تلو الجديد في كل يوم، وسرعان ما ارتبط بشبكة من العلاقات الواسعة مع شرائح مختلفة من الطبقات الاجتماعية المختلفة.
أبو بسام
03-06-2005, 12:43 AM
مهرجان الجنادرية:
ومن المحطات التي يعتز بها التويجري، أنه فكّر في نهاية السبعينات أن يضيف إلى أنشطة المؤسسة العسكرية التي يعمل فيها نشاطاً آخر يعطيها بُعداً ثقافياً وفكرياً، فكان أن انبثقت فكرة مهرجان الجنادرية والتي لقيت حماساً وترحاباً من الأمير عبدالله بن عبدالعزيز ولي العهد ورئيس الحرس الوطني، فوفّر لتنفيذها كافة الإمكانات المادية والمعنوية. وأصبح مهرجان الجنادرية حقيقة واقعة منذ أكثر من عشر سنوات، وتحضره في كل عام أعداد كبيرة من المثقفين والمفكرين والكتّاب والأدباء ورجال الصحافة والإعلام والفنانين العرب. وقد اشتملت أنشطة مهرجان الجنادرية على دعوة النساء بعد أن كانت مقتصرة على الرجال.
يقول التويجري عن هذه التظاهرة: "إنها فرصة نادرة إذ يلتقي فيها الأشقاء، ويتبادلون الآراء والأفكار بحرية تامة دون قيد أو شروط، وهناك جانب آخر هو أن بعض هؤلاء الأدباء لم يتيسر لهم معرفتنا على حقيقتنا، فيكتبون عن المملكة أموراً قد لا تمت إلى الحقيقة بصلة.. فعندما يأتي هؤلاء الإخوة إلى بلادنا أو بالأحرى إلى بلادهم فإنهم يكتشفون الحقائق بأنفسهم، فمهرجان الجنادرية ملتقى الفكر والثقافة العربية ورموزها المبدعة".
ومن اهتمامات التويجري الأساسية السعي إلى تثبيت هذا المهرجان لكي تتواصل الأجيال العربية، ويزداد اهتمامها بمرافق الفكر والثقافة التي يراها مهمة جداً وحيوية جداً. ورغم تقدّم التويجري في السن، فهو لايزال يشرف بنفسه على خط سير المهرجان، ويلتقي معظم الضيوف الذين يأتون من أكثر من ثلاثين بلداً، ويتبادل معهم الآراء والأفكار، ويطمئن بنفسه على راحتهم. والذي يقترب من التويجري عن كثب يرى فيه رجلاً مرهف الحس، محباً للإنسانية، ومدافعاً عن حقوق الإنسان التي يقول عنها: "إنها حقوق مصونة من قبل العقائد السماوية". والإنسان هو الجوهر الذي تتمحور حوله معظم أعمال التويجري، وهو لا يفرّق بين الرجل والمرأة في تعامله مع الحقوق لكل منهما. وهو يتحدّث عن الوضع العربي الراهن بحسرة مشوبة بالحزن حيث يكتب في إحدى رسائله:"%نحن عرب اليوم شخنا، وترهلت فتوتنا، ولم نعد من فرسان جواد امرئ القيس ولا فارس عبلة، نحن فرسان وراء المذياع من المحيط إلى الخليج".
والتويجري في كتاباته قد اتخذ الحرية، كما لو كانت كالهواء والماء والغذاء للإنسان، وهو يرى أن الحرية وُلدت في صحرائه قبل أن تولد في كتب الدعاة في عواصم الغرب فيقول بهذا الصدد: "أطلقت الصحراء منا كل القيود الثقيلة التي تصنعها فلسفة وتلدها أفكار تسن بها القوانين لأنها ما عرفت الصحراء، وما كانت من سكانها، فللصحراء فلسفة، وللصحراء مذهب، فالشاعر العربي القديم أول من عرف قيمة الحرية حين أعتق إبله وفك عن أرجلها القيود، وأعفى ظهورها من الأحمال، وقال: ظهورهن على الرجال حرام".
من مفهوم الحرية التي يحرص عليها التويجري سنتناوله في هذه الدراسة كظاهرة من ظواهر الإبداع الإنساني منطلقين من مفهومين أساسيين، أولهما: أن المبدع ليس قصراً على مجتمع بعينه، إنما هو ملك لكل المجتمعات في العالم.
والثاني: سنتناول فيه خصوصية التويجري كمبدع عربي مسلم رغم قلة إنتاجه، لكن من حقه علينا أن نفيه ما يستحق من إيصال عطائه المبدع ورؤاه التي يتجاوز بها أقرانه إلى عشّاق الثقافة والفكر المتميز، بالإضافة إلى أن التويجري لم يكن من أولئك الذين نمت ثقافتهم بين جدران الأكاديميات، فهو نموذج متميز، ومن حق القرّاء علينا أن يطلعوا على معطياته بسبب تلك الخصوصية وذلك التميّز.
عدم اكتراثه بالشهرة!
ومن الأمور التي يؤسف لها حقاً أن هناك الكثير من المبدعين في عالمنا العربي لم يتمكنوا من إيصال معطياتهم، وما يحملونه من زاد فكري إلى القاعدة الواسعة من القرّاء، إما لأنهم لا يكترثون بالشهرة، وإما لأنهم لا يستطيعون مجاراة أولئك الذين يتفننون بشتى الأساليب لاستجداء تلك الشهرة. وعلى ما يبدو فإن التويجري قد وصل إلى مرحلة من الصدق مع النفس جعلته لا يكترث بالوصول إلى الشهرة بقدر ما يسعى إلى الوصول إلى خدمة الحقيقة•• وهذا الذي جعل كتابه: "لسراة الليل.. هتف الصباح" والذي يتناول فيه بعض الملامح من حياة الملك عبدالعزيز آل سعود، يضرب رقماً قياسياً في التوزيع، وطُبع لأكثر من أربع طبعات في سنة واحدة. ولعلنا في سياق دراستنا لأعمال الشيخ عبدالعزيز التويجري نسلّط الضوء على بعض آراء وأفكار إنسان ارتكزت معظم معطياته على الفطرة التي سرعان ما تصل إلى الإنسان الآخر الذي فطر بطبعه على البساطة. والتويجري كاتب يتوجّه بالحديث إلى البسطاء، ولكن بعمق العلماء.
البداوة تستمد من الصحراء مقوماتها الثقافية والاجتماعية، القائمة بذاتها على خصائصها العامة ومركباتها الخاصة، وإذا كانت علاقة سكان الصحراء مرتبطة بالإنتاج الطبيعي منها، فإن قانون هذا الارتباط قد فرض على البدو أن يكونوا أقوياء أشداء، حيث وُلدت بين ظهرانيهم مفاهيم المروءة والإباء والكرم. وهي قيم بدوية في الصحراء وانتقلت منها إلى المدن الأخرى•• ونستطيع القول إن هذه القيم انتقلت إلى (المدن البدوية). وتعبير (المدن البدوية) لم يستخدمه علماء الاجتماع من قبل، ولم تجر دراسته بشيء من التفصيل والتوضيح والمتابعة، وليس من قبيل الاكتشاف الريادي أن يكون تعبير (المدن البدوية) قد استخدمه عبدالعزيز التويجري، فهو يلمح هنا وهناك إلى طائفة من المفاهيم البدوية التي غزت هذه المدن المؤسسة بأصول بدوية فوق صحراء الجزيرة العربية.
والتويجري ليس باحثاً أنثروبولوجياً لكي يقدّم نظرية (المدن البدوية) هذه إلى الأكاديمية العلمية، إنما هو رجل متواضع قد توصل إلى استنباط هذا التعبير من خلال تجربته الشخصية، ومن خلال معايشته وتنقّلاته المتواصلة ما بين الصحراء والمدينة، فهو نموذج للبدوي الذي مازج بين البداوة والحضارة، ولعب هذا الدور بتعايش ومهارة الإنسان الذي يحتفظ بأصوله ولم ينسلخ عنها، ولكنه- أيضاً- يتفاعل مع الحضارة الجديدة ومعطياتها، بل أصبح داعية من دعاة تعميم الثقافة والعلوم الإنسانية مما جعله يبزّ- بهذه الدعوة- بعض أقرانه من أولئك الذين لم يتمكنوا من التفاعل مع روح المعاصرة، فانضموا إلى تيار التزمت، وأصبحوا لا يرون في هذا العالم أية منقبة باستطاعتها أن تملأ الأجواء هواءً نقياً، مع أنهم لا يستطيعون العيش، بمعزل عن معطيات هذه الحضارة لأنهم يتعاملون مع مفرداتها في أدق تفاصيل حياتهم. وقد تميّز التويجري عن هؤلاء بالانعتاق من شرنقة الموروث الجامد. ولا يكتفي عبدالعزيز التويجري بأن يطلق تعبير (المدينة البدوية) على ما يحيط به من مدن عربية معاصرة، وإنما يشير بـ "معنى المدن البدوية" إلى تلك الحواضر التي نشأت في صحراء العرب، وكانت موطناً للثقافة والفكر، وموطناً للآداب والفنون، وموطناً للشعر، كما أنها كانت منطلقاً لكل الأديان والعبادات، وعلى أرضها بدأت الكتابات الأولى حيث المسمارية في العراق، وصنّفت حروف الأبجدية الأولى عند الفينيقيين، وكتبت الهيروغليفية عند المصريين. إنها مدن وحواضر أسسها أهل الصحراء، قبل أن تكون في العالم القديم ثمة مدن أخرى. من هذه الحواضر والمدن، خرجت للإنسانية القوانين الأولى، والعقائد الأولى، وفيها نزلت الكتب السماوية على صفوة الأنبياء والمرسلين منذ آدم، وإلى أن اختتموا بـ (محمد) عليه وعليهم جميعاً الصلاة والسلام.
والباحث عن تأكيد هذه الحقيقة يجدها تتوافق كثيراً مع ما كتبه (أرنولد توينبي) في مختصر دراسته للتاريخ حيث قال:"إن قصة آدم، وخروجه من الجنة المذكورة في التوراة ترمز إلى التحوّل الذي أصاب منطقة الصحراء العربية، وإن قصة قابيل وهابيل ترمز إلى نشأة البداوة والزراعة، وظهور الصراع بينهما، ولقد أشارت التوراة إلى أن هابيل كان راعياً وقابيل كان زارعاً". إذن فالبداوة- كما أسلفنا- اتسمت بصفات مازالت تمارس حتى الآن، وبعض من هذه الصفات، نراها في الصحراء كما نراها في (المدن البدوية). ولعل أشهر مادة من قانون (حمورابي): "السن بالسن والعين بالعين"، وهذا يتطابق تماماً مع قيم البداوة، فهو لا يقبل الاعتداء، ولا يحمي الظالم، ويجازي من يرتكب جريمة بحق أخيه بالعقاب نفسه.
يقول أحد كبار علماء الاجتماع الحديث (دوركايم): "إن الطريقة في رؤية الأشياء هي الطريقة في العجز عن الرؤية". أي لا توضع مسافة تضاد بين البداوة والحضارة على أساس وحدة الصراع، وإنما هناك تداخل وتفاعل يمثّل الوحدة بينهما أيضاً، وإلا فإن كل شيء في البداوة يصبح مرفوضاً، وكل شيء في الحضارة يصبح مقبولاً أو العكس. إذن فإن وضع جدار عازل بين مفاهيم وقيم البداوة والحضارة سيجعلنا كمن يرى الأشياء بطريقة واحدة، وهي التي تمثّل عجزنا عن الرؤية كما يقول دوركايم.
من هذا المنطلق نستطيع أن نتفحص تلك المفاهيم التي شكّلت العمود الفقري لكتابات عبدالعزيز التويجري الذي يمثّل نموذجاً لبدوي يعيش في إطار بيئتين متقابلتين هما: بيئة الصحراء، وبيئة المدينة.. بيئة البداوة، وبيئة الحضارة. ويستشهد الدكتور محمد مصطفى هدارة بمقاطع ثاقبة من رسائل التويجري الخمسين التي تعبّر عن تلك المفاهيم حيث يقول عنه: "إنه يرى الحاضر والمستقبل من خلال التصاقه بالماضي، وهنا تنداح الرؤية لتشمل الزمان والمكان والإنسان، فما أشد ما في الحياة من الغموض، وما أكثر ما فيها من تناقض، وما أوسع المعاني التي تدل على البشر!".
وذلك حق، فالماضي الذي يقصده التويجري هو الصحراء وتربتها وبيئتها، فهي الموضع الذي شهد طفولته وشبابه، ومازالت تشكّل جزءاً مهماً من حصيلته الفكرية.. فالبادية لم تعد في الزمن الحاضر نفس البادية في الماضي الذي يتذكّره التويجري، لكنها مازالت تحتفظ بكل سماتها ومعطياتها الحسية، وقد يذهب بعيداً وهو ينقّب في خصائص ابن البادية حيث يقول: "أوقفتني الذكريات، ففارس بني عبس رمز الشجاعة، وحاتم الطائي رمز الكرم، والمجنون وليلاه رمز العفة والطهارة، وقس بن ساعدة رمز التأهل والتساؤل".
هذه السمات هي التي تشكّل شخصية البدوي عبر التاريخ، ولعلها في كتابات التويجري قد تأخذ تصنيفاً يعتمده علماء الاجتماع في دراسة خصائص البيئة البدوية عندما يبحثون في الشجاعة والكرم والعفة والتأمّل، فهذه كلها من جوهر المفاهيم البدوية، ومن الممكن إضافة عنصر آخر كثيراً ما نجده في كتابات التويجري اللاحقة، هو عنصر الحرية، فالبدوي بطبيعته ميال إلى الحرية التي كانت ومازالت إحدى خصائص الصحراء، فالنفور من السطوة. والمضايقة من أهم الظواهر التي يقف دونها البدوي في غريزته الفطرية، وإلا لما استطاع أن يعيش هكذا يعتمر الصحراء المفتوحة دون أن تكون على رأسه سلطة تحدّد حركته وتوجّه تفكيره نحو نمط قد لا يلائمه.
ü عبدالعزيز التويجري رغم أنه قد تجوّل في مختلف أرجاء المعمورة في رحلات متعدّدة الأهداف منذ أكثر من نصف قرن، إلا أنه لم يكتب وصفاً يضمنه مشاعره نحو مدينة نيويورك مثلاً، أو تعبيراً عن دهشته بما شاهده في طوكيو، كما أنه لم يكتب عن أي من مشاهداته الأخرى في العالم، لكنه عندما يناجي، فهو يناجي بعذوبة متناهية صحراءه التي يقول عنها:"غارقة فيها روحي، إن كان في رائحة الجمل أو بيت الشعر، أو خيمة بدوية، أو رمال الدهناء وجبال اليمامة.. صحراء جميلة هي عالمي، هي دنياي، لا أرى فيها غير أهلي وقومي، فرعاة الإبل ورعاة الغنم أو فلاح القرية أو من يتاجر ببضاعته في أعماق الصحراء هم ذكرياتي، وهم رؤاي، وهم الصور التي لم تمت، ولم تخلقها صور الحياة التي تلقيها علينا اليوم مدينة العصر".
