المسجد الحرام عمارة وتاريخا

أبو بسام
03-03-2001, 03:45 PM
بحث اعده الشيخ / عبيد كردي
يطلق على المسجد الحرام مسجد الكعبة: فقد جاء في صحيح البخاري , في كتاب التوحيد , في باب قوله تعالى: وكلم الله موسى تكليما حدثنا عبد العزيز بن عبد الله , حدثني سليمان , عن شريك بن عبد الله أنه قال: سمعت ابن مالك يقول ليلة أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم من مسجد الكعبة أنه جاءه ثلاثة نفر ... إلى آخر حديث الإسراء الطويل.

قال العلامة ابن ظهيرة القرشي رحمه الله تعالى في كتابه (الجامع اللطيف في فضل مكة وأهلها وبناء البيت الشريف) ما نصه: اعلم أن الله تبارك وتعالى قد ذكر المسجد الحرام في كتابه العزيز في نحو خمسة عشر موضعا. فإذا تقرر هذا , فقد اختلف في المراد بالمسجد الحرام الذي تتعلق به المضاعفة في قوله صلى الله عليه وسلم في حديث ابن الزبير وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة صلاة في مسجدي

فقيل جميع بقاع الحرم , وقيل المراد الكعبة وما في الحجر من البيت , ويؤيده ما أخرجه النسائي , عن أبي هريرة رضي الله عنه: صلاة في مسجدي أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا الكعبة وقيل المراد الكعبة وما حولها من المسجد , وجزم به النووي وقال إنه الظاهر.
الموقع من حيث خطوط الطول والعرض (خط المناخ والزمن)

تقع مكة المكرمة على خط الطول 46ْ 49ْ 39ْ شرقا (تسع وثلاثين درجة شرقا وتسع وأربعين دقيقة وست وأربعين ثانية).

ودائرة العرض 19ْ 25ْ 21ْ شمالا (إحدى وعشرين درجة شمالا وخمس وعشرين دقيقة وتسع عشرة ثانية).

أما من حيث الموقع الجغرافي

فتقع مكة المكرمة على امتداد سفوح جبال السروات , وتمثل نقطة التقاء سهول تهامة بالجبال التي تحيط بمكة من جميع الجهات.

فمكة المكرمة مجموعة من الأودية المتخللة لهذه الجبال وهي أيضا منافذها وخاصة كلما اتجهنا إلى الساحل من الجهة الغربية.

ولموقع مكة المكرمة أهمية كبرى في الماضي حيث كانت تقع في منتصف خطوط القوافل التجارية القديمة التي كانت تزاول نشاطها التجاري بين اليمن جنوبا وبلاد الشام شمالا.

التضاريس

تتكون تضاريس مكة المكرمة من مجموعة من الجبال الجرانيتية والتي تكونت ضمن تشكيلات الدرع العربي المؤلف من صخور القاعدة القديمة التي ظهرت خلال الأزمنة الجيولوجية السحيقة , وتتخلل هذه الجبال مجموعة من الأودية القديمة من أهمها وادي إبراهيم الذي يقع فيه (البيت الحرام).

المناخ

يتأثر مناخ مكة المكرمة بموضعها بالنسبة لمستوى سطح البحر وبالجبال المحيطة بها فهي ترتفع عن مستوى سطح البحر بـ300 متر , وهذا يعتبر ارتفاعا بسيطا يؤدي إلى ارتفاع درجة الحرارة , وانغلاقها بين الجبال وعدم انبساطها يساعد أيضا على دفئها.

الرياح

تتعرض مكة المكرمة طوال العام لرياح شمالية غربية وشمالية شرقية وجنوبية غربية جافة صيفا وقد تمطر شتاء.
فضل مكة المكرمة

لقد شاء الله سبحانه وتعالى بسابق حكمته أن يفاضل بين بعض خلقه على بعض في جميع ما أنشأ على أرضه وسماواته , ففاضل بين الشهور والأيام , والدهور والأعوام , والأمم والرسل والأنام , وكذا فاضل بين البلاد والأمكنة , وبقاع الارض البادية والمتمدنة , فجعل الحرمين الشريفين وثالثهما والمشاعر من أقدس الأماكن , فيها اللجاء إلى الله , والتماس نفحات قدس الله , والسير من كل فج بقصد الفوز برضوان ومغفرة من الله. ومكة أم القرى لها من الفضائل ما لا يبارى , نوجز منها إشارات , وقد تفي الإشارة عن ألف عبارة.

فمكة خير أرض الله وأحبها إليه , وفي هذا يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم وهو واقف على الحزوة خارجا من مكة: والله إنك لخير أرض الله , وأحب أرض الله إلى الله ولولا أني أخرجت منك ما خرجت
والصلاة في مسجدها بمائة ألف صلاة.
وكل مدينة فيها أكثر من ديانة بين سكانها ما عدا مكة والمدينة.
وفيها المناسك والمشاعر العظام.
واستقبالها واجب على امتداد الآفاق في الصلاة.
والدخول إليها بإحرام , والغسل لدخولها مسنون.
وهي حرم آمن في الجاهلية والإسلام.
وقد حرمها الله سبحانه وتعالى يوم خلق السماوات والأرض.
فنسأل الله أن يجعل قلوبنا عامرة بحبها , وهوي أفئدتنا دائما إليها وأن لا يحرمنا حججا وعمرا متوالية إليها.
أسماء مكة المكرمة

لمكة المكرمة أسماء كثيرة ذكرها المحدثون والمؤرخون منظوما ومنثورا. ومن بين أسمائها:

