ماذا تعرف عن هؤلاء ؟ (12) ... حمد الجاسر

أبو بسام
24-12-2000, 04:57 AM
ولادته ونشأته
ولد في قرية البرود في اقليم السر بمنطقة نجد عام 1328 جسده الضعيف بعد ولادته اوحى لاهله بانه قعيد في المنزل حيث انه لم يبدا بالمشي الابعد الرابعة من عمره بسب العلل التي طرات علية في بداية حياته ممادفع أهلة إلى حفر قبر أربعة قبور دفن فيها غيره من ابناء قريته ...وهذا من حسن الطالع للحركة الفكرية بالمملكة أن يصطحب الجاسر في صغره الهزال والضعف وان يعاوده المرض لينجو أن يكون انسانا عاديا مثل غيره من ابناء قريته وهذا دفع والده عندما راى انه لايصلح ان يكون فلاحا الى إرسالة الى كتًاب قرية حزمية حيث بدا مشوار العلم والمعرفة بقراءة القران الكريم كاملا

وفي الرياض بدا الجاسر مشواره الطويل مع العلم حيث بدا ياخد على نهج السلف عن مجموعة من المشايخ الذين اشتهروا في تلك الفترة , فقرأ شيئا من المتون كالاجرومية لابن أجروم والثلاثة الاصول واداب المشي الى الصلاة للشيخ محمد عبدالوهاب وملحة الاعراب للحريري ثم جاءت مرحلة زمنية مهمة في حياته حيث ترك الرياض قاصدا مكة المكرمة عام 1348 وهناك التحق بالمعهد الاسلامي أول مدرسة نظامية سعودية

العمل

عمل مدرسا من عام 1353 حتى عام 1357 بعد ذلك عمل قاضيا في ظبا عام 1357 ثم سافر إلى القاهره عام 1358 ليتحق بكلية الادب ولم يكمل بسب قيام الحرب العالمية وعاد ليدًرس في مناطق مختلفة في المملكة وشغل مناصب تربوية منها رئيس مراقبة التعليم في الظهران ثم مدير للتعليم في نجد عام 1369 ومديرا لكليتي الشريعة واللغة العربية في الرياض

مكتبة العرب

أنشا حمد الجاسر أثناء إدارته للتعليم عام 1369 مكتبة لبيع الكتب باسم مكتبة العرب حيث كان مو قعها بجوار المسجد الجامع في مدينة الرياض من الناحية الشرقية وهي اول مكتبة عنيت بعرض المِؤلفات الحديثة تحت اشرافة

الصحافة والنشر

وأخيرا ادرك ان العمل الوظيفي لايتناسب وطموحاته العلمية الكبيرة فاختار طريق الصحافة حيث زاولها مهنة وعملا فاصدر عام 1372 صحيفة اليمامة وفي عام 1385 هجرية رأس تحرير صحيفة الرياض عند تاسيسها

وأدرك غايته ومناة في عام 1386 عندما اصدر مجلة العرب لتكون مجلة علمية متخصصة في تاريخ وادب الجزيرة العربية

والى جانب الصحافة يعتبر الجاسر رائدا في ميدان الطباعة والنشر فقد اسس اول مطبعة في نجد عام 1374

كما اسس فيما بعد حوالي عام 1386 دارا للنشر أطلق عليها اسم دار اليمامة للبحث والترجمة والنشر

تولت نشر الكثير من المؤلفات المتعلقة بالجزيرة العربية منها ماهو من تاليفة او تحقيقه ومنها ماهو تاليف وتحقيق غيرة اغلبها ضمن سلسلة اطلق عليها نصوص وابحاث جغرافية وتاريخية عن الجزيرة العرب

التاليف والتحقيق

قل الحق ولو كان مرا كانت مقالة حمد الجاسر الاولى نشرتها صحيفة صوت الحجاز وقد ارسل الجاسر تلك المقالة مشاركة وتاييدا لمقالة فضيلة الشيخ عبدالله الخياط لا تسبو الدهر

ونشر بعد ذلك قصيدة شعرية بعنوان ولا تحتجز الا لحج وعمرة ولم يكن راضيا عنها فيما بعد على الرغم من اعجاب الاخرين بها ثم نشر مجموعة من المقالات النقدية والقصائد منها على رواية علي احمد باكثير همام ثم سلسة مقالات بعنوان الى الشيخ حسن عواد في جريدة صوت الحجاز

وبعد تلك التجارب وجد الجاسر الطريق الصحيح الذي نهجه حتى يومنا هذا وهو مجال البحث التاريخي والجغرافي خاصة الامور والقضايا التي تتصل بتاريخ وجغرافية الجزيرة العربية فنشر العديد من الابحاث التاريخية في ام القرى والمنهل والمدينة المنورة والبلاد السعودية