ولكن هل يمكن أن تلغي مدينة العصر تلك الصور الصحراوية التي كانت ولاتزال تجتذب بعض أبناء الغرب لأنها ترمز إلى عالم لم تدنسه صراعات المدنية الحديثة؟!
الإجابة تتمثّل شاخصة للعيان بتلك المفاهيم الخالدة المجذرة في عروق ووجدان وأحاسيس أبناء المدن البدوية. أي نعم إننا نعيش حضارة وقشور حضارة، والسائد الآن في العالم المتمدّن أن القشور كثيراً ما تطغى، وكثيراً ما يستفحل أمرها على الحضارة الأصيلة، إذ لا يوجد حتى الآن حد فاصل يصقل أو يفصل بينها.
أما في مجتمع الصحراء فتوجد الحضارة وقيمها مجرّدة من المفاهيم التي ترتدي لكل حال لبوسها وتتقنع بوجوه عدة.. هذا هو الفرق الذي ينطلق منه عبدالعزيز التويجري في وصفه لبيئة الصحراء في مناجاته لقيمها ولأنماط الحياة فيها، وهو بذلك يؤكد بنيوية الصورة الحقة لحضارة الصحراء، والصورة (المزركشة) لحضارة العالم الغربي، ويتضح ذلك بجلاء في قوله: "نحن عرب الصحراء، أو عرب دمشق.. أو بغداد أو القاهرة، أو سواهم، طوينا خيامنا ثم أحرقناها، فالخيمة التي حملها معه الرجل الأول من يثرب، وبناها في ثلاث قارات من الأرض كانت الرمز الحضاري الأخلاقي يوم حلّت محلها ناطحات السحاب، جلسنا القرفصاء نجتر آلامنا، فلا خيمة، ولا ناطحات سحاب".
هذه اللوحة المرسومة بعناية تعبّر عن حالة الصراع بين البداوة والحضارة، لكنه صراع وقتي يبرز متقاطعاً أثناء المنعطفات السريعة والشديدة، ولا يلبث أن يختفي من على اللوحة لتحل محله صورة أخرى هي ليست البداوة بعينها، ولا الحضارة- أي المدنية- إنما يظهر بديل آخر من كلتيهما، وهو الأكثر بُعداً لإعطاء الصورة العملية التطوّرية والتنموية التي تجري فوق أراضي الجزيرة العربية.. ففي وسط الصحراء الرملية تقاطعت الطرق الحديثة، وزرعت مناطق- كانت قاحلة- بعشرات الآلاف من الأطنان من الأسمنت والكونكريت لتشكّل أكبر شبكة من المواصلات الحديثة في المنطقة، بل إن وسائل الاتصال الكهربائية ومحطات التليفزيون، وكل مفردات المدنية الحديثة، وما يمت إليها بصلة، قد أصبحت شيئاً مألوفاً جداً في مخيمات البدو.. ناهيك عن انتشار الزراعة حيث استخدمت آخر المبتكرات التي تفتق عنها الذهن الإنساني لاستخراج القمح وغيره من الفواكه والخضراوات من قلب الصحراء. إلا أن هذه الظواهر الحضارية المعاصرة- وإن نتجت عنها بعض التأثيرات السلبية- لم تستطع أبداً أن تلغي تلك المعتقدات والقيم والمفاهيم التي أصبحت إلى جانب النهضة الحضارية المعاصرة تشكّل جزءاً مهماً ومتساوياً مع منظومة البناء الحضاري للمجتمع الجديد.
قيم البداوة وقيم الفطرة التي هذبها الدين الإسلامي، هي التي تقود الفرد في مواجهته للشرور التي تفرزها معطيات الحضارة المعاصرة وسلبياتها•• ولعل عبدالعزيز التويجري نفسه يدرك هذه الحقيقة ويسهل علينا مفهوم البداوة عندما يقول: "مفهوم البداوة عندي وعندك غير مفهوم العصر، فقس بن ساعدة بدوي، وزهير بدوي، والتغلبي عمرو بن كلثوم بدوي، والنابغة بدوي، وحاتم الطائي بدوي، وعنترة بدوي.. والفكر فيهم جميعاً بدوي، والخيال بدوي، والسمو بدوي، والكرم بدوي، والوفاء بدوي، والعفة بدوية.. ومكارم الأخلاق بدوية، وليس بين يدي الآن قاموس شامل لمكارم الأخلاق فأقرأه في هذه الرسالة تحديداً وتذكيراً لأبيّن كيف استجابت هذه البداوة بقيمها، لحمل الرسالات الربانية للبشرية جمعاء.. هذه الرسالات هي أصل العرب ومادة الأديان".
كم من التضحيات الهائلة قدّمها هؤلاء العرب- البدو- على مختلف العصور والأزمان من أجل الحفاظ على عقائد السماء التي تدين بها الأعداد الكبيرة من أبناء العائلة الإنسانية فوق هذا الكوكب؟!
أليست تلك التضحيات سواء في الحفاظ على الأديان والتبشير بها للإنسانية، وما قدّمته للبشرية من حضارات متعاقبة كفيلة بتغيير انطباعات أولئك الذين يعادون العرب، لا لشيء إلا لأنهم يمتلكون بعض الثروات الطبيعية، والتي هي بدورها تساهم في التطوير الحضاري المعاصر في العالم ككل خاصة أوروبا وأمريكا؟!
ويمد التويجري يد المصافحة لأخيه الإنسان منطلقاً من القاعدة الإنسانية التي يتمتع بها العرب فيقول له: "الإنسان هو أنا وأنت والآخرون معنا، نفاضل، نمدح، نذم، نحن شركاء له في سرائه وضرائه، نعيب أنفسنا إذا عبناه، ونزهد فيها إذا زهدنا فيه، نرفضها إذا رفضناه".
إذن فالعربي (البدوي) الذي تحصن ببداوته درءاً للمخاطر التي يحملها الغزو الحضاري الملوّث بأمراض العصرنة، يبدو أكثر فصاحة من غيره، ويمد يده ويصرخ بصوت عال، مبشّراً بإنسانية الإنسان، ومع كل ذلك فإنه موضع اتهام وحسد، وموضع ريبة من قبل كل أولئك الذين يحملون ضغينة ضد العرب سواء في أمريكا أو أوروبا عموماً.
البدوي (العربي) يعتز بعروبته، ولا يخجل، وإذا حاول البعض من أولئك الذين يراهنون على حصان الحضارة الحديثة أن يقلّلوا من شأن بداوته وعروبته، ويعتبروهما من علامات التخلف، فإنهم يراهنون على حصان كسيح، وهذا النفر وإن كان البعض منهم يتظاهرون بالتواؤم مع أفكار الحضارة المعاصرة، فإنهم يذكّروننا بأولئك الذين لم يكونوا بقادرين على الانصياع للمثل والقيم الإنسانية التي أمرنا الله بالتمسّك بها.. هؤلاء وأشباههم أطلق عليهم القرآن اسم (الأعراب) للتفريق بينهم وبين العرب. فالبدوي العربي مسكون بوطنه وقيمه، وهو يعتبر نفسه صاحب قضية عادلة، وينبغي عليه أن يصونها كما يصون حدقتي عينيه، إنها الهوية، إنها الأرض، إنها المثل والقيم.
يؤكد التويجري هذا الارتباط بقوله: "أنا عربي من بطحاء مكة، ومن أرض يثرب، أحمل في نفسي وفي روحي عقيدة سمحة أخشى عليها من العقوق، وأخشى أن تندثر إذا نحن هجرناها، وهاجرنا عنها بعيداً في أعماق العدم وقلة الشعور بالمسؤولية".
يتضح لقارئ هذه الكلمات: أن الأرض والوطن بالنسبة للبدوي هما المسؤولية الكبرى التي تتعدى وتفوق كل المسؤوليات، ولهذا يحدّثنا تاريخ التويجري أنه صرف معظم سنوات عمره دفاعاً عن وطنه واضعاً دمه على راحة يده، يوم كان يقاتل من أجل هذا الوطن وهو شاب يافع لم يبلغ العشرين بعد، وبعد ذلك أخذ التويجري يخوض غمار معارك ضارية على أصعدة الفكر والأدب والسياسة والوظيفة من أجل الوطن والهوية.
لقد كان الشيخ عبدالعزيز التويجري يجسّد تقليد البدوي حينما يتعصب لشيء عادل كعدالة الوطن وعدالة الانتماء، وعدالة الدفاع عن الإنسان.. هكذا هو ديدن البدوي الذي يكون- عادة- في أقصى درجات الوعي حينما يتعلّق الأمر بقضية بمستوى قضية الوطن والهوية، إنه تراث فطري، وربما يكون وراثياً أيضاً، فمسألة الأرض والوطن تسير بخط متوازٍ عند البدوي مع مسألة الشرف والعفة ومكارم الأخلاق على حد تعبير التويجري، فالأرض بمثابة الأم التي تسهر على راحة أبنائها ولا يوجد بين العرب من أقصى ديارهم إلى أدناها من يرضى التنازل على أرضه مهما كانت الصعوبات والكوارث، فـ (حامورابي)- البدوي أصلاً- وضع قضية الاعتزاز بالأرض في أكثر بنود شريعته، واعتبرها ذات صلة وثيقة جداً بمصير الإنسان.
الديموقراطية
ترجم التويجري حقيقة العلاقة بينه وبين الديموقراطية التي تربى على نظامها في الصحراء، حيث الحياة تقوم على أساس احترام الحقوق والواجبات بالنسبة للأفراد دون تمييز، ونظام الصحراء تأسس على أن المواطنين جميعاً يعيشون بالإنتاج المشترك، ويشاطرون بعضهم بعضاً الهم المشترك، وعلى الإجمال فإن المعيشة مشتركة لكل فرد من أفراد المجتمع كما وصفها، في تأمّلاته، وكتبها في رسائله، عندما كان يتحدّث في أكثر من موضع عن قريته (المجمعة)، وعن أهلها الذين يعتبرون أنفسهم عائلة كبيرة يجتمع فيها كل أفراد القرية ليشكّلوا نسيجاً إنسانياً ربما تتفاوت فيه مستويات الحقوق والواجبات، لكنه في محصلته العامة يبدو متجانساً إلى حد كبير في العموميات. هذا النمط من التعايش الذي لا يلغي إرادة الفرد، لكنه يصبّها في إرادة المجموع هو جوهر الفكر الديموقراطي، بل والممارسة الديموقراطية. ففي مجتمع القرية يستطيع أي فرد من أفرادها أن يوصل صوته إلى أعلى مؤسسة في هذه البقعة المحدودة من الأرض•• ويستطيع كذلك أن يساهم في عملية صياغة القرارات، وأن يعبّر عن رأيه وقناعاته بصورة تامة، على ألا يخل بالقانون العام الذي وقع عليه اختيار مجموع الأفراد، إما عن طريق التجربة، أو عن طريق الاتفاق. وهذا أيضاً أحد أبرز عناصر الديموقراطية التي تحوَّلت إلى منافسة عامة بين القرى، وانتقلت بدورها إلى المدن، ومن ثم إلى مستويات المؤسسات الاجتماعية الكبرى بما فيها الدولة.
ويقيناً أن التويجري يدرك جيداً أن هناك علاقة حميمة بين عناصر التاريخ الذي سطرته إرادة الأمم والشعوب في مختلف مراحل التطوّر، وأن الديموقراطية هي نتاج التمازج الإنساني في الآراء والممارسات، وهي أيضاً آخر النظم- الوضعية- التي صمدت أمام الرياح العاتية، طوال الحقب التاريخية الماضية لأنها تستمد قوتها من قوة الإرادة الشعبية، التي يجد فيها الوسيلة القادرة على ترسيخ إرادة الأفراد الذين يشكّلون البنى الاجتماعية، وهي النواة التي تقوم على أساسها الدول. ونظرية الديموقراطية، واتخاذها كنظام لإدارة دفة الأمور، تحتل عند التويجري موقعاً بارزاً في تفكيره عبر كتاباته، وهو يرى أن الديموقراطية الحديثة التي تعد من أبرز إنجازات الغرب في الوقت الحاضر هي وليدة التطوّر التاريخي الذي بدأ عند المجتمعات الشرق أوسطية القديمة التي تأسست على متون الصحراء وفي المناطق الآهلة بالسكان، والتي نزح أهلها من شبه الجزيرة العربية.
والرؤية التاريخية التي تحاول أن تقفز على هذه الحقيقة لكي تتوقّف عند الإغريق إبان حضارتهم التي ازدهرت قبل الميلاد بعدة قرون يوم كانت أثينا مصدر إشعاع حضاري دون أن تتابع الخط البيان الذي يوصلها إلى المنطقة العربية التي رفدت العالم بالمعطيات الحضارية منذ أقدم الأزمان، إنما تعد رؤية قاصرة، لأنها تقتطع بذلك جزءاً مهماً من مسيرة البشرية، وتتجاهل عن عمد فضل منطقة الشرق الأوسط على الحضارة الإنسانية.
إن الديموقراطية التي مُورست عند الشعوب في شبه الجزيرة العربية وبلاد ما بين النهرين، كانت المنبع الأصيل للمثل والمفاهيم التي تقوم عليها الديموقراطية المعاصرة، وإلا لما حذا حذوها الإغريق بعد أن جاءهم هيرودوت بكل تلك التعاليم التي دوّنها بعد قيامه برحلته الشهيرة، ونقل في مدوّناته إلى جانب علوم الكيمياء من مصر، وبعض العادات والتقاليد من الحضارة الفينيقية•• نقل أيضاً ما حصل عليه من مدوّنات لنظم الحكم في بلاد ما بين النهرين. ولعل الوقوف أمام بعض الومضات التاريخية للممارسة الديموقراطية في المعطيات التي بين أيدينا لكتب مقدّسة وأخرى تراثية، تعطينا الدليل القاطع على أن الديموقراطية- أو الشورى- كانت تمارس كسلوك طبيعي في حياة الناس. فها هو سيدنا نوح يستشير أهله والمقرّبين إليه حينما عزم على بناء السفينة، وكذلك تروي لنا قصة ملكة سبأ أنها دعت القادة والمسؤولين وأصحاب الرأي في شؤون المملكة قبل رحيلها إلى منطقة أخرى. وهكذا الحال بالنسبة لمجالس الشورى التي كانت ملازمة للملوك العرب في مختلف مراحل التطوّر قبل الميلاد وبعده.
وحينما بزغ نور الإسلام ليضيء تلك الظلمات التي عمت أرجاء المنطقة، وانتشر ضوء الإسلام في الجزيرة العربية، ومن ثم في منطقة الشرق الأوسط كلها، أصبح مبدأ الشورى- بفضل تعاليم رسول الإنسانية محمد عليه الصلاة والسلام- أكثر عمقاً حيث استطاع المسلمون أن يتخذوا من مبدأ الشورى منهاجاً لحياتهم تطبيقاً لنص ورد في القرآن الكريم يخاطب الناس جميعاً بقوله: (وأمرهم شورى بينهم). ونص آخر يقول: (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر).