مكة وفي هذا الاسم معنى الاجتذاب حيث تجتذب إلى نفسها ما في البلاد من الأقوات والآدميين في مواسمها.
بكة التي تبك أعناق الجبابرة.
البلد الأمين كما ورد في سورة (البلد).
البلدة , كما في قوله تعالى: قل إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة
أم القرى لأن الارض دحيت من تحتها.
مسرد أوليات المسجد الحرام

أول من صلي عليه في المسجد الحرام صلاة الجنائز أبو أهاب بن عزيز بن قيس.
كان الحجر والمطاف أيام قريش ترابا ورملا وأول من حصب أرضية المطاف بالحصباء عمر بن الخطاب رضي الله عنه. 14 ج5.
أول من بلط المطاف بالحجارة عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما بباقي حجارة بناء الكعبة المشرفة نحوا من عشرة أذرع وتبعه غيره بعد ذلك. 14 ج5
أول من استصبح الإنارة لأهل الطواف في المسجد الحرام عقبة ابن الأزرق بن عمرو الغساني , وكانت داره لاصقة بالمسجد من ناحية وجه الكعبة , إلى أن تولى الإضاءة بعد ذلك خالد ابن عبد الله القسري في عهد خلافة عبد الملك بن مروان.
أول ظهور الكهرباء في المسجد الحرام كان عام 1346هـ 14 ج2
أول استعمال المراوح الكهربائية في المسجد الحرام كان عام 1366هـ 14 ج2
أول استعمال لمكبرات الصوت في المسجد الحرام كان عام 1375هـ 14 ج2
أول ابتداء توسعة المسجد الحرام في العهد السعودي كان عام 1375هـ. 14 ج2
توسعة المطاف لأول مرة في التاريخ كانت سنة 1377هـ 14 ج2
أول إنزال فم بئر زمزم إلى أسفل أرض المطاف كان سنة 1379 14 ج2
أول صلاة مع الإمام جمعة وجماعة وفروضا في الطابق العلوي للمسجد الحرام الذي أنشيء في التوسعة السعودية كانت عام 1379هـ 14 ج2
مسرد بعض لطائف وحوادث متعلقة بالمسجد الحرام
من المسجد الحرام أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم إلي بيت المقدس حيث كان صلى الله عليه وسلم مضطجعا في الحطيم فأتاه جبريل عليه السلام وأسرى به من هناك 14 ج1
أم جبريل عليه السلام الرسول صلى الله عليه وسلم الصلوات الخمس صبيحة المعراج عند الكعبة في المسجد الحرام. 14 ج1
دخل صلى الله عليه وسلم مكة يوم الفتح فقبض السقاية من العباس بن عبد المطلب والحجابة والسدانة من عثمان بن طلحة , فثبت السقاية ثانية في العباس والحجابة في عثمان بن طلحة , وكان ذلك في المسجد الحرام بين عضادتي الكعبة المشرفة , وأعلن في نفس الوقت أن كل دم أو مأثرة (امتياز) كانت في الجاهلية تحت قدمه إلا السقاية وسدانة الكعبة 14 ج1
لما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم طوافه يوم الفتح على الراحلة نزل فأخرجت الراحلة من المسجد الحرام فركع ركعتين ثم انصرف إلى زمزم فاطلع فيها , وكان يود أن ينزع بيده لكنه انصرف إلى ناحية المسجد قريبا من مقام إبراهيم , وكان المقام لاصقا بالكعبة المشرفة فأخره رسول الله صلى الله عليه وسلم , ودعا بسجل من ماء فشرب وتوضأ , والمسلمون يبتدرون وضوءه ويصبونه على وجوههم والمشركون ينظرون إليهم ويتعجبون ويقولون ما رأينا ملكا قط بلغ هذا ولا سمعنا. 14 ج1
طاف النبي صلى الله عليه وسلم يوم الفتح بالبيت يوم الجمعة لعشر بقين من رمضان , وأراد فضالة بن عمير بن الملوح الليثي قتل النبي صلى الله عليه وسلم , فلما دنا منه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضالة؟ قال نعم يا رسول الله. قال ماذا كنت تحدث نفسك؟ قال لا شيء , كنت أذكر الله. فضحك النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال استغفر الله، ثم وضع يده على صدره فسكن قلبه فكان يقول والله ما رفع يده عن صدري حتى ما خلق الله شيئا أحب إلي منه. 14 ج1
لما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم الكعبة المشرفة عام الفتح أمر بلالا أن يؤذن , وكان قد دخل معه , وكان أبو سفيان بن حرب وعتاب بن أسيد والحارث بن هشام جلوسا بفناء الكعبة فقال عتاب: أكرم الله أسيد أن لا يكون سمع هذا فيسمع منه ما يغيظه , فقال الحارث أما والله لو أعلم أنه محق لاتبعته , وقال أبو سفيان لا أقول شيئا , لو تكلمت لأخبرته عني هذه الحصاة. فخرج عليهم النبي صلى الله عليه وسلم فقال: لقد علمت الذي قلتم , ثم ذكر لهم ذلك , فقال الحارث وعتاب نشهد أنك رسول الله , والله ما اطلع على هذا أحد كان معنا فنقول أخبرك. 14 ج1
كان يرش المطاف بصورة مستمرة بماء زمزم لتبريده نهار الصيف.
من حيث الحوادث الكونية فلقد حدثت عشرات الحوادث في تاريخ المسجد الحرام من نزول صواعق وسقوط نيازك وحركات شبيهة بالزلازل وخسوف للشمس غريب برزت فيه إشعاعات ملونة , إلى غير ذلك. كل هذا تذكير للناس وآيات من آياته يخوف الله بها عباده رحمة بهم حتى يتراجعوا عن ذنوب عامة منتشرة بينهم , أو سنن وواجبات قصروا فيها , إلى غير ذلك من مقتضيات المنهج الإلهي مع عباده سبحانه وتعالى التي هي أشبه ما تكون بأجراس الإنذار.
فنسأل الله أن يرزقنا القرب إلى الله وإلى رسوله بالتزام شرعه ودينه ومنهجه.
تقع بئر زمزم بجوار مقام سيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام , أمام الكعبة المشرفة مما يلي الحجر الأسود على بعد 18 مترا منه , كما ذكره صاحب مرآة الحرمين.
وأول ميلادها كان في عهد إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام حينما ترك زوجته هاجر وابنه الرضيع إسماعيل بواد غير ذي زرع بأمر من الله تعالى , وارتفعت إيمانية هاجر عندما سألته لم تتركنا؟ فهل أمرك الله بهذا؟ قال: نعم قالت: إذا لن يضيعنا. وحين نفد ماؤها سعت سعيها بحثا عن الماء بين الصفا والمروة , وبعدما استفرغت جهدها جاءها الجواب الإيماني من الله سبحانه وتعالى بأن فجر من تحت قدم وليدها زمزم إحياء لذكرى علو إيمانها إلى أن يرث الله الارض ومن عليها.