كما ساهم بعدة مقالات في مجلة الفتح وجامعة الرياض والتي كانت تصدر باسم مجلة جامعة الملك سعود

ومجلة المجتمع العلمي بدمشق

اما الكتب فيعتبر سوق عكاظ الذي صدر ملحقا بكتاب موقع عكاظ لعبد الوهاب عزام عام 1980 اول مِؤلفاته ثم نشر بقية مؤلفاته وتحقيقاته ضمن سلسة نصوص و ابحاث ضمن سلسلة نصوص وابحاث جغرافية وتاريخية عن جزيرة العرب والتي تصدر من الدار التي انشائه دار اليمامة

وكما اشتهر بترحالة المستمر للتاكد من الواقع والمناطق التي يتحدث عنها او يصحح معلومات تتصل بالجزيرة العربية ورحلاته العلمية التي تنصب عادة على المكتبات في بلدان كثيرة زارها تحدث عنها في اكثر من مكان خاصة على صفحات مجلة العرب وهو يشير الى ابرز واهم ماطلع علية من كتب والمخطوطات في دوريات منها العرب واليمامة

عضويته في المجامع اللغوية والعلمية

لم يكن غريبا ان يحتل من يتصف بالصفات العلمية التي يتصف بها الشيخ الجاسر مكانة رفيعة بين العلماء والدوائر العلمية في الوطن العربي

ولذلك انتخبه المجمع العلمي العربي في دمشق مجمع اللغة العربية في دمشق فيما بعد ذلك عضوا سنة 1370 وانتخبة المجمع العلمي العراقي عضو فيه سنة 1374 ثم انتخبة مجمع اللغة العربية في القاهره عام 1378 وذلك اضافة الى عضويته في مراكز وموسسات علمية اخرى

أوسمة وجوائز

تقديرا لجهده ومكانته العلمية فقد صدرت الموافقة السامية الكريمة على منح وسام الملك عبدالعزيز من الدرجة الثالثة لعام 1417

لعلامة الجزيرة الشيخ حمد الجاسر ويمثل هذا التكريم تتويجا لعطاء حافل كان صداه مالقيه من تقدير وتكريم حيث كان احد الرواد الكبار الذين كرمهم مؤتمر الادباء السعودين الاول الذي عقدته جامعة الملك عبدالعزيز في فرعها بمكة المكرمة عام1394

واحد الحاصلين على جائزة الدولة التقديريه في الادب عام 1403 وحصولة على جائزة سلطان العويس في الامارات عام 1416 واخيرا وليس اخر ا تكريمة وتقديرة بمنحة جائزة الملك فيصل العالمية للادب عام 1416 وقد منحتة جامعة الملك سعود الدكتوراه الفخرية

وفاته:
توفي صباح الخميس 1421/6/16 علامة الجزيرة العربية الشيخ حمد بن محمد الجاسر - رحمة الله - عن عمر يناهز التسعين عاما ً . وذلك إثر عميلة جراحية أجريت له في الولايات المتحدة

ففي مستشفى ماساتشوستس في الولايات المتحدة طويت اخر صفحة من حياة علامة الجزيرة العربية الشيخ حمد الجاسر حيث توفي بعد معاناة مع المرض تنقل فيها من المانيا إلى الولايات المتحدة الامريكية للعلاج

المهند
25-12-2000, 09:05 AM
سلمت يداك اخي ابو بسام
هل تسمح لي بأخذ نسخة من هذه المقالات في ارشيفي الخاص
اعتقد مابيكون عندك مانع
المهند<IMG SRC="http://www.arabiyat.com/ubb/smilies/cwm38.gif" border=0> <IMG SRC="http://www.arabiyat.com/ubb/smilies/cwm38.gif" border=0>

------------------
اعلل النفس بالأمال ارقبها
ما اضيق العيش لولا فسحة الأمل

أبو بسام
25-12-2000, 11:15 AM
وسلمت يداك اخي المهند
وشكرا على الرد الجميل
وبالتأكيد لن أمانع في أخذ ماتشاء .. فكلي لك ولعربيات ..
لك حبي

أبو بسام
07-06-2001, 04:38 PM
حمد الجاسر الآخر.. والأهم ربما ! (2/1)