من هذين النموذجين لآيات كثيرة وردت في القرآن الكريم تحدّدت معالم مبدأ الشورى في الإسلام، الذي يتحدّث عنه التويجري بإعزاز وإجلال وإكبار، متشرّفاً بالانتماء إلى هذا الدين العظيم. وهو كثيراً ما يؤكد أن النص الأول يعطي الأمة صلاحية ممارسة أمورها عن طريق الشورى بين الناس. والنص الثاني يؤكد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بصورة متساوية بين المؤمنين والمؤمنات. والغور إلى ما هو أبعد من ذلك في أعماق تاريخ المنطقة يؤكد بالأدلة القاطعة أن مبدأ الديموقراطية، كما أثبت ذلك العديد من الباحثين الغربيين قد بدأ قبل السومريين وفقاً لما نشره الباحث الأنثروبولوجي الأمريكي ثوركيد ياكوبسن في بحث له بعنوان: (الديموقراطية في بلاد ما بين النهرين القديمة)، حيث كشف فيه أن السيادة في هذا النظام الاجتماعي القديم كانت للمواطنين، مشيراً إلى أن المساواة في المجتمع كانت غريزة أفرزت مؤسسات ذات طبيعة شبه ديموقراطية، وقد استمرت هذه التقاليد إلى فترة الآشوريين الذين ساهموا في بناء أعظم الحضارات، وهؤلاء جميعاً من الساميين الذين كان منبعهم الصحراء في شبه الجزيرة العربية.
أما في بابل، وهي من أصول الجزيرة العربية أيضاً، فقد برز دور الملك الذي كانت له سلطة تستمد قوتها من قرارات الجمعية التي تضم أهل المدن وشيوخها، ولتأكيد هذه الحقيقة كتب الباحث اللاتيني راؤول مانغلابوس في كتابه (إرادة الشعوب) يقول: "قبل قرابة أربعة آلاف سنة على نضوج التقاليد البرلمانية البريطانية، وتأسيس الاتحاد السويسري وميلاد الجمهورية الأمريكية، نجد في بلاد ما بين النهرين صورة لنظام سياسي يشابه الخطوط الدقيقة للدستورين الأمريكي والسويسري". ثم يقتطف بعض الفصول من الكتابات التي كانت سائدة آنذاك ليرجحها على ما هو سائد في الديموقراطيات الحديثة.
عبر هذا المفهوم للديموقراطية من منظورها التاريخي وممارستها العملية، سواء في المجتمعات البدوية في الصحراء أو المجتمعات التي شكّلت المدن، وانطلق البعض منها من الصحراء، يستطيع المنقب في كتابات التويجري أن يكتشف الشيء الكامن وراء انحيازه إلى ترجيح كفة منطق الديموقراطية في أغلب كتاباته التي اشتقت من الماضي السحيق أصولها، ومن الحاضر واقعيتها، ومن الرؤية المستقبلية التنبؤ بأحداثها.
إنه يفكر نيابة عن ثلاث مراحل في تطوّر البشرية، منطلقاً من الإرث الذي وردت الإشارة إليه في سياق التآلف الحضاري بين المدينة والبداوة، ومن شدة حبّه للديموقراطية، فإنه يدافع عنها وعن نصاعتها، وينحي باللائمة على أولئك الذين يستخدمونها بطريقة لا تليق ومحتواها. فيقول: "صورة الديموقراطية المزيفة القائمة على قشرة الحضارة، وليس لبّها، والتي تبيح كرامة الإنسان ولا تحميها. إنها ديموقراطية العصر الدموية التي لا نرى أن ضميرها قلق، ولا تستقر مع المبدأ العام للديموقراطية، أو بالأصح المشاركة الفعلية في الشورى".
هذا الكشف الدقيق للمنهج المزيّف للديموقراطية العصرية، يساعدنا على قراءة أفكار الشيخ عبدالعزيز التويجري، فهو يعرف بحنكة المتتبع لمجرى نهر الديموقراطية، أو بالأصح كما يسميها هو: "المشاركة الفعلية في الشورى"، أن نقائص العصر الراهن قد انعكست على ممارسة الحق العام، وهو حق الديموقراطية التي أصبحت من خلال أمراض الحضارة مشوّهة إلى هذا القدر أو ذاك، بحيث أفرزت حالة من التخلّف المصحوب بالعنف وإراقة الدماء. وكأن التويجري أراد أن يذكّر قارئه بشيء آخر هو أن المبدأ العام للديموقراطية لا يمكن له أن يلتقي مع هذه الممارسة الدخيلة على أنبل ما ابتكرته البشرية، لتصل بشؤون حياتها إلى مستوى يحقّق لها الكرامة والرفاه.
ولعل التويجري يريد أن يصحبنا في تأمّلاته حول الديموقراطية إلى الأصول، أو كأنه يريد أن ينبّه المرء كي يفرّق بين ما لحق بجوهرها، ويحثنا جميعاً لكي نستأصل الدرن الخبيث الذي أخذ يستشري في بعض المواقع من جسمها عبر الممارسات الفتاكة والمتسترة تحت مسمى (الديموقراطية).
ولعله في موضع آخر من تأمّلاته يذكّرنا بالفيلسوف الإغريقي سقراط، ذلك الحكيم الذي كرّس جُل اهتمامه للدفاع عن الأفكار التي يؤمن بها، واستمر على ذلك النهج إلى أن حكم عليه بالموت بتجرّع السم، وبتهمة إفساد عقول الشباب، والغريب أن قتلة سقراط قد استخدموا مبدأ الديموقراطية نفسه في إصدار حكمهم عليه!
وفي رأي التويجري أن ذلك التيار المزيّف لحقيقة وجوهر الديموقراطية مازال سائداً حتى يومنا هذا، ونستطيع أن نرى ذلك واضحاً في صراع الديموقراطيتين في المجتمع الواحد، وهو نفس الصراع بين الأفكار الأصيلة في مواجهتها للأفكار المزيفة والدخيلة، ولكن بغض النظر عمن هو المنتصر في النهاية، ستبقى النتيجة أن جوهر الديموقراطية الخالي من الشوائب يبقى خالداً في عقول البشر، وهو الذي أصدر حكمه التاريخي ضد أولئك المزيفين الذين قتلوا سقراط باسم (الديموقراطية) وباسم (القوانين). فالزيف لا.. ولن يوقف مجرى الحياة، بدليل أن سقراط قد خُلِّد في ضمير العالم الحر كله بعد أن قال كلمته الشهيرة: "لن أكون آخر الضحايا الذين يدافعون عن الفضيلة وعن الرأي".
وكم يزدري التويجري أولئك الذين يتسترون تحت ظلال الديموقراطية وهم يتعسفون ويجرمون بحق مفاهيمها، ويعملون عكس ما يحمله جوهرها من مضامين، فيقول: "لا تقوم الرموز العظيمة في التاريخ على فلسفة القهر والدم".
ويفصح في مكان آخر عن جوهر فلسفته التي يعترض فيها على كل ما لا يتماشى مع منطق العدل المبني على أسس ديموقراطية فيقول: "لي مع فلسفة الاعتراض حكايات كثيرة ومواقف رهيبة من الداخل والخارج، من الظلام والنور، من فلسفة هذا وذاك، وعلى موقد الذات صرت أقرأ كل رسالة جاء بها وسواس ثم خنست، فألقيت بها في الموقد حتى احترقت جميع أوراق الاعتراض، ولكن أيستطيع الإنسان أن يعيش دون أوراق، ودون قراءات، ودون محاكاة؟! هذا الذي لا يحتمله عقلي ولا يريق مادته على الرمال".
يبدو أن عنصر الجدل كان وسيبقى أهم العناصر في صراع الأفكار التي تنتعش وتزهو في ظل الديموقراطية إلى الحد الذي أصبحت فيه مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالحوار، لهذا نجد أن التويجري يولي الحوار أهمية خاصة وكأنه أساس النظام الديموقراطي فيقول في إحدى رسائله: "لا مكان في هذه الحياة للذين يرفضون الجدل، ولا يشاركون في الحوار الدائر في فم الدهر".
إذن فمبدأ الجدل والحوار من أبرز المبادئ التي تستظل بها الديموقراطية الحقة، ولهذا فإن الشورى التي عرفها التاريخ العربي والإنساني، قد ارتكزت أول ما ارتكزت على هذا المبدأ السديد، إذ نُص في القرآن الكريم: "وجادلهم بالتي هي أحسن"، وهنا فإن النتيجة المنطقية للجدل والحوار كما يؤمن بهما التويجري أنهما يؤديان في الأغلب إلى استتباب الحكمة، وإشاعة الفضيلة، ويقود هذا الطريق في النهاية إلى اتخاذ القرار السليم، وهذا ما يحقّق أفضل النتائج التي تباركها الأكثرية المطلقة من بسطاء المجتمع الذين يخصهم التويجري في إحدى لمحاته عندما يقول: "البسطاء، الرحماء بينهم هم اللبنات التي يقوم عليها صرح المجتمع الكريم"، أي المجتمع القائم على أساس المجادلة بالحسنى أو الحوار الذي أساسه الشورى أو الديموقراطية. ومما لا شك فيه أن التويجري يدرك الأخطار التي تحدق بكل توجّه ديموقراطي، ويأتي هذا الإدراك من تذكّره رموزاً قد سبق أن عملت على تشويه المفاهيم والقيم القائمة على أساس من العدل النابع من الديموقراطية.
ويلخص التويجري هذه الأخطار في ثلاث حركات عايشها إذ أنها استفحلت منذ مطلع هذا القرن، ومازالت آثار البعض منها قائمة حتى الآن، ويؤكد أنها أعاقت وتعيق تقدّم البشرية نحو الأمام، وهي ممثّلة بالحركة العنصرية، والحركة النازية والحركة الصهيونية، ويرى أن هذه المخاطر الناتجة عن تلك الحركات كانت سبباً في اندلاع الحروب والمآسي والفواجع التي مازالت تعانيها البشرية إلى يومنا هذا. وعليه فإن توجّه الإنسان المعاصر نحو الديموقراطية- كما يرى الشيخ عبدالعزيز التويجري- يتطلب منه ألا ينسى في أي وقت من الأوقات أن عليه مكافحة هذا الثالوث حفاظاً على النظام الذي ينشد استمراره وتطوّره ألا وهو النظام الديموقراطي، والذي يمكن استخلاصه من آراء التويجري التي يعبّر فيها عن مفهومه للديموقراطية بأنها هي التي تحقّق أكبر قدر من السعادة لأكثر عدد من الناس، كما يرى أنها صيغة تعتبر من أهم الحقوق الطبيعية للمجتمع على الإطلاق.
أما تعدد الإرادات فإنها تعكس التنوع الذي ينصهر في إطار التسابق من أجل تحقيق أكبر المكاسب للمجتمع، وعقل الإنسان هو الكفيل بإدارة دفة شؤون الحياة في ظل سيادة القانون الاجتماعي الذي يصوغه الأفراد على ألا يخالفوا في صياغتهم ما أمرت به الإرادة الإلهية والتي احتوت عليها الكتب السماوية، وهي تؤكد في مجملها استتباب العدل والحق ليعما البشرية جمعاء. إنه شكل يعبّر عن سمة العصر الجديد الذي يبرز فيه جبروت العقل الإنساني لاختيار أفضل صيغ التنظيم الاجتماعي للحياة وهو الشورى أو الديموقراطية. ويعبّر التويجري عن العصر، وعن عقل إنسانه حيث يقول: "إن جبروت عقل الإنسان في القرن العشرين اقتحم المخاطر، وأناخ كل مطية نافرة، لم يستطع إنسان القرون السحيقة أن يذلّلها".
ولكن بالتطوّر الهادئ غير المتسرّع استطاع التويجري عبر موقعه أن يسهم برأيه في تحقيق ما جئنا عليه في هذا الفصل (الديموقراطية)، فلقد طُبّق في المملكة العربية السعودية في السنوات الماضية مبدأ الشورى كما ينص عليه المسمى الإسلامي، لأن الدولة السعودية الثالثة التي تأسست بقيادة عبدالعزيز آل سعود كانت في عقودها الأولى منهمكة في بناء مؤسساتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ولكن ذلك الانهماك في البناء لم يكن حائلاً بين الملك عبدالعزيز وبين ممارسته للتطبيق العملي لمبدأ الشورى أو الديموقراطية، إذ كان يتعامل مع كل الأطراف بروح الشورى، وكانت أبوابه مشرعة لكل المواطنين على مختلف طبقاتهم، وكذا حذا حذوه أبناؤه الذين تولوا دفة الأمور من بعده، إلى أن اكتملت معظم المؤسسات، وفي سياق هذا التطوّر الطبيعي، جاءت النتيجة المنطقية، وجاءت الفرصة الملائمة لإصدار القوانين بقيام مجلس شورى يضم شخصيات عرفت بنزاهتها وحرصها على الصالح العام، وقد تمّ اختيار أعضاء هذا المجلس بعناية•• بحيث يتواءم مع متطلبات العصر، ليضم خبراء في الاقتصاد وفي العلوم والقانون وأساتذة الجامعة، وحملة الأقلام، ورجال الفكر والدين•• وغيرهم من الشخصيات ذات الاعتبار المتميّز. وكم عبّر الشيخ عبدالعزيز التويجري عن فرحته البالغة، وهو يحضر افتتاح الاجتماعات الأولى لمجلس الشورى في وطنه.
بل إن الكثير من أعضاء هذا المجلس يقومون بزيارته للاستئناس برأيه وخبرته الطويلة، لكن الرجل البدوي المتواضع الذي كثيراً ما يردّد: "ما أنا إلا بدوي.. وتلقيت تعليمي من الصحراء، والصحراء لا تقول إلا الحقيقة، والحقيقة التي أراها، والتي تعلّمتها من تراثي الإسلامي والعربي الطويل.. جاءت على لسان الإمام الشافعي حيث قال: رأينا صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيرنا خطأ يحتمل الصواب، ومن جاء بأفضل من قولنا قبلناه".
هذه ديموقراطية التويجري كما يردّدها، منبعها الإسلام، ترعرعت في براح الصحراء التي لا تحدها حدود واستنشقت هواء نقياً.. مازال الشيخ عبدالعزيز التويجري يتنفسه لأنه لم يلوّث رئتيه بهواء البيئات الملوّثة.
أبو بسام
03-06-2005, 12:45 AM
الحرية
لقد كتب الكثير عن الحرية ومفاهيمها، بل إن أعظم مفكري البشرية قد وضعوا نظرياتهم المختلفة القائمة على قاعدة أساسها: "الدفاع عن الحرية". وهذا النشاط الإنساني في جملته يعد شيئاً رائعاً، ومن المفاخر التي تسجّل لعدد من المفكرين والفلاسفة من دعاة الحرية ومنظّريها، لكن الأروع من ذلك كله أن يأتي إنسان فطري عاش سني حياته في الصحراء، ولم يتيسر له ارتياد المدارس، ولم يحصل على أي تأهيل أكاديمي، لينظر لمفهوم الحرية بكلام لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يقل في مدلولاته عمّا كتبه فيها كل من روسو وهوبز وغيرهما من أعلام الفكر الإنساني، ممن نذروا أنفسهم للدفاع عن حرية الإنسان.