لما انفجرت زمزم تحت أقدام وليدها إسماعيل عليهما السلام حوضت أم إسماعيل عليها بتراب يحجز الماء خشية أن يفوتها قبل أن تأتي بشنتها وتقول زمي زمي , فلذلك سميت زمزم (ولو تركته بدون تحويض لكانت عينا معينا يجري). 14 - 3 - 55
طمرت زمزم ودفنت وعفا موضعها بسبب الظروف السياسية التي أدت إلى إهمالها والظروف الجغرافية فأخرجها عبد المطلب من محبسها بأمر إلهي منامي.
زمزم بسببها تعرض عبد الله والد النبي صلى الله عليه وسلم للذبح وفاء لنذر أبيه ولكن الله الذي جعل زمزم سببا لحياة إسماعيل لا يمكن أن يجعل منها سببا لقتل أحد فهي ماء الحياة , لذلك كانت زمزم هي أيضا معتقة عبد الله من الذبح بأن أجرى الله الوسائل على يد عبد المطلب لإنقاذه من ذلك الذبح.
زمزم سبب في جعل الدية مائة من الإبل وهو الفداء لعبد الله واعتمدتها الشريعة الإسلامية بعد ذلك.

زمزم معتقة المتضلع منها من صفة النفاق.
زمزم شراب ضيفان الله عز وجل الذين يزورون بيته.
عاش أبو ذر على ماء زمزم فقط ثلاثين يوما فسمن منها حتى تكسرت عكن بطنه.
ماء زمزم مفضل على سائر المياه لأن سبب نبعه نبي وأمه وإيمان عال. وواسطته ركلة جبريل وموقعه بجوار الكعبة أقدس بقعة على وجه الأرض , ومنبعه ثلاث جهات مشرفة جهة الركن الأسود والمروة والصفا , وشرب منها الأنبياء والأصفياء والأتقياء ومنها غسل قلب النبي صلى الله عليه وسلم , وكان صلى الله عليه وسلم يستجلب ماءها إلى المدينة المنورة تبركا وتسوغا واستعذابا. وهو لما شرب له وطعام طعم وشفاء سقم.
أصل تولي سقاية زمزم بمكان معد بجوارها بعد حفر عبد المطلب بن هاشم لها كان لعبد المطلب ذاته فلما توفي تولى أمر السقاية ابنه أبو طالب , فاستدان من أخيه العباس عشرة آلاف درهم إلى الموسم فصرفها وجاء الموسم ولم يكن معه شيء , فطلب من أخيه العباس أربعة عشر ألف درهم إلى الموسم القابل فشرط عليه إذا جاء الموسم ولم يقضه أن يترك له السقاية فقبل ذلك , وجاء الموسم فلم يقضه فترك له السقاية , فكانت بيد بني العباس بن عبد المطلب وولده إلى أن انقضت خلافتهم.
ويقول أيوب صبري في كتابه (مرآة جزيرة العرب): ولما تولى بنو العباس الخلافة حالت أعمال الملك دون قيامهم بأمر السقاية , فكانوا يعهدون إلى آل الزبير المتولين التوقيت في الحرم الشريف القيام بأعمال السقاية بالنيابة , ثم طلب الزبيريون من الخلفاء العباسيين ترك السقاية لهم , فتركوها لهم بموجب منشور. إلا أنه نظرا لكثرة الحجاج فقد اشترك معهم آخرون في العمل باسم الزمازمة. (انتهى)
ثم إن الأتراك العثمانيين ثبتوا آل الزبير في عمل السقاية ولا تزال رئاستها بيدهم إلى اليوم. وآل الزبير هؤلاء يعرفون اليوم (ببيت الريس) 14 ج3
وكان على زمزم قبة وغرف مستودعات ومستبرد لدوارق ماء زمزم , ولكن ذلك هدم عام 1383هـ حين اضطر عمل التوسعة ذلك.
المسرد التاريخي لمقام إبراهيم عليه الصلاة والسلام
قال الله سبحانه وتعالى: وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى أي اتخذوا عند مقام إبراهيم مصلى.
قيل المسجد كله مقام إبراهيم , وقيل الحرم كله , وقيل جميع مشاهد الحج كمنى وعرفة ومزدلفة , وقيل هو الحجر الذي قام عليه إبراهيم عليه الصلاة والسلام عند بناء الكعبة وكان يرتفع به كلما ارتفع البناء. وهذا القول الأخير هو الصحيح وهو الذي يتبادر إلى الاذهان إذا ذكر المقام وهو الذي أراد الله أن تغوص فيه قدما إبراهيم عليه الصلاة والسلام تخليدا لذكراه وما يحوطها من إيمان كامل وتعلق بالله شامل. (14) ج4 ص11
أصل المقام من الجنة لما رواه الترمذي وأحمد والحاكم وابن حبان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الركن والمقام ياقوتتان من ياقوت الجنة طمس الله تعالى نورهما ولو لم يطمس نورهما لأضاءتا ما بين المشرق والمغرب
ومع عظيم احترام العرب في الجاهلية للحجر الأسود والمقام إلا أن الله حماهما من عبادتهما فلم يتحولا إلى أصنام وكذا الكعبة لأن الله ببالغ علمه الواسع أراد أن تكون هذه المقدسات لأمة محمد صلى الله عليه وسلم صافية نقية من شائبة الشرك في تاريخ جودها.
لقد تغير أثر القدمين عن هيئتهما الأصلية وذلك لأن المقام كان مكشوفا , ومن كثرة مس الأيدي له ذهبت معالم تفصيل الأصابع.
الظاهر من أثر القدمين في مقام إبراهيم عليه الصلاة والسلام أنه كان بدون نعلين حين يرتقي الحجر.
روى البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: وافقت ربي في ثلاث: قلت يا رسول الله لو اتخذت مقام إبراهيم مصلى فنزلت: واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى الخ الحديث.