د. معجب الزهراني

=================

بين يدي كتاب صدر حديثاً عن علامة الجزيرة العربية بعنوان "حمد الجاسر جغرافي الجزيرة العربية ومؤرخها ونسابتها" من تأليف الأستاذ احمد العلاونة ويمثل العدد الرابع من سلسلة "علماء ومفكرون معاصرون" (دار القلم، دمشق، 2001، 176صفحة من القطع المتوسط). والكتاب يهدف، كما يشير اليه الباحث في المقدمة، الى التعريف بالمؤلف ومؤلفاته في شكل نبذ موجزة موجهة فيما يبدو الى من لا يعرف الكثير عن هذا الاسم العلم، وبالأخص من جيل الباحثين الشباب. في جريدة "الرياض" عدد 12026بتاريخ 1422/3/5ه نشر خبر عن عزم معهد المخطوطات العربية التابع للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم على اصدار تكريمي عن الجاسر يوفر "مادة علمية رفيعة المستوى تكون مرجعاً اساسياً لكل من يرغب في معرفة جوانب شخصية الشيخ الجاسر وعطاءاته العلمية". ولتحقيق هذه الغاية النبيلة حددت تسعة محاور على النحو التالي: 1 صناعة المعجم الجغرافي وتحديد المواضع وتوثيق اسمائها. 2 كتابة التاريخ العربي بعامة وشبه الجزيرة العربية بخاصة. 3 أنساب العرب والقبائل في الجزيرة العربية. 4 اللغة والغريب والكتابة العربية (الرسم). 5 الشعر العربي جمعاً وتذوقاً ودراسة. 6 الخلق والفضائل الانسانية والعلاقات بين العلماء. 7 رحلات الجاسر العامة وتنقلاته في البحث عن المخطوطات. 8 اسهاماته مع الخالدين وجهوده المجمعية. 9 النشاطات الإعلامية عامة والتراثية خاصة (صحيفة اليمامة ومجلة العرب وغيرهما) كما ورد في الخبر. كذلك نظمت منذ اسابيع في عمّان فعالية عن الجاسر وقد شارك فيها بعض الباحثين من المملكة دونما تقديم بحوث فيما أعلم ولابد انها تتجه في ذات المسار التكريمي العام. اما ما ننتظره جميعاً من طرف اللجنة التي شكلت اثر وفاة الجاسر لتكريمه فيما يتجاوز المناسبات العابرة فينبغي ان يكون في مستوى الطموحات والتوقعات لأن الامر يتعلق بشخصية معرفية أصبحت رمزاً لمرحلة كاملة من ثقافتنا الوطنية الحديثة كما يعرف ويعترف به جل الباحثين والمثقفين هنا. وفي سبيل التنويه بأهمية مثل هذه الجهود وتطوير مردودها الايجابي باستمرار أود التوقف في هذه المقالة عند ثلاثة ابعاد أخشى ان يترتب عن اهمالها ظلم غير مقصود للجاسر وانجازاته من جهة ولثقافتنا الوطنية الحديثة من جهة ثانية.البعد الأول يتمثل في ضرورة أن يدمج الشخص والنص الفردي في سياق ذلك الخطاب الاصلاحي الذي يعتبر الجاسر من ابرز رواده وممثليه في المنطقة الوسطى، مثله مثل عبدالكريم الجهيمان كما اشرت اليه في ورقة عن هذا الاخير أعدت بمناسبة تكريمه شخصية وطنية في الدورة الاخيرة من المهرجان الوطني للتراث والثقافة. ومعاينته الامور من هذا المنظور المعرفي سيخفف عنا أعباء هذه النزعة الاسطورية التي تحجب الرؤية وتعطل العقل بمجرد أن الفرد الجاد المتميز الى "عبقرية" يمكن ان تعرف دون ان تكتشف اسرارها، وفي زمن معرفي كوني لم يعد يقيم وزناً لخطاب العبقريات والأساطير الغريبة المدهشة!. ولابد أن موقفاً كهذا سيساعد الباحثين على المزيد من البحث لاكتشاف وتحليل الديناميات العميقة التي ولدت خطابنا الاصلاحي وهي دونما شك ديناميات تاريخية معرفية اجتماعية تحولت وتطورت بتحولاته وتطوراته ولا تزال. وحينما يتعلق الأمر بنموذج فردي بارز كالجاسر الذي استمر انجازه على مدى أكثر من خمسة عقود فإننا نكون أمام متن موسوعي يفتح المجال أمام هذا النمط من المقاربات الغائبة عن مجالنا المعرفي رغم أهميتها القصوى في مجمل الدراسات الانسانية الحديثة. فالإنجاز الفردي تزداد قيمته الرمزية والعملية الوظيفية بقدر ما يضيفه الى انجازات السابقين والمعاصرين له وذلك ضمن سيرورة معرفية فكرية تنبني على منطق التراكم والتحول لا على منطق الالهامات والكشوفات المنبتة عن شروط الزمن والمكان والانسان. البعد الثاني يتعلق تحديداً بهذه الشروط التي ما ان تعاين من منظور آخر حتى ندرك أنها تنطوي على شبكة معقدة من العوامل التي لابد أنها تدخلت في تشكيل خطاب الفرد وحددت الكثير من سماته التعبيرية والدلالية وعززت في الباحث وبحثه بعض التوجهات بقدر ما قاومت او اعاقت توجهات اخرى كما تفعله شروط التلقي في كل انجاز. من هذا المنظور ايضاً لابد أن نتذكر ان الجاسر ممن كان يجتهد ويجاهد لتفعيل خطابه المعرفي الاصلاحي ذاك في بيئة محافظة اشد المحافظة وبالتالي فنحن هنا امام معاناة لم تكن مطروحة بنفس الحدة على رواد خطابنا الثقافي الحديث من اوساط النخب الحجازية المنتمية الى مجتمعات مدينية تعددية ومتفتحة باستمرار على الآخر والخارج. هذه الوضعية الثقافية الاجتماعية لاشك انها تساعدنا على تفهم