فلنستمع لهذا البدوي إذ يقول: "إن الخيار في الإنسان عظمة الحرية، وحركتها على قدم من الوعي ومن الهداية إلى طريق تتحرّك عليه أقدامها في سبيل هدف يحقّق لها عظمة الاختيار، وينفي عنها الجبرية.. هنا أرفض أن أكون معتزلاً مع بداوتي ومع الصحراء، لأن العصر لم يعد عصر المعتزلة". هذه النظرية عند التويجري ما جاءت من فراغ أو انقطاع، إنما هي خبرة أملتها السليقة الإنسانية، وانبعثت من تراث متراكم منذ أن ظهر الإسلام في هذه الأمة، إنها أحد أهم إفرازات الفكر الإنساني الذي يتميّز به الإسلام العظيم.
والمتفحص لكتابات الشيخ عبدالعزيز التويجري في تنوعاتها المختلفة، يدرك على الفور أن الحرية تحتل موقعاً بارزاً من فكره، فهو يشير في أكثر من موقع إلى أنها أهم حق من حقوق الإنسان، فمنذ أن قامت الحياة فوق هذا الكوكب، والحرية كانت- كما يقول- موضع كفاح متواصل بذلته البشرية من أجل إتاحة أكبر قسط للإنسان كي يعبّر عن ذاته أصدق تعبير، ويرى التويجري أن مسؤولية توفير فرص الحرية لم تعد مقتصرة على نزعة أفراد بأعينهم، وإنما هي مسؤولية منظمة أي مسؤولية الدولة، لأن الدولة كما يرى هي المعنية أساساً بممارسة وظيفة الإدارة السياسية والاقتصادية التي خلعها عليها المجتمع بشكل أو بآخر، والدولة في معطيات التويجري وكتاباته هي المؤسسة المنظمة بصورة دقيقة، والتي تستطيع بالمقاييس الطبيعية تنمية ملكات ومواهب الأفراد فيها من خلال توفير نعمة الحرية لهم، وكذلك إطلاق عنان فرديتهم الخلاّقة، وإشراكهم بصورة مباشرة في المساهمة في البناء عبر استخدام خبراتهم الذاتية لاستكمال تشييد صرح الإرث الاجتماعي المشترك، فعنده لا حرية بلا حقوق، ولا حرية دون إنجاز الواجبات المناطة، فواجبات الفرد تقابل حقوقه، فإذا انتقص من حقه في ممارسة الحرية المشروعة- التي لا تخل بالتوازنات الاجتماعية العامة- فإنه في هذه الحال سيتراجع عن تأدية واجباته تجاه نفسه وتجاه المجتمع وتجاه الدولة.
إذن فالتويجري يرى في الحرية شرطاً أساسياً لصياغة حالة التوافق بين الفرد والمجتمع عبر الدولة التي تقوم بسن القوانين والنظم لصيانة المجتمع بمعنى آخر لصيانة الفرد، ولا تنتقص من حرياته الخاصة والعامة، متذرّعة بحجج الظروف أو التعقيدات التي تواجه الدولة في مسيرتها.
والحرية في فكر التويجري معناها اختفاء القيود حتى وإن كانت هذه القيود قد وُضعت من قبل الإنسان نفسه، أو أنها فُرضت لأسباب جائرة، أو تحت أي ظرف من الظروف مهما كان له من المبررات، فالنزعة إلى الحرية- كما يؤكدها التويجري- تبقى متأصلة في الإنسان الذي عليه أن يتعايش مع أخيه الإنسان طبقاً لقواعد مشتركة، ولا يجوز له الخروج على هذه القواعد لمجرّد مطالبته بالحرية، وهو إذ يرفع شعار حريته، فإنه- أيضاً- مطالب بتطبيق القوانين المرعية التي سنّتها الدولة من أجل حماية هذه الحرية، لأن الحفاظ على الأمن الاجتماعي والاستقرار، وتوفير فرص المنافسة الحرة، وتحقيق الذات الموضوعية، كلها ترفع من شأن ممارسة الفرد لحريته الشخصية والعامة في أجواء سليمة وقادرة على ضمان بقائها، إذ ليس من الغريب على الإنسان الذي تأصلت عنده مشاعر الحاجة إلى الحرية أن يكون حذراً تجاه القوانين التي تحاول معالجة هذه القضية لأن تراكمات الزمن الطويل جعلته في موقع المراقب المتشكّك في نوايا هذه القوانين إلى أن يختبر مفعولها. وحينذاك تتغيّر نظرته إلى الحرية بمفهومها الذي أصبح يتطابق بهذا القدر أو ذاك مع حاجات المجتمع وشروطه.
وقد تعتدي بعض الدول على الحرية تحت ستار العمل من أجل الصالح المشترك، لكن قدرة المجتمع على إيصال إرادته هي الكفيلة بمعالجة هذا الاعتداء، وفي هذه الحالة فإن الدول تكون أمام طريقين: إما الاستمرار في مواجهتها للمجتمع، أو أن تتبنى مطالبه، فإن اختارت السبيل الأولى، فستكون المواجهة باستخدام العنف ومحصلة ذلك لابد أن تقود إلى نتائج سلبية للغاية قد تؤدي إلى تقييد حرية الأفراد بقيود أكثر قسوة، أو أن تتبنى طريق تلبية مطالب المجتمع بأسلوب سلمي هادف ينطلق من قاعدة الحرص العام المشترك. وهنا فإن المعالجة ستكون أكثر إيجابية، وهذا ما يدعو إليه التويجري بحماس شديد لإرساء قواعد متينة للعلاقة بين الدولة والمجتمع، إذ أنه كثيراً ما يجهر بكراهته للعنف، وكثيراً ما يردّد: "الدم يقود إلى الدم"، وهو كثيراً ما وقف في مواجهة العنف عندما يحدث هنا وهناك، خاصة حينما تنشب بعض الصراعات بين بعض الدول العربية ومعارضيها، فنجده ينحاز نحو السلام في مواجهة العنف، ويدعو الجميع إلى الامتثال إلى ما يعزّز حرية الإنسان.
وفي اعتقاده فإن هناك أنماطاً معينة من الحريات تستدعي جواً من اليقظة والحيطة اللتين لا يمكن من دونهما صيانة هذه الحريات، فالحرية التي يمارسها الفرد يجب ألا تكون على حساب حريات الآخرين. أو تهدم ما سعى إليه الآخرون في ممارساتهم لحرياتهم.
إن حرية الفرد تتيح لصاحبها أن يتفحص طريق سلوكه الخاص، لذلك فإن هذه الحرية ينبغي لها أن تنمو في المحيط المشترك بين أفراد المجتمع، وألا تخرج عنه، وبذا تكون أكثر قدرة على الصمود وعدم الانحراف. وهي بهذا المفهوم تتحوّل إلى حرية عامة تحدّد الطريق لتحقيق ذوات الأفراد بصورة محكمة، فالحريات في اعتقاد التويجري هي: فرص قد أظهر التاريخ دورها لتنمية شخصية الفرد في المجتمع، كما أن الحريات والحقوق والواجبات تشكّل عنده هيكلاً واحداً لا انفصال بين أجزائه.
من هذا المنطلق يتساءل الشيخ عبدالعزيز التويجري عمن يصون المجتمع من الفوضى عندما تستفحل بعض النزعات المدمّرة إذا كانت الرقابة الاجتماعية عاجزة عن معالجة الإشكاليات التي تطرأ•• لأنها لا تمتلك قوة السلطة القضائية والتنفيذية، ويجيب: إن الدولة هي الأكثر قدرة على تصحيح الأوضاع وحل الإشكاليات الطارئة في البنى الاجتماعية، إذ أنها تستند إلى قوة مؤسساتها القضائية والتنفيذية التي باستطاعتها مواجهة الأمور الطارئة بصيغ مختلفة ضمن إطار صيانة حياة الأفراد والحفاظ على حرياتهم.
وببساطة البدوي البعيدة عن التعقيد يحدّد التويجري بعض مفاهيم الحرية، وعلى وجه الخصوص الحرية الاقتصادية التي يكون الفرد فيها قادراً على ضمان توفير معيشته وتكاليف أمور حياته طبقاً للأعراف والقوانين العامة. أي أن الفرد في المجتمع يتطلّع إلى تحرير نفسه من ربقة الخوف من العوز أو البطالة لضمان مستقبل أفضل، ولإقامة صرح الأسرة، وليتمكن من اقتناء مستلزمات الحياة الاقتصادية كي يعيش كريماً هادئ البال.
ولتحقيق ذلك على الوجه الأكمل، فإن التويجري في كتاباته يدعو إلى أن يتاح لكل الأفراد- في المجتمع- مزاولة عملية الإنتاج التي توفر لهم مستلزمات المعيشة برخاء، منطلقاً من مفهوم الحرية الذي يتيح للإنسان استثمار ما لديه من الإمكانات المادية والفكرية، والتي تتمخض عن مبتكراته ومعطياته في مضمار العمل الذي توفره له الدولة بحرية تامة، ووفقاً للقوانين المرعية ضمن إطار التنافس الحر.
فلا يمكن أن تكون هناك حرية لأي مجتمع إذا كان جزءاً منه لا يتمتع بالحد الأدنى من العيش الكريم، ولا تتاح له فرص العمل، فالحرية عند التويجري وُلدت للجميع، وقد رسخت منذ القدم، وتأصلت في التراث العربي الإسلامي يوم عبّر عنها الخليفة عمر بن الخطاب بجلاء ووضوح، وقبل مواثيق الثورة الفرنسية، عندما خاطب من تجاوزوا حدود الحرية واعتدوا على حريات الآخرين، حيث قال لهم: "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً؟!". هذا البعد الإسلامي لأبرز مفاهيم الحرية، قلَّ أن نجد له ما يوازيه في التراث الإنساني في وقتنا الراهن.
وقد تصدى التويجري لقضية الحرية بعقلية الرجل المتفتح الذي يعني ما يقوله بصدد هذا الحق الطبيعي للإنسان، لأنه مارس حريته في نطاق الصحراء التي وفرت له فرصة التمتع بالحرية لإنسانها، وطبقاً لقوانينها المعروفة، إلا أن حريته هذه قد تعمّقت أكثر مع نضوج فكره. واكتساب المعارف العملية، وهو يعيش مراحل العمر المتقدّم، ويتنقل في المدن الحضارية.
يقول الشيخ عبدالعزيز التويجري: "قليل من يرى تربية أولادنا، ويحاول في عالمنا الإسلامي وعالمنا العربي أن يتعامل معها بوعي العقيدة والأصالة واكتساب الأجود والأفضل مما فيها". وهو بذلك يدرك أن الحرية التي تنطلق من التراث المتجدّد هي نفس الحرية التي كان يعنيها الخليفة الإسلامي عمر بن الخطاب، إنها حرية إنسانية تحتوي على نقاء وسمو تفتقر إليهما كل الكتابات المعاصرة التي تتحدّث عن الحرية.
وهي حرية لا يمكن أن يكون الإنسان فيها مادة أو سلعة أو بضاعة تتقاذفها الأسواق في مواسم البيع والمتاجرة وهي تئن من الأوجاع والضربات التي تسدّد إليها في كل يوم في وقتنا الراهن، فمنطق التويجري واضح جداً حينما يعتبر أن الوعي هو الكفيل باختيار الأجود والأفضل بعيداً عن تشويهات التاريخ الطويل الذي سار عليه البعض ممن لم يكونوا أحراراً. ويؤكد هذا المفهوم ونحن نسمعه يقول: "ما أكثر وما أغنى رسالتنا العظيمة بالأمثلة العظيمة".
ومثال الحرية هو أبرز الأمثلة في الرسالة الإنسانية عندما جاء الإسلام العظيم وألغى العبودية، وأعطى تلك الشريحة من البشر ممن كانوا يباعون في أسواق النخاسة أو الأقنان الذين يمتلكهم الإقطاع، والعبيد عند الملاك، والخدم في بيوت الأثرياء. هؤلاء جميعاً أصبحوا أحراراً وأعتقهم الإسلام جميعاً من ربقة الذل والعبودية، وغدا البعض منهم قادة عظماء يقودون المسلمين في معارك نشر الدعوة الإسلامية، ومنهم من تفقّه في الدين، وصار من العلماء.
يؤكد التويجري مفهوماً واضحاً عندما يقول: "أنا لا فرق عندي بين لون ولون، فمقياس الأمور عندي لا أعزّزه في طول الإنسان وعرضه، ولكن أقيس به أخلاقه ومسلكه في الحياة". هذا المفهوم الواضح الذي يرفض تقييد حرية الإنسان وتحويله إلى عبد لمجرّد أن له لوناً آخر هو مفهوم جاء به الإسلام، واستقى التويجري منه عناصر نظريته إلى الحرية التي تعني تحرير الإنسان من قيود فرضها عليه أخوه الإنسان دون رحمة بسبب اختلاف الألوان.
وهناك مقياس آخر للحرية يذكره في إحدى رسائله حيث يقول: "تأخذني الحيرة في مفهوم الحرية والأحرار عند الإنسان وتعامله معها، والمقياس في ظني مادام الكل يدعي صحة العقل، ومادام سؤالك قائماً ينادي من يدري بما فيه من الجهل، تذبذبت عندي الآن رؤى الصور التي أرسلت إلينا، فالعبيد والأحرار والعصا والسيف والمدى، إلى غير ذلك، ألفاظ في فمك أو أقوال ومواعظ أو تعاطف مع موقف أو مواقف، فالذي يشكّل الرؤى ويصوغ الألفاظ والأفكار والمواقف في الإنسان هو البعد الذي نحسه ولا نتحكّم فيه، يمشي إلينا بحِمْل، وفي حذر وغموض وتناقض، فتستقبله مواقفنا وفق أهوائنا ورغباتنا ونظرتنا للأشياء، وهنا نرى في كل يد مقياساً يقيس به صاحبها مفهوم الحرية والأحرار، وينكر كل مقياس غير ما في يده•• فكيف بالآخرين وأحكامهم على من خالفهم وعاب مقاييسهم".
والحرية التي يمتلكها الفرد- كما يتضح من نص التويجري- تصبح شيئاً خاصاً به إذا تعلّق الأمر بالعنصر الشخصي للإنسان الفرد فقط.
أما إذا تعلّق الفرد بالمجتمع فتصبح هذه الحرية مسألة عامة، ولكن مع كل ذلك فإن الفكر والوعي الثقافي والسلوك تبقى أموراً ذاتية، تبرز من خلال الجانب الإيجابي في حرية الفرد، وهي بطبيعة الحال حقوق يقرها كل من يعي دور الإنسان في الحياة.
ويؤكد التويجري ذلك بقوله: "لكل إنسان تفكيره وقلمه، ولكل إنسان جناحه أو قدمه، لهذا كثيراً ما تحاشيت الخوض في نفس غير نفسي وسلوك غير سلوكي وذكريات غير ذكرياتي". وهذا ما تفسّره عبارة أخرى قالها التويجري ترتبط بالحرية والقوانين التي يصوغها الإنسان حيث يقول: والذين سنوا قوانين غليظة على وجدان الإنسان وعقله وروحه، ليست فطرتهم باقية لهم لم تفسد ولم تغلظ في حق هذه الفطرة التي نجدها عند ناقة البدوي وعند صاحبها في الصحراء". هذه كناية عن الحرية التي هي أساس بناء شخصية البدوي في الصحراء والبعيدة عن سطوة الإنسان غليظ الطبع الذي لا يتعامل مع أخيه الإنسان بروح التسامح والألفة المشتركة في الحياة الاجتماعية العامة.
