ماذا تعرف عن هؤلاء ؟ (1) ... محمود درويش

أبو بسام
22-12-2000, 10:25 PM
محمود درويش (1942م)
شاعر فلسطيني
ولد بقرية "البروة" شرقي عكا. خرج منها في السادسة تحت دوي القنابل 1948م، فراح يعدو مع أحد أقاربه ضائعاً في الغابات، فوجد نفسه أخيراً في جنوبي لبنان، وبعد سنة تقريباً تسلل مع عمه عائداً الى فلسطين، درس العربية والانكليزية والعبرية. اتهم بالقيام بنشاط معاد لدولة اسرائيل؛ فطورد واعتقل خمس مرات 1961م، و 1965، و 1966، و 1967، و 1969، وفرضت عليه الإقامات الجبرية.
انتمى مدة من الزمن الى الحزب الشيوعي الإسرائيلي، وعمل في جريدته "الاتحاد"، ومجلته "الجديد" العبريتين الصادرتين في حيفا، حصل على منحة دراسية في موسكو عام 1970م فسافر إليها، ولم يعد بعد إنهاء الدراسة إلى فلسطين.
له شعر كثير، من دواوينه "عصافير بلا أجنحة" 1960، و "أوراق الزيتون" حيفا 1964م، و "عاشق من فلسطين" 1966م، و "يوميات جرح فلسطيني"، و "آخر الليل" 1967، و "حبيبتي تنهض من نومها"، و "الكتابة على ضوء البندقية". جمعت هذه الأعمال الشعرية كاملة في "ديوان محمود درويش" ونشرتها دار العودة ببيروت 1971. ثم صدر له ديوان "أحبك أو لا أحبك" 1972م، و "تلك صورتها" 1975م، و "أعراس" 1976م. ثم جمعت هذه الأعمال وغيرها في مجلد آخر سمي "ديوان محمود درويش" نشرته دار العودة 1977م.
صدر له بعد ذلك" النشيد الجسدي"، (بالاشتراك)1980،" مديح الظل العالي" 1982،" هي أغنية.. هي أغنية" 1985." ورد أقل "،1985،" حصار لمدائح البحر"، 1986،" أرى ما أريد"، 1990،" أحد عشر كوكباً "،1993.
مؤلفاته : شيء عن الوطن- يوميات الحزن العادي- وداعاً أيتها الحرب -وداعاً أيها السلم- في وصف حالتنا –الرسائل (بالاشتراك).
حصل على جائزة اللوتس، وابن سينا، ولينين، ودرع الثورة الفلسطينية وجوائز عالمية أخرى وعدة أوسمة وترجمت قصائدة إلى أهم اللغات الحية.

حارس الزمن
24-12-2000, 06:27 AM
شكرا لك ابو بسام على تعريفك برمز شعري كبير كمحمود درويش
واسمح لي أن اشاركك بمقاطع شعرية للشاعر
1. مقطع من قصيدة ( عابرون في كلام عابر
أيها المارون بين الكلمات العابرة
آن ان تنصرفوا
وتقيموا اينما شئتم ولكن لا تقيموا بيننا
آن ان تنصرفوا
ولتموا اينما شئتم ، ولكن لا تموتوا بيننا
فلنا في أرضنا ما نعمل
ولنا الماضي هنا
ولنا صوت الحياة الأول
ولنا الحاضر ، والحاضر ، والمستقبل
ولنا الدنيا هنا ...والآخرة
فاخرجوا من أرضنا
من برنا ... من بحرنا
من قمحنا ...من ملحنا ...من جرحنا
كل شيء ، واخرجوا
من ذكريات الذاكرة
ايها المارون بين الكلمات العابرة
----------------------
----------------------
2. مقطع من قصيدة ( الهوية )
إذا .....
سجل برأس الصفحة الأولى
أنا لا أكره الناس
ولا أسطو على أحد
ولكني ..إذا ما جعت
آكل لحم مغتصبي
حذار ...حذار ...من جوعي
ومن غضبي ...!!
=-=-=-=-=-=-=-=-=-
ولك وافر الشكر ابو بسام
حارس الزمن


------------------
...................... *** وماعلي اذا لم تفهم البـ(شـر) !!!

أبو بسام
09-04-2001, 09:34 PM
<FONT COLOR="Red"><center><FONT size="6">"جدارية محمود درويش".. وجائزة نوبل (1-2)</FONT s></center></FONT c>
<FONT COLOR="GREEN"><center><FONT size="4">بقلم / علي الدميني - جريدة الوطن</FONT s></center></FONT c>
"وهذا الاسم لي ..
ولأصدقائي، أينما كانوا، ولي
جسدي المؤقت، حاضرا أم غائبا..
متران من هذا التراب سيكفيان الآن..
لي متر و75 سنتمترا..
والباقي لزهر فوضوي اللون
يشربني على مهل، ولي
ما كان لي : أمسي، وما سيكون لي
غدي البعيد ، وعودة الروح الشريد.."
حين نقرأ بحساسية شعرية مركزة هذا المقطع من جدارية درويش فإن الحزن المؤجل سيخرج من كل الأغطية التي طالما دثرناه بها وسيجلس معنا ونحن نعايش ساعة مواجهة الموت بكل جلالها ودراميتها. وإذ بحيلنا هذا المقطع من الجدارية إلى مرثية "مالك بن الريب" التي يخاطب فيها صاحبيه قائلا: أيا صاحبي رحلي دنا الموت فانزلا
ويذكرنا باستعطافه لهما ليوسعا له في قبره، إلا أن قصيدة درويش لا تستعيد تقاليد "رثاء النفس" المبثوثة في تراثنا الشعري . وفوق ذلك فإنها لا تسلمنا للحزن البشري العميق الذي يحضر في لحظة موت الكائن وحسب،بل تحلق بنا في دهشة الخلق الشعري الذي صاغ منه درويش واحدة من أعظم الملاحم الشعرية المعاصرة التي تستعيد ملامسة الأسئلة الوجودية الكبرى والتي تعبر الذات البشرية عن أحد أسرارها الباذخة والمفتوحة للتأمل طالما بقيت هناك ابتسامة لولادة الكائن ودمعة لموته.
وقد سمى الشاعر مدونته هذه باسم "جدارية محمود درويش"، وهنا لا تكون الجدارية من إنتاج درويش وإنما هي نفسها محمود درويش وقد تحول إلى جدارية تمارس فعل البقاء وفاعلية التناسل التي توازي - مجازا - الخلود.
والجدارية ملحمة نشيد أخير يستعيد الشاعر معها تقاليد النص الملحمي في صيغته الشاملة التي تتحقق بحسب أوكتافيو باث- من خلال شرطين أساسيين هما : "التنوع داخل الوحدة، واتحاد التكرار مع الإدهاش"، وقد حقق درويش تلك الشروط من خلال وحدة الحالة الشعرية في انفعالها بسؤال الحياة والموت، وفي عمليات التنقل الزمني بين لحظة المواجهة وما تستعيده الذاكرة من تنويعات تتصارع فيها الذات مع شبيهها ، والروح مع جسدها حيث صوت الموت يأتي (لا تنس موعدنا)، وحيث يتداخل العشق بالحزن، وتاج الصعود برماد الهزيمة، والمعنى الذي يبدو مرادفا للحياة بما يوازيه من فنتازيا العبث.
أما اتحاد عناصر التكرار بالدهشة التي شكلت شبكة المسارات المتقاطعة لتكريس وحدة النص فقد تحققت باستخدام زوايا التساؤل عن وجود الذات وغربة الكائن، وإصراره على أن لديه عملا ما، وتكراره للجملة الشعرية" خضراء أرض قصيدتي خضراء عالية.. "الدالة على الأمل رغم عنف مواجهة الموت والإمحاء".

أبو بسام
10-05-2001, 02:13 PM
بقلم / د.عبدالسلام المسدي
جريدة الريــــــــــــاض
------------------------

* سنزعم بأن محمود درويش لم يكن وهو يتأمل على الشاشات الكونية صور القتل الجنوني على مدى زمن الانتفاضة يتروّع تروُّعَ السنين الأولى لأنه عاش الفظاعة وعاشرته، عمل على ترويضها فروضته، لذلك كان يرى مألوفاً ما كان غيره يراه استثنائياً فتجربته أغزر من تجارب كل العرب في قلب دوامة القضية. ولكن مشهد الرعب في قتل الصبي المرتجف تحت جناح أبيه قد أنطق الناس بالآهات، وآهاتهم هي التي حملته على كتابة قصيدته "محمد" فأعوزتها حرارة الزمن الأول.

لقد كانت لمحمود درويش تجربة خاصة ومنها سنستقي بعض ما يفسر فتور القصيدة رغم لهيب الموقف، وسيُعيننا ذلك على تخطي العذر الذي لا نرتضيه، وهو التسليم بأن شاعرنا يتعمد مقاومة الشعرية إفلاتاً من أسر الشعار كما يردد لنا في بعض تصريحاته بوثوق متين.

سبق له أن مر بتجربة الإطلال على الموت، ولكنه عاش التجربة بوعي عنيد، لأنه لم يرقب الموت كما كان له في بيروت، ولم يشهد حصاد سيف الموت كما قد سبق له أن شاهد ألف مرة، وإنما عاش تجربة المشارفة على حافة الموت ممتلئاً بتجربة الألم، وبون شاسع بين حقيقة الموت في لحظة الاقتراب ولو تكررت وحقيقة آلام الجسد حين يتوجع فتتعذب النفس، وحين يتلوى فيعتصر الوعي بقصور الذات اعتصاراً. ما عرفه محمود درويش، وعاشه، واستفرغه حتى أفرغه، ربما يجعله من هؤلاء الذين إذا شاهدوا الموت المفاجئ والحاسم والذي يبرمه القضاء في برمة خاطفة آثروه وحسدوا صاحبه عليه لأنهم شفقاء بذوات الآدميين وكل كائن حي جريح.

جليّ واضح أن ما حل بالشاعر في شهر مارس 1998م لم يكن على قائمة التوقعات فأدار بصيرة الوعي على مدى مائة وثمانين درجة، وليس لأحد أن يندهش من غياب التوقع ولا أن يعاتب أو يلوم، وليس له أن يستنقص الشأن أو يكيل بأصراف الصغر، فالشاعر شاعر ولو كان مثقفاً بثقافة الكبار، والشاعر شاعر لأنه ليس فيلسوفاً ولا حكيماً، والشاعر شاعر لأنه يرثي الكون ومن عليه ولا يرثي نفسه.

ستأتي جدارية محمود درويش عام ألفين وعلى صفحتها الأولى بخطه الحرفي أنها كتبت عام تسعة وتسعين، وستأتي بالكثافة التأملية العالية في تجوال ذي بهاء موجع بين صوت أبي العلاء وهمس النفري وبعض ابتهالات ابن عربي، إلا أبا العتاهية فما كان له من رسم على واجهة الجدار، ولم يكن قيس بن الملوح العامري أحسن منه حظاً في تعقب خطى الشعر الجديد.

لم يكد يستنثر بعض شهيق الأزمة وما تلاها حتى أحس بالحاجة إلى الافضاء بعد استمساك طويل فأرخى العنان إلى الحديث ليحاور "أنثى الماء" جاءته شاعرة تراود صمته أن يتكلم وأن يبوح، فلان كما سيلين مرة أخرى بعد أن روّض نفسه على طراوة القناة منذ زمن سنرى كيف نعيده. وكان الحوار استدراجاً خالصاً يقول لنا ما لم تقله الجدارية رغم علو منزلتها بلا منازع ولا خصيم، وسيهمس في حواره وبين السطور أنه أحس بالشفاء يطرق بابه عندما سمع الماء، ففهم القراء أنه آمن برمز الحياة. (الصباح، تونس، 30جوان 1998م).

تحدث محمود درويش حديث الحكماء المتعظين وحديث المكاشفين ببطء إدراك الحقائق فقال: "أشعر بعبثية الأشياء وبتفاهة الحياة، أشعر بثقل العجز الملقى على عاتق الإنسان مرة جداً التجربة التي مررت بها، أفقدتني العلاقة مع المعنى، وتلاشت أمامي أهمية الأشياء ووضعتني وجهاً لوجه أمام ضعف الإنسان وكيف نتساوى في المرض من حيث الهزيمة، أحسست أنه لا شيء يستحق ما كنت أمنحه إياه".

ثم ينكشف عمق الاعتراف في بوح من السيرة الذاتية يأتي كأنه النقد الذاتي المنتظر الذي طال انتظار الناس إياه ولم تجيء: "فكرياً كنت أعرف العجز ولكن حين عشت الصراع مع الموت وجدت نفسي موضوعاً لذلك الصراع، عشت الموت قبل سبع عشرة سنة في فيانا ، ولكن التجربة كانت مريحة، شاهدت الموت أبيض، غيمة مرت بسلام، أما هذه التجربة فكانت صراعاً حقيقياً لم أتحمل فيه قساوة الألم، لم أتحمل رؤية جسدي مهانا حتى أني فكرت في الانتحار وأنا على سرير المرض فقط من أجل ايقاف الصراع".

ثم يفيض في تصوير مأساته حين أفاق ولم يستطع الكلام، وهو ما رددته جداريته حين كان يدوّن حواره مع الممرضة التي صوّرت له هذيانه عند أوان الغيبوبة:نسيتُ ذراعيّ، ساقيّ، والركبتين

(...) نسيت وظيفة قلبي

(...) نسيت التنفس من رئتي

نسيت الكلام

أخاف على لغتي

فأتركوا كل شيء على حاله

وأعيدوا الحياة إلى لغتي

(...) أريد الرجوع فقط

إلى لغتي في أقاصي الهديل

كانت الهزة عنيفة قوضت أركان الوثوقيات التي عاش عليها محمود درويش فلم يتردد في القول وأنثى الماء تحاوره: "كل ما كتبتُه سخيف ولو أُمنح فرصة بداية حياتي من جديد لن أختار الشعر وسأعمل عملاً يدوياً". ولم يقل لنا ما هو.

فغير بعيد إذن أن تكون تجربة الإطلال على الموت مع ضراوة الوجع قد هونت من فظاعة الاجهاز على الحياة فخبا وهج القصيدة المصورة لمأساة الآخر لأن كل عنفوانها قد استفرغ في مأساة الأنا، ففترت الهمة الملحمية ودب الوهن إلى الشعر وهو يرقب الجريمة.

كان الارتجاج أقوى من أصوات النقاد الأساطين الذين هبوا يؤازرون ويواسون ويعضدون بأحكامهم النقدية المنصفة، وكان الامتحان عسيراً، ولكنهم تحدثوا بأحاسيسهم الكليمة: المفكر محمود أمين العالم يقول بعد عبارات المواساة في زحمة الألم مع الحدث: "إنه يمثل عافية الشعر وعافية الشعر مرتبطة بعافيته" والدكتور عبدالمنعم تليمة يلح على ما في شعره من توق إلى الأفق الإنساني مع اتصال دائب بالجذور الغنية التي انخرط فيها مما مكنه من "الوصول بالابداعية الشعرية العربية إلى أعلى مدرج لها بفضل اقتداره التشكيلي الجمالي"، أما الشاعر أحمد سويلم فيعدّه علامة من علامات شعر المقاومة في أزهى مراحلها وأنضج مظاهر إبداعه وقد استطاع أن يجعل الكلمة الشاعرة رصاصاً وباروداً أقوى من أي سلاح" (عكاظ، 27مارس 1998).

ولكن محمود درويش كان له رأي آخر وموقف آخر كما رأينا، وربما كان له شأن آخر كما قد نرى.

فما سر اهتزاز القصيدة إذن؟

لنُرح أنفسنا بادئ ذي بدء من التفسير المعلن وهو حماية الشعرية من الشعرية لأنه تصريح يخاتل الشعر ويعبث بفطرية المتلقي المتهيئ طوعاً لسحر التخييل. ولنحتفظ بذاك التفسير الأولي: أزمة الإطلال على عالم الفناء، من حيث إنه وجه فرد متصل بالذات في ذاتها على أقاصي حقيقتها الانطولوجية.