أعمق وأدق لبعض الظواهر والسمات التي تميز انجازات الجاسر في مجملها. فالباحث ما ان أدرك قوة العوائق أمام مشروعه المعرفي الفكري الحديث حتى تبنى استراتيجية بحثية نزعم أنها هي التي ضمنت له استمرارية العمل والانجاز وضمنت لثقافتنا الوطنية ذلك المتن الموسوعي الذي قد تعجز المؤسسة عن انجاز مثله. فعوضاً عن الخوض في الشأن الثقافي الآني المحفوف بالمشقات والمحاذير، وقد خبرها الجاسر والجهيمان وغيرهما عن قرب، صرف الباحث الجزء الأهم من طاقاته العالية الى البحث في مجال العلوم التقليدية "المقبولة"، بل و"المبجلة"، في مجتمعاتنا اكثر من غيرها، كاللغة والتاريخ وعلوم البلدان والأنساب وتحقيق النصوص التراثية. نعم لاشك أن هذا الانصراف دال بذاته على تعلق الباحث الاصيل بموضوع بحثه ومجاله هذا، ولاشك كذلك انه كان يبحث في هذه المجالات بروح الباحث المدقق الناقد المدرك لأهمية "حكمة الشك" بالنسبة لأي بحث جدي قديماً او حديثاً. لكن المؤكد أيضاً أن هذا الانصراف ما يدل على حرص الباحث على تجنب المزيد من المجابهات مع ممثلي الوعي المحافظ السائد، وهذا ما لازم الباحث حتى بعد انتقاله الاضطراري الى بيروت، ومن المنطقي ان يتعزز هذا التوجه بعد "عودته الاضطرارية" الى فضاء انتمائه وعشقه الاول بسبب مآسي الحرب الاهلية اللبنانية التي طالت أعز ما يملك باحث وانسان مثله، كتبه وابنه!. أكثر من ذلك نزعم أن التركيز على هذا البعد يساعد الباحثين على تفهم خوض الجاسر في كتابات نكاد نجزم أنها لا تنسجم تماماً مع وعيه وفكره الاصلاحي، وأعني تحديداً ماكتبه عن "الأنساب" التي اعتبرها ابن خلدون من قبيل العلوم التي لا ضرر من الجهل بها، وقد نذهب الى الأبعد فنعتبرها اليوم ضارة بالجملة لما تكرسه فينا من أوهام مجافية لروح العصر ولمقتضيات تكريس المجتمع الوطني وبناء المجتمع المدني. أما البعد الثالث الذي ينبغي أخذه بعين التأمل والاعتبار إذ نكتب عن الجاسر وأمثاله فيتعلق بضرورة التمييز الصارم بين موقف "التبجيل" وموقف "الاحترام" من شخصية معرفية كهذه، لأن بكل موقف ما يبرره او يقتضيه، وعدم التمييز هنا سيزيد الأمور التباساً في مجال ثقافي هو في أمس الحاجة الى المفاهيم والمصطلحات التي لا علم ولا فكر من دونها. فخطاب التبجيل قد يكون مشروعاً في مقامات الحديث عن مناقب الباحث كتعلقه بالمعرفة والصبر على مشقات الطلب والبحث وحسن الخلق في التعامل مع الباحثين الآخرين، او مع غيرهم، والجرأة في ابداء الرأي والتضحية بالراحة والمصلحة في سبيل المبدأ والموقف.. الخ. لكن خطاباً كهذا لا يعود له معنى او جدوى لحظة الحوار المعرفي مع انجازات الباحث التي تزداد قيمتها بقدر ما نجد فيها من آثار الوعي العميق بنسبية العلم والرؤية النقدية لجهود الآخرين والاجتهاد في سبيل الاضافة اليها او حتى تجاوزها في لحظة ما. هنا تحديداً نزعم أن خطاب الجاسر في عمومه يقدم لنا درساً عملياً بليغاً وصارماً بهذا الصدد إذ أن احترامه الشديد لجهود الباحثين، قدماء ومحدثين، عرباً ومستعربين او مستشرقين، لم يمنعه قط من نقد آرائهم وتصويب أخطائهم واعلان الاختلاف عنهم في عديد القضايا والمواقف. فهو يرحمه الله لم يكن ممن يتوهم ويصدق أن العلم الأكمل والأمثل قد تم انجازه من قبل أسلافنا او من قبل "الغربيين" وما علينا سوى حفظه ونقله بأمانة الى تلاميذنا ومريدينا عند اللزوم!. على العكس من ذلك لعله كان يدرك أكثر من غيره أن هذا الوعي التقليدي الامتثالي هو العائق الأكبر والأخطر أمام تقدم العلم وتطور الفكر الانساني العام، وكم ستكون المفارقة عميقة وجارحة فيما لو ألحقناه، وان بحسن نية، بمسار هذا الوعي الذي عانى من سطوته وقاومه طوال حياته!. إنني ألامس هنا قضايا تستحق المزيد من التأمل والبحث لما لها من مردود ايجابي على قراءاتنا لانجازات الجاسر وامثاله من رواد ورموز خطابنا الثقافي الحديث بمختلف مراحله وبكل اشكاله وتوجهاته. فالأمر يتعلق بباحث تعلق بالمعرفة وأخلص للبحث المعرفي، وبمثقف اصلاحي ضحى بالكثير في سبيل مواصلة فكرة الاصلاح التي كانت من قبله وستظل من بعده تحدياً مطروحاً على كل باحث وكل مثقف مثله. واذا ما عاينا منجزاته من منظور ذلك الوعي النقدي الذي كان الجاسر من أبرز نماذجه فلربما أدركنا ان قيمته تتجاوز كميته وموسوعيته ومدى صلاحيته العلمية بالنسبة للاجيال التالية من الباحثين المتخصصين في هذا المجال او ذاك. انها تكمن حسب اعتقادنا في قدرته على احداث نقلة نوعية في ذلك الخطاب ومن ثم احداث تغييرات جدية في شروط انتاج وتداول المعرفة في مرحلة محددة من تاريخنا الوطني وهذا ما سنحاول بيانه في الفقرة التالية من هذه المقاربة.