ويميط التويجري اللثام ليكشف سوء الفهم الذي يتبناه بعض الطفيليين من حملة الأقلام، حيث يتسربلون بجهل فاضح عندما يتناولون قضية الحرية، فيقول: "إن كل من نسي نفسه وسار في ضوضاء الحياة تلعب به رياح حاملة معها روائح كريهة، لابد أن يجد نفسه في آخر المطاف قد تبدّدت وتوزّعت، ويشق عليه أن يرقع هذا التصدي أو يروّضه حتى يعود إلى ما كان عليه".
مع غزارة هذا المعنى إلا أن دقة التعبير عن مضمون الحرية عند التويجري يكاد يستوعبها نص آخر ينطلق من بيئة الصحراء التي قلنا عنها إنها بيئة تزدهر فيها الحرية لأنها بيئة خالية من كل أشكال القيود حيث يقول عن هذه الحرية أو تلك البيئة: "أطلقت الحرية في الصحراء منا كل القيود الثقيلة، التي تصنعها فلسفة، وتلدها أفكار تسنها القوانين".
لأن نظام الدولة عند التويجري هو ما شرع تحت ظل شريعة ربانية، وقد تمثّل بنظام الحكومة الإسلامية التي كانت قائمة في عهد الرسول والخلفاء الراشدين من بعده، حيث رسم لهم القرآن الكريم كل ما يحقّق العدل السياسي والاجتماعي الذي يقوم أساساً على الحرية•• وهذه الحرية يعطيها التويجري وجهاً ناصعاً بالبياض، لأنها تمثّل الخير والحب والجمال، فيقول في هذا الصدد: "الحرية بيضاء الوجه وضاءة الجبين، لا تقبل بطريق عابسة الوجه، فما لم تكن الطريق آمنة لكلمة الخير والحب، يظل القيد في قدم السؤال وإن أدماها". ويكاد هذا البدوي يختصر كل المفاهيم التي ترتبط بالحرية حينما يقول: "إني من أمة حضارية إنسانية، وإن قيمي وقيم شعبي هي القيم التي عاشت فيها كل الديانات متآخية متساوية آمنة"
ولعل التويجري يحلّق في خياله مع حرية الطير التي تعادل عنده حرية الإنسان، وهذا دليل على الأفق الإنساني الشاعري عنده حيث يقول: "فضاء يسبح فيه الطير في أمان من الرماة، وحرية الطير في الفضاء أو حرية الإنسان في ظل جناحه، كم تاق لها الإنسان، وساءله قلق من الفضاء: قد أتعب الجناح فجئت تمشي معنا فوق التراب".
إنه يتعامل مع المفاهيم التي أطّرت للحرية نظرية شمولية، لذلك فإن التويجري عندما يتحدّث عن شيء بمستوى الحرية فإنما يعبّر عن موقفه تجاه الإنسان الذي يعده من أرقى الكائنات حيث صنع مجده منطلقاً من حريته عندما سخّر الطبيعة التي وهبها الله له لكي تكون في خدمته. وبقي يواصل عمله الإبداعي في ترويض متواصل لهذه الطبيعة معتمداً على حريته التي وفرتها له كل الشرائع السماوية، وقنّنها الإنسان بالقوانين الوضعية.
وإذا كان التويجري يؤمن بما قاله فولتير: "قد أخالفك في الرأي ولكنني أستميت لكي تقول رأيك بحرية". إلا أنه يؤمن أكثر فأكثر بمقولة الخليفة عمر لأنها الأكثر تعبيراً عن موقف الإنسان الملتزم بحقوق أخيه الإنسان، وهو يرى تلك المقولة، وكأنها صرخة مازالت مجلجلة لتملأ أجواء الزمن المتلاحق منذ أن أطلقها عمر وحتى الآن: "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً.
التربية والأخلاق
في لُجة الصراع، ومواجهة الحياة المعاصرة بكل ما فيها من خطوط متشابكة يسجّل الشيخ عبدالعزيز التويجري حضوراً متميزاً في هذا المعترك عندما يولي قضيتي التربية والأخلاق اهتماماً خاصاً في أكثر كتاباته، معتبراً إياهما نقطتي انطلاق لرسم طريق الأجيال القادمة لتتهيأ أخلاقياً، وتربوياً للحفاظ على القيم والمفاهيم التي ورثوها من تراثهم العربي والإسلامي الطويل، لإيمانه بأن هذه المفاهيم والقيم يجب أن تبقى راسخة على ثباتها، ومتفاعلة مع المعطيات الحديثة التي لا تصطدم بجوهرها. والتويجري بذلك- ومن خلال معطياته- إنما يريد تثبيت حلقة الوصل التي تربط بين القيم الراسخة في أعماق ووجدان الإنسان العربي لتكون صلبة في مواجهة المستحدثات الوافدة عبر منافذ ووسائط مختلفة، والتي قد تسهم تأثيراتها في إحداث غفلة ربما تجعل العرب ينسون كينونتهم ويفتر عزمهم في التمسك بهويتهم بعد أن أصبحوا في هذه الحقبة من الزمن موضع اهتمام العالم بسبب ما تزخر به أرضهم من الثروات الطبيعية، وبسبب الأحداث السياسية المهمة التي اتخذت من الأراضي العربية مسرحاً لها.. فهو يبدأ رسائله التربوية والأخلاقية ليخاطب بها والديه وأبناءه. وكذلك يخاطب الشباب كافة، ويخص المرأة باهتمام واضح، وإجمالاً فإنه يخاطب الأمة بأسرها عبر تلك الخواطر والآراء والرسائل. وكلما أراد أن يقول شيئاً ما يعبّر به عن فلسفته التربوية والأخلاقية فإنه يختار الموقف المناسب الذي يستطيع أثناءه أن يسجّل عبر معطياته الرأي المناسب لذلك الموقف.
وفي كل ذلك كان التويجري يهدف إلى تحقيق قضيتين هما: أن الإنسان العربي كائن قد زودته التجارب التعود على مواجهة الحياة الصعبة والطبيعة الخشنة التي كان يعيش في كنفها منذ قرون. وقد استطاع رغم كل تلك الصعاب والخشونة أن يبدع في تسطير ملاحم عظيمة في مجالات الإبداع الفكري والثقافي والفلسفي والعلمي، مما أعطاه مكانة مرموقة ورفيعة في الإسهام في صنع حضارة لاتزال البشرية تعيش على بعض منجزاتها. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن الإنسان العربي مازال قادراً على التمسّك والتعايش مع التراث الضخم الذي خلفته له تلك الأجيال من جحافل المفكرين والمبدعين والعلماء منذ أن بدأ يجيد التعبير عن خلجات ذاته ويصبها في معطيات إبداعية وحتى الآن. وبهذا يشكّل أرضية خصبة لازدهار التربية والأخلاق التي لم تتوقّف في ممارستها العملية عند ذلك الموروث، وإنما أوجدت لها مكاناً فسيحاً للتفاعل مع المستجدات للاستفادة من هذا التمازج الإنساني الخلاق الذي أفرزته الحضارات الإنسانية القديمة منها والمعاصرة.
والشيخ التويجري ينزع إلى هذا الهدف تحسباً للسلبيات التي قد تفرزها بعض المعطيات الحضارية المعاصرة، والتي تتسم بالتسطح والميوعة وضعف الجوهر البناء في روحية الإنسان وهو يحاول أن يصف موقفه هذا بالعبارة التالية: "وما في هذه الرسائل إلا مخاوفي ووعظي لأولادي حينما كانوا في جامعات القوم هناك بعيدين عن هذه الصحراء وقيمها ومعتقداتها الكريمة، وما أولادي وحدهم هم الذين أخاف عليهم، أبداً•• فمخاوفي أو مخاوف الآباء الآخرين على أولادهم من سلبيات هذه الحضارة، قدر أخذنا من عزلتنا إلى عالم البشر، وهو أمر لا يستطيع اليوم خائف أن يتخفى عنه، وإن لاذ في الظلام".
والعنصر العائلي عند التويجري هو المقياس الأساسي في تربية الأبناء، خاصة إذا ما ابتعد هؤلاء الأبناء عن دائرة العائلة إذ ربما يصيبهم طشاش من أمراض الحضارة المعاصرة التي كثيراً ما تطلق ضرباتها الطائشة في كل اتجاه وهي ذات آثار فتاكة إذا لم تكن لدى الأبناء حصانة ومناعة. وبالقدر الذي يخشى فيه التويجري على أبنائه وعلى جيل الشباب من الانسياق وراء القشور التي تفرزها الحضارة المعاصرة، فإنه من ناحية أخرى مليء بالثقة التي تكاد تصل إلى حد الإيمان الراسخ بأن هؤلاء الشباب ممن تشربوا وترعرعوا في كنف التقاليد والقيم الإسلامية والعربية الأصيلة، لا يمكن أن يخضعوا لأي محاولات تريد أن تجتثهم من واقعهم، هذا مهما كان حجم المؤثرات. إلا أن القلق يبقى مستبداً عند الآباء الشرقيين حتى وإن توافرت شروط الأمان التي تقي الأبناء بالحصانة والمناعة الموروثة من تاريخهم ومن تقاليدهم.
ولأن التويجري قد تجرع الكثير من الصعاب عبر مشوار حياته الطويل، فلم يكن يهدأ له بال على ابتعاد أولاده عنه في ديار غير ديارهم أو أن يعيشوا وسط قيم وسلوكيات تختلف كلية عن قيمهم وعن سلوكياتهم، ولكنه كان يصبر النفس بالأمل حينما يعود هؤلاء الأبناء مزودين بالمعرفة والعلوم والقيم الحضارية الإيجابية، لينغمسوا في معترك الحياة العملية في وطنهم ليثبتوا قدراتهم في المحك الفعلي للإنجاز منطلقين مما اكتسبوه من علوم ومعارف أنتجتها الحضارة الجديدة ليعزّزوا بها أصالتهم المرتكزة على جذورهم.
وكتب الشيخ عبدالعزيز التويجري في هذه القضية أكثر من خاطرة ورسالة حيث يقول في إحداها: "ما لم نقس تربة أولادنا بمقياس روحي وخلقي فقد يقيسها الآخرون بمقاييس هذه الحضارة وهذه المدنية التي لا أذم ما فيها من إيجابيات، ولا أدعو إلى الوحشة منها، ولكن معالم الطريق لإيجابيات هذه الحضارة قليل من يراها ويحاول في عالمنا الإسلامي وعالمنا العربي أن يتعامل معها في وعي العقيدة والأصالة، واكتساب الأجود والأفضل مما فيها". وللجمع بين الموروث من الأصالة والحداثة، فإن التويجري يتعامل مع هذه القضية التربوية في كتاباته متخذاً منهجاً يتضمن دروساً تحتوي على حكم وتجارب، وعلى شيء من الفلسفة التي صيغت ببساطة البدوي، لتتوازن مع مستوى تقبّل الأجيال الجديدة لها، ولتكون مستساغة لقارئها ومفهومة وسريعة الاستيعاب.
يقول- بمسؤولية الأب والمعلم مخاطباً أبناءه: "كنت في كل ما كتبته لكم في أوقات مختلفة لا أحمل معي سلطة الأب ويقينه بأن ما يقوله شيء ملزم لكم. أبداً فقد كنت أحاول بكل جهد ألا أملي إرادتي وتفكيري وتجربتي القاصرة وظروف حياتي على شاب يقرأ في كتاب الحضارة المذهلة، ما لم نقرأه نحن الآباء عبر التاريخ الطويل".
هذه المدرسة في الحوار بين الأب وابنه أو المعلم وتلميذه، هي التي يطلق عليها علم التربية الحديث (مدرسة الإقناع). إنها مدرسة تعتمد على مبدأ المناقشة والحوار، وهو تقليد قديم جداً عند العرب قد سلكه معظم العلماء والفلاسفة والفقهاء ممن كانوا يلقون ويتلقون العلوم في حلقات الفكر والفلسفة والفقه والعلوم.
والتويجري لا يكتفي بالحوار والمناقشة فقط في كتاباته، إنما يدعمها بالحجج التي يقتبسها من مصادر تجربته الخاصة كي يقرّب لأبنائه ولأبناء هذا الجيل ممن يقرأونه عناصر وقائع تجربة ذاتية لتكون أكثر قوة وتأثيراً في المتلقي. وإذا كان قد جعل من أولاده وأقرانهم من أبناء جيلهم عناصر لنشاطه الذهني المختبري، أو أنه يخاطبهم باعتبارهم النماذج التي خبرها وتعايش معها على الصعيد الاجتماعي المحيط به، فإنه يتوجّه بالخطاب أيضاً، وبصورة غير مباشرة إلى أولئك الذين لم يتيسر لهم الانخراط في سلك العلوم الأكاديمية. واكتفوا بما تقدّمه لهم الحياة من تجاربها.
وكثيراً ما نجد التويجري يحمّل أبناء جيله والأجيال السابقة عليه مسؤولية نقل التراث التربوي حيث يقول: "ليت كل أب مضى إلى ربه خلف لنا ولو قصاصة من الورق قال لنا فيها: ولدي هذا طريقي الذي مشيت فيه إلى المدفن". إنها دعوة تنم عن إدراكه لأهمية التجربة الذاتية للآباء التي ينبغي أن ينقلوها إلى الأبناء لأنها في اعتقاده الوسيلة النافعة والمجربة التي ترفد الأبناء بالمزيد من عناصر المناعة التي تقيهم شرور العقبات التي تواجههم في حياتهم، وتجعلهم قادرين على حمل الإرث الذي قد يكون حمله شاقاً وثقيلاً على كاهل الآباء. إلا أنهم أبوا إلا أن يضطلعوا بدورهم في السير قدماً لحمل هذه الأمانة.
والحوار، والنقاش، والمحاججة هي العناصر الثلاثة التي اختطها التويجري أسلوباً في كتاباته لأنها ذات تأثير تربوي كبير، وهي تسهم في تهيئة الأجواء الصحية التي تزيل الحواجز النفسية ذات المدلول السلبي بين الأب وأبنائه، ومن ثم فإنها تمنح الابن فرصة واستعداداً لصياغة ذاته الخاصة (المستقلة) والمحصنة بالقيم الإيجابية الموروثة. وهنا يمكن للأبناء أن يتخذوا من الآباء أصدقاء لهم، وهذا هو الأسلوب التربوي الذي كشفت عن صحته جملة من الدراسات.
ويكشف الشيخ عبدالعزيز التويجري عن انحيازه إلى هذا الأسلوب في إحدى رسائله إلى ولده حيث يقول: "حواري معك ليس حواراً فلسفياً ولا مذهبياً، ليس معي في هذا الحوار قيد أضعه في يدك، حواري طليق، آمل أن تقابله بطلاقة الوعي والحرية المشاكسة". ويفسّر في موضع آخر رغبته في الحوار مع ولده فيقول: "إذا دعوتك إلى الحوار فهو من أجل أن نصحح المسار، ونبني مع الزمن بحوارنا ما تهدم، فخرائبنا الذاتية لا يبتنيها من جديد غير الحوار المستمر، لأنه بحوار الابن مع أبيه تتجمع القطرات لتكون روافد، ثم تصبح نهراً خالداً يسقي العطاش".
