قصة من الواقع

اليتيم
09-09-2000, 12:11 AM
الرجل المبتلى


يدخل محمد إلى بيته الجديد ... ذلك الحلم الذي غدا حقيقة ... والواقع الذي كان خيال ...منزل مناسب يرفع قدره ويعلي مكانته ذلك البناء الشامخ بجواره الذي تنداح منه نداءات الإيمان .. إنه بيت من بيوت الله .. فما أجله من جوار وأكرمه .


أيام قلائل وليال معدودات ، مضت عليه ، وهو يلتذ بهذا المسكن ، ويهنأ بهذه الراحة التي لم يعكر صفوها ولم يكدر نقائها سوى وخزات الألم التي بدت تجتاح قدمه .. ويسمع محمد نداء الفلاح يخترق الحجب ليستقر في سويداء القلب كقطرة ماء سكبت فوق أرض جدباء .

فيهم بإجابة النداء .. لتعثر به قدمه .. فيسقط صريعاً كورقة الخريف يعبث بها الهواء .. ليحمل إلى المستشفى التي تقرر ضرورة بتر القدم من أعلاها .. فيستقبل الأمر بسعة صدر ورحابة خاطر ..

الحمد لله إنا لله وإنا إليه راجعون .

والله ما كنت لما يهوى الحبيب مبغضا

صرت له عبداً وما لـعبـد أن يـــعـتـرضــا

من لمريض لا يرى إلا الطبـيب الممرضا

إنما أنا عبد .. والعبد ملك سيده ، وقد رضيت بما قضى ربي ، وأسلمت قيادة نفسي لمن بيده أمر يومي وغدي وأمسي .

عطيّتُه إذا أعطى سرور فإن سلب الذي أعطى أثابا

فأي النعمتين أعد فضلاً وأحــمـد عنـد عـقبـاهـا إياباً

أنعمته التي كانت سروراً أم الأخرى التي جلبت ثواباً

وتمر الأيام سريعة .. فإذا بالوجع يسري إلى الساق ، ليقرر الأطباء قطعه دفعاً لانتشاره في الجسد ، وينزل الخبر على قلبه برداً وسلاماً كالماء الزلال .. يقول في تسليم وإخبات : لعلها قطعة مني تسبقني بفضل ربي إلى الجنة إن شاء الله .

وسقطت مع ساقه دمعة .. وهو يتذكر قوافل الأنبياء ، ومراكب الصالحين وهم يبتلون .. فيصبرون صور كثيرة مختلطة .. تراءت أمام ناظريه وكأنها تقع للتو واللحظة ..

أنبياء يعذبون .. يطردون ويقتلون .. وصالحون ينشرون بالمناشير .. ويقرضون بالمقاريض .. تتخطفهم السيوف وتنهشهم الرماح !!

مؤمنون يمشطون بأمشاط الحديد ما بين اللحم والعظم ! فيمزقون إرباً .. إرباً .. وترمى أجسادهم للطير ، وتقذف أبدانهم للسباع !

ثم يقول في رضا وتسليم للسميع العليم : وكل ذلك في ذات الإله .. فماذا قدمنا نحن ؟

اللهم لك الحمد على قضائك ، ولك الشكر على بلائك .

إنما الدنيا هبات وعوار مستردة

شدة بعد رخــاء ورخاء بعد شدة

ويخرج من المستشفى ليعود إليها بعد شهور لبتر فخذه التي نخرها الداء ومازجها البلاء ، يلج بنفس راضية .. ويخرج بروح راضية .. لله درك أيها الرجل !!

لم تقدر هذه البلايا أن تصرعك ! وهذه الرزايا أن تقتلع جذور الإيمان الراسخة بقلبك ! والتسليم لربك .

ابتسامته الراضية .. رده المفحم لمن جاء يواسيه .. وذكره لربه وشكره لمولاه .. جوابه البليغ لمن أتى يسليه أو يسري عنه ، وكذلك الإيمان إذا خالط بشاشة القلب .