------------------
<FONT COLOR="Green">اقرأ ان شئت هذه الموضوعات :[/COLOR]
ماذا تعرف عن هؤلاء؟ (http://www.arabiyat.com/ash3ar/qwho.htm)
ملف الامسيات الشعرية (http://www.arabiyat.com/ubb/Forum6/HTML/003152.html)
ملف المحاضرات (http://www.arabiyat.com/ubb/Forum6/HTML/003913.html)
قـ(1)ـراءات (http://www.arabiyat.com/ubb/Forum6/HTML/003273.html) قـ(2)ـراءات (http://www.arabiyat.com/ubb/Forum6/HTML/003915.html) قـ(3)ـراءات (http://www.arabiyat.com/ubb/Forum6/HTML/004073.html) قـ(4)ـرات (http://www.arabiyat.com/ubb/Forum6/HTML/004232.html)
ابداعات قصصية (http://www.arabiyat.com/ubb/Forum6/HTML/004101.html)
قضية ثقافية (http://www.arabiyat.com/ubb/Forum6/HTML/004100.html)
ملف التجارة الالكترونية (http://www.arabiyat.com/ubb/Forum4/HTML/001290.html)

أبو بسام
14-08-2005, 05:44 AM
اسم الكتاب (حمد الجاسر، سيرته وجهوده في التعريف بالنبات في شبه الجزيرة العربية)
تأليف (د.عبدالله يوسف الغنيم) أستاذ جامعي كويتي
قراءة :حنان آل السيف
المصدر : المجلة العربية

حمد الجاسر علم رائد من أعلام الثقافة، وحلقة تواصل متينة بين العلم والأدب والجغرافية والتراث، وهو رمز وإشارة وعلامة ومفخرة في تاريخ الجزيرة العربية الحافل المشرق، وصفحة مضيئة من صفحاته الوضاءة.