التويجري يتخذ من قضية الحوار منطلقاً تربوياً لفلسفة خاصة، وكما سبق أن وردت الإشارة فإن الحوار عنده مع الأبناء ما هو إلا وسيلة يتخذها لكي يخاطب شرائح المجتمع الأخرى بما تضمه من السياسيين والمثقفين والعلماء. وربما أولئك المعنيين بالتربية والأخلاق أيضاً، ففي اعتقاده أن كل واحد من أفراد هذه الشرائح الاجتماعية يحتاج إلى الحوار كي يتحسس الأرضية التي يقف عليها، وكي يرى أين أصبح موقف العناصر الأخرى التي تؤمن بالحوار، وبالتالي لكي يتوصل إلى النتائج التي من الممكن الحصول عليها لتحديد معالم الطريق والاستعداد للمستقبل. وهو يؤكد ضرورة الحوار، ليس في نطاق العائلة الواحدة فحسب، وإنما يرى فيه ظاهرة صحية لتعم الحياة في المدارس والجامعات وفي مواقع العمل، بل على صعيد المجتمع بأسره، فالحوار وسيلة من وسائل التقدّم الحضاري.
مع أن التويجري يدرك تماماً أن ما يواجهه شباب العصر الحديث من مشكلات لا علاقة له بتلك المشكلات التي واجهها الآباء والأجداد في السابق، ولكنه مع كل هذا يؤمن بأن حوار الأجيال لابد أن يستمر للوقوف على إيجاد الحلول الناجعة، مستفيدين من الأساليب التي استخدمت في الماضي لكي يتغلبوا على حل مشكلاتهم، ويقول مخاطباً ولده في إحدى رسائله قائلاً: "مشكلتكم أنتم الأبناء غير مشكلتنا، فنحن الآباء ماضينا محدود إن كان في الجمجمة أو في أودية الأرض، إن كان في فلسفة فاضت بها جمجمة إنسان في شبر من أشبار الأرض، ثم ماتت لأنها لم تجد قدماً تحملها أو جناحاً يطير بها. كل منا عاش العزلة في كتاب واحد أو فلسفة محدودة".
ويستدرك في عبارة أخرى هذا التباعد، مشيراً إلى أن المدرسة أو الجامعة قد لا تكون هي المؤسسة الوحيدة التي تستطيع أن تنتج القيم وإنما الارتباط بالأرض والجذور فيقول: "ألا ترى معي أننا نحن البقية الباقية في هذا الركن من الوطن العربي، الذين حتى الآن والأحداث تلفح أرضنا وسماءنا وإنساننا فيه، لم تتصدّع تربتنا؟ ألا ترى معي أننا الحراس الأمناء- في هذا الجزء من الوطن العربي- على أعراضنا ومحارمنا ودمائنا وعقيدتنا؟! من لم يرْ هذا ليس منصفاً ولا عادلاً".
ويحرص التويجري فيما يطرح من آراء وأفكار على أن يحث الأجيال الجديدة على القيام بحمل الأمانة التي سبقهم إلى حملها الآباء والأمهات، وقد حدّد هذه الأمانة بـ (الوطن). فالوطن يحتل مكان الصدارة في دروس التربية والأخلاق عند هذا البدوي العاشق لوطنه ولأمته عشقاً يقترب من درجة التصوف. فمن خان أمانة الوطن خان أهله وذويه وأبناء جلدته. فالإنسان القويم هو من يصون الأمانات.
وقد وضّح هذه النقطة بجلاء عندما قال: "لأن كلامنا نحن البشر أمانة عند الآخرين، فأنا محمول على أمانة أبي وأمي ومجتمعي ودولتي، وأنت كذلك. وهكذا كل منا نحن البشر من الطفل الذي فرح به أول بيت على هذه الأرض إلى يومنا هذا، والإنسان حامل معه هذه الأمانة". وتمتزج عند التويجري القضية التربوية بالقضية الأخلاقية في كتاباته عندما يحذر ولده قائلاً: "أما المخدرات فإنها تدمير للعقل والوعي والوجدان ولكرامة الإنسان، إنها الفضيحة التي لا قبر يسترها ولا طريق إذا تعب الإنسان منها وجد في أدناه أو أقصاه مكان استراحة ونظافة أبداً•• هي عاهة أليمة لا شفاء منها".
ولسنا ندري ما هي المخدرات التي يعنيها ويحذر منها: أهي المخدرات الكيماوية؟ أم تراه يحذر من التخدير الفكري؟ لأننا نجده في كتاباته كثيراً ما يتوجّه إلى الشباب بالنصح أن يبتعدوا عن الانغماس في قشرة الحضارة الغربية التي اقتحمت علينا بيوتنا حتى لا يصابوا بأمراضها، فهو شديد الحساسية تجاه ما يدعى برعب الحضارة وما تفرزه من آثار سلبية مدمرة قد انقضت على الكثير من المجتمعات وقتلت فيها القيم الإنسانية الرفيعة حتى داخل البيوتات الغربية المحافظة نفسها.
إن حالة القلق من المظاهر القشرية قد دفعت بالتويجري أن يدق- في كتاباته- ناقوس الخطر خشية أن تتسرّب هذه الروح لتصيب المجتمع كله، إذ أصبح لها في بلادنا موضع قدم بشكل أو بآخر، كما أن العالم أصبح قرية صغيرة على حد تعبير علماء الاجتماع وخبراء المواصلات. ومع هذا القلق المصاحب لكتابات التويجري التحذيرية إلا أنه لم يتوقّف عن بث دعوات تربوية وأخلاقية أخرى تدعو إلى ترسيخ مشاعر الحب التي لا يمكن لها أن تكون حبيسة مجتمع بعينه أو بيئة محدّدة، إنما هي شبيهة بالطيور التي تهاجر من هنا وهناك، وتحط أينما تشاء دون إذن لأنها منبثقة من صميم طبيعة الإنسان.
ويجاهد التويجري في استنهاض ظواهر الحب في نفوس أبنائه- ممن يخاطبهم في كتاباته- باعتبارهم جبلوا على هذه المشاعر، فيحثهم على أن يمنحوا الحب ليس لعائلاتهم فحسب، ولمجتمعاتهم وإنما للعائلة الإنسانية جمعاء.. فيقول: "لن يعظم الحب، ولن يتسع إلا حين ندافع عنه ونقاتل الكره حتى ينهزم ويتوارى، فهو غراب البين وبوم الخراب اللذان يتشاءم منهما العربي، ويرى فيهما رمزاً كريهاً لأنهما لا يريان إلا على أنقاض الخرائب أو على الأغصان اليابسة الجرداء".
ولأنه في كتاباته التربوية والأخلاقية ينطلق على فطرته وسجيته، فمن العسير على قارئها أن يجد فيها الموضوعات ذات الطبيعة التخصصية، وبالذات في مضمار التعليم الذي كان موضع اهتمام بالغ في الدراسات والأبحاث المتخصصة والبحوث الأكاديمية منذ عصور طويلة. لكننا نلمح بين ثنايا كتاباته التعرّض إلى بعض القضايا التربوية التي كثيراً ما شغلت دهاقنة الفكر من التربويين خاصة موضوع (التلقين في التعليم) الذي ظهرت نتائجه السلبية في عالمنا العربي، مما جعل الصيحات ترتفع بين أوساط الأكاديميين والمعنيين بالمناهج التربوية، مطالبين بتغيير نظام وأسلوب التعليم التلقيني.
ونجد الشيخ البدوي الفطري قد أدرك تلك الحقيقة، وقال: "ما لم يقترن الأسلوب التلقيني بعناصر تربوية أخرى متممة له، ولعل أهم هذه العناصر هو عنصر القناعة التي يجب أن تتوافر عبر سلسلة من الحقائق والأدلة والثوابت، فإنه سيسفر عن نتائج ناقصة..".
وكثيراً ما ينتقد التويجري أولئك الذين يلزمون أولادهم السير في اتجاه معين دون وضع اعتبار للاتجاهات الأخرى التي تتشكّل من عدة عناصر لكي تكون في جملتها مقومات الثقافة عند المتلقي حيث يقول: "ليس في قدرة أب أو قدرة معلم أو قدرة دولة أن يصوغوا أمنياتهم في ذهن ابن من أبنائهم بحيث يرمي بثقله العقلي والذهني في بئر المعرفة العميقة آمناً من الغرق، متجاوزاً بذكائه وحسه وبشعوره الذي لا يهدأ، ولا تسكن رياحه دون الوصول إلى الهدف البعيد الشاق متجاوزاً كل العقبات".
وقد علّق الدكتور حسن ظاظا على تلك النقطة قائلاً: .بالالتزامين الخلقي والفني النابعين من الصدق والأصالة والعفوية والتواضع، يرمّم الكاتب- التويجري- صدوعاً في أدبنا العربي المعاصر ارتكبها المتصنّعون والمتسيّبون على السواء".
وربما يتصوّر البعض أن هذا البدوي العاشق لصحرائه وتراثه لم تتيسر له مواكبة الركب الحضاري المعاصر ليقف على ما فيه من معطيات ورموز، ولكن بنظرة متفحصة في كتاباته الأخلاقية التي يصب فيها بعض خواطره، يجد أنها متضمنة ما يؤكد سعة اطلاعه وتنوّع قراءاته ليضرب بها المثل كأسلوب يتجاوز به التعليم التلقيني، وسيتأكد لنا ذلك عندما نورد له جزءاً قصيراً من نص يقول فيه: "سلسلة من التساؤلات حول من هو العاقل؟ وما هو العقل؟ سلسلة لا أطراف لها ولا وسط لها، ولا معالم على طريق البشرية فتمشي إليه؟! هل هو ميكيافيللي؟ وهل هو في نيرون؟ وهل هو في فرعون؟ وهل هو في هامان؟ هل هو في جنكيز خان؟ هل هو في من أداروا رحى الحربين العالميتين الأولى والثانية؟ هل نقول: إن هؤلاء عقل له الحق في أن يؤسس مدرسة تدرس فيها مدرسة العقل عند هؤلاء؟ أنا لا أنفي وجود العقل عندهم، لكني أتصوّر أنه لم يكن بمعزل عن غرائزهم ورغباتهم ونزعاتهم الشريرة".
وهذا هو جزء من أسلوب التلقين، لكن ليس التلقين المجرّد أو العفوي، إنه تلقين يقوم على المجادلة والوقائع التي لا يمكن دحضها. وهو جزء من مستودع المفاهيم التي يختزنها التويجري في ذاته، ويحاول إيصالها إلى النشء من قرّائه عبر السؤال والجواب، ومع ذلك فإنه لا يغمط حق وسائل التواصل الأخرى في التلقين ومنها القصص التي كانت وسيلة رئيسية للتربية في القرية قبل ظهور المدارس وانتشار القراءة والكتابة. وبهذا الصدد يقول: "ما أكثر قصص الأمهات والآباء في الصحراء والقرية، التي تزرع الأشياء في نفس الصغير وتعمق فضيلة السخاء والكرم". ومن المسلم به- علمياً- أن الظاهرة الأخلاقية التربوية، لا يمكن أن تقوم لها أسس إلا بوضع ضوابط ذاتية على الانفعالات الجياشة، وإطاعة مبادئ الخير، والنزوع نحو كل ما يعزّز الحب والجمال، ويتيح الأجواء الحرة للأذهان لأن تتفتق بالإبداعات. وإجمالاً الخضوع لمنظومة القواعد الاجتماعية الإيجابية. وكل ذلك يتشكّل في الذات الإنسانية، أي أن تكون قادرة طواعية على اتخاذ القرار السديد في التعامل مع الأطراف الأخرى. ولا يمكن لنا في هذا السياق أن نتجاهل عوامل الوراثة لدى الإنسان الذي يولد ويترعرع وسط بيئات مختلفة تفرز أنماطاً بشرية متفاوتة المواهب والقيم.
والتويجري يعتبر نفسه خريج جامعة الموروث والبيئة والحياة بعمومها، وهي التي منحته شهادة مكارم الأخلاق كما يؤكد في إحدى رسائله حيث يقول: "هؤلاء آباؤنا أورثونا مكارم الأخلاق، وهي اليوم ما نخاف عليه، وهي اليوم ترتعش من الخوف أن تموت الصورة إذا ما مات البدوي. والبدوي هنا في تعبيرك أو تعبيري لا يعني العربي الأصيل نرمز إليه بالبداوة لننظفه من سلبيات الحضارة".
وفي الوقت الذي نجده يستشهد في معظم كتاباته بالومضات التاريخية المضيئة ليجعل منها أنموذجاً يحتذيه أبناء هذا الجيل، فإن التويجري يصب جام غضبه على ما يراه سلباً أحدثته رموز فكرية وسياسية واقتصادية، كان لها تأثيراتها في قطاعات كبيرة من أبناء هذا العالم المعاصر، وينحي باللائمة بالذات على المدارس الفلسفية المتصارعة في سوح المجتمعات الأوروبية مندّداً بها لأنها في تصوّره لم تسع إلى رفع الحيف عن كاهل البشرية بقدر ما تحاول أن تسخر مفاهيمها في خدمة أهداف محدّدة ضمن دائرة مصالح مجتمعاتها فقط وعلى حساب مصالح وكرامات الملايين من البشر.
يقول الشيخ عبدالعزيز التويجري: "نحن في القرن العشرين لنا مدرسة من (فرويد) ومن (ماركس) ومن (ميكيافيللي) ومن (الدولار). معلمين هدموا كل الحيطان والجدر التي كان يلقي عليها الدرس جيلكم ومن كان مثلكم أو بعدكم. وحتى صعاليك القرن العشرين منا، أقزام التفكير أرادوا أن يكونوا عمالقة فيرفعوا الدمار ليهدموا ما تبقى لنا من بنيانكم. البنيان الذي يستر عورتنا. لو استطاع هؤلاء الأقزام جرذان سد مأرب أن يملكوا سلطاناً، لخرجوا إلى الشارع العام مكشوفي العورة لا حياء يضع عليها ولو خرقاً بالية من بقايا أثواب التقى".
كما يلاحظ في رسائل التويجري التربوية والأخلاقية، بل الأبوية التي يرسلها إلى أولاده، فإنه يريد من خلالها أن يوصل كلمته إلى مجتمعه العربي، وربما إلى المجتمعات الأخرى ليشيع تلك القيم المنبثقة من منظومة النسيج التربوي الفطري المتأصّل داخله، وهذه القيم كانت ومازالت وستبقى- في رأي التويجري- تشكّل العلامات البارزة للحق والخير والحب. واحترام الذات الإنسانية والدفاع عنها بالأساليب التربوية والأخلاقية القائمة على غريزة الفطرة النبيلة في الإنسان.