السنة أن تكون الصلاة خلف المقام وليس من الضروري مقابلته تماما بل يقف خلفه في أي مكان مثل وقوف المأموم بالنسبة للإمام خلفه وعن يمينه وشماله.
كان موضع المقام في الجاهلية وعهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يوم الفتح إلى سقع الكعبة ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخره عن موضعه عندما نزلت آية واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى إلى مكانه الحالي حتى لا يعوق المصلون خلفه الطائفين , وكان كذلك على عهد أبي بكر وعمر رضي الله عنهما , وحينما جرفه السيل في خلافة عمر وأعادوه إلى ملاصقة البيت جاء عمر بنفسه من المدينة وأعاده إلى مكانه بمحضر من الصحابة وكان ذلك في رمضان عام 17هـ فهو في موقعه إلى اليوم. 14 ج4 ص24 بتصرف
أول من طوق مقام إبراهيم بالذهب أمير المؤمنين محمد المهدي عام 161هـ , ثم تتابع بعد ذلك الخلفاء والسدنة وغيرهم في صيانة المقام وترميم فضته وذهبه وتثبيته بالرصاص وغيره.
كان المقام مكشوفا بدون أي حاجز يحميه. وفي فتنة القرامطة الذين سرقوا الحجر الأسود أرادوا سرقة المقام أيضا , إلا أن بعض السدنة غيبه عنهم , فبدأ التقكير بعد ذلك في حمايته , فجعلت له قبتان متحركة إحداها خشبية والأخرى حديدية , ثم بعد ذلك عمل للمقام تابوتا يوضع فيه , وتطور الوضع إلى بناء مقصورة له تنتهي مؤخرتها بمظلة متصلة بالمقصورة ليصلي الناس تحتها ركعتي الطواف , ويقال أن أول عمل المقصورة كان عام 810هـ , وكان يتم بعد ذلك ترميمها من قبل السلاطين وغيرهم إلى أن أزيلت هذه المقصورة واستعيض عنها بالصرح البلوري في عهد دولة آل سعود وفقها الله , وذلك تجنبا لتعويق الطائفين عن الطواف ولكنه لم يغير موضعه إطلاقا.
ولقد كان مقام إبرأهيم عليه السلام حتى عام 1385هـ داخل مقصورة وعليه ستار لا يخلص إليه وقد قام بذرعه في جمادى الأولى لعام 1377هـ الشيخ محمد طاهر كردي فوجد أن ما بين شاذروان الكعبة المشرفة وبين أول شباك مقام إبراهيم عليه الصلاة والسلام المقابل للكعبة المشرفة أحد عشر مترا.
لقد كان قرار إلغاء مقصورة المقام واستبدال ذلك بالصرح البلوري المشاهد اليوم مبنيا على قرار توصية المجلس التأسيسي لرابطة العام الإسلامي الذي اتخذه في جلسته الحادية عشرة المنعقدة بتاريخ 25 \ 12 \ 1384هـ والذي جاء في مقدمة نصه: (تفاديا لخطر الزحام أيام موسم الحج وحرصا على الأرواح البريئة التي تذهب في كل سنة تحت أقدام الطائفين الأمر الذي ينافي سماحة الشريعة الإسلامية ويسرها وعدم تكليفها النفس البشرية أكثر مما في وسعها يقرر المجلس الموافقة على المشروع الآتي ورفعه إلى الجهات السعودية المختصة ...
ثم عرضت مواصفات المشروع , وكانت الاستجابة من الدولة سريعة جدا فكان هذا الإنجاز البلوري المشاهد اليوم.



هذا رسم تقريبي لكنه إلى الحقيقة أقرب , رسمناه بيدنا لحجر مقام سيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام حسب مشاهدتنا له حينما فتح لنا المقام في 17 شعبان 1367 والمقام الكريم كله محاط بالفضة من سطحه وجوانبه كما هو ظاهر في هذا الشكل , وهو ملتصق بالرخامة التي تحته لا يمكن تحريكه (محمد طاهر الكرب).