عشق شيخنا الجزيرة العربية، فهام بها، وأحبها كل الحب، فتمخض عن هذا العشق والحب الأعمال الجغرافية وجهوده المتميزة فيها، وكان له الأثر البيّن الواضح في دعوة المفكرين والعلماء والباحثين إلى الكتابة عن جغرافية الجزيرة العربية، ومن حق العربية أن تفخر برجلين اثنين كان لهما الأثر البارز في تاريخ المعاجم العربية، أولهما: (ياقوت الحموي) في كتابه (معجم البلدان)، وثانيهما: علاّمة الجزيرة العربية (حمد الجاسر) ومعاجمه الجغرافية الرائدة، وستظل هذه المعاجم إنجازًا باهرًا في جغرافية الجزيرة العربية بكل ما تعنيه كلمة الإنجاز من معنى ولُب ومفهوم، كل هذا حدث بإرادة لا تقهر، وعزيمة لا تفل، وعصامية لا تكل ولا تمل، ولقد عناه الشاعر الأول حين قال:

نفس عصام سودت عصامًا

وعلمته الكر والإقداما

وصيرته بطلاً هماما

حتى علا وجاوز الأقواما


***
كان حمد الجاسر موسوعة شاملة كاملة، برزت في جوانب عدة، برزت في جغرافية الجزيرة العربية، وبرزت في الصحافة، ونبغت في الأدب، وأثرت المكتبة العربية بكنوزها وذخائرها، وبين يدي كتاب هو خير شاهد أحتج به على موسوعية الشيخ حمد الجاسر، هذا الكتاب عنوانه (حمد الجاسر، سيرته وجهوده في التعريف بالنبات في شبه الجزيرة العربية)، وهو من تأليف (د.عبدالله يوسف الغنيم) أستاذ جامعي كويتي، ويقع الكتاب في مئة وخمسين ورقة من القطع المتوسط، وقد طبع في دولة الكويت عام 2005م، وهدف البحث كما جاء على لسان مؤلفه: "ويهدف هذا البحث إلى جمع تراث الشيخ حمد الجاسر في مجال النبات من خلال مصادر أساسية ثلاثة: أولها روايته عن نباتات شبه الجزيرة العربية. وثانيها: ماجاء في رحلاته من ملحوظات ومشاهدات. وثالثها: تحقيقاته ومراجعاته وتصحيحاته ذات الصلة بالنبات.. ولابد من الإشارة إلى أن هذا البحث قد اعتمد على أبرز دراسات الشيخ حمد ورحلاته وأعماله العلمية، ولم يستقص جميع ماجاء في تراثه المعروف، ونحسب أن ما سأورده سيكون كافيًا للتعريف بجهود الشيخ ححمد في هذا المجال، إن اهتمامه بنباتات شبه الجزيرة العربية ومعرفته بأشكالها وتوزيعها الجغرافي والرابطة العضوية بين أسمائها وأسماء بعض الأماكن من الأمور التي ينبغي أن يسلط عليها الضوء، ليُقيّم عطاء الشيخ حمد في هذا الجانب في ضوء تراثه العلمي ومعرفته الموسوعية بشؤون الجزيرة العربية وتراثها الثقافي العام.

هذا وقد استهل المؤلف كتابه بترجمة للشيخ حمد الجاسر -رحمة الله عليه- فقد ولد -رحمه الله- عام 1328هـ/1910م في قرية البرود، وفي كتّاب القرية تعلم القراءة والكتابة وحفظ القرآن، وبعد وفاة والديه انتقل إلى الرياض، حيث انتظم في الدراسة على المشايخ في المساجد، ثم التحق بالمعهد السعودي في مكة المكرمة، فتخرج فيه عام 1353هـ/1934م متخصصًا في القضاء الشرعي، وعمل بالتدريس في ينبع وجدة ومكة والأحساء والظهران والرياض، كما عمل قاضيًا في (ضبا) فترة وجيزة ثم عاد للتدريس، وآخر عمله كان مديرًا لكليتي العلوم الشرعية واللغة العربية في الرياض عام 1376هـ، ويذكر المؤلف أن علاقة الشيخ حمد بالصحافة بدأت في سن الحادية والعشرين أثناء دراسته بالمعهد السعودي في مكة المكرمة، وفي عام 1373هـ أنشأ صحيفة اليمامة، وهي أول صحيفة تصدر في الرياض، كما أسس أول مطبعة في نجد سنة 1374هـ، وهي مطبعة الرياض، وكان أول رئيس تحرير لجريدة الرياض، ثم انصرف إلى التأليف والتحقيق والنشر، فأنشأ عام 1386هـ دار اليمامة للبحث والترجمة والنشر، أصدر من خلالها مجلة (العرب) الشهيرة إضافة الكثير من المؤلفات المتعلقة بالجزيرة العربية التي نشر أغلبها ضمن سلسلة نصوص وأبحاث جغرافية وتاريخية عن جزيرة العرب.