ولنتساءل عن تفسير آخر يَعءضد السالف ولا يلغيه، ليكن هذه المرة من صميم علاقة الذات بالقضية بعد أن اتخذت الذات علة وجودها من القضية، سواء علة وجودها الكياني أو علة وجودها الشعري. ومن هذا سنلج منطقة شديدة التوتر، بالغة التعقيد، متناهية في دقتها، كل ما فيها مزروع بالمحاذير لأن دواعي اللبس تحف به من كل جانب. لذلك سنعتمد الاستقراء ونتوسل بالتقاط الأجزاء ولو تناثرت.

فعندما ينبري محمود درويش زافاً خبر نشر قصيدته "محمد" مترجمة إلى الانجليزية ومنشورة في أهم جريدة ثقافية حسب عبارته وهي London Review of Books (أخبار الأدب، 24ديسمبر 2000) فإن الظن المستكين سيذهب إلى تأول الابتهاج على أنه زهو بانتصار القضية وهذا ما غمر جمال الغيطاني وهو يحاوره من بعيد. ولكن المثقف الراصد يعلم أن تلك المجلة ملتزمة سلفاً وما فعلته لا يمثل انتصاراً استثنائياً: للقضية كما يريد جمال الغيطاني أن يفهم، ولا لشخص الشاعر كما يريد الشاعر منا أن نفهم ويريد منا ألا نبوح بما قد نفهم. والدليل هو أن هذه المجلة ستبادر بنشر مقال لادوارد سعيد: "فلسطين فوق الخريطة" فتعلن جماعات من اليهود مقاطعتهم للمجلة فتنقل أخبار الأدب الخبر ( 14جانفي 2001) وتنشر ترجمة للمقال وتعلن عن حملة تضامنية مع المجلة حاضة العام والخاص على الانخراط فيها.

إن شاعرنا محاور عنيد كما يعرفه أبناء جلدته، أفلا يكون عناده مع الآخر أقل ضراوة من عناده مع أهل العشيرة؟

ها هو مع صدور "سرير الغريبة" مترجماً إلى اللغة الفرنسية يهمش إلى باريس ويبش في وجه الحدث رغم التياعه بالمأساة لأن الزمن زمن التهاب الأرض بنيران الحجارة، وها هو في باريس يتلقى سؤالاً من "تيليراما" حول موقفه من الأحداث فيجيب: "ينبغي على الشاعر في مثل هذه الظروف أن يتحدث لا بوصفه شاعراً بل بوصفه مثقفاً بالمعنى الواسع للكلمة، المثقف الذي يكتب ويحلل ويعمل على تفعيل العقل، ذلك أن كل شعر مكتوب في لحظات الغضب هذه قد ينحرف نحو خطاب يتسم بالعنف والحقد" (الرياض، 9نوفمبر 2000).

أمام هذا الكلام، أو خلفه، أو ذات يمينه أو ذات شماله، لا يسعك إلا فضاء الشك في المقاصد ولا يتحملك إلا سقف الارتياب من الحوافز والمرامي. قد تقول إنها الحكمة، وقد تقول إنها ثمالة العقلانية العائدة من بعيد، ولن تقول أبداً إنها الشعرية الخاذلة لنفسها بنفسها، ولو كابرت وقلت لقيل لك ولها: فأين كانت فيما مضى؟

هل هو العقل الراتق لفتق الأرض أم هو السوس الناخر لأعمدة الشعر التي ترفع على كواهلها جثمان الواقع وتوابيت التاريخ؟

إنما هي لحظة من تلك اللحظات التي يتنمق فيها الخطاب بحسب مقاس السائلين والسامعين والمحاورين من مراسلي الصحف والمجلات والدوريات لا سيما إذا غلفنا المكان خارج الوطن وسحرنا بجلباب الفتنة. فإن تجرأنا على الإصداح بشرعية الحق فلنستدرك توا واعدين بالغفران: "إن الضحية هي التي ستمنح الشرعية لكن شريطة أن تصبح حرة ومستقلة لتصبح قادرة على الغفران" (المرجع).

وليس الأمر طارئاً تحت وقع اللحظة لحظة صدور ترجمة "سرير الغريبة" في باريس إنه سابق، فقبل سنة من ذلك الزمن كان أيضاً في باريس يصرح: "بدأنا فعلاً بطرح أسئلة تتصل بطبيعة تحولنا من نص أسطوري فيه الجلاد والضحية إلى أناس عاديين، نبني حياتنا العادية، نعبّر عن ضعفنا الإنساني العادي، يلتفت كل منا إلى صوته الشخصي، نشكو المرض والكسل والضجر، لا نريد أن نكون أبطالاً، ولا نريد أن نكون ضحايا، بعبارة أخرى بدأنا في البحث عن الحياة العادية".

هذا الكلام أوردته عبلة الرويني بعد أن افتتحت مقالها عنه بقولها: "مثلما يحمي الشاعرية من الشاعرية سأحمي العاطفية من العاطفية وأخبّئ انحيازي لمحمود درويش" (أخبار الأدب، 22أكتوبر 2000) فماذا تقصد الكاتبة بهذا الكلام المغلّف الجميل: كلامها تاليا ثم كلام محمود درويش حين استشهدت به أولاً، لعلها أحست بشيء ما فتلطفت في البوح به: ألم تعنون مقالها: "محمود درويش يحطم صورته الخرافية المصلوبة في الجليل". ثم ألم تختم مقالها بالقول: "لقد تم تعديل صورة البطولة ومقاومة المحتل بالصورة الإنسانية".

إذا سلمنا بأن ذاكرة الشاعر حيّة على الدوام فإن اندلاع انتفاضة الأقصى قد سحبت البساط من تحت أقدام ذاك الخطاب: على غير ما كان الشاعر ينتظر أو يتوقع كان الزمن زمن الأبطال لمن رام البطولة، وكان الزمن زمن الضحايا لمن فتح قلبه للاستشهاد.

وحين تحضر الذاكرة يكون حتمياً أن تأتي القصيدة فاترة باهتة وسط هذا الخضم من اللبس النفسي ومن الارتباك الذهني.

وستكون عبلة الرويني أسعد ألف مرة حين تقرأ على أخبار الأدب بعد مرور أشهر على مقالها قصيدة تعارض معارضة شعرية على نهج السنن الأثيلة قصيدة أمل: لا تصالح ( 14جانفي 2001، أحمد عامر):

كان الجنوبي نبضاً يخاف

السقوط

ويخشى الوقوع بفوهة المستحيل

فقال (ولو توجوك بتاج الإمارة لا

لا تصالحء)

وكان الجنوبي للنجم يرفع

إصبعه حين ينشد

ترنيمة الدم في الأفق بين ضلوع

المذابحء

فكيف نصالح والكوكب المستفيض بكاء

تكوّر في جوفه الحزن ثم استكان

وكفكف دمعته بين خزي

المصالح

وكيف نصالح والبرعم الغض

صار دروعاً

تجرجرها الصيحة الأبدية للموت

فوق

نسيج من النار والعار تحت

قميص الفضائح(...)

إن اللوحة على ما يعتريها من غيوم اللبس والتوالج تبدو شفافة كاشفة: إنها القرائن المبعثرة التي إذا تقاربت وَشَتء بالمهادنة، وبناء على ذلك تتعرى الملاطفة المرآوية على صفيحة الخطاب.

في أواخر الموسم الدراسي مع منتصف سنة 2000م أصدر وزير التعليم في إسرائيل قراراً بتدريس قصائد لمحمود درويش ضمن القصائد التي يدرسها الطلبة اليهود في المدارس، لكن ايهود باراك نقض القرار فأعلن محمود درويش: "إن الوقت ليس ملائماً لهذا الإجراء" (أخبار الأدب، 31ديسمبر 2000) فأي تعليق هذا؟ وأي دلالة يشي بها إن لم تكن دلالة الأمل في أن ثنائية الجلاد والضحية قد ولى عهدها بلا رجعة. ولكن الأحداث قالت غير ذلك.

بين آليات تفكيك الخطاب وعدسات الكشف السيميائي لخبايا القرائن سنعثر على ضالتنا لتفسير مأزق القصيدة.

أبو بسام
10-05-2001, 05:12 PM
<FONT COLOR="Red"><center><FONT size="6">"جدارية محمود درويش".. وجائزة نوبل (2-2)</FONT s></center></FONT c>
<FONT COLOR="GREEN"><center><FONT size="4">بقلم / علي الدميني - جريدة الوطن</FONT s></center></FONT c>


وهنا لا تتحقق ملحمية النص عبر استلهام الصراع الأسطوري بين البشر والآلهة ، أو بتصوير أفعال أبطال خرافيين ، وإنما هي ملحمة أرضية بطلها إنسان عادي لا يدّعي البطولة ولكنه يتشبّث بالبقاء لإكمال مهمات لم ينجزها بعد ، وحكمة تائهة في أسئلة لم تكتمل صياغة عباراتها بعد.
أما المهمة فهي العمل على ظهر السفينة ، وهي تقاوم الطوفان ، لكي يراقب " ما يفعل الناجون بالأرض العتيقة" . إنها مهمة رؤية ما ستؤول إليه أوضاع القضية الفلسطينية وهي في ساعات صراعها الأخيرة مع الموت أو الولادة. وأما الحكمة فهي السؤال الدائم عن معنى الوجود والعدم ، والبداية والنهاية، وهي ما يود الشاعر تدوينه كجدارية تتحول فيها روح الشاعر إلىمادة ، والكلام إلى رسم وكتابة ، يتحايل بها الإنسان على فنائه وعجزه عن اكتشاف سر خلود الكائن.
"هزمتك يا موت الفنون جميعها "، تلك حكمة الجدارية الباقية كمادة إزاء هشاشة الروح التي يتمكن منها الموت وتذهب في صحبته طائعة رغم الممانعة والصراع الحياتي الطويل.
ودرويش في هذا النص المدهش يتوّج رحلة اشتغاله على القصيدة الطويلة بمدونة تكتب الشعر خارج بلاغة اللغة وتمضي به صوب بلاغة الشيء وبلاغة المعنى الكامن في البسيط والعميق وفي التفاصيل الصغيرة وفي مختصر الحمولات الثقافية والفلسفية ، كما تشد أجزاء النص بخيوط ذهبية من كمائن المفاجأة والدهشة وطرافة التساؤل وفيض الحكمة.
" وأنظر نحو نفسي في المرايا : /هل أنا هو؟
هل أؤدي جيداً دوري من الفصل الأخير
وهل قرأت المسرحية قبل هذا العرض أم فرضت عليّ؟
وهل أنا هو من يؤدي الدور/ أم إن الضحية غيّرت أقوالها /
لتعيش ما بعد الحداثة ، بعدما انحرف المؤلف عن سياق النص
وانصرف الممثّل والشهودُ؟
وقد احتفظ النص بفتنته الخاصة حين أجّل مواجهة الموت إلى المنتصف مفسحاً المجال لدخول عالم القصيدة من باب التساؤل الكلي عن المعنى قبل المجابهة ، فبدأ النص في المستشفى :" هذا هو اسمك
قالت امرأةُ، وغابت في الممر اللولبي"
و ما لبث أن تدرج في انفتاحه على تفاصيل حياة غنية و أسئلة شكاكة وحارقة تشدنا إلى قراءة القصيدة دفعة واحدة ، وكأنما هي فلم شاعري شفاف ومنقوع في فتنة الحزن الوجودي الطويل. وحيث لا بد أن ينتهي النص وتأتي لحظة الوداع فإن الشاعر يكتب وصيته ويعيد تشكيل حروف اسمه في آخر( الفلم / أو أسفل الجدارية ) ويحدد لنا ما ينبغي كتابته على شاهدة القبر ، ثم يشير بالوداع قائلا: "هذا الهواء الرطب لي، /واسمي
- وإن أخطأت لفظ اسمي على التابوت- /لي .
أما أنا - وقد امتلأت بكل أسباب الرحيل- /فلست لي/ أنا لست لي / أنا لست لي" .
ويبقى أن أقول بأن تجربة محمود درويش الشعرية الغنية بالإبداع والتجاوز قد وضعته في مصاف أبرز شعراء العالم في وقتنا الراهن، وإن هذه الملحمة العظيمة تؤهله لنيل جائزة نوبل ، ولذا أهيب بالجهات الثقافية المعنية أن تبادر بترجمة هذه الجدارية الجميلة إلى اللغات الحية وأن تقوم بترشيح شاعرنا الكبير لنيل تلك الجائزة !

أبو بسام
29-05-2001, 06:42 PM
محمود درويش وتناغميّة الاغتراب والكشف
بقلم ـــ غالية خوجة
=================
كيف تستحضر القصيدةُ ذكرياتِها، وحدوسَ اللحظَتين: الحاضرة والغائبة..؟‏

وعندما تفعل القصيدة ذلك، هل تكون قد كتبت سيرة وطنها.. أم أنها تظلّ وطناً جوّالاً بين اللغة والشاعر والقارئ..؟‏

يجوب محمود درويش اللغة مخترقاً مساماتها إلى نيران الرموز.. يحترق معها، ويشكّلان فراشة تشبه فلسطين، جناحُها الأول يظلّل مجموعات "درويش" من "أوراق الزيتون"، وحتى "سرير الغريبة"‏

وجناحُها الثاني يظلّل المجهول، ويسترق منه أناشيدَه وما تبقّى فيه من غربة..‏

هكذا، وعبْر حركات هذين الجناحَين، تتشابك الشعرية "الدرويشية" التي نختطف منها مجموعة (لماذا تركتَ الحصانَ وحيداً) حيث يطالعنا الرمز ومنذ العنوان بطريقة استفهامية معاتبة وجامحة وغير ناسية لِما قالتْه في (أحمد الزعتر):‏

ليدَين من حجر وزعترْ‏

هذا النشيدُ... لأحمد المنسيّ بين فراشتَين‏

مضت الغيومُ وشرّدتني‏

ورمتْ معاطفَها الجبالُ وخبّأتني(1)‏

في التجربة الدرويشية تتحرر طاقة الوحدة والاغتراب إلى منطقة القلق النصّي المتكوّنة من ترابطات الصور ودراميّتها وتجاوراتِ علائقها وإيقاعات حالاتها.. ولا تصبّ هذه الطاقة المتحررة في الرمز وحده، بل تتجاوزه.. تاركة لنا الرمز ككهف نعبر منه الدالَ إلى الدلالة.. وعندما نكون قد أصبحنا في (البرزخ) حيث الوجود واللاوجود، الحضور والغياب، فإننا نستكشف كيف تتلاقى الرموز الموروثة والمبتكرة لتتناصّ مع الأسطورة كذاكرة خلفية متفاعلة مع الصورة الدرويشية، القابلة لقراءات متعددة، والمستمرة في حركتها الصيرورية..‏

فما هي سمات هذه الحركية وإلى أيّ فضاء استطاعت أن توسّع بنية قصائدها عندما ارتكزت على العوامل الفنية وأهمّها: الرمز والأسطورة..؟.‏

بين النشيد والبحر والزعتر يغترب (أحمد العربي) وفي ذلك الاغتراب إشارة استبدالية بين (أحمد) و (محمود درويش) بمعنى بين إسقاطات (محمد "ص") وبين الذات الشاعرة الرافضة للواقع والراغبة بالانبعاث من صورها بهيئة جذور أرضية وجذور سماوية وبهيئة العناصر الموحية، المتماوجة بين هذين النوعين من الجذور (الغيوم/ الجبال/ الجرح/ المدن/ الزمن/ الرماد/ النخلة) وتكتسب هذه الرموز الطبيعية مجالاً آخر في مجموعة (لماذا تركتَ الحصان وحيداً)(2) مستبدلة رموز (الانبعاث) برموز أخرى تبدأ مع (الحصان) بكل دلالاته عابرة رموزاً طبيعية أخرى (النورس/ الشجر/ الماء/ النار/ الصبار/ السماء/ الأرض/ إلى آخر ما في المجموعة من رموز) ولا تنتهي في القصيدة الأخيرة (عندما يبتعد) المتمحورة حول (الفرس) وما يقابلها من شمولية للأرض والوطن:‏