وكـلمـا طـال البـناء ارتـفـعـا بـه المـقـام فـي الهـوا ورفـعـا
بــه الـقـواعــد وفـيـه القـدم تـشـبـهـهـا للـهـاشـمـي قـدم

وهو حق لا شك فيه لما ورد من الأحاديث الصحيحة , ولما يدل عليه شكل القدمين اللتين على المقام الكريم. وكان أبو جهم ابن حذيفة القرشي الذي حضر بناء الكعبة المعظمة مرتين: في بناء قريش , وفي بناء ابن الزبير رضي الله عنهما يقول: ما رأيت شبها كشبه قدم النبي صلى الله عليه وسلم بقدم إبراهيم عليه السلام التي كنا نجدها في المقام.

وقال قوم من بني مدلج وهم من أشهر العرب معرفة بالقيافة وبالآثار والعلامات لعبد المطلب جد النبي صلى الله عليه وسلم حينما كفله بعد وفاة أمه آمنة: احتفظ بمحمد فإنا لم نر قدما أشبه بالقدم التي في مقام إبراهيم منه. (14 ج4)

وتبعا للترميم الكامل للكعبة المشرفة فقد جاء الأمر السامي الكريم من خادم الحرمين الشريفين بترميم مقام سيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام في مكانه مع عدم تغيير في موقعه ولا بمقدار مليمتر واحد.

وقد تم في هذا الترميم التغيير فقط للهيكل والقبة والهلال والكسوة الخرسانية للقاعدة على الشكل التالي:

تم تغيير الهيكل المعدني المركب على مقام سيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام بهيكل نحاسي جديد ذي جودة عالية , بالإضافة أن شبكه الداخلي مطلي بالذهب ومن الخارج زجاج مقاس 10 مليمتر ليعطي رؤية واضحة ومن النوع المقاوم للحرارة والكسر.
كما تم تغيير كسوة القاعدة الخرسانية من الجرانيت الأسود ورخام وادي فاطمة إلى رخام كرار أبيض صافي ومحلى بجرانيت أخضر ليماثل حجر سيدنا إسماعيل عليه الصلاة والسلام. وليصبح بشكل انسيابي بعد أن كان ذا شكل مضلع.
وقد تم الانتهاء من هذا الترميم في مساء الأربعاء في 21 \ 10 \ 1418هـ , ونسأل الله أن يتقبل ذلك من خادم الحرمين الشريفين أحسن قبول.

المسرد التاريخي للمسعى
قال الله تعالى: إن الصفا والمروة من شعائر الله البقرة 158 وجبل الصفا واقع أسفل جبل أبي قبيس مما يقابل ركن الحجر الأسود من الكعبة ومنه يبدأ السعي , أما المروة فهي واقعة جهة المدعى وإليها ينتهي السعي وجبلها يقع في أصل جبل قعيقعان.
السعي بين الصفا والمروة من الأمور التعبدية التي أوجبها الله سبحانه وتعالى علينا في محله المخصوص ولا يجوز العدول عنه.
أصل السعي عمل تعبدي لا نقاش في علته , ولكن بعضا من حكمته قد تظهر للمتدبر لأصول التشريع , وربما كان جزء من الحكمة أن الله سبحانه وتعالى أراد أن يرمز إلى علو إيمان أم إسماعيل عليه السلام لنتذكر دائما قصتها فنسمو بإيماننا إلى درجة سموها بإيمانها حيث عبارتها المشهورة (الله أمرك بهذا) فأجابها إبراهيم عليه الصلاة والسلام بنعم فقالت (إذا لن يضيعنا). أجابت بذلك رغم أن القرائن تدل على أنها منطقة مضيعة , ولكنها أدركت قيومية الله في أوامره فأجابت بتلك العبارة الخالدة: (إذا لن يضيعنا).
لقد كان المسعى على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم عريضا , ثم بنيت بعض الدور بعد ذلك في بعض عرض المسعى القديم , فهدمها المهدي وأدخل بعضها في المسجد الحرام وترك بعضها للسعي فيه.
لقد كان في بداية الأمر على الصفا والمروة درج , وكان قد بناها عبد الصمد بن علي بن عبد الله بن العباس عامل أبي جعفر المنصور على مكة المكرمة , وقد كانت اثنتا عشرة درجة على الصفا وخمس عشرة درجة في المروة.
كان في المروة عقد بمثابة علم يحدد المروة ومكتوب في أعلاه إن الصفا والمروة من شعائر الله وكذلك كان