"وعادة ما يحار الإنسان أمام البحر الزاخر، من أي الشواطئ يأتيه؟"، ويجيب المؤلف عن تساؤله بقوله الجميل: "لقد عاش أستاذنا الشيخ حمد الجاسر -تغمده الله بواسع رحمته- حياة حافلة بالجهد والمعاناة، اجتمعت له في بدايتها قسوة الحياة، واعتلال الصحة، فلم يقعده هذا أو ذاك عن طلب العلم بل شب تواقاً إلى المعرفة والاستنارة، واتسع عقله المتوقد، ونشاطه الذكي إلى التماس السبل والطرائق التي تصله بغاياتها، فكان اتصاله بالعلماء والأدباء والمفكرين، وكانت رحلاته المتواصلة للبحث عن نوادر المخطوطات العربية في مكتبات العالم واهتمامه بكل ما يتعلق بالجزيرة العربية وتاريخها وجغرافيتها، وأنساب قبائلها، وتراثها الفكري العام، وقد برز الشيخ حمد الجاسر بصفته واحدًا من الرواد الكبار في مجال تحقيق كتب التراث العربي شهد بذلك شيوخ ذلك الفن وعمالقته الذين أسهموا إسهامًا واضحًا في نشر التراث العربي في وقتنا المعاصر، ولم تكن معاناته للتحقيق مثل معاناة غيره، فهو قد قرن تحقيقه للنصوص الجغرافية المتعلقة بشبه الجزيرة العربية بالدراسة المكتبية والدراسة الميدانية المبنية على فهم لطبيعة الأرض وسكانها وأعلامها الجغرافية، ولهذا فليس من السهل على غير حمد الجاسر أن يقوم بتحقيق كتاب (بلاد العرب) للأصفهاني أو كتاب (الأماكن) للحازمي، أو (المغانم المطابة) للفيروز آبادي أو غيرها من أمهات كتب التراث الجغرافية التي قام بتحقيقها ونشرها، وبلغ الغاية في تحريرها وتقويم نصوصها".

وفي ثنايا الكتاب يشير المؤلف الفاضل إلى معرفة الشيخ حمد الجاسر بالنباتات، فحينما التقى به أدهشته معرفة الشيخ الواسعة بأسماء نباتات الجزيرة العربية وأنواعها وتوزيعها، حيث قضى معه نحو ست ساعات متواصلة وصف له من حفظه وصفاً دقيقاً مايزيد على ستين نوعاً من أنواع النباتات والأشجار الواردة في كتاب الأصمعي، والأسماء التي تقابلها في زماننا هذا، ومثال ذلك قوله عن السبَّط: "نبات له خيطان دقيقة قريبة الشبه بالثمام، إلا أن الثمام يجمع الشجرة عرق واحد، والسبط أغصانه متفرقة دقيقة ترتفع بمقدار متر تقريبًا، وهي دقيقة جدًا تكسوها وريقات كورق القمح، وغصن السبط كغصن القمح، إلا أنه مصمت، وهو مما ترعاه سائر الأنعام ويحش ويجفف للعلف". ويعلق مؤلف الكتاب على ما سبق بقوله: "وهو في هذا الوصف الدقيق لا يقل بل يزيد أحيانًا عما جاء في المعجمات العربية عن ذلك النبات، وقد كانت نيتي أن أنشر ذلك كله مع ما يقابله في كتب التراث في دراسة تفصيلية عن كتاب الأصمعي لولا مشاغل العمل التي صرفتني عنه".


***
وكانت بين الشيخ حمد الجاسر وبين مؤلف الكتاب صلة علمية، وصداقة روحية، وتكرر اللقاء بينهما في القاهرة عند حضور اجتماعات مجمع اللغة العربية، وكان الشيخ يطلب من المؤلف زيارته في الصباح الباكر ليتسنى لهما القراءة والمذاكرة في كتب العلم، وتمخضت عن هذه اللقاءات قراءة المؤلف على الشيخ الجاسر كتاب (صفة جزيرة العرب) للهمداني، وكذلك قراءة أجزاء كبيرة من كتاب (معجم مااستعجم) لأبي عبيد البكري، وكانت هذه القراءة في عام 1973م، وكانت أمتع الأوقات عند المؤلف هي تلك الأوقات التي يرافق فيها الشيخ أثناء جولاته في القاهرة، وزياراته للعلماء والحوار الذي كان يدور بينه وبينهم، ومن تلك الزيارات زيارته لكل من الأستاذ المرحوم محمود شاكر، ومحمد أبوالفضل إبراهيم، وخير الدين الزركلي، وطه حسين، ومحمد رشاد عبدالمطلب.. وغيرهم.