الشاي/ التل/ التين/ الشعير...‏

تنسجم المجموعة مع عنوانها المجزّأ إلى ستّ بوّابات مزجت الواقع بالحائر، ونسلت منه الحلم إلى صورها المنبنية على الإيقاع وإيقاع الحواس والرؤيا، وعلى المخيلة المسترجعة لأبعادها التراثية، وعلى الغامض القادم من جهة المستقبل. سبقت البوابات قصيدةُ الافتتاحية التي اختزلت فضاءات المجموعة بين الذات وشبحها كدليل على الانفصام الأنوي الشعري المنبعث من المعاش اليومي بكل أبعاده: الوطنية، السياسية، الاجتماعية، وكأن قصيدة (أرى شبحي قادماً من بعيد) تختصر مسافة الآتي وما سيحدث ليس في القصائد وحسب، بل، في الواقع العربي الآتي أيضاً، المتفتّت قبل البوابات والمتهيكل بعد رمادها الذي حين نضيف إليه القصيدة الافتتاحية، نجد أن وحدة (الحصان) قد أصبحت سبع بوابات ولا يخفى ما لهذا‏

الرقم من دلالات مقدسة يكتمل عبرها الخلْق مثلما تكتمل معها طرواديّة الحصان وشبحيته المتمسكة بالتحول من خلال عناوين المجموعة المشكّلة في النهاية وحدة نصية كبرى:‏

(1) أيقونات من بلّور المكان وتضمّن هذا العنوان- البوابة: القصائد (في يدي غيمة/ قرويون من غير سوء/ ليلة البوم/ أبد الصبار/ كم مرة ينتهي أمرنا/ إلى آخرى وإلى آخره).‏

(2) فضاء هابيل: (عود إسماعيل/ نزهة الغرباء/ حبر الغراب/ سنونو التتار/ مرّ القطار).‏

(3) فوضى على باب القيامة: (البئر/ كالنون في سورة الرحمن/ تعاليم حورية/ أمشاط عاجية/ أطوار أنات/ مصرع العنقاء).‏

(4) غرفة للكلام مع النفس: (تدابير شعرية/ من روميات أبي فراس الحمداني/ من سماء إلى أختها يعبر الحالمون/ قال المسافر للمسافر: لن أعود كما../ قافية من أجل المعلقات/ الدوري، كما هو).‏

(5) مطر فوق برج الكنيسة: (هيلين، يا له من مطر/ ليل يفيض من الجسد/ للغجرية، سماء مُدّربة/ تمارين أولى على جيتارة إسبانية/ أيام الحب السبعة).‏

(6) أغلقوا المشهد: (شهادة من برتولت بريخت أمام المحكمة/ خلاف غير لغوي، مع امرئ القيس/ متتاليات لزمن آخر/ عندما يبتعد).‏

ثلاث وثلاثون قصيدة توزعت على سبعة مرتكزات، كأنها تتناغم مع (أيام الحب السبعة). ظهر التوزيع بشكل تقاسيم حافظت فيه قصيدة (أرى شبحي قادماً من بعيد) على رقمها(1) لتكون قابلة للإضافة كدلالة مدوّرة في المجموعة إلى باقي القصائد التي توزعت على الأرقام:‏

(6): في كل من العناوين (أيقونات من بلور المكان/ فوضى على باب القيامة/ غرفة للكلام مع النفس).‏

(5): في العنوانين: (فضاء هابيل/ مطر فوق برج الكنيسة).‏

(4): في العنوان الأخير (أغلقوا المشهد).‏

وهكذا تدور دلالات الرقم سبعة بين النصوص بشكل ممحو لا تكتبه سوى الإشارة التي ذكرناها، حيث تنعزف هذه الدلالات مع بقية الرموز الموروثة من أسطورية وواقعية لتدور في مدارها الأعظم الناتج من تقابل الرمزين المحوريين في المجموعة (الحصان/ شبح الشاعر القادم من بعيد) بحيث يظل هذا المدار مركزاً يتجسد كشخصية أسيّة في حدثيّةِ القصائد وسيْرتِها الجمعية والذاتية. وعلى ذلك فإن بناء النصوص لم يقتصر على المخيلة، بل امتد عميقاً في الذاكرة، وضم إلى أحلامها حيزاً نفسياً. زمكانياً، تنوع ظهوره بين السردية والتوامض.‏

الحركة الافتتاحيّة:‏

يختزل (درويش) حدسَه الرؤيوي الكلّي في قصيدته الأولى (أرى شبحي قادماً من بعيد..) وذلك من خلال بؤرة الفعل (أطلّ)= (هو الذي رأى كلّ شيء) المتعادلة مع الفعل الرؤيوي (أرى) والذي يشكّل الرحم العمائي الأول للمجموعة، حيث الاستشراف المتّسع والمنطلق إلى جهتين: جهة الهبوط إلى الحدس الجوّاني. وجهة الصعود إلى البُعد الكوني. أمّا نقطة التقاء الجهتين، فهي المدار القصيدي الذي تشكلتْ منه‏

جهة ثالثة. بإمكاننا تسميتها (جهة الأثر) حيث اللغة النصية ببنْيَتَيْها (العميقة والسطحية) المكوّنة لفضاء جهة الأثر والتي فيها تتم عملية التحوّل (الصاعدة. الهابطة) وكأنها بذلك تؤلف العالم الأرضي* كعالم ثالث تتفاعل فيه حركة الجهتين بكامل مرموزاتهما، إيقاعاتهما، صراعاتهما، وما يبقى من صورهما في منطقة الأثر. إذن، النبرة الأولى هي ذاك المحفّز التراكمي الكامن في فعل (أطلّ) وما يولّده من شبكة مدلولية تتناسل أحداثُها في القصائد الأخرى من المجموعة. وما تكرار لازمة (أطلّ) إلاّ عامل توكيدي للمسافة الكامنة بين (أرى) و (شبحي) حيث تعبر حركة النصوص لتنزلق من مسرح (أطلّ) كفعل جانسَ الحركة المستمرة بأطلال الماضي عن طريق بثّهِ فيها روحاً أخرى حرّضتْها على التداخل مع نسق القصيدة عبر ثلاثة منحنيات بيانية:‏

(1) الإطلالة على الخارجي الموضوعي: (أطل، كشرفة بيت على ما أريدْ/ أطل على نورس، وعلى شاحنات جنودْ).‏

(2) الإطلالة على الداخلي الذاتي: (أطل على صورتي وهي تهرب من نفسها/ أطل على جسدي خائفاً من بعيد).‏

(3) الإطلالة على اللغة: (أطل على المفردات التي انقرضت في "لسان العرب"/ أطل على لغتي بعد يومين). إطلالة ثلاثية التباعد، اتخذت هيئةً شبحيّةً دالّة على الكثافة والتحوّل في ذات الآن:‏

أطلّ على ما وراء الطبيعة:‏

ماذا سيحدث... ماذا سيحدث بعد الرماد؟‏

لا بد لمن يقرأ بحدس فني أن يكتشف الصلة البنائية بين (الحصان/ الجسد/ الرماد) المنجدلة كحدقة لفعلية الإطلالة المختلية في ما ورائية الصورة المتحركة بين قطبَيْن: (ما وراء الطبيعة) و (بعد الرماد). وما (سين) سيحدث، سوى مفتاح للدخول إلى المتجاذبات، المتنافرات، في تلك الصلة وقطبَيْها، بما فيها من تجادلات قائمة: على اللغة العادية (أطل على أصدقائي وهم يحملون بريد المساء: نبيذاً وخبزاً. وبعضَ الروايات والأسطواناتْ)، وعلى اللغة المدهشة العابرة للا مألوفها من خلال الرموز الموروثة والمستحدَثة. والتي لا تخرج عن مقصدية الإطلالة بتشعّباتها: الموضوعية/ الذاتية/ اللغوية:‏

الصورة الرؤيا:‏

انبنتْ بعض الصور على حركة تأويلية إشباعية، منحت مكونها السياقي دلالة فائضة كانت السبب للاحتمالات المشعّة في النص ولدراميته المنتقلة بين الإشارات على هيئة شُحنات تدور حول بروتون أسّيّ هو (الأنا الرائية) والمريدة. والباحثة والمتوغلة في الإطلالة الثلاثية السابقة (الإطلالة على الخارجي- الداخلي- اللغوي):‏

أطلّ على شجر يحرس الليل من نفسهِ‏

ويحرس نومَ الذين يحبونني ميّتاً...‏

أطلّ على الريح تبحث عن وطن الريحِ‏

في نفسها...‏

أطلّ على امرأة تتشمّس في نفسها...‏

تتعالق مرموزات (الشجر/ الريح/ المرأة) بالفعلية التي تؤديها توالياً: (يحرس/ تبحث/ تتشمس) منشئة في الحيز البَعدي لهذه الفعلية إيحاءات للمداليل تصارعت بين (الليل) وما يختزله من حركة معتمة أضاءتها (المرأة) كمرآة أخرى لـ (الأنا) أزاحت الحالة المعهودة للفعل تتشمس، وأدخلتها في مسافة الإطلالة الجوانية للرؤيا (في نفسها). وكأن الشاعر أراد أن يحرس العتمة من العتمة التي بات يخشى عليها من الخطر. والمألوف أن الإنسان يخشى من الليل وإيماءاته المظلمة القادمة من الحركة الاجتماعية وطغيانات الآخر كأحد المدلولات، أما الخشية على الليل فهي حالة تُجسّم الخطر وتجعله بُعداً إشباعيّاً يخاف منه الليل ذاته و لا يبقى الحارس غير (الشجر) بما تحمله هذه اللفظة من رمز لوني (الأخضر) ومن رمز انبعاثي، قد يكون واحداً من الأشياء التي ستحدث (بعد الرماد)- الدلالة المؤقتة على (الموت). نجد ترابطاً شفيفاً بين (الشجر) و (المرأة) يُعلنه الخصب والحياة والانبعاث، ولا يسكن هذا العامل في (أعماق الأنا الشاعرة) بل، نلمسه يتحرك في اللاثبات الذي نستدلّ عليه بـ (الريح) كدلالة مستمرة على (التغيّر) انضافت إليها دلالة فائضة عبر فعل (تبحث) وما تلاها من تكرار للفظة (الريح). وبينما تلتقي (الرِّيْحان)، نتراءى أن التنامي بين طرفَي الخصب (الشجر/ المرأة) يلتقيان في الإطلالة (الجوانية).. كيف؟ هذا ما تومئ إليه جملة الريح المتحركة بينهما والمنسحبة نحو الداخل (تبحث عن وطن الريح في نفسها). ولا يحضر الوطن الغائب -المفقود- المغتصب إلا عبر تحويلية الداخل إلى خارج في صورة رؤيوية أخرى ناتجة عن جملتين متباعدتين في جسد النص، ملتحمتين عبر بنيته العمقى، ومشكّلَتيْن فيما بعد لثنائية الخارطة الرمزية:‏

(1) (أطلّ على جسدي خائفاً من بعيد).‏

(2) (أطلّ على شبحي قادماً من بعيد).‏

وهكذا تنقلب العناصر على علاقاتها لتكون (في نفسها) ولتطل (على جسدها وعلى شبحها) وذلك ضمن خارطة رمزية ثنائية الانفصام والالتحام:‏

(أ)الرموز المنزاحة عن ذاكرتها الموروثة:‏

تمفصلت الرموز المستحضرة من الموروث الأسطوري (السومريون/ أسخيلوس) مع الرموز المستحضَرة من الموروث الديني (زكريّا/ هدهد سليمان) مع الرموز المستحضَرة من الموروث الشعري (أبو الطيب المتنبي/ طاغور) مع تلك المستحضرة من التاريخ (الفُرس/ الروم/ أنطونيو) ومنحت القصيد خلفية قائمة على صراعات الحياة أتت بمثابة (الذاكرة الجمعية) للنص. وعن كيفية ظهور هذه الذاكرة نلمح ألقاً منزاحاً خدَم النص في الرمز الديني (أطل على جذع زيتونة خبّأت زكريا) بما في هذا الانزياح من استبدال واضح بين (النخلة) وبين (مريم) و (عيسى).‏

ظهر هذا الاستبدال كبُعد ثان للجملة التي رغبت بإيصال محمولها المباشر أيضاً (الزيتونة= الأرض= فلسطين تحديداً) وما يُثبت هذا التحديد هو استحضار (زكريا).‏

تُرى، ألا ينطوي الاستشراف المخبوء في فاعلية الإطلالة على تداول غايته المتجهة إلى مُواحدة‏

الشاعر بروحه وجسده وشبحيته مع (زكريا)؟ وكذلك مواحدته مع (الشجر/ المرأة/ الزيتونة)؟. تشتمل الإطلالة على هذا البُعد بالإضافة إلى تضمّنها لفضاء جغرافي متعيّن انعكس بين (مصر) و (أورشليم): (المسافر من طبريا إلى مصر)/ (وهم يصعدون حُفاة إلى أورشليم) ولا تكتمل جغرافية السفر المنسوبة إلى المتنبي، ولا جغرافية الصعود المنسوبة إلى الأنبياء القدامى إلا بصراعية الرموز الأخرى الظاهرة في النص:‏

أطل على لغتي بعد يومين. يكفي غيابٌ‏

قليلٌ ليفتح أسخيلوسُ البابَ للسلْمِ،‏

يكفي‏

خطابٌ قصيرٌ ليُشعل أنطونيو الحربَ‏

(ب)الرموز المبتكَرة وإسقاطاتها:‏

تجاوزت الرموز الموروثة أبعادها المتجادلة بين الشرق وبين الغرب. وغادرت إلى رموز (درويش) المستحدَثة، والمتداخلة في النسيج الشعري، لتبرز بعد الغَور في عمق البنية. لتبرز كذاكرة ذاتية للنص. فيها من التصوف مثلما فيها من الانتظار والترائي:‏

حصان النشيد: وما اختزله هذا الرمز من إيماء إلى (الشعر) ذاته. وإلى (حصان طروادة) وإلى الجزء الأخير من عنوان المجموعة (الحصان وحيداً) وإلى فجوة التغيّر المبثوثة من القصيدة (الريح تبحث عن وطن الريح في نفسها) وما شظّتْه هذه الفجوة من احتمالات العودة المجسّدة بحركة الغوص في الذات العارجة نحو (أناها) العليا بين الشعر والملحمة (الحصان) الموحي بتلك المدلولات، وبين المجال الحركي لهذا الرمز المرصود بمسارَين رمزيين:‏

(الريح) و (الوردة الفارسية) المتشعّبة بالإيحاءات المتصوفة والموارية لـ (الزهرة الذهبية) كدال خفيّ على (التكوين) دعمته رمزية السؤال:‏

وأسألُ: هل من نبيّ جديدٍ‏

لهذا الزمان الجديدْ؟‏

يعرف تماماً (درويش) أنه لا نبي جديد.. ولكن (النبي) هنا تمركز رمزاً للسؤال عن إمكانية انوجاد مصدر إنساني تغييري ملائم لهذا العصر الموبوء بالفساد والباطل.. وكأن (النبي) هنا يشير بطريقة أو بأخرى إلى (زرداشت) نيتشه وإنسانه المتفوق، والمنتظَر.. تكتسي لفظة (النبي) بهذا الاحتمال وباحتمال مُسقَط على الذات الشاعرة من خلال (زكريا) ومن خلال الرغبة بالعودة إلى مدلولات البياض الأولى (الطفولة):‏

أطل على صورتي وهي تهرب من نفسها‏

إلى السلّم الحجريّ، وتحمل منديل أمّي‏

وتخفق في الريح: ماذا سيحدث لو عدتُ‏

طفلاً؟ وعدتُ إليكِ... وعدتِ إليّ‏

ولو جعلْنا مدلولات (الطفولة) تعود إلى الوراء، لوجدناها تتحد برمزية السؤال (النبي) وبرمزية الغاية (الحصان) ثم تظهر كمعادل غير مرئي للإطلالة على علائق البحث المتناوبة بين (الريح) و (اللغة): (أطل على المفردات التي انقرضت في "لسان العرب"). تلك المفردات الموسوم بها العرب والتي لم يعد يجدها الشاعر فيهم: (الحرية/ الكرامة/ الإباء/ الشرف/ الشجاعة/ الكرم...).‏