على الصفا عقد أيضا , وكان يصعد إليها بدرج , وتاريخها يعود إلى ما قبل القرن الثالث الهجري.
كانت تنتهي درج الصعود إلى عقد الصفا والمروة بمصطبة واسعة للوقوف للدعاء وللدوران للرجوع ولاستراحة الضعفاء.
وفي إصلاح منطقة المسعى في عهد الملك سعود يرحمه الله هدم عقد الصفا في 24 \ 10 \ 1377هـ وبنيت درجات من الأسمنت المسلح للصعود ودرجات للهبوط.
طول المسافة بين الصفا والمروة (375 متر) وذلك حسب قياس الخطاط محمد طاهر كردي بنفسه بعد التوسعة السعودية للمسجد الحرام التي كان المسعى من ضمنها.
كانت أرضية المسعى غير مستوية ومكان الرمل بين العلمين كان منحدرا يجبر الساعي على الإسراع وحينما سويت أرضية المسعى أصبح من الضروري الاهتداء بالعلمين في مكان الرمل لأنه عمل تعبدي.
الميلان الأخضران اللذان بالمسعى وضعا للعلامة على طلب الهرولة بينهما في السعي ذهابا وإيابا وحينما أريد هدمهما بتوسعة المسجد الحرام والمسعى هدم أحدهما عام 1375هـ وظل الثاني ليكون هاديا للساعين , وحين أعيد وضعه في مكانه في عام 1376هـ هدم الثاني ثم أعيد إلى مكانه , فبهذا أعيد وضع العلمين إلى مسامتة المحل الأصلي الذي كانا فيه.
من استقراء أقوال المؤرخين يمكن استنباط أن العلمين الأخضرين ليسا مستحدثين ولكنهما وضعا لغرضهما منذ القرن الأول الهجري هداية للناس لمواطن الرمل في السعي.
لم يكن المسعى مظللا حتى عام 1341هـ حيث أمر الشريف حسين بن علي بن محمد بن عون بتظليل معظمه , ثم في عام 1366هـ أمر الملك عبد العزيز رحمه الله بتجديد سقيفة المسعى بصفة فنية محكمة بعرض 20.5 متر.
فرش المسعى لأول مرة في تاريخه بالحجارة في عهد الملك عبد العزيز رحمه الله بناء على أمره الكريم عام 1345هـ , وذلك منعا للضرر من الغبار الذي كان يؤذي الساعين وأصحاب الدكاكين حول المسعى.
لقد تم تعمير المسعى من أرضه إلى سقفه بالأسمنت المسلح كاملا وبصورة جمالية في عهد الملك سعود يرحمه الله.
أما الوضع الحالي للمسعى بدوريه وسعته العظمية ووسائل التكييف والراحة للحجاج والساعين فهو امتداد للمفخرة الكبرى لتوسعة المسجد الحرام التي وفق الله خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز لإنجازها.
أبواب المسجد الحرام
(14 ج5 ص781) من الثابت أن حد المسجد الحرام قبل الإسلام هو نفس دائرة المطاف , ولم يكن له سور ولا جدار وإنما كانت بيوت قريش تحيط به على دائرة المطاف. وقد جعلوا بين كل بيتين أو ثلاثة ممرا ومنفذا يدخل الناس منه إلى المسجد , فلما زاد عمر بن الخطاب رضي الله عنه , في المسجد الحرام أحاط به جدارا , فهو أول من زاد في المسجد وأول من أحاطه بالجدار , ولم يذكر المؤرخون أنه عمل له بابا. ولكن من البداهة القول بأنه رضي الله عنه , عمل له بابا حيث يعلم من دلالة العمل بالضرورة , فما كان محاطا بجدار لا بد أن يكون له منفذ والمنفذ هو الباب , ثم على قدر كبر المسجد تتعدد الأبواب. فلما زيد في مساحته زيد في أبوابه. ولما كان المسجد الحرام أكبر مساجد الدنيا كانت له أبواب كثيرة نورد أسماءها كما يلي:

1 باب السلام ولا ندري لماذا سمي بذلك , مع أن باب بني شيبة الذي أمام مقام إبراهيم هو باب السلام قديما.
2 باب قايتباي وبه مئذنة السلطان قايتباي , سلطان مصر سابقا , وكان يقال له (باب القوارير).
3 باب النبي سمي بذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخرج منه ويدخل فيه من منزله بزقاق العطارين وهو منزل خديجة أم المؤمنين رضي الله عنها , ويسمى باب الجنائز لأنها كانت سابقا تخرج منه , ويقال له باب النساء ويقال له باب الحريريين لبيع الحر ير في الدكاكين التي كانت بجواره.
4 باب العباس وهو ابن عبد المطلب سمي به لأنه يقابل داره التي بالمسعى.
5 باب علي ويعرف بباب بني هاشم , وبباب البطحاء أيضا.
6 باب بازان ويقال له باب بني عائذ كما سماه الأزرقي , ونحن نسميه باب القره قول أو باب مخفر الشرطة.
7 باب البغلة يقال له باب بني سفيان كما عرفه الأزرقي.
8 باب الصفا سمي بذلك لأنه يقابله , ويقال له باب بني مخزوم , وباب أجياد الصغير.
9 باب أجياد سمي بذلك لأنه يخرج منه إليها على خط مستقيم.
10 باب الرحمة ويقال له باب المجاهدية , لأن عنده مدرسة الملك المجاهد صاحب اليمن ويسمى أيضا بباب أجياد.
11 باب التكية أي التكية المصرية لأنه أمامها , ويقال له باب الشريف عجلان وباب بني تيم.
12 باب أم هانئ وهي ابنة أبي طالب , ويقال له باب الحميدية (وهي دار الحكومة) ويقال له أيضا (باب أجياد الكبير)
13 باب الوداع ويقال له باب الحزورة , وباب الحزامية , وباب بني حكيم بن حزام.
14 باب إبراهيم سمي باسم رجل خياط كان عنده اسمه إبراهيم.
15 باب صغير بمدرسة الشريف عبد المطلب.
16 باب الداودية سمي بذلك لأنه يدخل إلى المسجد من مدرسة الداودية.
17 باب العمرة وسمي بذلك لأن المعتمر من التنعيم يرجع من طريق الشبيكة فيدخل المسجد الحرام من هذا الباب غالبا لقربه ويقال له باب بني سهم , وباب بني جمح.
18 باب العتيق ويقال له باب السدة , وباب عمرو بن العاص.
19 باب الزمامية وهو بين باب العتيق وباب الباسطية.
20 باب الباسطية سمي بها لاتصاله بمدرسة عبد الباسط , ويقال له باب العجلة , وسمي بذلك لدار كانت عنده بناها ابن الزبير رضي الله عنه , على عجل فكانت تبنى بالليل والنهار حتى فرغ منها سريعا.
21 باب القطبي وهو في جانب رحبة باب الزيادة. وكان يقال له أيضا باب الزيادة. والقطبي المنسوب إليه هو عبد الكريم القطبي.
22 باب الزيادة ويقال له باب سويقة لأنه يخرج منه إليها.
23 باب المحكمة سمي بذلك لأنه يؤدي إليها.
24 باب الكتبخانة ومنه يدخل إلى مكتبة المسجد الحرام.
25 باب دريبة سمي بذلك لأن دربا صغيرا ينفذ إلى سويقة.
26 باب مراد وهو الذي عند المروة.
يرتبط المسجد الحرام بالكعبة المعظمة ارتباطا وثيقا منذ بنائها الأول , فإن حد المسجد الحرام منذ صدر الإسلام وما قبله هو نفس المطاف المفروش بالحجر الرخام الأبيض المحيط بجوانب الكعبة المشرفة الذي نسميه بالصحن قبل توسعة الملك سعود يرحمه الله له , ومعظمنا أدرك مساحته ورآها قبل التوسعة , هذه المساحة الصغيرة هي حد المطاف منذ بناء الكعبة لأول مرة , وهي نفسها أيضا حد المسجد الحرام منذ العصور الغابرة , وإلى حده كانت منازل قريش , فكانت منازلهم محيطة بالمسجد كأنها جداره وبينها فتحات توصل إليه وإلى الكعبة , حيث لم يكن للمسجد جدار يحيط به.