المرأة
استحوذت قضية المرأة- في الوطن- على اهتمام الشيخ عبدالعزيز التويجري، إذ أنه خصّص لها متسعاً من تأمّلاته وخواطره ورسائله كي تحتل مكانها الطبيعي الذي يليق بها ككائن لا يجوز- بأي حال من الأحوال- أي تنتقص مكانته، تحت أية ذريعة كانت. وسخر التويجري قلمه دفاعاً عن المرأة مؤكداً: "أن الحياة لا تزدهر خلاياها البشرية، ولا تتجدّد دماؤها إلا إذا تبوأت المرأة، هذا الجنس الرقيق، موقعها الذي يليق بها". وقد انطلق، أول ما انطلق، من تجربته الذاتية إذ عبّر عن تأثير المرأة المباشر فيه كأم في أحد مقالاته فقال: "أول ذكرى حضرت عندي الآن في لحظة الصراخ والبكاء. أخذتني أمي التي ترمّلت، في صدرها، فضمتني وقطرات الدموع تتتابع على خدها الذي تخدد من هموم الأم على صغارها". وإذا ما انتقلنا من دور الأمومة في حياته، والذي كثيراً ما يأتي على ذكره بالحب والإعجاب والتقدير في ثنايا سطور كتاباته، إلى أثر المرأة بشكل عام في حياته فنجدها لا تخلو مما يصادف الشباب عادة إثر هيمنة لواعج الحب البريء متدفق المشاعر والأحاسيس، والذي كثيراً ما ينتهي بنهايات سعيدة. وقد أجاب التويجري في معظم كتاباته، التي تناولت قضية المرأة، عن التساؤلات التي تعتلج داخله بشأن دورها في حياته قائلاً: "في بعض الحالات تأتيني خاطرات أستوحش معها أن أكتبها على ورق، خوفاً من أن تتسلّل إلى هذه الخاطرات خاطرة فاسقة تكدّر الصورة التي يجب أن تكون عليها علاقة الرجل بالمرأة، يقال إن المرأة ألفت القيود. لذلك فهي تخرم أنفها، وتشق أذنيها، وتحيط معصمها بسوار، وألفت هذه القيود في عصور سحيقة تمثّل بالنسبة لها سلاسل العبودية".
والتويجري في خاطرته تلك يرفض عبودية المرأة، ولكنه يطالب بألا تكون حريتها سبباً يحوّلها إلى سلعة تباع وتشترى في أسواق النخاسة المعاصرة، أو أن تنطلق باسم الحرية إلى ممارسة ما لا يجيزه الدين والعرف والمجتمع، عندما تظهر الدعوات إلى مساواتها بالمرأة الغربية التي أصبحت حياتها مسخاً يعج بسلبيات لا يمكن أن نرتضيها لأمهاتنا وأخواتنا وزوجاتنا وبناتنا.
وعندما نقول سلبيات، ونحدّدها بالمسخ، فهذا يعني ضمناً أننا مع الإيجابيات التي تحترم كرامة المرأة، لأن المرأة العربية تختلف عن غيرها لكونها وليدة مجتمع يضع قيمة ذات موازين أخلاقية للإنسان، وتنطلق تلك القيمة أو الموازين من مفاهيم وتقاليد متوارثة إلى درجة الرسوخ، وهي تقاليد تقوم على المساواة بين البشر في كل شيء. ربما هناك إساءة في تطبيق تلك القيم، ولكن ذلك لا يعني خطأ القاعدة. والشيخ عبدالعزيز التويجري إنسان مرهف الحس، يمتلك عواطف جياشة تجاه نصفه الآخر، إذ كثيراً ما نجده يأتي بالإطراء على الجمال وعلى الأنوثة بما يليق بمثل هذه المسميات بعيداً عن الإسفاف، فهو يتحدّث عن المرأة كعنصر اجتذاب طبيعي لالتقاء النعومة بالخشونة، لتكتمل بذلك معالم الطبيعة التي خلقت الأشياء متآلفة بين الذكر والأنثى.
ولهذا- فعنده- أن المرأة التي تحافظ على عفتها، وتحرص على أنوثتها إنما تكون أكثر تعبيراً وتميّزاً في امتلاك جاذبية تجعل الرجال يحلمون بتحقيق الترابط الأسري في المجتمع من خلالها. يقول التويجري حول جاذبية المرأة: "ما من إنسان يستطيع أن يحدّد معالم هذه الجاذبية، فهي تنصب فخاخها، وسرعان ما يقع الرجل في الفخ، ويظن أنه هو الصياد•• ولي تجربتي مع أم أولادي، وقد حاولت أن أقع على سر هذا اللغز فما استطعت".
أما عن دور المرأة وانخراطها في الميادين العامة، فقد دافع التويجري عن حقها في التعليم، وكذلك دافع عن حقوقها الطبيعية الأخرى، معتبراً أن مقاييس تقدّم المجتمعات تنطلق من الاهتمام بها، لأنها الأساس الذي ترتكز عليه عملية تطوّر المجتمعات•• ويتوجّه لكل من الرجل والمرأة بالعبارة التالية:
"لا يغلق الرجل منافذ المعرفة عن المرأة، فمتى كانت عارفة وواعية، رأته ورآها في أجمل صورة، وفي الوقت نفسه هي أيضاً لا أعتقد أنها ستسعد إذا قالت للرجل: تعال، يطاول بعضنا بعضاً".
هذه العبارة تؤكد نظرة التويجري للمجتمع ككل، وللمرأة كأم وأخت وزوجة وابنة، إنها مقاييس التربية والسلوك ومكارم الأخلاق، فلابد أن تفتح لها المنافذ كي تخصب المجتمعات بخصائصها الجميلة والنبيلة التي جبلت عليها.
وهناك اعتقاد بأن المرأة العربية من أكثر النساء حنواً على أطفالها، وهي تتجاوز قريناتها من النساء الأخريات في العالم في هذا الجانب، ويعزى السبب في ذلك إلى الحوادث التاريخية يوم كانت الحروب بين القبائل كثيراً ما تؤدي إلى حالات من اليتم يتعرّض لها الأطفال، فيبدو أن هذا الشعور عند النساء العربيات قد توورث ليغدو جزءاً يحتل موقعاً في عقلهن الباطن، وهو شعور داخلي، مليء بالخوف والقلق من المجهول، قد ارتبط بالإرث المتراكم لتلك النوائب والفواجع التي كانت كثيراً ما تحصد عند حدوثها أعداداً من الآباء والأبناء والبنات دون تمييز.
ولهذا نجد الأم العربية حريصة جداً على أطفالها، وتجاهد كي تراهم يعيشون في أجواء صحية، وفي مأمن من تقلبات القدر والزمن المجهول، فتبقى طوال سني حياتها مع أبنائها- إذا ما فقدن شريك حياتها لسبب أو لآخر- تبقى ملتصقة بهم إلى أن يشبوا عن الطوق. وكم من النساء العربيات عانين الحرمان- بعد أن فقدن شريك الحياة- وظلت الواحدة منهن تعض بالنواجذ على فلذات كبدها، وقد حرمت على نفسها كل متع الحياة من أجل تربيتهم. وقد أشار التويجري في أكثر من موقع لمعاناته بعد أن يُتم وهو في سن صغيرة. ومن نافلة القول: أن المرأة العربية المعاصرة، تلعب الآن دوراً مهماً في الحياة العامة في ميادين التعليم والطب وفي الآداب، لكن للأسف فإن هناك من مازال ينظر إلى المرأة العاملة بتزمّت قد عفا عليه الزمن وتجاوزه.
والتويجري يرى في ظواهر التزمت هذه أنها مجافية لقيم الإسلام التي أخرجت المرأة من حدود عزلتها وكرّمتها أيما تكريم، فهي لم تعد الأم والمربية للأجيال فقط، وإنما المساهمة بفعالية في بناء صروح المعرفة. وكعادته عندما يكتب يربط التويجري بين الماضي والحاضر في أسلوبه ذي المفردات المتميزة فنسمعه وهو يتحدّث عن المرأة إذ يمازج بين قديمها وحاضرها فيقول: "إلى بثينة وليلى وراكبة الجمل وحاملة كتابها إلى مدرستها وجامعتها، إلى من تلد العبقري وتبني الرجال، وتصون المجتمع. إليها أرجع الصوت الفرح وأصغي إلى ترجيعها له من أحشاء الطبيعة وأحضان جمال هذا الكون، هي من حملت همومي، وبدّدت أحزاني، وساهرتني والخلق نيام، هي التي قليلاً ما فهمناها، وقليلاً ما ركبنا معها الهودج في حب قيس لها. هي اليوم أخرجها العلم من بيت الخمول إلى بيت المعرفة، هي لم تعد أثاثاً، ولكنها حاملة الهموم، قافلتها مدلجة بالسير، ولم تعد متخلفة في مباركها".
ويتصدى التويجري بشجاعة وفروسية لكل من يحاول أن يقلّل من شأن المرأة، ويواجه ذلك النفر المتعصب المتزمت الذي يربط حاضرنا المعيش بمصير أناس كانوا يعيشون في عصور سحيقة، وتحت ظل ظروف تختلف كلية وبفوارق شاسعة عن حياتنا المعاصرة، هؤلاء النفر، يريدون من المرأة أن تتمثّل بكل ما كان سائداً في تلك العصور الغابرة. ويقول التويجري لهؤلاء: "أكظم غيظي على كل نزعة يشتد فيها ضد المرأة، وأعذر هذه النزعة لأنها مواريث القرون السحيقة".
كما أنه كداعية من دعاة الأخلاق، كثيراً ما يتوجّه في رسائله بالخطاب إلى المرأة حيث يقول في إحداها: "لا أعذر المرأة إذا هي اشتطت في الخصام مع الرجل، فهي أم أطفال، ومربية حب، عليها أن ترفق بطفلها- وإن كان كبيراً- وتدربه على أن يتقبّل الواقع، ويخرج من أزقة الدهور السحيقة، وسلطانه المنطلق عليها، إلى رحابة صدرها، ونقاء معدنها ليتذوقها حلوة في مشاعره، ودفئاً في قلبه بمفهوم العصر والمعرفة".
ومادام الحديث عن المرأة عموماً والمعاصرة على وجه الخصوص، فالشيخ عبدالعزيز التويجري من منطلق الكاتب الملتزم حيال قضايا مجتمعه، لا يغفل عن ظاهرة قد أخلت بموازين تقاليد الأسرة العربية يوم أصبح الاعتماد على الخادمات الأجنبيات يشكّل ظاهرة كبرى انتشرت مؤخراً في عدد من البلدان العربية لأن رعاية الأطفال- كما يرى التويجري- والاهتمام بهم وترسيخ المفاهيم الإسلامية في وجدانهم، بالإضافة إلى تعايشهم مع لغتهم العربية من خلال أسرهم وذويهم•• فهذه وغيرها أهم الأسس والدعائم التي يرتكز عليها بناء شخصية هؤلاء الأطفال.
وفي هذا السياق التربوي يرى التويجري أنه لابد من تأكيد أن الطفل سيغدو إنساناً صالحاً في المجتمع المستقبلي إذا ما أُحيط بروح الأمومة الحقة من كل جوانب حياته، ومثل هذا العامل وغيره من العوامل الأخرى لا يمكن أن تتوافر عند الخادمات الأجنبيات اللواتي يتعاملن مع أطفالنا بمفاهيم وتقاليد غريبة تماماً عن مفاهيمنا وتقاليدنا، بل إنها تغرس عواطف ذات ولاء قد ينحرف بأطفالنا عن الاتجاه الصحيح لنشأتهم.
ويتوجّه التويجري بسؤال يطرحه على النساء أولاً حيث يقول: "أليست المرأة العربية المتدينة هي السارية المنيعة التي يتكئ عليها البيت؟! من الرجل الكبير إلى الطفل الصغير؟!". بعد هذا التساؤل الذي يؤكد دور المرأة في الأسرة، يطرح التويجري تساؤلات أخرى فيقول: "وبيت لا تحمل مسؤوليته ربته في الطفل، في الرجل، في خدمة البيت، في وعي المرأة العربية المتدينة، ماذا عنه؟! وعن طفل مربية أجنبية؟ ماذا عن بيت يدار من قبل الأجنبيات؟! ماذا عن مجتمع، الأسرة ركيزته الأولى؟".
هذه التساؤلات تنطق بالقلق الذي يعتصر قلب التويجري وهو يواجه في كل لحظة العديد من الحوادث والوقائع التي تتسبب في الكارثة تلو الكارثة للأسرة العربية المسلمة في بلادنا بعد أن استسلمت هذه الأسرة تحت وطأة التخدير للخدم الأجانب، حتى أصبحت لا تقوى على الاستيقاظ لتصرف جزءاً من وقتها في سبيل تربية مجتمع المستقبل الذي يشكّله أطفالنا.
وإذا بهذه الأسرة للأسف تلوذ بالاعتماد على خدمات المربيات الأجنبيات اللواتي يفتقرن إلى اللغة. لغة القرآن ولسان العرب، وقد حيل للأسف بين هذه اللغة وبين أطفالنا.
وينبّه التويجري إلى خطر التفريط في النشء بالاعتماد على المربيات الأجنبيات. ويضرب مثلاً بالسيدة فاطمة الزهراء، كريمة الرسول الأعظم، التي نهضت بنفسها بأعباء مهمتها الجليلة دون أن تترك إدارة شؤون بيتها لمن يضطلع بها سواها. وبذلك استطاعت أن تغرس في نفوس أبنائها الحسن والحسين وزينب تلك الجذوة التي كان الرسول الكريم يحملها. ألا وهي جذوة الفضيلة والتواضع والإباء.
ويخاطب التويجري المرأة العربية المسلمة مستشهداً بالتراث الإسلامي، متخذاً من بيت النبوة أسوة حسنة فيقول: "تكونين كريمة، تكونين عظيمة، حيث تعلمين أن فاطمة بنت محمد عليه الصلاة والسلام لما طلبت خادماً، قال لها: لا، اخدمي نفسك".
وهكذا انتبهت ابنة الرسول الكريم إلى تلك الإشارة التي تعني الكثير، لأن خدمة النفس من مكارم الأخلاق، فلابد أن يعرف الإنسان قدر نفسه، ومنذ ذلك التاريخ، ضربت فاطمة مثلاً للمرأة المجاهدة في سبيل المثل والأخلاق الرفيعة التي هذّبها رسول الإنسانية فاعتمدت على نفسها في تسيير شؤون البيت وفي تربية أحفاد رسول الله.
ويذكر التويجري أبناءه وأفراد عائلته، بل والمجتمع كله، بوقائع كثيرة من التاريخ الحافل بالتجارب والعبر التي تناولت قضية المرأة، ويناشد أولئك الذين يخاطبهم أن يسترشدوا بتلك المثل التي تزخر بها أوامر الخالق جل وعلا تجاه أمهاتنا وأخواتنا وزوجاتنا، وتجاه بناتنا بشكل عام، فهو عندما يكتب إشارة كأنه يحذّر فيها ابنه عندما يخاطبه في رسالته أو خاطرته، لكنه في الحقيقة يهدف من ورائها إلى تحذير المجتمع كله حينما يقول: "ولدي، ما أكرمت شريعة، ولا أكرم دين، إكرام الشريعة الإسلامية المرأة، قال لنا الفم الطاهر الكريم: رفقاً بالقوارير، قال لنا أشياء كثيرة لا تعني أن للرجل منزلة أعلى من منزلتها، فليس في ديننا الكريم تناقض أو تمايز بين الرجل والمرأة يمتهن الكرامة أبداً، ولكن لكل من الرجل والمرأة واجباً يحمله تجاه الآخر".