رب أمـــر تـتـقـيــه جـر أمـراً تـرتضيه

خفي المحبوب منه وبـدا الـمكروه فيه

وتمضي الأيام وهو يصارع الأسقام ، ويقاوم الآلام ..لتكون قاصمة الظهر !!

أمسى يحس بألمه ويشعر بوجعه ، وأصبح لا يستطيع حراكاً ، فقد أصابه الشلل الكامل لما تبقى من جسمه سوى يده اليمنى التي بقيت بها بقية من حياة ، ليصافح بها زائريه ، ويعلن بها شهادة التوحيد لباريه .. جاءه يعوده أحب الناس إليه وأقربهم منه .. صديق عمره ورفيق دربه .. الشيخ محمد الذي جمعه به الحب في الله ، والتعاون على طاعة الله .. يرمقه يتوجع .. ويشعر به وهو يتألم ، فلكأنه مكانه يشاطره ألمه ويشاركه أحزانه !

فـوددت أني مـالك لســلامتي فـأعـيركـاهـا بكـرة وأصـيلا

هذا أخ لك يشتكي إذ تشتكي وكذا الخليل إذا أحب خليلا

فقال له : يا شيخ محمد أريدك أن تعدني .. قال لن أخلف وعدك ، أو أنقض عهدك ، فعلام أعدك ؟

قال له : إذا مت قبلي ، فدخلت جنة ربي أن تنتظرني على بابها ، حتى يكرمني خالقي وولي نعمتي ، فيدخلني فيها بمشيئته وفضله .. فأكون وإياك على سرر متقابلين وفي الغرفات متجاورين .

ثم أردف قائلاً : وأنا أعدك إن رحمني الله وأدخلني الجنة لسوف أنتظرك ، فلا أدخلها إلا بك !!

وذلك من حسن ظني بخالقي ، وطمعاً ورجاء في كرم ربي .. وهو مولاي وحسبي !!

يـارب أنـت رجائي وفيك حسنت ظني

يارب فاغفر ذنوبي وعافني واعف عني

العـفو منـك إلـهي والذنب قد جاء مني

والظن فيك جميل حقق بفضلك ظني

اغرورقت العينان .. تصافحت اليدان .. تعانقت الأبدان .. وتجدد في القلب الإيمان .. وآذنت شمس الأصيل بالرحيل .. فإذا به يصاب بغيبوبة كاملة ، وفقد للوعي يلازمه مدة شهرين كاملين .. تمحيص للذنوب .. وتخليص من العقوبة .. ورفعة للدرجات بإذن الله .

لتحين ساعة الصفر ونهاية العمر فإذا به يستيقظ من نومته ويفيق من سباته وينتبه من رقدته .. ليرفع سبابته نحو السماء .. كالرمح يخترق كبد الفضاء . ويصدع بصوته في أرجاء منزله ، فيزلزله .. لا إله إلا الله .. لا إله إلا الله .. لا إله إلا الله .. ثم يصمت .. وتسقط يده على صدره ، لتكون النهاية !! شهران كاملان .. لم ينبس ببنت شفة . صمت مطبق .. ثم لسان ينطق .. وتكون الشهادة خاتمة السعادة .. أنطقه الله الذي أنطق كل شيء ! وإليه يرجع كل شيء !

نقلاً عن قائمة حادي الطريق
ولاتنسونا من الدعاء

------------------
يتيم في الدنيا

مخاوي الليل
11-09-2000, 08:00 AM
شكرا لك على المواضيع الجميلة

مخاوي الليل
-----------
الدال على الخير كفاعله
<IMG SRC="http://www.angelfire.com/al/kirkuk/images/Feather.gif" border=0>

مخاوي الليل
11-09-2000, 08:01 AM
شكرا لك على المواضيع الجميلة

مخاوي الليل
-----------
الدال على الخير كفاعله
<IMG SRC="http://www.angelfire.com/al/kirkuk/images/Feather.gif" border=0>

sandbad
11-09-2000, 06:46 PM
جزاك الله خير
واجارك على مواضيعك الهادفه القيمه