ثم إن المسجد الحرام ضاقت مساحته الصغيرة على الناس في صدر الإسلام لانتشار الإسلام فحصلت فيه عدة مرات من الزيادات والتوسعة من عهد الصحابة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين إلى يومنا هذا , وها نحن نحصي تلك المرات كما يأتي:

زيادة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه سنة 17هـ , زاد فيه بعد أن انتهى من وضع حجر مقام إبراهيم عليه السلام في موضعه الموجود فيه اليوم بعد أن ذهب به سيل أم نهشل إلى أسفل مكة , فاشترى أمير المؤمنين دورا من تلك الدور التي تلاصق المسجد الحرام وهدمها وأدخل أرضها فيه - وبذلك توسع المسجد نوعا ما , ثم بنى عمر رضي الله عنه حائطا على المسجد دون القامة وجعل فيه أبوابا , فكانت المصابيح التي تضيء المسجد توضع على هذا الحائط. فكان عمر رضي الله عنه أول من وسع المسجد وزاد فيه , وأول من أحاطه بالجدار , وأول من فرشه بالحصباء. وقدرت مساحة زيادته بـ 1400 متر تقريبا.

زيادة أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه سنة 26هـ , فقد ضاق المسجد الحرام على المصلين , فاشترى عثمان رضي الله عنه من الدور الملاصقة للمسجد وهدمها وأدخل أرضها فيه , ولما لم يكن للمسجد رواق فإنه رضي الله عنه جعل له أروقة يستظل الناس تحتها. وقدرت مساحة الزيادة فيه بـ 1475 متر مربع تقريبا.
زيادة عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما سنة 65هـ فإنه في خلافته بعد أن انتهى من بناء الكعبة المشرفة عمر المسجد وزاد فيه زيادة كبيرة بالنسبة للزيادتين السابقتين , فاشترى دورا وهدمها وأدخل أرضها في المسجد , ومن ضمنها بعض دار الإمام الأزرقي صاحب تاريخ مكة ببضعة عشر ألف دينار , إذ كانت لاصقة به. فكانت مساحة المسجد الحرام مع زيادة ابن الزبير مساحة كبيرة استوجبت أن يسقف جزءا منها. وقدرت مساحة الزيادة فيه بـ 3225 متر.
زيادة الوليد بن عبد الملك بن مروان سنة 91هـ فإنه أمر بتوسيع المسجد الحرام وعمارته عمارة متينة محكمة قوية , وأحضر له أساطين الرخام من مصر والشام وجعل على رءوسها صفائح الذهب وسقف المسجد بالساج المزخرف , وجعل له شرفات , وجعل في حائطه الطيقان (العقود) , وجعل في أعلى العقود الفسيفساء , فكانت زيادة الوليد من الجهة الشرقية. وقدرت مساحة الزيادة فيه بـ 1725 متر.
زيادة أبي جعفر المنصور سنة 137هـ في شهر محرم , فإنه أمر عامله على مكة زياد بن عبد الله الحارثي بتوسيع المسجد الحرام فزاد في شقه الشامي الذي يلي دار الندوة , وزاد في أسفله إلى أن انتهى إلى منارة باب العمرة ومنها على خط مستقيم من الجهة الغربية إلى ما يلي باب إبراهيم على حد الحصوة كما ذكر المرحوم الشيخ حسين باسلامة. وقد زاد في المسجد كثيرا عما كان عليه من قبل وزخرفه بالذهب والفسيفساء , وألبس حجر إسماعيل بالرخام من داخله وخارجه وأعلاه - فكان أبو منصور أول من ألبسه بالرخام المرمر , وقد استدام هذا العمل ثلاثة أعوام - فقد بدئ فيه في السنة المذكورة وانتهى منه في ذي الحجة سنة 140هـ , وفي هذه السنة حج أبو جعفر المنصور وبذل الأموال العظيمة رحمه الله. وقدرت مساحة الزيادة فيه بـ 4950 متر مربع.
زيادة محمد المهدي العباسي سنة 160 وسنة 164هـ , أي وسع المسجد مرتين , وتوسعته وزيادته فيه تعادل جميع زيادات من تقدمه حتى صار بوضعه الحالي إلى اليوم , ما عدا زيادة باب إبراهيم وزيادة باب الزيارة كما سيأتي تفصيله.
(ففي المرة الأولى) لما حج رحمه الله تعالى سنة 160هـ وأتى بالأموال العظيمة التي قدرت بثلاثين ألف ألف درهم - أي بأكثر من ثلاثين مليونا من الدنانير - استدعى قاضي مكة يومئذ محمد الأقوص المخزومي وأمره أن يشتري دورا في أعلى المسجد الحرام ويهدمها ويدخل أرضها فيه , فاشترى القاضي جميع ما كان بين المسجد الحرام والمسعى من الدور فما كانت من الأوقاف والصدقات (كالأربطة ويطلق عليه المصريون التكايا) اشترى للمستحقين بدلها دورا في فجاج مكة , فكان مما أدخل فيه من الدور ما بقي من دار الأزرقي الذي كما ذكرناه من أن ابن الزبير اشترى بعضها وأدخله في المسجد الحرام حينما زاد فيه , وأدخل المهدي في المسجد كثيرا من الدور الشهيرة في الجانب الشرقي.