لكنّ الطفولة لا تعود، ولا يأتي النبي، ورغم ذلك يبقى للشاعر فضاء آخر يتجاوز الواقع بالواقع، تاركاً الحلم نقطة تلتقي فيها ذاكرتَا النص (الجمعية/ الذاتية) لتُشَكِّلا صورة الحياة الطالعة من (الرماد) أو من (بعد الرماد):‏

تكفي‏

يدُ امرأة في يدي‏

كي أعانق حريتي‏

وأن يبدأ المدّ والجزْرُ في جسدي من جديدْ‏

ولا تتخلى صورة الحياة عن صراعها رغم بدئها من جديد فـ (المدّ) و (الجزْر) يتداولان دواخل الشاعر المتكنيّة بآثار حركة (البحر) التابعة لـ (القمر) وهذا ما يحيل إلى التسامي الروحي الهابط/ الصاعد في آن. والمتخذ من الجسد النصي المدون مكانية لعبور الروح وللتناقض الواقعي المبتعد إلى الحلم كبدء -دائماً- جديد. ومن مرادفات هذا الابتعاد. المعادلة التالية:‏

(المرأة= زكريا= الزيتونة= الحرية= الوطن= الذات الشاعرة).‏

رغم هذا التشابك الدلائلي إلا أن قصيدة (أرى شبحي قادماً من بعيد) لم تخل من اللغة المباشرة التي شوّشت على فنية الكثافة وصفائها، وهذه الملاحظة تنطبق على بعض ما جاء في المجموعة. فإضافة إلى ما ورد عن الأصدقاء الحاملين لبريد المساء،... نجد هذه العبارة (أطل على كلب جاري المهاجر من كندا منذ عام ونصف..)، ونستطيع أن نضيف كذلك اللازمة التي تتكرر لمجرد الحفاظ على الإيقاع (أطل، كشرفة بيت، على ما أريد) حيث برزت في النص أربع مرات دون أن ينوع فيها الشاعر الذي كان بإمكانه استبدال (بيت) الدال على (الوطن) بكلمات مناسبة أخرى، يحتمل مرتكزها، إضافة إلى "بيت" -وأعني بالمرتكز هنا (الشرفة) ثلاث ألفاظ تُناسب مدلولاتها حرارة النص وحركيته: أطلّ كشرفة "نار" على ما أريد/ كشرفة "بحر" / أما أطل الرابعة فتحتمل أن تكون (كشرفة ريح)..‏

بذلك نكون قد فتحنا البوابة الأولى على حركية المجموعة، مدركين أنها المسرح الذي تحرّكت عليه القصائد الأخرى الناهضة على تلوينات اللحظة الذاكرتية والآنيّة والآتية.‏

الحركة التحاوريّة‏

ترحل الحركة الافتتاحية إلى نصوص المجموعة بطريقة انتشارية توسّع آثارها عبر اليومي والماضي وما يتجزأ بينهما من مشاهد يستحضر فيها الشاعر صوت أبيه كصوت رديف للذاكرة وللمعاناة وللرحيل والاغتراب والخيمة.. ويدور هذا الصوت مع غيوم المجموعة وجراحها منسكباً بين البيوت الفلسطينية والمخيمات والأمكنة الأرضية الأخرى إضافة إلى الأمكنة التي تُنشئها القصائد والتي لها ملامح الخروج من الذات والعودة إلى الذات.‏

ومن ملامح الخروج والدخول يتكون بُعد زمانيٌّ نصيّ يصطدم بنفسه ليُنتج في الباطن الصوري تسارعاً وتباطؤاً لا مكتوبَيْن تدلنا عليهما حركيّة التواشج والتعارض والبوح والانبجاس والتألق، المؤلفة من حركتين أساسيتين هما الأثر المتراكم في الحيز الحلمي المؤدي إلى الأبدية:‏

(1)حركة الاستعادة- الذاكرة:‏

تنعطف الحركة الاستعادية في المجموعة عبر مسارب متلولبة. متوزعة على جسد النصوص، ومتضامنة في أثر السيرة الذاتية بكل تحولاتها، والسيرة الجمعية بكل تحاورياتها القائمة على تفعيل الرموز الموروثة (قرآنية/ أسطورية/ تاريخية..) وذلك لتجعل من هذه الرموز ذاكرة تراثية انتفض من فراغاتها الذاتيّ.. ولا تطلّ هذه الذاكرة كاستعادة عادية لزمن ماض وحسب، بل تتكثف لتكون زمناً جديداً لذاكرة متفرعة إلى: (الذاكرة الطفولية/ الذاكرة البدئية للأشياء/ ذاكرة الغربة/ ذاكرة الحاضر) والثيمة الأهم لهذه الذاكرة هي: السرد الدرامي الذي يحيل على تفاصيل الخلْق (قابيل/ هابيل/ الغراب/ إسماعيل/ البئر) وعلى تفاصيل الخراب وتراجيدية الواقع المتناقض مع مقولة (الزمن كالنهر) حيث تُعيد الآلام جراحَها بشكل دائري ما بين (التتار والمغول والصهاينة وبونابرت والقيصر و...) ضمن هذه الدائرة يسرد (درويش) حساسيته التي لا تقف على حواف المحيط، بل تمتد إلى المركز بطريقة خافتة، تكتسب حضورَها من الأثر الرجعي للكلمات المتخذ سبيلاً للوصول موجتَين: المد والجزر. فموجة المد تُحيل على السيرة الذاتية. أما موجة الجزْر فتحيل على السيرة الجمعية.‏

(أ)- موجة المد وتداعيات الذات:‏

سنُركّب حركة الموجة وإيقاعاتها من خلال جمل شعرية متفرقة حققت أثر الاستعادة:‏

(وقلتُ للذكرى: سلاماً يا كلام الجدة العفويّ يأخذنا إلى أيامنا البيضاء تحت نعاسها ص 70/ ما زلتُ حيّاً في خضمّكِ. لم تقولي ما تقول الأمّ للولد المريضِ. مرضتُ من قمرِ النحاس على خيام البدو. هل تتذكرين طريق هجرتنا إلى لبنانَ، حيث نسيتني ونسيتِ كيسَ الخبز (كان الخبز قمحياً). ولم أصرخ لئلا أوقظ الحراس ص 78/.. وتركنا طفولتنا للفراشة، حين تركْنا على الدرجات قليلاً من الزيت ص 106/ لكننا لم نكن خائفين.‏

لأن طفولتنا لم تجئ معنا. واكتفينا بأغنيّة: سوف نرجع عمّا قليل إلى بيتنا ص 27/ -هل تعرف الدرب يا ابني؟- نعم يا أبي: شرق خرّوبة الشارع العامّ دربٌ صغير يضيق بصبّاره في البداية، ثم يسير إلى البئر أوسعَ أوسعَ، ثم يطلّ على كرم عمي "جميلْ" بائع التبغ والحلويات ص 41).‏

وكما تعلن اللغة عن ذاكرتها، فإن الذاكرة الحاضرة تُعلن عن ماضيها بالعودة المتشابكة إلى الشخوص (الأم/ الأب/ الجدة/ الآخر/..) وإلى جغرافية المنسَلّ من الذاكرة (موقع بيت درويش في فلسطين وتحديداً قرية "البروة") وهكذا عبر الامتداد نحو ملامح الماضي وشخوصه ونحو الامتداد في الفضاء الجغرافي واستحضاره إلى الذاكرة الحاضرة. تظهر الذاكرتان (الطفولية/ الغربة) لتمتد في مساحة الكلمات كظلال متعاكسة مع ظلال الانحسار المتمثلة بالواقع.‏

(ب)موجة الجزْر والتداخل مع الجمْع:‏

يشحن الشاعر موجة الجزر بموجة المد وذلك عبر (أناه) الظاهرة كراوية مباشرة وغير مباشرة‏

للسيرة الجمعية (سوف تكبر يا ابني، وتروي لمن يرثون بنادقهمْ سيرة الدم فوق الحديد. ص 33) ولتكتمل رواية السيرة بين الدم والبنادق، بين التتار والبئر والروم والغراب، فإن (درويش) يعيد للوطن حكايته أولاً (كبرتُ ليلاً في الحكاية بين أضلاع المثلث: مصرَ، سوريا، وبابلَ. ههنا وحدي كبرتُ بلا الهات الزراعة ص 71) ثم يربط بين رمزين: أولهما ديني، وثانيهما أسطوري: (بحثتَ في بستان آدمَ. كي يواري قاتل ضجرٌ أخاهُ ص 54) يخاطب الشاعر هنا (الغراب، أو كما جاء رمزه في القصيدة (جرس الغروب الداكن) وما المخاطب في النهاية سوى العصر المتلون بالأسود وبدماء الأخوة (هابيل) المتناسل من (آدم) والذي نجد له دلالة إسقاطية في موضع آخر من المجموعة:‏

(رمتني الأرض خارج أرضها، واسمي يرنّ على خُطايَ كحذوة الفرسِ: اقتربْ.. لأعود من هذا الفراغ إليكَ يا جلجامشُ الأبديّ في اسمكَ ص 71). تختلط الشخوص الرمزية (آدم/ هابيل/ جلجامش) في الذات الشاعرة، جاعلة من مرموزاتها ظلالاً لـ (الأنا) المستقرئة للواقع، حيث لا قيامة (فلتكنْ يقظاً قيامتنا ستُرجأ يا غراب ص 54) ولا حرب ولا سلام ولا..:‏

كل شيء هادئٌ في ملتقى البحرينِ‏

لا تاريخ للأيام منذ اليوم،‏

لا موتى ولا أحياءَ، لا هدنةَ،‏

لا حرب علينا أو سلامْ/ قصيدة متتاليات لزمن آخر ص 161‏

وتتناسج هذه الرؤيا مع تضمين قرآني، يثبت استمرار السَواد والدماء: (ويضيئكَ القرآنُ: "فبعث الله غراباً يبحث في الأرض ليُريه كيف يواري سَوأةَ أخيه، قال: يا ويلتي أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب" ص 65) على ذلك، نتبين أن شبكة العلاقات المكوّنة لحركة الاستعادة لم تقتصر على الاسترجاع الاعتيادي للذاكرة؟‏

لماذا؟ لأنها وظفته كأثر تصيّري متصارع بين موجَتَي السيرتين الذاتية والموضوعية، انتقل توالياً داخل حركة متعاكسة:‏

معادلة حركة الاستعادة‏

من الحاضر إلى الماضي‏

من الماضي إلى الحاضر‏

إلى المستقبل‏

إذن، من هذه المعادلة، نكتشف أن المستقبل هو مصدر الجدل المتقاطع مع الذاكرتين والمانح للنصوص مساحة رؤيوية رفضت أن تدور في هامش الموجة (الامتدادية/ الانحسارية) بل، وتوغلت في الحلم لتشكل منه تلك القيامة المتأخرة أو المؤجلة. وهذا ما يقودنا لمناقشة الحركة الثانية.‏

(2)حركة الاشتعال:‏

وترتسم هذه الحركة بعناصر الطبيعة المختلفة (الماء/ النار/ التراب/ الهواء) وبإيحاءاتها المتدرجة كالمطر. واشتقاقاته من سحاب وبرق ورعد و... وكالريح وتقلباتها الفصلية والموسمية من خريف وصيف‏

وشتاء وربيع. وكاللهب وأطواره من رماد وموت وانبعاث، وكالصلصال وإشاراته من الجرة والأرض والشجر المتنوع ودلالاته المتحابكة مع العبق (الصنوبر) ومع الامتداد العمودي (السرو) ومع الساكن المتحرك بين القبور والحياة (الزيزفون والزعفران) والصامد عبر رمزية (السنديان والزيتون و..).‏

تنقسم هذه الحركة الاشتعالية إلى حركّتي انبعاث هما:‏

(أ)حركة الانبعاث على صعيد الحركة السابقة (حركة الاستعادة- الذاكرة):‏

تتداخل الإشارات الرمزية النصية لتنجز تواترها المتقطّع في البنية الكلية للمجموعة المختطّة لنفسها دائرة سيرورية مرت من (آذار) كشهر له بُعده المدلولي في التجربة الدرويشية وحبكت جوهره الانبعاثي برموز أخرى، بحيث تساوت الرموز في النهاية وكونت صورة شاملة لرمز واحد هو (القيامة) التي نستقرئ وشيعتها الدلالية عبر الحركة التالية: آذار= الجرّة (والدموع جفّت من جرّة الفخار ص 88)= عشتار والعنقاء والفينيق وأنّات وأنّانا والفراشة وهيلين (هيلينُ هيلينُ! هل تصعد الآن رائحة الخبز منكِ، إلى شرفةٍ في بلاد بعيدةْ ص 126)= تموز (ياسمينٌ على ليل تموز ص 130)= هوميروس (لتنسخ أقوالَ "هوميرَ".. ص 127)= أوليس (كم كان إغريق ذاك الزمان قساةً، وكم كان "أوليسُ" وحشاً يحب السفرْ ص 128)= المطر والسحاب والأرض و "الأنا" الشاعرة (أنا السحاب، وأنتِ الأرضُ، يُسندها على السياج أنينُ الرغبة الأبدي ص 146)= الأندلس وسمرقند وإيقاعات التفاعل الداخلي ما بين "النهاوند" و "الموشّح" وما بين إيقاعات التفاعل القبْلي والبَعدي، وأعني بهما الأثر المائي في المجموعة حيث الماء الأزلي السالب لمعنى العماء والتخلّق: (لا شيء يأخذ منك أندلسَ الزمانِ ولا سمرقند الزمانْ إلاّ خُطى النهوند ص 141) وتمتد تفاعلية الوقع المكاني الذاكرتي عبر الخيط الزماني ليتجادل مع معادلة المستقبل السابقة المنتجة من حركة الاستعادة الماضية والتي نلمح تشعباتها في الصور التالية غير المستقرة- كالماء- بين الظل والريح والأرض وأنّات والحصان كرمز محوري للمجموعة.‏

(أ)حركة الانبعاث الصُوَري:‏

تكمن جمالية القول الأكثر إدهاشاً في ذلك الفضاء الصوري الذي تتقابل وتفترق فيه دلالات الأثر المائي القادم إلى الأثر الناري الذي تتعدد فيه الحركة الإبداعية المنتجة لسرّ الشعرية الدرويشية. وأقصد، المنتجة لأهم الثيمات القصيدية والتي امتازت بها هذه الحركة، ألا وهي: التوامض بتدرجاته الناتجة عن نفسها: / (الخفوت/ الترمّد/ الاشتعال) ولم تنضج هذه الحركية إلا من خلال دينامية الحلم والمخيلة كعاملين محوريين تدفّقاً من الأثر المائي ليكّونا الأثر الناري وذلك عبر متواليات الانبعاث المتسلسلة بخفوت في أوائل المجموعة والمتصاعدة مع درجات الاحتراق التي لا تلبث أن تنصهر في الأثر الصوري مخلّفة من الغيمة صهيلاً ملوّناً وأبدية زرقاء:‏

(1)الطفل- الحلم- الشبح:‏

في قصيدة (غيمة في يدي) نلاحظ أن الولادة لا توحي بإنجاب مستقبل هائم، لأن الولادة بكلّ مدلولاتها وحركتها القادمة ارتبطت بمجال متعيّن هو (المكان) الرامز هنا إلى الأرض وتحديداً (فلسطين) المختزلة للوطن العربي في أحد تضاعيفها. وتتحرك طفولة المكان مع حركة الاستعداد الملائمة مع الصهيل (أسرجوا الخيل) والواقفة بين دلالتَي السواد (آخر الليل) و (الانتظار) الذي لم يؤدّ إلاّ إلى شبحية الولادة الطالعة من ذات المكان. وتتراكم دلالات (الشبح) كـ (شيء) وكـ (لا شيء) في قصيدة أخرى‏