ولتأكيد مرونته في تجاوز مفاهيم أقرانه في النظرة إلى المرأة أو التعامل معها في طريقة اختيارها لشريك حياتها، أو اختيارات أبنائه لزوجاتهم يجيب عن سؤال وُجّه إليه فيما إذا كان يتدخل في اختيار أزواج بناته، أو هل يفضّل الزواج من داخل أفراد الأسرة أو من خارجها قائلاً: "من أُعجب به وأرضى دينه وخلقه، لا أنتظر حتى يخطب ابنتي، بل أنا الذي أخطبه لها، وبناتي كلهن تزوجن من داخل الأسرة ماعدا واحدة، وزوجها لا يقل عن الآخرين في صفاته الحميدة، وهو من الأطباء".
هذه الميزة عند التويجري تبدو منسجمة في تعاملها مع المنطق الأخلاقي الرفيع تعامل الفطرة الإنسانية الساعية إلى التطوّر في العلاقات فيما بين البشر، فالتقاليد القديمة والبالية التي تضع جداراً سميكاً بين الإنسان وأخيه الإنسان- هذه التقاليد- أصبحت الآن تجد رفضاً هادفاً وبناءً من قبل قطاعات كبيرة من الشرفاء العقلاء ممن خبروا الحياة، ودرسوا القيم الإنسانية التي تؤمن بأن أكرم الناس عند ربهم أتقاهم.
والشيخ عبدالعزيز التويجري يعد في طليعة هؤلاء الذين لم يعودوا يعبأون بمثل هذه الشكليات التي تعرقل مسيرة التمازج والانسجام بين أفراد المجتمع، فهو بروح الأب والمربي والمفكر، يخرج من هذه القيود المصطنعة، ويقف معارضاً لأولئك الآباء الذين يفرضون سلطتهم القسرية على أبنائهم في اختيار زوجاتهم، فبالنسبة لاختيار الابن لزوجته يرى التويجري أن دوره لا يتجاوز حدود المشاركة في النصيحة حيث يقول: "دوري المساعدة في الاختيار، أما الزوجة ومواصفاتها، فأتركها لابني وحده". أما فيما يتعلّق بتعدّد الزوجات، فهو يرى أنها من طبيعة مجتمع القرية والصحراء، لأن هذه الزيجات لا تقوم على إشباع الرغبات والنزوات، فقط، وإنما هي زيجات تعتبر من اللبنات الأساسية التي يرتكز عليها المجتمع القبلي. والجمع بين أكثر من زوجة لا يتم- عادة- إلا بعد أن يؤخذ رأي الزوجة الأولى وضمان موافقتها، وكثيرات من الزوجات في المجتمع القبلي لا يرين غضاضة في مشاركة زوجات أخريات لهن. ويعترف التويجري بأنه اقترن بعدد من الزوجات. ولكن في فترة معينة من العمر رأى أن له أولاداً وبناتٍ لابد من الحرص على ترابطهم في إطار أسرة متماسكة، فأبقى على أم الأكثر من أبنائه وهي التي رافقته طوال سني حياته، ولم يتزوج إلا بعد أن لبَّت نداء ربّها ويقول: "لم أتزوج إلا بعد أن ماتت زوجتي العجوز يرحمها الله قبل أكثر من عقدين من الزمن•• تزوجت سيدة ليست صغيرة السن".
أما بشأن الصراع الذي يدور منذ عقود طويلة حول حرية المرأة من قيد الرجل في العالم العربي•• بل منذ أن بدأ بعض الإصلاحيين ينادون بحرية المرأة أمثال قاسم أمين مروراً بالرصافي وحافظ إبراهيم صاحب البيت الشهير:
الأم مدرسة إذا أعددتها
أعددت شعباً طيب الأعراقِ
وغيرهم، فلم نجد من يغامر بالجهر علانية برأيه في قضية حرية المرأة خاصة في أيامنا هذه التي تعج بالتيارات المتزمتة، خشية من عواقب الرمي بشتى الاتهامات، سوى نفر قليل ممن نستطيع أن نطلق عليهم لقب الرواد•. والشيخ عبدالعزيز التويجري يعد في طليعة الرواد المعاصرين الذين يتصدون لقضية حرية الإنسان ككل دون تجزئة، فما بالك بالمرأة التي يخصها كما أسلفنا باهتمام كبير في رسائله وخواطره. والتويجري لا يرى أن هناك أزمة صراع بين الرجل والمرأة، إنما يحلّل هذا الصراع على أنه موطن من مواطن التخلّف في بعض مرافق حياتنا العامة، وقد جاء نتيجة لتزمت تجاه المرأة وتجاه انطلاقتها لكي تتبوأ موقعها في الوقوف إلى جانب الرجل، تشاركه في حمل الأعباء وفي مواجهة الصعاب التي تعترضهما في الحياة.
ويرى التويجري أن الزمن الذي يريد أن يحجّم دور المرأة قد مضى، وأن استخدام تلك المقولات التي تستند إلى الموروث، والتي تحاول النيل من قدرات المرأة العقلية بحجة استسلامها للعواطف الجياشة مما يعيقها عن القيام بدورها الفعال في مضمار المبتكرات والإبداع، قد ثبت عدم صحتها ومجانبتها للصواب، لقد أُدحضت تلك الاتهامات، وها هي المرأة تحقّق الإنجازات الرائعة في ميادين العلوم الفضائية والبحوث العلمية، وتشارك بفعالية في إعطاء الحياة كل المقومات التي تجعلها مستساغة ومصدراً مهماً من مصادر السعادة للإنسان.
فالمرأة الآن تضطلع بإدارة دفة الأمور في كافة مرافق الحياة، والمجتمعات المتخلفة فقط هي التي تحجّم دور المرأة، ولهذا فإن هذه المجتمعات تقف في مؤخرة الصفوف بعيداً عن الركب الحضاري.
وفي أكثر من موضع يشير الشيخ عبدالعزيز التويجري إلى أن المرأة العربية قد حقّقت قدراً لا بأس به من تأكيد ذاتها التي يحاول البعض كبتها، ولكنها. وبفضل أولئك الذين يؤمنون بقدراتها ويناصرونها ستتقدّم أكثر فأكثر لتحقيق طموحاتها القائمة على تكوين روابط أسرية تلتزم بتعاليم أمرنا الله بتطبيقها كي تعم السعادة قطاعات كبيرة في المجتمع العربي والإسلامي.
البداوة
استحوذت البداوة بأشكالها المختلفة على اهتمام الباحثين كظاهرة مصاحبة للمجتمعات البشرية، وثبت لهم أنه ليس بالضرورة أن تكون كل أمة قد ارتقت إلى مرحلة حضارية، كان لابد لها أن تمر في مرحلة البداوة، ثم تجاوزتها خلال مراحل تطوّرها التاريخي، فهذا المفهوم الذي كان شائعاً قد تأكد علمياً عدم صحته. فالبداوة- كما أكد العلماء والباحثون- عبارة عن نظام اجتماعي لا ينشأ إلا في الصحراء، وإذا ما وجد البدوي نفسه يستوطن في بيئة مدنية، فكثيراً ما نجده يمارس قيم وأخلاق الصحراء بما يتوافق مع القواسم المشتركة التي تسود المدينة كنظام اجتماعي، وينفر من تلك القيم التي لا تتواءم مع طبيعته التي درج عليها.
بيد أن البحث العلمي كاد يصل إلى تجريد المدن الحضارية من أصولها البدوية بسبب الظروف الموضوعية المختلفة لنشأة المجتمعات البدوية في المناطق الأخرى من العالم. فصحراء العرب ليست لها الخصائص نفسها التي غلبت على الصحراء الواقعة في شمال قارة آسيا، والتي كانت نقطة انطلاق للموجات البشرية التي قامت بغزو مساحات كبيرة من قارات العالم في فترات متفاوتة من التاريخ، ولم تحاول القيام بإنشاء حضارات، وإنما قامت بتدمير معظم ما بني من مراكز مدنية حضارية في المناطق التي طالتها حوافر خيولهم. وهناك من يصنّف هؤلاء الغزاة بأنهم من البدو الذين عاشوا في المناطق الصحراوية الآسيوية المتاخمة من جهة الشرق لحضارة الصين، ومن جهة الغرب لحضارة ما وراء النهر.
وقد صنّف العلماء عادات وتقاليد وسلوك الهنود الحمر في الأمريكتين كما استنتجوا بعد تحليلهم لحياة الإنسان القديم في أستراليا ما يؤكد أن تلك المجتمعات البدوية- على حد تعبيرهم- والتي تقطن تلك المناطق وغيرها من القارات، والتي يطلق عليها بعض العلماء أنها مجتمعات بدائية، كادت تصل في تسيير أمور حياتها إلى همجية لا ترتقي- ولو بحد أدنى- من الفطرة الإنسانية التي من أهم خصائصها القدرة على التطوّر نحو السلوك الحضاري. غير أن صحراء الجزيرة العربية- التي يعتز عبدالعزيز التويجري بالانتماء إليها- قد ساهمت في بناء حضارات مزدهرة في مراحل تاريخية مختلفة. من هنا يمكننا القول: إن منطقة صحراء الجزيرة العربية قد جمعت بين منابع البداوة والحضارة، وإن المراكز الحضارية كانت منتشرة في الصحراء العربية وكأنها واحات محاطة بكثبان من الرمال.
وإذا جاز لنا أن نميّز بين البداوة والحضارة، فإننا نجد هذا التمييز يتمثّل في القيم الأخلاقية التي ينقلها البدوي من مجتمع المدينة- هذا المجتمع- الذي كوَّن لنفسه مجموعة أنشطة في مضامير الثقافة والفنون والعلوم. وبهذه القيم استطاع البدوي أن يوجد لنفسه موقعاً في إطار عملية وحدة وصراع المثل والمفاهيم، والأصالة.
وكانت محصلة ذلك أن انبثقت أعظم الحضارات من الشرق الأوسط، وكان العنصر البدوي فعالاً في إبراز ملامح تلك الحضارات إلى حيّز الوجود، إذ انطلقت موجات البدو منذ بداية التاريخ، من صحراء الجزيرة العربية إلى المناطق التي تقع على الأنهار، حيث كانت الجزيرة العربية في عهود كثيرة أشبه بخزان ضخم تتزايد فيه المياه، حتى يعجز عن استيعابها فيفيض على ما حوله، إذ كانت الجزيرة تضيق بزحام السكان أو تقل فيها المياه والزروع التي تكفيهم هم وحيواناتهم فيضطرون إلى الهجرة إلى البلاد الخصبة المجاورة كالعراق والشام، وربما امتدت هجرة بعضهم إلى مصر عن طريق سيناء كهجرة الهكسوس الذين سكنوا وادي النيل وحكموه نحو قرنين، وكانت لسكان الجزيرة العربية هجرات إلى الحبشة أيضاً حتى أنهم أسسوا- هناك- بعض الممالك كمملكة "يكسوم".
وقد أثرت هجرات أبناء الجزيرة العربية في اللغات التي كانت تتكلم بها الشعوب التي هاجروا إليها، ومن هنا اعتبرت اللغة العربية شديدة الاقتراب من اللغات الكلدانية، والبابلية، والآشورية والكنعانية، والفينيقية، والعبرية، ولغات أخرى متفرعة من هذه اللغات. وحينما استوطن البدو تلك الأمصار المستقلة، عن طريق التسلل التدريجي والتاريخي، وأحياناً عن طريق الغزوات الحربية، أضافوا إلى هذه الحضارات سمات جديدة، نابعة من صلب العادات والتقاليد والمفاهيم الثقافية والفكرية التي ارتبطت بمسيرة حياتهم.
ويرى علماء الاجتماع أن عنصر الصراع بين البداوة والتحضّر.. أو (التمدن) هو الذي ارتفع بمستوى العقل البشري إلى درجة تثير الاستغراب، فلولا ذلك الصراع الذي أخذ طابعاً تنافسياً لإثبات الوجود وتأكيد الكينونة والهوية، من خلال المثل والأخلاق والعادات، لما استطاع إنسان الشرق الأوسط أن يبني أعظم الحضارات التي مازالت ترفد بمعطياتها البشرية جمعاء بما قدّمته من مفاهيم وقيم وثقافات وعلوم هي الآن في حوزة الأجيال الراهنة تستعين بها وتعتمد على نتائجها، وتكرّسها لخدمة معاشها في الوقت الراهن، كما تسعى لأن تجعل منها عنصر اطمئنان يضمن لها المستقبل.
لقد كانت الصحراء العربية منذ التاريخ القديم- ومازالت- موطناً للصراع والتفاعل بين البداوة والحضارة، وقد أثبتت الدراسات العلمية الحديثة أن الجزيرة العربية لم تكن صحراوية بالشكل الذي نراها عليه في القرون القليلة الماضية إذ تقلبت على جزيرة العرب في تاريخها الطويل عصور جيولوجية، وكانت بقاع معظمها عند ذاك: أشد خصباً، وأغزر ماءً كما تدل على ذلك مجاري الأنهار والعيون الجافة فيها، والنباتات المتحجرة، والأحافير الحيوانية، برية، وبحرية.
وقد تعرّضت بعض بقاعها لبراكين وزلازل تدل عليها بقايا الجبال الممزّقة والمتصدّعة في جميع أنحاء الجزيرة، وكانت في أوقات الخصب أوفى عمراناً مما هي عليه الآن بعد أن لحقها الجفاف كما نرى في صحاريها الكثيرة.. وحسبنا أن ننظر إلى بقايا آثار الحضارة العربية في الجنوب- أي اليمن- لنعرف أن هذه الحضارة- كما كشفت عنها البحوث الأثرية- تمتد إلى عشرات القرون حتى لتنافس الحضارات القديمة كالحضارات الكلدانية، والبابلية، والآشورية في ما بين النهرين في العراق، والفرعونية في مصر، والفينقية في الشام، والآرامية في العراق والشام معاً. بل إن الجزيرة العربية كانت في العصر الجليدي الرابع غزيرة الأمطار، كثيرة النباتات والحيوانات، ويعيش أهلها من الصيد والالتقاط، لكن حينما بدأ الجليد ينزاح نحو الشمال، أخذ المطر يقل في منطقة الجزيرة العربية تدريجياً، مما اضطر سكانها إلى أن ينقسموا إلى شريحتين: إحداهما اتخذت حرفة الرعي، والأخرى اتجهت نحو الأحواض النهرية القريبة كحوض وادي الرافدين، ووادي النيل.. حيث بدأت نشأة الحضارات الأولى.
والبداوة تستمد من الصحراء مقوماتها الثقافية والاجتماعية القائمة بذاتها على خصائصها العامة ومركباتها الخاصة، وإذا كانت علاقة سكان الصحراء مرتبطة بالإنتاج الطبيعي منها، فإن قانون هذا الارتباط قد فرض على البدو أن يكونوا أقوياء وأشداء وشجعاناً ("وهم الذين يكون رزقهم تحت ظلال رماحهم") كما قال ابن خلدون في مقدّمته•• لذلك