وكذلك اشترى كثيرا من الدور من الجانب الغربي وأدخلها في المسجد الحرام , وكذلك زاد من الجانب الشمالي والجانب الجنوبي. وقدرت مساحة الزيادة فيه بـ 8380 متر مربع.

(وفي المرة الثانية) لما حج المهدي سنة 164هـ رأى أن المسجد الحرام لم يكن مربعا تمام التربيع وأن الكعبة المشرفة لم تقع بوسطه , فجمع المهندسين ومهرة البنائين وأمرهم أن يربعوا المسجد بحيث تكون الكعبة المشرفة بوسطه تماما فاعتذروا باستحالة هذا الأمر وصعوبة تنفيذه لأن الجهة الجنوبية - التي لم يتمكنوا من توسيع المسجد من ناحيتها - بها مجرى سيل وادي إبراهيم وخلف المجرى دور ومنازل , ففي هدم هذه الدور وتحويل المجرى إلى أرضها قد لا يكون من السهل الميسور وربما لا يثبت أساس البناء , فأصر أمير المؤمنين محمد المهدي رحمه الله وأحسن مثوبته على تنفيذ رغبته , وقال لهم لا بد من ذلك ولو أنفقت جميع بيوت الأموال وصمم على ذلك تصميما قويا , فلما رأى المهندسون قوة عزم أمير المؤمنين نزلوا على إرادته وعملوا على تنفيذ أمره بهمة ونشاط وشمروا عن ساعد الجد بنية صادقة وإخلاص كبير , فقاموا بتحويل مجرى سيل وادي إبراهيم عن موضعه بأن نصبوا الرماح على أسطحة الدور من أول الوادي إلى آخره وبينوا ما يهدم من البيوت والدور وموضع المسعى ومحل السيل , وعملوا كل ما من شأنه أن يربع المسجد الحرام وأن تكون الكعبة المشرفة بوسطة , فلما شاهد المهدي رحمه الله رسم ذلك واطمأن إلى تنفيذ رغبته على الوجه الأكمل توجه العراق وخلف أموالا عظيمة لشراء البيوت وقيام العمارة - وبذلك صارت هذه التوسعة أضعاف ما تقدم من الزيادات ولا يزال المسجد الحرام على هذه التوسعة المربعة إلى اليوم , وما حصل من الزيادتين الصغيرتين في المسجد بعده إنما هما خارجتان من التربيع. وقدرت مساحة الزيادة فيه بـ 6560 متر مربع.

زيادة المعتضد بالله العباسي سنة 281هـ , فإنه أمر بإدخال دار الندوة في المسجد الحرام وكانت محلها رحبة باب الزيادة وعمرها بأساطين وطاقات وأروقة مسقفة بالساج المزخرف , وفتح لها اثني عشر بابا بستة عقود كبار وبينهم ستة صغار وبنى فيها منارة , وقد فرغ من ذلك في ثلاث سنين. وقدرت مساحة الزيادة فيه بـ 2500 متر.
زيادة المقتدر بالله العباسي سنة 306هـ , فإنه أمر بتوسعة المسجد الحرام بإدخال باب إبراهيم وما يتبعه من الرواق , وسمي بذلك باسم خياط كان يجلس عنده - وأيضا جدد المقتدر بالله أنصاب الحرم. وقدرت مساحة الزيادة فيه بـ 980 متر مربع.
هذه خلاصة أمر توسعة المسجد الحرام والزيادة فيه , ثم لم يحدث منذ أكثر من ألف سنة أن عمل أحد في توسعته أو الزيادة فيه مطلقا , هذا ما كان من أمر التوسعة قديما.

ملحظة: يجب أن نعلم بأن مساحة المطاف الذي هو المسجد الحرام القديم من قبل الإسلام هي 2000 ألفان من الأمتار المربعة , والمطاف بيضاوي الشكل تقريبا. ولا يفوتنا أن ننبه إلى أن معرفة ما زاده عمر ابن الخطاب رضي الله عنه في المسجد وحده , أو زاده عثمان بن عفان رضي الله عنه فيه وحده من المتعذر معرفته معرفة مضبوطة. 14