(مرّ القطار) التي تعالج فيها الصورة نقائض الولادة واللا ولادة من خلال الزاوية الزمنية لـ (الانتظار) و (المكان):‏

هنا ولدتُ ولم أولدْ‏

سيكمل ميلادي الحرونَ إذاً‏

هذا القطارُ‏

ويمشي حوليَ الشجرُ/ ص 64‏

هل هو التأكيد على الفوات وعلى استمرارية الانتظار. أم أن هنالك تصالباً أعمق بين الواقع ومخيلة الصور؟‏

تتعمق آليّة الانبعاث بما وراء الطفولة والطبيعة لتُجرّد أبعادها ضمن حركة لا تُعيّن الولادة فقط، بل تولّدها وذلك ما سنتراءاه في الفقرة الثانية:‏

(2)الولادة التجريديّة:‏

تتناسل مدلولات الاحتراق التي تحملها اندفاعات القطار- الزمن، لتُعير طاقةَ خضرتها المنبعثة من (الشجر) بهيئة دوران أوروبورسي مركزه الشاعر (ويمشي حولي الشجر)، لتُعير هذه الطاقة إلى رمز أسطوريّ ركّز عليه (درويش) وجعله وقوداً لنيران رموزه (العنقاء) التي يريثها ويبثّ فيها نسقاً توالدياً ابتدأ بالأناشيد وطبقات فونيماتها المخمِّرة لـ (الناي) كدال على الجرح والموروث والحزن والانعتاق نحو الفضاء المحمول على الصوت الداخلي الممتزج بالصوت الملوِّن لبياضات الصورة والرؤيا (النار) التي تختمر بدورها في الناي. ومن التواشج التجريدي تنبجس آثار الأثر الناري للمحور المطابق للرمز المحوري للمجموعة (العنقاء= الحصان). وحين يتضافر الرمزان نجد أن دلالة الخضرة (الشجر) باتت تدور حول (الأنا) الشاعرة (لم أعرف رمادي من غباركْ). وهكذا جسدت الصورة حواسها في حدوس اللغة المتكورة على ولادة من الولادة. مشكلة من نفسها (أفعى) التكوين الغائبة في المكتوب والمتجلية في اللا مكتوب ضمن الحركة الدائرية المبتدئة بالأناشيد. المنتهية بالأناشيد حيث الأثر الناري دائرة تحفّها الأناشيد المتمركزة حول (الشجر/ الذات/ العنقاء) والتي لا تلبث أن تستغرق مركزها بطريقة لا مرئية. فيمتصّ أحدهما حلمَ الآخر ويتراكبان كنجم يهيّئ نفسه للانتحار/ للانفجار.‏

الحركة الختاميّة:‏

لم يكن للكواكب دورٌ،‏

سوى أنها علّمتني القراءةَ:‏

لي لغةٌ في السماءْ‏

وعلى الأرض لي لغةٌ‏

مَن أنا؟ مَنْ أنا؟ / تدابير شعرية ص 99‏

ما بين اللغتين تنمو ألوان الاغتراب ولا تنغلق مع بوّابة (أغلقوا المشهد) التي تختتم نفسها بالقصيدة السردية: (عندما يبتعد). وبذلك نتبيّن أن هناك لغات أخرى تتماوج في المجموعة وتتعانق كغريب وغريبة‏

(من أنا بعد عينين لوزيتينِ؟ يقول الغريبْ من أنا بعد منفاكَ فيّ؟ تقولُ الغريبةُ ص 130) حواريّة مونولوغية دائمة البحث عن الأنا المتواحدة كما رأينا بالرموز الانبعاثية وكأن (درويش) يشكك بالحالة النهائية للانوجاد من أجل أن يمنح هذا الانوجاد طوراً أبعد من الاحتراق اختزل الغربة والمنفى في وطن من الصلصال المتناقض ( الجسد الأنثوي) المنبعث كذلك من (الخرافة): (هنالك امرأةٌ تعيد الماءَ للينبوعِ. وامرأةٌ تقود النارَ في الغاباتِ. أما الخيلُ فلترقصْ طويلاً فوق هاويتينِ. لا موتٌ هناك.. ولا حياةْ ص 87) تأخذ الأنثى -الأرض انقسامات الأنا لتزدوج مع المتناقضات ثم توائمها في حركيات درامية متنوعة انضغطت في سؤال شفيف عميق: (-كم تبعد الأرض عني؟ وكم يبعد الحبّ عنكِ؟ ص 126) ولا يترك (درويش) لـ (أنواته) أن تتباعد عن (أناه) ولو ظهرت مرتدية لعدة شخوص (الأمّ/ الجدة/ الحبيبة/ أنات/ الأب/ الجد/ الفينيق/ الشجر/ الريح/ أبو فراس الحمداني/ امرؤ القيس/..) وبهذا التشخيص يمنح الشاعر بُعداً لـ (الآخر) الحاضر في نصوصه. وهذا البُعد يظل متشاكلاً مع محتملات (المونولوغ) الشاهدة على الواقع. الرافضة له، والمجروحة به، والهادفة كذلك إلى تغييره عبر العزْف على الروح وآثارها المحلّقة من طاقة الكُمون (الفراشة) إلى الابتهال (هللويا) إلى مدلولات الدعاء الرافّة على الماء.‏

(وفي بركة الماء تمشي السماءُ قليلاً على وجهها وتطيرُ وروحي تطيرُ ص 82). في هذا المستوى الصوتي لحركات الصوتين (الداخلي والخارجي) تتشوش مسافة البنية المدلولية، إضافة إلى ما ذكرناه في الحركات السابقة، بعناصر أخرى خالفت الاعتيادي ونزّحتْه إلى دهشته اللونية: (يسامرنا لمعانُ الزمّرد في ليل زيتوننا ص 27/ سيرة الدم فوق الحديد ص33/ أغنيّة بيضاء لسمراء ص 140/ نهداكِ ليلٌ يقبّلني ص 131/ سماء نبيذيّة اللون ص 132/ حبر الغراب ص 54/ سيرتفع الغيم أحمر فوق صفوف النخيل ص 82/ أولى النوافذ تجنح نحو الفراشات.. زرقاءَ.. حمراء ص 50/ يركض الماء والسرو يركض، والريح تركض في الريحِ، والأرض تركض في نفسها ص 52).‏

لا شك بأن اللون هو (رمز) يستحدثه (درويش) من مكونات الطبيعة والحواس ليصل إلى ما فوق الطبيعي ضمن عملية كيمائية تفرز أحلامَها، وتُصعّد الرؤيا حتى فجوتها اللونية المتناسجة في صور رؤيوية تخلق نفسها من نفسها دائماً لأول مرة (كل شيء سوف يبدأ من جديد) ومن هذا البدء نستقرئ كيف تتصيّر (السماء) طائراً أزرق يمشي في بركة الماء ثم يطير، والتحليق لا يوظف في الصورة إلاّ ليضيف دالّة تنويعية فائضة لـ (الروح) الشاعرة الزرقاء، أي الراغبة بـ (الأبدية) المشتقّةِ لِلْقُزح الْمَعْنَيي في المجموعة (الزمرد/ الزيتون/ الدم/ الغيم/ الأحمر/ النبيذية/ الأغنية البيضاء/ الأنثى- الأرض السمراء) حيث تكوّن هذه التلوينات الصوتية والحسيّة والحدسيّة خلفيّة يقظة للوحات المجموعة التي تمزج غناء هذه التلوينات بين الانفعالات الحارّة والحيادية والقاتمة، مخترقة ترانيمَها بظلالية فعلية ناتجة عن الخلائط اللونية، مثلاً ما يرسمه (الجنوح) المتعلق بالنوافذ- النافذة معبر للخارج والداخل بطريقة متوازية ومتعاكسة -وطريقة جنوحها المعلقة بالفراشات (الزرقاء، الحمراء) وما لهذين اللونين من حركة امتزاجية -البنفسجي- مؤثرة في ديمومة الفعل المتسارع الحركة (الركض) حيث (الماء) الأصل غير الملوّن. يركض من هلامه إلى هلام التخلّق (الأخضر + تدرجات البنّي)= (السرو) الذي يمارس ذاتَ الفاعلية (يركض) ثم تتحوّر دلالة (الركض) من المكانية الصوريّة غير المنفصلة عن الموضوعي، إلى المكانية الصورية المتباطنة مع نفسها عبر (الريح) كتغيّر يتحرك في تغيّره (الريح تركض في الريح) ولا تنزح الحركة عن بُعدها العمودي الغائر في (نفسه) إلا لتغور في معطياتها الأخرى بكيفية أعمق (والأرض تركض في‏

نفسها) ومن هذه الاتصالات المنفصلة بين الصورة وإيماءاتها، نكتشف أن المجهول عنصر دراميٌّ أخفته المجموعة يبن أثرَين:‏

(1) أثر الركض المجاور للركض‏

(2) أثر البحث المتسرب من تكرارية (من أنا؟)‏

ومن هذين الأثرين تتعقد إشارات اللون متوزعة على ثلاثة دلالات:‏

(1)الدلالات المضيئة:‏

وهي الدلالات المقصودة في نصوص المجموعة والتي بإمكاننا الإشارة إلى أهمها، كونه شكّل مجالاً افتراعياً للقصائد. وهي دلالات الملفوظات: (النار/ النهار/ الضوء/ الدم/ الفراشة/ الماء/ الزرقة/ القمر/ الشمس/ النجوم/ البحر/ الشجر/ الحجر/ الياسمين/ السوسن/ الزيتون/ التين/ الغيم/ الكواكب/ الصهيل/ الفخار/ الريح/ العنقاء/ الفينيق/ امرؤ القيس/ أبو فراس الحمداني/ الأرض- الأنثى/..).‏

(2)الدلالات المعتمة:‏

وهي تلك الدلالات المرفوضة والمترامزة بألوان العدم والفناء، أمثّل لها بـ (الليل/ الغراب وحبره/ التشرد/ السراب/ المقابر/ الزنزانة/ الجلاد/ المنفى/..‏

(3)ألوان دلالية مفرّدة:‏

وهي الدلالات القابلة للتلوّن بالحواس وبالمخيلة والتي تتمركز بين الدلالات الأولى (المضيئة) لتُضيف إليها حيزاً يُناغم غربتَه مع الوحدات الجزئية والكبرى. وسمة هذه الألوان الدلالية أنها دائمة الصعود من الباطن إلى الظاهر ودائمة الهبوط من الظاهر إلى الباطن. وهذه الدينامية لا تعتمد الشكل العمودي للحركة فقط، بل تنبني كذلك على الشكل الأفقي، بسبب طبيعتها الانتشارية، ومن هذه الدلالات: (الغسق/ الشفق/ النخيل/ الحنين/ الحلم/ اللازمان/ اللامكان/..).‏

لقد نبضتْ مجموعة (لماذا تركت الحصان وحيداً) بحرائق اجتمع فيها الماضي. والحاضر، والآتي، مثلما تلامح التاريخي والنفسي والطبيعي. وتنوعت صورُها بين سرد اليومي العادي وبين التشكيلي الذي يُسريل تناغمَه في الرؤيا البكْر وفي تلاوين الكشف والانكشاف. ودليلنا على ذلك أيضاً ما يقوله (محمود درويش):‏

وأنشأ المنفى لنا لغتَين:‏

دارجةً... ليفهمها الحمامُ ويحفظ الذكرى‏

وفصحى.. كي أفسّر الظلال ظلالّها! / تعاليم حورية ص 78‏

إذن، لنا أن نتساءل: تُرى، ومن خلال مجموعته (لماذا تركت الحصان وحيداً) ما رأي (درويش) بمجموعته خاصة. وباللغة الشعرية بشكل عام؟؟.‏

بإمكاننا الإجابة عن ذلك (درويشياً) من خلال متابعتنا لأثر الرائي والرؤيا والرأي. المتسرب بشكل‏

عفوي من تحت النصوص إلى فضائها المقروء الذي أوضح المفاصلَ التالية:‏

(1)-الغموض:‏

ينبلج الغموض في المجموعة كألق جمالي يشعّ ويختفي، يختفي ويشعّ، منشئاً (هوّة) للمعنى تتقاطع فيها حواس اللغة وحواس ما تحتها:‏

(يتحرك المعنى بنا.. فنطير من سفح إلى‏

سفح رخاميّ. ونركض بين هاويتين زرقاوين. ص 47).‏

(2)-الوضوح:‏

حيث اللغة لا تندفع إلى أبعادها العمقى وتُراوح في بنيتها السطحية، المتحركة غالباً في فضاء أفقي:‏

(فكتبتُ: مَن يكتبْ حكايته يرثْ‏

أرضَ الكلام، ويملك المعنى تماماً/ ص 112)‏

(3)الضمير- الشخوص:‏

كما لاحظنا يعتمد الشاعر محمود درويش على توزيعات الأنا بهيئة ضمائر متعددة، تخلق مجالاتها، ولا تلبث أن تعود إلى (الذات) بهيئات مختلفة أو متوافقة، وفيما سنقرأ. سنجد أن (الأنا) تتحول إلى (الجمع) وإلى المفرد الجمعي المتحرر منها (أنتَ) كضمير مخاطب يشتمل الإنسان العربي من كل مواقعه، إضافة إلى كونه (قارئاً):‏

(أنا أنتَ في الكلمات. ص 56)‏

(4)الشعر:‏

يؤسطر (درويش) الشعرَ بالشعر ويمنح قصيدته لوناً آخر للصهيل والحياة (قصيدتي زبدُ اللهاث وصرخةُ الحيوانِ عند صعودِه العالي وعند هبوطه العاري: أناتُ/ ص 87) وترتفع درامية هذه الدلالة اللونية لتكون (طريقاً للعروج) بين مدلولات (القمر/ أنات/ الحدائق):‏

(الشعرُ سُلّمنا إلى قمر تعلّقه أناتُ‏

على حديقتها (ص87)‏

(5)اللغة والزمن:‏

إذا سحرَ المبدعُ الزمنَ، فإنه يستوطن الأبدية المتجددة حيث ينبوع اللغة يرنّ غير متشابه، أليس ذلك ما فعله شاعر العصور (المتنبّي: وما الدهرُ إلاّ من رواة قصائدي)؟ وعلى هذه الانبعاثية يفصل (درويش) الزمنَ عن لغتهِ تاركاً فيها ما لا يؤاكله الفناء:‏

(... فلتنتصرْ‏

لغتي على الدهر العدوّ، على سُلالاتي،‏

عليّ، على أبي، وعلى زوال لا يزولُ‏

هذه لغتي ومعجزتي، عصا سحري.‏

حدائق بابلي ومسلّتي، وهويتي الأولى،‏

ومعدني الصقيلُ/ ص 118)‏

وتلمع إزاحة الزمن ببريقها المصقول أكثر في مقطع آخر، تَجرّدَ من المجسّد وتداخلَ في السيرورة اللا ثابتة.‏

الجاعلة من المعنى (حصاناً) طائراً يجرف كلَّ أثر وراءه ليطأ أثرَه التشكيلي المتسريل بين الرموز الطبيعية والمخيلتية. منتجاً لحظته الموشورية في حركة الأجنحة الألماسية التي تستنطق من الظلال ظلالَها لتلّون بها حركية الصهيل.‏

1-محمود درويش/ أعراس/ دار العودة/ ط1/ 1977/ قصيدة (أحمد الزعتر) ص (35-36).‏

2-محمود درويش/ لماذا تركت الحصان وحيداً/ دار الريس/ ط1/ 1995/ عدد الصفحات (168).‏

* العالم الأرضي هو أحد العوالم التي تتألف منها الأسطورة، فإضافة إلى العالم الأرضي هناك العالمان: (العلوي) و (السفلي).‏