***
وتحت عنوان فصل مهم من فصول الكتاب وهو: رواية الشيخ حمد الجاسر عن نباتات شبه الجزيرة العربية يقول المؤلف: "يعتمد هذا الجانب المعرفي على مارواه لي الشيخ حمد الجاسر خلال صيف عام 1970م، وقد كنت آنذاك قد أنجزت تحقيق كتاب النبات لعبدالملك ابن قريب الأصمعي، ورأيت أن أقرأه عليه -رحمه الله- قبل أن أدفع به إلى المطبعة فتكرم بأن خصص يومًا لتلك القراءة، حيث تمت في جلسة واحدة بدأت حوالي الساعة السابعة صباحًا، وانتهت نحو الواحدة ظهرًا، وكان يملي عليّ من ذاكرته وصف النباتات الواردة في كتاب الأصمعي، ويذكر مناطق انتشارها وفوائدها، وبعض الأمثال النجدية المتعلقة بها، وقد بلغ عدد النباتات التي وصفها 60 نوعًا، وكان في إمكانه أن يذكر المزيد، لكنني كنت أقتصر على بعض النباتات التي تحتاج إلى إيضاح، وكم تمنيت أن تطول تلك الجلسة أو تتعد الجلسات معه -رحمه الله- ليتاح لي تسجيل أكبر حصيلة من معلوماته في هذا المجال، وبخاصة حينما عرفت فيما بعد قيمة تلك المعلومات بمقارنتها بكتب النبات القديمة ومعجمات اللغة".

واهتمام الشيخ -رحمه الله- بالنبات ينطلق من جانب يهتم به الشيخ كثيرًا، هو أن النبات كثيرًا ما يعين على تحديد المواضع المتشابهة الأسماء، ولا يكاد يخلو كتاب من مؤلفات الشيخ حمد التي خصصها لرحلاته أو لدراسة المواضع والبحوث المتعلقة بالمملكة العربية السعودية، دون أن يشتمل على بحوث وملحوظات عن النبات كلما استدعى الأمر ذلك، فهو لا يترك فرصة دون أن يدوّن مشاهداته عن النباتات التي يمر بها، فيقدم وصفاً دقيقاً لها، ويربط بين أسماء الأماكن ونوع النبات السائد في المنطقة محل البحث، ويعدد المواضع التي تتشابه في الاسم رغم تباعدها في المكان بسبب انتشار نوع معين من النبات فيها، ويشير إلى خصائص النبات وفائدته للإنسان أو الحيوان.

ومن أمثلة وصف الشيخ حمد لمشاهداته النباتية ما قاله في كتابه (في شمال غرب الجزيرة): "لما قاربنا الجوف شاهدنا أرضاً مكسوة بنوع من النبات قريب الشبه بما نسميه عندنا في نجد (الصّمعاء) وهو نوع من النصي إلا أن أن النصي يكون شجيرة ملتفة الأغصان، وهذا ينبت أغصاناً متفرقة كالقمح، ولكنه لا يطول أكثر من الشبر، وغصنه دقيق جدًا، وفي رأسه حبيبات صغيرة جدًا، سوداء اللون بحمرة قليلة، أصغر من حب السمسم، وقالوا لنا: إنه عندما يستوي تحفر الأمكنة التي هو فيها حفرًا، ثم يجمع فيها هذا النبات الذي يسمى السَّمح حتى ييبس، فإذا يبس تساقطت الحبيبات منه في جوف الحفر، فتنقى العيدان، وتجمع وتستعمل أكلاً".

والشيخ حمد الجاسر كان يجرب النباتات ويتأكد من صحة المعلومة مثله مثل أديب العربية الجاحظ في كتابه (الحيوان) فحينما كان ينقل المعلومات من كتاب (الحيوان) لأرسطو، كان يعرض المعلومات المنقولة على محض التجربة، فإن صحت وتأكد من صدقيتها وإلا تركها.

وأخيرًا: لقد مدَّ الشيخ حمد الجاسر تاريخ وجغرافية الجزيرة العربية بيدٍ قصر عن مدها سواه، رحمه الله.