------------------

<FONT COLOR="Green">اقرأ ان شئت هذه الموضوعات :</FONT c>
ماذا تعرف عن هؤلاء؟ (http://www.arabiyat.com/ash3ar/qwho.htm)
ملف الامسيات الشعرية (http://www.arabiyat.com/ubb/Forum6/HTML/003152.html)
ملف المحاضرات (http://www.arabiyat.com/ubb/Forum6/HTML/003913.html)
قـ(1)ـراءات (http://www.arabiyat.com/ubb/Forum6/HTML/003273.html) قـ(2)ـراءات (http://www.arabiyat.com/ubb/Forum6/HTML/003915.html) قـ(3)ـراءات (http://www.arabiyat.com/ubb/Forum6/HTML/004073.html) قـ(4)ـرات (http://www.arabiyat.com/ubb/Forum6/HTML/004232.html)
ابداعات قصصية (http://www.arabiyat.com/ubb/Forum6/HTML/004101.html)
قضية ثقافية (http://www.arabiyat.com/ubb/Forum6/HTML/004100.html)
ملف التجارة الالكترونية (http://www.arabiyat.com/ubb/Forum4/HTML/001290.html)

أبو بسام
05-06-2001, 03:52 PM
صدرعن الدار المصرية اللبنانية كتاب ( محمود درويش .. شاعر الصمود والمقاومة ) تأليف جمال بدران ، والكتاب يقع فى 100 صفحة من القطع الصغير ، ويتضمن مقدمة للشاعر احمد سويلم ، والكاتب يتحد ث عن تجربة محمود درويش الابداعية فى الشعر العربى المعاصر ، حيث أشار المؤلف الى أن محمود درويش من هؤلاء ذوي النسيج القوي .. لا ينهار فيستسلم ، أو يغالي فيستعظم .. كان صلبا في الشدائد ، شفافا في احتجاجاته ، هادئ النبرة في انفعالاته .. حتى بعد المرات الخمس التي خرج فيها من سجونه .. وهذا ما كان يخيف السلطة الإسرائيلية منه ، فقد كانت بعض أشعاره تترجم إلى العبرية فتلقي صدى لدى الجماهير ، مما كان يهدد بإثارتهم على نظام دولتهم العنصرية .. لذا وجهت اليه أبواق النقد السطلوية ، محاولة هدم آثارها ، وتشويه معانيها المترجمة.
فما هي كل هذه المعاني التي روعت السلطة ؟ هل يفهمونها بادئ ذي بدء ؟ ويضيف المؤلف إن من صفات محمود درويش الشفافية في احتجاجاته ، وهدوء النبرة في انفعالاته ، وهذا وتلك تتطلبان درا راقيا من التكثيف للكلمة الواحدة ، لا كرمز ، وإنما كمفاتيح طرق متداخلة .. وربما يكون التصوف هو المفتاح . دون إغراق في الغموض. فكيف يستطيع شاعر تقدمي كمحمود دوريش الوصول إلى هذا ؟ إنه لا يعترف إلا بالمادة والواقع سبيلا للوصول إلى إفهام الجماهير .. فكيف يكون حرصه على التلاحم مع قلوب البسطاء ، ثم يلجأ إلى الإعراب في آخر مرحلة من مراحل نضجه الشعري ؟ كيف يستقيم التصوف والتقدمية ؟ هل طرأ تغير على النهج الشعري لدى شاعرنا ؟ إن تطور أحوال القضية الفلسطينية ، وما أصاب حق العدل الفلسطيني من ضربات ظالمة ، جعلت شاعرا مثل محمود درويش الثائر يحار في طبيعة الهزائم التي حاقت به .. في اللامعقول الذي آلت إليه القضية .. لذلك فإنه لا ينسحب من واقعه الأليم ياسا ، وإنما هي الرغبة الملحة للخلاص من الحيرة ، باستجماع قوي دفينة فيه .. بإعادة ترتيبها لمعاودة المقاومة المتفتحة على التفاؤل والعزم .. قوى دفينة لا تطولها عصا السلطة ولا بندقية القاتل ، فتظل على حيويتها وفاعليتها الثورةي في وجود صوفي شفاف ، يرى من خلاله الأعوان والأحباب ن ويعمي عن الأعداء وحاملي الأحقاد
وتدلى رأس عبد الله
في عز الظهيرة
أه ، عبد الله
والأمسية الآن بلا موتى
وأنت الآن حل للحلول
آه ، عبد الله
والأسماء أجساد
رموز
وفصول
أه ، عبد الله
لا لون ولا شكل لأزهار الأفول
لا أذكر بعد الآن ما كنت تقول
وكانت شرطة الوالي
ومليون قتيل
آه ، عبد الله
وألمح المؤلف أن هذه التجليات الصوفية ، لم تكن لدى محمود درويش أخر المطاف ، حيث نجد له دواوين أخرى صدرت له بعدئذ حبيبتي تنهض من نومها ، أحب أو لا أحبك ، محاولة رقم 7 ، تلك صورتها وهذا انتحار العاشق ، أعراس ، حصار لمدائح البحر ، هي أغنية ، ورد أقل أرى ما اريد ن احد عشر كوكبا ، والديوانان الأخيران صدرا له في عامي 1990 ، 1992 ، ولم يعد يرى القارئ فيهما ملامح الصوفية إلا عرضا.
أما السمات الفنية المشتركة في دواوينه فهي :
· الثراء اللغوي بجذوره واشتقاقاته ، بالدرجة التي لا تشعر القارئ بالافتعال أو المعاناة.
· الموسيقى الشعرية داخليا وخارجيا ، في نطاق التوازن بينهما فها ووجدانيا ومرجع ذلك إلى موهبته الفطرية ، وغلى استيعابه للجرس لي شعرنا العربي التقليدي.
· ثوريته الحالمة ، فهو رومانسي في قصائد تقل فيها المباشرة ، وترى بالعذوبة والأحلام ، وذلك بعدما تأثر بشعراء المهجر وشعراء مصر الرومانسيين.
· ثم القدرة الفنية على الإيحاء ، بعدما تخلي عن التعبير الصريح ، متأثرا لي نضجه هذا بشعراء محدثين كالسياب ، والبياتي ، وصلاح عبد الصبور وغيرهم.
· صارت أشعاره في مرحلة النضج تستعين بالرمز والأسطورة ، والأقصوصة والأغنية الشعبية ، وصور الحياة الشعبية .. كل منها لجا إليها محمود درويش باعتدال ، لا يوغل في الغموض ، لحرصه على الالتصاق بأفهام الجماهير التي يكتب لها ، ولحرصه أيضا على الإفلات من الرقابة السياسية الإسرائيلية .. وهذه هي المعادلة الصعبة التي عاناها الشاعر طويلا ، ونجح في تحقيقها . فكيف حقق ذلك ؟ بدأنا نجد حوارا بين طرفين في القصيدة .. فإذا صعب على القارئ رمز ساقه الشاعر ، وجدنا الصوت الآخر في القصيدة يوضحه في الحوار الدائر بينهما .. ولقد أدى به هذا الحوار إلى ما يعرف بالتداعي الحر غير المفتعل .. فالفكرة تجلب ما بعدها وتهيء لما يليها ، وهكذا حتى تتجسد الصورة الشعرية كاملة ، ويخرج المتلقي من نطاق التأويل والتفير الخاطئ لبعض التركيبات الشعرية المرموزة .. وفي هذه الأبيات نموذج حي لهذا التطوير الشعري لديه :
حجر كنعاني في البحر الميت ،
لا بات يفتح أمامي البحر
قلت : قصيدتي
حجر يطير إلى أبي خجلا . أتعلم يا أبي
ما حل بي ؟ لا باب يغلقه على البحر ، لا
مرآة أكسرها لينتشر الطريق حصي .. امامي
أو زبد ..
هل من أحد




------------------
<FONT COLOR="Green">اقرأ ان شئت هذه الموضوعات :[/COLOR]
ماذا تعرف عن هؤلاء؟ (http://www.arabiyat.com/ash3ar/qwho.htm)
ملف الامسيات الشعرية (http://www.arabiyat.com/ubb/Forum6/HTML/003152.html)
ملف المحاضرات (http://www.arabiyat.com/ubb/Forum6/HTML/003913.html)
قـ(1)ـراءات (http://www.arabiyat.com/ubb/Forum6/HTML/003273.html) قـ(2)ـراءات (http://www.arabiyat.com/ubb/Forum6/HTML/003915.html) قـ(3)ـراءات (http://www.arabiyat.com/ubb/Forum6/HTML/004073.html) قـ(4)ـرات (http://www.arabiyat.com/ubb/Forum6/HTML/004232.html)
ابداعات قصصية (http://www.arabiyat.com/ubb/Forum6/HTML/004101.html)
قضية ثقافية (http://www.arabiyat.com/ubb/Forum6/HTML/004100.html)
ملف التجارة الالكترونية (http://www.arabiyat.com/ubb/Forum4/HTML/001290.html)

أبو بسام
07-06-2001, 04:35 PM
مساءلات فكرية
محمود درويش وفخ الثقافة

د. عبدالسلام المسدي

==================

في النفس منطقة على غاية من الخفاء والدقة من العسير أن يسلم الإنسان من ورطتها ومن الأعسر أن يبوح بها أو يكاشف، ولكن الذي لا مطمح فيه هو أن يجرؤ المرء على أن يتحدث بها للآخرين ولاسيما إذا وقعوا تحت طائلة سحرها أو انخذلوا تحت تأثير فتنتها، فإذا فعل كابروا وجادلوا ورجموا من فعل برجم المقاصد وأفخاخ النوايا.في النفس منطقة آية في الرهافة لا يهذب من محاذيرها إلا الاقتدار الثقافي المدعوم بعقلانية المواقف حين تتلطف منازع الفطرة فيرتفع الخجل المتسرب من منافذ الطيبة المثالية.. والعجيب العجيب ان المعرفة والعلم والتعمق في تحليل الأشياء لا تحمينا من ورطة اللحظة الهيفاء، لأن الأمر متعلق بموقف سلوكي وبمواجهة اجرائية، وهاذان لا يسد رمقهما إلا شيء من صلابة العود وقوة الشخصية.. لذلك ترى ان الذين يقعون قنصاً شهياً لهذه اللحظة المربكة ليسوا في الأغلب بسطاء الناس وعامتهم، وإنما هم المثقفون الموسومون بالنخبة النيّرة في وطنهم أو خارج وطنهم.من غرائب النفس أن حواراً ذاتياً صامتاً ينبعث داخلها في أشد لحظات الاحراج: خلال هذا المونولوج سيسمع المثقف من نفسه صوتاً مغموراً يهاتفه ويقول له ان النفس لأمارة فلا تلعنها، والذين جاؤوك ليحتفوا بك وهم من معسكر العدو لابد أنهم جاؤوا يحتفون بقضيتك لأنك رمز ولا يعقل أن يكونوا قد فكروا في استلالك من قضيتك أو استلاب قضيتك منك.وتظل النفس الأمّارة بما هي أمارة به تقول وتكرر: لا يستطيع أحد تحييدك حيال قضيتك فمد يدك بسخاء ولتتعاون.. فما كان صاحبنا شاعراً فإن لصوت المونولوج على نفسه وقعا ليس كوقع أحاديث النفس على الآخرين لأن الشاعر خلق للنجوى: يأتيها وتأتيه.. وإذا بالمثقف تحت وقع النشوة يتململ فوق مواقعه فتتراءى له الحقيقة وقد ازدانت بحلى جديدة عليها مسحة من طلاء برّاق.يحصل هذا أمامك بتواتر مذهل فتأخذك حيرة الحائرين لأنك في جل الحالات تكون على اعتقاد يقيني بطيب السريرة في مبتدئها: قبل الموقف، وعند الموقف، ولست واثقاً بما سيؤول إليه الأمر بعد الموقف.والغريب الغريب أنك لا تصادف في سوق المزايدة العلنية الشاعر الرومانسي وحده ، وإنما ترى المثقف والعالم ورجل الفكر والباحث الأكاديمي، ترى الواحد منهم متخذاً مواقفه في ثبات واعتداء وفي شموخ كذلك ثم تراه وقد جاءته جهة من الجهات الأجنبية تتصل به ثم تفاوضه مستميلة إياه لحوار صحفي أو لحديث تلفزيوني أو لاسهام فكري ضمن ندوة أو مؤتمر، وقد تكون جامعة من الجامعات أو مركزاً للأبحاث حتى يشترك في عمل جماعي أو في تحرير فصول إحدى الموسوعات.ومن شدة الفتنة وسطوة الاستدراج أن الآخرين إذ يتصلون بالنخبة الفكرية العربية فإنهم يعرفون سلفاً أبرز نقاط ضعفها، وهذا الأبرز هو عصارة من وهم النرجسية تتغلف بغلاف الانتصار للقضايا الأمهات وتدفع إلى الانخراط في لعبة الإعلام ولاسيما إذا غازلنا فرسانه تحت برقع الاعتراف للفرد بعبقريته.. لذلك يعمد المغازلون إلى العزف على أوتار اللين حتى تسترخي بعد انشداد فتجنح إلى المهادنة ولو استفسرناها لاتكأت على حجة ترتيب الأولويات بحسب اشراط المرحلة، ولاستندت على بلاغة الكر والفر، وعلى فصاحة اثبات الوجود في زمن نكران الوجود.هكذا تتفتح النفس عن شقوقها فتلين مراهمها في تدرج إلى أن تغتمر بسحر الأمل فتتحرك لتقترب ولتحاذي ثم تتلطف، فالآخر يتحرك نحوها بخطى الاسترخاء وهي تندفع إليه بحافز الارضاء، وفي كل خطوة تخطوها لا تقيس ميلانها بما تراكم من المسافات المجموعة بين الخُطى، بل تكتفي دوماً بقياس حركة الواحدة التي خطتها في توّها.يلين العود وتترطب قناته حتى يتهبهب والعشم يراوده عن نفسه وعن نفس صاحبه فإذا العريكة قد صارت هفاً، وإذا المستمسك قد أمسى يهابذ نحو خيلاء السراب متأبقاً يستتر ثم مجاهراً يتحدى.هكذا تهتز القامات الكبرى تحت وقع الفلول الصغرى، والمرير المرير أنك في جل الأحيان تكاد تقسم باليمين الغليظة بأن السريرة واحدة، والفطرة واحدة، وكذا المقاصد والمرامي. غير أن الناس ينسون أن حال صاحب القضية مع قضيته كحال من يستقبل قبلة: عندما تكون قريبة منه لا يضرّه وهو يولي إليها وجهه أن يعتدل ذات اليمين أو ذات الشمال فيميل بمقدار درجة أو درجتين على مقاس الزاوية الهندسية لأنها تبقى على مرمى يده كأنها في قبضته، ودعاؤه صحيح سالم مستجاب، فإن تكن بعيدة عنه وهو ينحو نحوها مصوباً إليها نبال الغوث وأقناص الرماية على مسافات نائىة فإنه إذا مال عشرا واحداً من أعشار الدرجة على الزاوية الهندسية لم يصل صوته ولا نبله ولا رمحه إلا إلى مواضع بينها وبين موقع قضيته التي هي قبلته عشرات الأميال.بين القرائن المستخرجة من سياق الحال ومن أحداث المقام والقرائن المستنبطة من بنية الخطاب سنحاول أن نتسلل مرة أخرى إلى مأزق القصيدة عند محمود درويش متسائلين إن كان الاهتزاز اهتزازاً في الشعر أم اهتزازاً في الموقف أم أنه من ذاك الذي يحدث لعشرات المثقفين العرب بمن فيهم رموزهم الكبار أحياناً عندما يتسلل إليهم الأمل الخادع تحت إغراء المكر الإعلامي الفتّان.. أما منجمنا الذي سنحفر بين طبقاته فمتكون من جملة أشياء مرتبطة بجملة وقائع ولابد من حضورها على رزنامة الذهن لأنها هي "الأجندة" الشارحة المفسرة في غيرما تأوّل أو إغاظة..الأول: في شهر أكتوبر 1997م ثم تصوير شريط وثائقي مع محمود درويش لحساب القناة الفرنسية الثالثة.الثاني: في شهر مارس 1998م حلت بالشاعر الأزمة القلبية التي تم انقاذه منها في باريس.الثالث: في 1أفريل 1998م تم بث الشريط على الفضائية الفرنسية الثالثة.الرابع: في 5جوان 1998م نشرت (ها آرتس) الإسرائيلية حواراً بالعبرية أجرته مع محمود درويش.الخامس: في نفس اليوم كان الشريط يعرض في إسرائىل.السادس: في 28من الشهر ذاته جوان 1998م نشرت أخبار الأدب ترجمة للحوار.فإلى ماذا ستوصلنا القراءة القرائنية من داخل الخطاب ومن خارجه بناء على الاستكشاف السيميائي مع كل ما سلف لدينا من مكوّنات أخرى للمشهد الدرويشي على عمومه وعلى خصوصه؟تم إنتاج الشريط ضمن ما يعرف في الفضائية الفرنسية الثالثة بسلسلة "260) وكان عدده 157، وأنتجته سيمون بيتون Simone Bitton بالتعاون مع إلياس سنبار ِElias Sanbar وسنعرف من أخبار الأدب ما هي علاقة الشاعر بمنتجة الشريط وكان عنوانه بالتدقيق "محمود درويش والأرض، كما اللغة.." وسنرى أيضاً كيف تضيع نكهة العنوان في النص العبري على حد أمانة الترجمة العربية لذاك النص على أن المنتج يدقق بأن التسجيل قد تم في عمّان.سنستعرض أهم النتوءات التي قام عليها معمار الشريط والتي تهمنا على وجه التخصيص بحكم سياق الحال وسنفترض أن محمود درويش الذي يصرح داخل الشريط بأنه لا يعرف الفرنسية اطلاقاً وبأنه يفضل العيش في باريس لأنه يعيش في استقلال تام عن الآخرين من حوله بفضل جهله للفرنسية لم يكن طرفاً في توظيب الشريط، ولم يتم استفتاؤه، في تركيب مشاهده، ولا استشارته في ترجمة بعض نصوصه بعد اختياره هي بالذات دون غيرها، وهذا الافتراض يتضمن تبرئة نسبية لأنه إن صح فسيحمل شاعرنا فقط عبء مسؤولية الغفلة عن تقديم شروطه، وإن لم يصح فالقضية تمسي أعمق وأوجع.ولابد من الإشارة إلى ناحية فنية في صناعة الانتاج السينمائي وهي أن المخرجة قد تحرت في الابقاء على صوت محمود درويش كاملاً عندما يتكلم محاوراً وعندما ينشد أشعاره، فكانت تراوح زمنياً بين صوته وصوت المترجم لكلامه حتى وإن زاوجت في بعض البرهات وتعمدت اخفات صوته نسبياً، فما هي إلا كرة أو كرتان من المعاودة حتى تستوي عناصر الجملة المنطوقة.. وحيث ان هدفنا المخصوص هنا هو الكشف عن المخبوء الثقافي أكثر من البحث النقدي الكاشف لابداعية النص الشعري فإننا سنمسك عن عرض مشاهد الشريط بالمنهج التأليفي، وسنتحاشى تقريب الشوارد بعضها من بعض، لأن ذلك سيفسد علينا اقحام القارئ في مسؤولية الاستنباط الشارح لخبايا الخطاب والمُعرّب للمسكوت عنه. وقد يكون سابقاً لأوانه أن نبادر بحماية القارئ من مخاطر حسن الظن، فبعيد أن يكون ذلك ثمرة الموضوعية إنما هو لتحقيق الرسالة بعد اسماع الصوت حتى لا يندهش كثيراً من يتابع النص الفرنسي فيتيقظ حسه ويراوده الشك، والذين لا يعرفون العربية سيطمئنون إلى النص بمجرد أن صداه الأصلي بالعربية حاضر.يبدأ الشريط بتقديم بعض الأحكام تساق على أنها الحقائق التي حدقها في ذاتها، وصدقها مسلم به بمجرد ذكرها وإيرادها، بينما هي تتضمن تقويماً معيارياً ليس من الحتمي أن تكون تامة الصدق، وما كان منها صادقاً فليس بريئاً إيراده وانتخابه، يقول الفيلم:"استطاع أن يحوّل مأساته الخاصة إلى قضية إنسانية" كلام جميل بل يغري، وأخشى أن يكون محمود درويش قد طرب له إن تُرجم له بالعربية أو حين تابعه في النص العبري. إنه كلام على غاية من المكر، والسبب يكاد أن يكون واضحاً رغم احتجابه، فالمأساة ليست خاصة ،وإنما هي مأساة شعب، فهي جماعية، وتحويلها ليس إلى "قضية إنسانية" فهذا من الإغداق المراوغ، والإنصاف أن نقول "إلى قضية وطنية فقومية".. ثم يعطف الشريط مباشرة بعد ذلك بالقول: "دواوينه مترجمة إلى العالم كله"، وهذا هو المرهم الذي يلين المفاصل ويلطف من وخز النتوءات لأنه سيرسخ في النفوس أن الشريط لا يبخل بالحقائق المنعشة بل سيوحي بأن فيه انحيازاً إلى الشاعر وتعاطفاً مع مضامينه ورسالته.ثم يأتي تقرير آخر لا يقل عن سابقه إغراءً: "إن الشعر هو حياته وإن تجربته لشديدة الارتباط بعذابات القرن" وهذا إمعان في الالهاء لأن الارتقاء بالذات الفردية إلى المنزلية الإنسانية الكونية ما هو إلا جسر يمتطيه الخطاب كي ننسى جوهر القضية التي هي الكبرى عندنا وعند الشاعر، والمخرجة تريد أن تغمرها تحت سقف قضية انسانية حتى تكون هذه هي الكبرى وقضية الشاعر هي الصغرى.وفي الخطاب مسكوتٌ عنه آخر، لا يستوجب اخراجه علماً كبيراً بالتأويل، في قلب "عذابات القرن" حسب سياق الارسال وسياق التلقي ما تريد المخرجة أن تضمنه مع غيره، أو قبل غيره، أو ربما فوق غيره، ألا وهو "المحرقة" كما يلذ للايديولوجية الصهيونية أن ترسخه بشراسة تكاد أن تفوق الشراسة النازية.وبين كرّ وفرّ كأنما نحن بين جذب وإرخاء يأتينا الشريط بشهادة نعرفها الآن لأن شاعرنا سيكرسها بعد زمن التسجيل هذا الذي هو شهر أكتوبر 1997م، وسيعزف كثيراً على أوتارها بعد أن يخرج معافى من محنته القلبية: "الشعر لعبة خطرة جداً لأنها قد تدفع بالناس إلى التعويض عن الغياب، وهذا يحدث لي شخصياً، فأحياناً أشعر باستراحة خطرة كأن الذي كتبته قد أخرج العذاب من داخلي، أي حرّرني". وهنا نلج مع محمود درويش إلى المأزق الآثم، فمركزية الذات أمر متاح للشاعر بل مشروع وحتمي، ولكن الشاعر الناطق باسم القضية هو أول من يتوجب عليه أن يعيَ بأنه يكتب الشعر لغيره لا لنفسه، وغير ذي جدوى أن تفتر همته أو ترتخي أوتار عوده ما دام نصه ينبعث جديداً على لسان كل سامع له وكل قارئ مهما امتد الزمن ونأت مسافة المكان. ولولا أن الأمر على هذه الحقيقة لما أدلى شاعرنا بدلوه مؤبنا نعي الصبي.ولا تبخل المخرجة بمشهد رشيق: شاعرنا في عاصمة الأنوار وسط قلعة الأوبيرا يتلقى الوسام ويصاحب الصورة تعليق جميل: أن محمود درويش، قد أدرك العالمية وان شعره مترجم إلى عشرين لغة.. وهو كلام أمين يحقق للمخرجة مصداقية الشريط باسم الفضائية الفرنسية، وهذا من أخلاقيات المهنة في احترام الجمهور، كما يوفر التخليل الملائم كي يتكثف الاحساس بموضوعية الانجاز وبراءة نصه.وفجأة يأتي المشهد الماكر، ومكره في إيراده وفي تلبيسه وفي تطويقه لأنه قد فاض من كأس الغفلة في واحدة من تلك اللحظات التي ينسى فيها شاعرنا تحت أضواء الكاميرا الساطعة انه شاعر القضية، وان نرجسيته مرهونة بحدود صفته الأخرى وهي أنه كائن سياسي غصباً منه أو بلا غصب:"عندي مشكلة أريد أن اعترف بها، لم أعترف إلى حد الآن بأني مهزوم، ربما الوهم الإبداعي زوّدني بأسلحة جعلتني أتجاوز الهزيمة السياسية، وربما أنا لا أريد أن أرى الهزيمة، وربما لا مناص للابداع من حمل أثقال الهزيمة".هو الكلام الذي سمعه على الفطرة فتغفو معه غفواً لأن الفطرة تجعل العين تعشى عشاً فتتخدر بصيرة زرقاء اليمامة فضلاً عن بصائر الأخريات، ولكن أي قارئ لو نزع عن ناظره غشاوة الفطري الغر وأعاد قراءة النص حرفاً حرفاً ثم نزّله في سياقه وهو سياق شريط تنتجه سيمون بيتون لفائدة جهاز يستبد به أشرس اللوبيات ويقدم إلى المشاهدين الغربيين منقولاً إلى لغاتهم، وكذلك يُعرض في قاعات إسرائىل منقولاً إلى اللغة العبرية فيلتحق ذلك القارئ بنا في ورشة تفكيك الخطاب بحثاً عن مكره المسكوت عنه.لنا ولك أيها القارئ عودة أخرى إلى محمود.

------------------
<FONT COLOR="Green">اقرأ ان شئت هذه الموضوعات :[/COLOR]
ماذا تعرف عن هؤلاء؟ (http://www.arabiyat.com/ash3ar/qwho.htm)
ملف الامسيات الشعرية (http://www.arabiyat.com/ubb/Forum6/HTML/003152.html)
ملف المحاضرات (http://www.arabiyat.com/ubb/Forum6/HTML/003913.html)
قـ(1)ـراءات (http://www.arabiyat.com/ubb/Forum6/HTML/003273.html) قـ(2)ـراءات (http://www.arabiyat.com/ubb/Forum6/HTML/003915.html) قـ(3)ـراءات (http://www.arabiyat.com/ubb/Forum6/HTML/004073.html) قـ(4)ـرات (http://www.arabiyat.com/ubb/Forum6/HTML/004232.html)
ابداعات قصصية (http://www.arabiyat.com/ubb/Forum6/HTML/004101.html)
قضية ثقافية (http://www.arabiyat.com/ubb/Forum6/HTML/004100.html)
ملف التجارة الالكترونية (http://www.arabiyat.com/ubb/Forum4/HTML/001290.html)

أبو بسام
16-08-2001, 04:41 AM
بنية القصيدة وظاهرة الغموض في شعر درويش

كتاب نقدي يتناول تطور التجربة الشعرية عند الشاعر قبل وبعد خروجه من فلسطين



يتناول د. ناصر علي في كتابه الصادر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر مؤخراً موضوع بنية القصيدة في شعر محمود درويش في مدة تقارب الأربعة عقود، منذ ديوانه الأول «أوراق الزيتون» الذي صدر عام 1962، وحتى ديوانه الأخير «سرير الغريبة» الذي صدر عام 1999.
وهو يرى بداية أن الشاعر أخذ يطور بنية القصيدة وفق وتيرة متصاعدة تجدد أدواتها دائماً، فهو لا يستقر على حال، فالحداثة في شعره ليست ثابتة وانما لكل مرحلة حداثتها النوعية، وهو استطاع أن يحقق التوازن الصعب بين جماليات الفن والواقع الذي يكابده.
تستوقف الكاتب في البداية ظاهرة الغموض في تركيبة درويش الشعرية، وخصوصاً في ديوانه الأخير «سرير الغريبة»، فهو ومنذ ديوانه (محاولة رقم 7) أخذ ينحت لنفسه لغة خاصة من حيث التراكيب، لغة مكثفة محملة بالرموز والاساطير، كما في قصيدته «حجر كنعاني في البحر الميت»، لكن لغته تتحول الى مجموعة من التعابير والصور غير المفهومة.
ويخلص الباحث الى أن لغة درويش بعد خروجه من فلسطين تحولت من لغة الانفعال والعاطفة التي اتسمت بالبساطة والوضوح الى لغة الحلم والتعقيد ذات الطبيعة الجدلية والتحليلية، فقد اصيب طموحه بصدمة شديدة بعد أن تعرف على حقيقة الأوضاع في الوطن العربي، فتحول الى الحلم عله يعينه على الصمود، وقد عبر عن ذلك بقوله: «يا أيها الوطن المكرر في الأغاني والمذابح.. كيف تتحول الى حلم وتسرق الدهشة وتتركني حجراً.. لعلك أجمل في صيرورتك حلماً.. لعلك أجمل». ومع اقترابه من الواقع وانتمائه الى الحلم أخذ معجمه اللغوي يختار لغة جديدة، تناسب الحلم وتعبر عن الاغتراب، وبرزت تحت تأثير هذا الصراع بين الحقيقة والواقع لغة جديدة هي لغة التضاد والمتناقضات التي تمثل هذا الصراع.
ويشير الباحث الى أن لغة الحلم تفضي الى الترميز، وقد بالغ درويش أحياناً في هذا الترميز، مما زاد درجة الغموض في بعض قصائده، كما في قصيدته «الخروج من ساحل المتوسط»: هنا الخروج هنا الدخول هنا الذهاب هنا الاياب ولا مكان هنا أنا الزمن الذي لن تفهموني خارج الزمن الذي القى بكم في الكهف وهنا يلاحظ الكاتب انتقال درويش من التقنية البسيطة الى التقنية المركبة، مما أدى الى تعقيد المعاني التي تحملها المفردات، فمعجمه الذي اعتاده في الستينات تغير جذرياً، وبعد أن كانت الكلمات شفافة قريبة المعنى أصبحت مكثفة ومحملة بدلالات تاريخية اسطورية.
وقد أخذ الشاعر، كما يقول المؤلف، يندفع أحياناً للعب بألفاظ اللغة، بحيث يصل الى حد التصرف بالشعر القديم حين يتمثله في النص: «لها ابطا ظبي وساق نعامة وجناح شحرور وومضة شمعدان». وقد يحرف الكلمات عن مواضعها ويتلاعب بالاستعارات المعروفة: «فتنة أو محنة». كما يتلاعب بالكلمات والضمائر: «تاريخنا تاريخهم، نهاياتهم بدايتنا»، أو «بلادنا هي ان تكون بلادنا، وبلادنا هي أن تكون بلادها»، أو «احتاج ما يجب.. يجب الذي يجب».. وهكذا يتحول اللعب بالألفاظ الى نوع من اللامبالاة والعبث، فيوصف الشيء بضده (السؤال جواب)، ويوصف الشيء بذاته (الرمل رمل) أو (الليالي كلها ليل) أو (الجحيم هو الجحيم)، أو يكون على شكل تشظية للكلام وبعثرة للجمل مثل: بيروت فراشة بحرية، نرجسية الرخام، بيروت من تعب ومن ذهب.. من فضة».
وحسب الدراسة تكثر في جملة درويش ظاهرة الحذف، فيقول: نعرف الأن جميع الأمكنة نقتفي آثار موتانا ولا نسمعهم ونزيح الأزمنة عن سرير الليلة الأولى وآه وكذلك ظاهرة الاختزال كما في قوله: نيرون ماتَ..
ولم تمت روما بعينيها تقاتل ويحفل شعر دوريش بالأشياء المتنافرة وغير المتجانسة بعضها الى بعض. يقول في قصيدة احمد الزعتر: كم أمشي الى لغتي فتسبقني الخناجر آه من حلمي ومن روما فقد جمع بين الحلم وبين روما رغم ما بينهما من عدم تجانس: الحلم ذهني وروما مدينة تاريخية.
ويقول في قصيدة الرمل: انه الرمل مساحات من الأفكار والمرأة فما الذي يجمع بين الأفكار والمرأة هنا؟ وينتقل المؤلف الى ناحية أخرى، فيلاحظ أن التدوير في شعر درويش لم يعد ظاهرة جزئية في بعض جوانب القصيدة، وانما نراه يمتد ليشمل جميع القصيدة لتصبح كل أطرافها دائرية، تندمج الأسطر فتصبح القصيدة وحدة موسيقية متكاملة، وتعتبر قصيدة «تلك صورتها وهذا انتحار العاشق» أفضل مثلا على هذه الدائرية المتكاملة، فهي قصيدة طويلة تتألف من 482 سطراً بين طويل وقصير، هذا ان جاز اعتبارها سطوراً، لأنها في حركتها الخارجية تندغم ببعضها في أغلب المواضع، بسبب تحريك القوافي المستمر.
وقد ظهرت القصيدة المدورة أيضاً في ديواني درويش الأخيرين: «لماذا تركت الحصان وحيداً» و«سرير الغريبة». فمعظم قصائد الديوانين تتألف من مقاطع، كل مقطع عبارة عن جملة شعرية، تتعانق فيها الأسطر وينهيها بنقطة.
وتتكامل هذه الجمل الشعرية وتترابط بالتكرار حيناً، وبالفراغات البيضاء حيناً آخر لتعبر عن الفكرة التي يريدها. وقد أفاده هذا الاسلوب في ديوانه «لماذا تركت الحصان وحيداً»، فالقصائد تبدو وكأنها قصيدة واحدة وان اختلفت العناوين.
وهكذا يمكن تلخيص مراحل بنية القصيدة لدى درويش كما يلي: مرحلة ما قبل الخروج من الوطن. وهي بداية مشروعه الشعري، حين كانت قصيدته غنائية أحادية الصوت، قلد فيها من سبقه من الشعراء مثل عبد الكريم الكرمي (أبو سلمى) ونزار قباني. وكانت قصيدة ملتزمة بالقضية الوطنية، همها ان تصل الناس، وتنمي لديهم الوعي بالواقع الذي يعيشونه.
ثم كانت مرحلة ما بعد الخروج من الوطن والاقامة في المنفى، حين عاش الشاعر تناقضات الواقع العربي، واستطاع بمهارته الفنية ان يعبر عن هذا الواقع بجماليات فنية، وظّف فيها عناصر أدبية جديدة مثل السرد والحوار والسؤال المستمر. وتعددت الموضوعات في القصيدة الواحدة المتكاملة. وازداد عمق الوعي عند درويش فأخذ يقدم التجربة الفلسطينية ضمن معان انسانية، استمدها من تاريخ الانسان في صراعه المستمر مع الحياة، كما ظهر ذلك في قصائد عديدة له، أهمها «مديح الظل العالي»، و«حجر كنعاني في البحر الميت» و«مأساة النرجس.. ملهاة الفضة».
ثم تحولت قصيدته الى تأملات فردية وانسانية في مرحلة لاحقه، وبدأت هذه المرحلة بقصيدته «لماذا تركت الحصان وحيدا»، فهو يعبر فيها عن الذات الفردية والجمعية من خلال الظروف التي تعيشها الذات بعد هزيمتها في بيروت، وخروجها الى المنافي، والمخاوف التي تنتاب الجماعة على مستقبلها.
أما ديوانه «سرير الغريبة» فهو تأمل في الذات الفردية من الطفولة حتى الكهولة، واستمر هذا النهج في قصيدته «جدارية محمود درويش»، فهي عبارة عن تأملات تراءت له في الحلم أثناء ذهابه في غيبوبة بعد عملية القلب المفتوح التي أجريت له.
وقد خلص البحث الى أن لدى درويش قدرة هائلة على ابداع أنماط متطورة من دلالات الألفاظ عن طريق الانحراف بها عن معانيها المباشرة، اذ يصعب التعرف على معاني الألفاظ عنده من خلال معرفة معجمية بدون الاعتماد على السياق الذي تجيء فيه اللفظة وضمن البناء الكلي للقصيدة.
أما من حيث الصور، فاذا كانت الصورة بسيطة في بداية مشروعه الشعري، فان تشكيل الصورة في المراحل اللاحقة أخذ يبتعد عن المباشرة، وأخذت الصورة تشمل رموزاً وعلاقات جديدة ضمن الاطار الكلي للنص.
ومن حيث الايقاع فقد التزمت قصائد درويش الأولى البحر الشعري، لكنه أخذ يبحث عن أشكال جديدة، فاختفى البحر الشعري لتحلّ محله التفعيلة العروضية. ثم تنوعت موضوعاته في القصيدة الواحدة وظهر عنده السطر الشعري، ثم البيت الشعري الذي يحوي عدداً غير محدود من التفعيلات، لا تنتهي الا بانتهاء المعنى.

sunsecrete_dreams
22-05-2005, 09:20 AM
قال لي أحدهم عندما تناقشنا عن الأعضاء المميزين في عربيات والذين كان لهم اسهاماتهم وبصمتهم المميزة .. وكنت قد استشهدت بأبو بسام .. فلم يلق أسم ابو بسام رضى وهوى عند محدثي لذا جئت لكم بمقال واحد لأبو بسام فقط لأحيي بعضا من اسهاماته الرائعة في المنتدى ..

وسأقوم بنبش الغبار عن كل اسهاماته بالتتابع فيما بعد ..

لله درك يا أبا بسام ...

ولي عودة ...

أبو بسام
15-08-2005, 11:23 PM
شكرا لك اخي سنسكريت دريمز
على ماحملتني به من اطراء اتمنى ان اكون استحقه
لك حبي

أبو بسام
15-08-2005, 11:25 PM
قراءة : محمّد الأحمد (كاتب عراقي)
المصدر : مجلة أفق


يبقى الشاعر أبد الدهر شاهداً خالداً على عصره، ووثيقةً لزمنه، بكل ما امتلك من رؤية وإبداع، ويبقى اسمهُ اسماً لجيله، وعبقريتهُ جداريّتهُ الشاخصة التي يشيخ عندها الزمن، ولا تشيخ، ولن يستطيع أن يبليها الغبار أو أن يغير ملامحها أي مغير لا في المدّ ولا في الجزر. يكتب التاريخ وملاحمه وخلاصة نتائج ما تمخضت أحداث رآها بعينه، فيرويها بحساسيته المفرطة، مطلاًّ من وهاد النسيان، يبقى أبداً عابراً كل الأزمان، وحاضراً في كلّ الأمكنة، يروي روايته، وتستلهمها العبر...

فالشعر عند الشاعر المجيد وجه التاريخ الذي لم يحجبه أي حاجب مهما كان متسلطاً، فيقول (محمود درويش) ما لا يُقال ضمن ما يمكن قوله، لغتهُ حصيفة متصاعدة بوتيرة واحدة بموسيقى عذبة تُسْكر متلقيها، مشحونة المعاني بصور متتابعة تخترقه بأذكى السبل حدَّ الانتشاء، تبقى صورتهُ بصوتها الجهور، معانيها تومض كلما مرت عليها عين، لتقول خطابها المتوالي بإيقاع ٍ متواصل الشفافية. مطلا من علياء الخلود ليحدثه ببلاغة شاعر ينسج قصيدته الطويلة، المواجهة، فهو يواجه الموروث، ويحاجج نتائجه، ويمضي بخطى ثابته، كشاعر عملاق أدرك أداته جيداً، فبات يعرف إلى أين سيصل المعنى، لأن قصيدة الحياة أكسبتهُ حكمتها، وعلمته كيف يستدرك ما يريد استدراكه (أيها الموت انتظرني خارج الأرض، انتظرني في بلادك، ريثما أُنهي حديثاً عابراً معَ ما تبقى من حياتي قرب خيمتك، انتظرني ريثما أنهي قراءة "طرفة بن العبد". يُغريني الوجوديون باستنزافٍ كلُّ هنيئةٍ، حريةً، وعدالةً، ونبيذَ آلهةٍ؛ فياموتُ انتظرني ريثما أنهي تدابير الجنازة في الربيع الهشّ، حيثُ سأمنع الخطباء من تكرار ما قالوا عن البلد الحزين- ص 49)، فتكشف عن معان كانت مخبأة وراء الشاعر، وصور جزلة بها ما أراد من تصوير، (أنا لستُ مني إن أتيتُ ولم أصل، أنا لستُ مني إن نطقتُ ولم أقل، أنا من تقولُ له الحروف الغامضات: اكتبْ تَكُنْ، وأقرأ تجد، وإذا أردت القْولَ فافعلْ، يتحد ضداك في المعنى، وباطنك الشفيف هو القصيدُ – ص25)، فالجدارية مصطلحاً على الدوام لمسيرة اسم لمكان معلوم، لتروي ما جرى، وملاحم ما تعاني الإنسانية من ويلات، وكل مسكوت عنه، على السواء في قصص المجد، أو الكوارث، فثمة بطولات تكشفها بطولة الشاعر المدون بضميره كل نسيان، والشاعر هو النحات القدير الذي يحكي بها حكايته لتتحدى الغمر والطمر وعوامل التعرية، قال ريلكه) إن الموت أشبه ما يكون بثمرة تنمو وتنضج داخل كل إنسان منذ البداية، وليس حدثاً يصيب الإنسان من خارجه وينهي وجوده)، فالشاعر (محمود درويش) وضعنا أمام مفتتح مُبْهِر )هذا هو اسمك؛ قالت امرأةٌ، وغابتْ في المَمَرِّ اللولبيِّ- ص9)، كون أغلب صفحات التاريخ، وأغلظها سمكاً، يكتبها الرجل، وتقرّ بها صنوته؛ صفحات متتابعة أصبحت خلاصة عقل بدأ من حيث ما انتهى كجسد، مستشرفاً المصير، كفكر، وما سيؤول إليه ما بعد الموت وفق مقايس الموروث القدسي الذي نهل منه طوال رحلته مع حياة الجسد، منتقلا في الأثير اللامتناهي (أَعلى من الأغوار كانت حكمتي؛ إذ قلتُ للشيطان: لا تَمْتَحِنِّي!، لا تضعني في الثُنائيّات، واتركني كما أنا زاهداً برواية العهد القديم، وصاعداً نحو السماء، هناكَ مملكتي، خُذِ التاريخَ، يا أبنَ أبي، وخُذِ التاريخَ، واصنعْ بالغرائز ما تريدُ - 43). يسردُ شعره الحكاية، وكأنه يقف عند حافة التحولات، ويبقى مطلاً كشاعر يحمل أسئلته الأرضية التي طالما أرقتهُ، وما تركت الحروب بمجملها وخاصة الكونية الكبرى منها، أثرا عظيما على الآراء السياسية والفلسفية وجعلته يتباين في الكثير من حساسيته ما بين خلاصات الفلسفة التاريخانية، ونتائج الفلسفة السياسية، (رأيت" ريني شار" يجلس مع "هيدغر"، على بعد مترين منيَّ، رأيتهما يشربان النبيذ، ولا يبحثان عن الشعر.. كان الحوار شعاعاً، وكان غدٌ عابرٌ ينتظر. رأيتُ المعري يطرد نقادهُ من قصيدته: لستُ أعمى لأبصر ما تبصرون، فإنَّ البصيرة نورٌ يؤدِّي إلى عدمٍ أو جنونْ- ص 32) محاولاً التفريق بين التاريخ الذي هو تتابع الحوادث وبين )الانطولوجيا) التي تتناول الأسس الثابتة لتركيب العقل والإنسان والتي اعتبرها (هيدغر) فوق التاريخ والزمان، لأن وجه التاريخ الحقيقي متغير باستمرار من عصرٍ إلى عصرٍ ومن شعبٍ إلى آخر. وأسس (الانطولوجيا) ثابتة؛ كونها تتناول الكينونة الفردية وأبعاد الكائن الأصيلة والثابتة. (فلم يظهرْ ملاكٌ واحدٌ ليقول لي: ماذا فعلت في الدنيا؟ ولم أسمع هُتافَ الطيّبينَ، ولا أنينَ الخاطئينَ، أنا وحيدٌ في البياض، أَنا وحيدُ - ص10(، التطلع هنا يبرز من خلال توجيه الرؤية نحو الاتساع في الوعي التاريخي، باعتبار البحث عن دور الفعل الثقافي في صناعة التاريخ. (سأصير يوما ما أريد، سأصير فكرة. لا سيف يحملها إلى الأرض اليباب، ولا كتاب - ص 12) ولا يتوقف الأمر عند تحديد هذه العلاقة بل يتخطاه نحو البحث في دالة التفاعل، مع الفاعل الثقافي بوصفه مكافئاً للفاعل السياسي والاقتصادي في تصنيع وتهذيب وتشذيب الظاهرة الإمبريالية؛ (وأنا الغريب بكُلّ ما أوتيتُ من لغتي، ولو أخضعتُ عاطفتي بحرف الضاد، تخضعني بحرف الياء عاطفتي، وللكلمات وهي بعيدةٌ أرضٌٌ تجاورُ كوكبا أعلى، وللكلمات وهْيَ قريبةٌ منفى، ولا يكفي الكتابُ لكي أقول وجدت نفسي حاضراً مِلْءَ الغياب، وكلما فتشت عن نفسي وجدت الآخرين، وكلما فتشتُ عنهمْ لم أجد فيهم سوى نفسي الغريبة، هل أنا الفردُ الحُشُودُ؟ - ص 22)، وجاءت الكتابة بلغة مموسقة، تتحدى الذهن، تحفر فيه حتى تبقى كونها من داخل الذات بكل تفاصيلها، حتى لتبدو الكتابة دائما، وهي تتماهى مع السيرة الحياتية، لدرجة لا تعرف معها، متى تبدأ ومتى تنتهي، ولا يمكن فصل الشعر أو الكتابة عن المعيش، فالمثقف هو من يرى وتخترق نظرته الأبعاد، والثقافة كما عرفناها ودرسنا مفرداتها هي اختزال كل ما يمكن أن يستشرف من الزمن، وتتسع كل الرؤى، وما تكون دونها من حقائق، المثقف الحقيقي هو من يتطلع إلى مستقبل زاهر، ويتطلع إلى كل معرفة، ليعرف كل ما حوله، وهو من يمد يّد العون لكلّ نظيرٍ مكتشف، وكلّ محتاج يدّ العون، في زمن اختلطت فيه الأوراق، لأجل أن يكتمل رؤيته لكل متلقي، يساعده في كل خطوة من أجل أن يفتح أفاقاً أخرى لغيره، وعبر الأزمنة المختلفة، كمستشرف يرفض أن يكون على الدوام بضاعة مُدَجِنَه، وخاصته، ويكون قائلاً فاصلاً بخطابه الكاشف المنير لما يعيق التقدم إلى أمام، ودائما يثبت انطلاقته، ونبوءته.. كـما كان يكرر أدولف هتلر (الرجل الشجاع هو مَنْ تحمّل نتائج عمله)، و (محمود دويش) شاعر مقتدر شجاع اختلفت عنده الاتجاهات كشاهدٍ، وشهيد فراح ينتخب منها نضوجاً ما ليس قد بدأ به ودمّر سني شبابه، فخسر عندها أعزّ خلاياه، ولم يكن يريد ما ليس له، ومن المناهج لا يستحق منه مواصلتها.. شاعر أراد أن يعيد كتابة التاريخ بشكله الإنساني الشامل، المنطقي، العاقل، من بعد أن أقصتهُ (القضايا) التي كانت تشير إلى أقصى اليسار، مغالاةً، وتعنتاً، واليمين إلى أقصى اليمين، مغالاةً، وتعنتاً، فخلفته ممزقاً شرّ تمزيق. فكرتان متناقضتان في إنسان واحد.. (وكلانا أنا، وأنا شاعرٌ، وملكٌ، وحكيمٌ على حافة البئرِ، ولا أحدَ عشرَ كوكبا على معبدي، ضاق بي جسدي، ضاق بي أَبدي، وغدي جالسٌ مثل تاج الغبارعلى مقعدي).