أبو بسام
03-03-2001, 04:02 PM
إن المسجد النبوي الشريف متعلق +بقلب كل مسلم , شأنه في ذلك شأن مكة المكرمة والمقدس الشريف , وهو مسجد يتميز بأن الله سبحانه وتعالى قد اختار موقعه , واصطفى نبيه صلى الله عليه وسلم مصمما ومشرفا وبانيا له , واستخدم الصفوة المختارة من الصحابة رضوان الله عليهم عمالا منفذين له , ثم سخر من أراد تشريفهم من الخلفاء , والملوك والرؤساء أن يصونوا هذا البناء المشيد , ويوسعوا رقعته كلما تزايد تعلق الأفئدة به من كل فج عميق .
وإن تشييد بيوت الله ومساجده عمل عظيم , والأعمال العظام يسخر الله لها العظماء , وهي لا تكون عظاما إلا إذا كانت خدمة لعباد الله استجابة لنداء الله , حتى أن لقب الإيمان منحه الله سبحانه وتعالى لكل من لبى هذا النداء فقال جل وعلا في سورة التوبة إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله فحين نكتب عن مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما نكتب عن الإيمان وعن الشرف وعن العظمة .
ومسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم يقع في المدينة المنورة , وهو مرتبط بها وهي مرتبطة به , ولا نريد أن نجتزئ المسجد النبوي الشريف عن إطاره المتمثل فيه , فنفرده في الكتابة مقصيا , لذا صار من المستحسن أن نسبق الحديث عن المسجد النبوي الشريف بالحديث ولو مختصرا عن المدينة المنورة إطار هذا المسجد وحرمه , نتطرق إلى ولادتها ونشأتها وموقعها وأسمائها وفضلها وبعض جغرافيتها وشيء من النظم والنثر الذي قيل فيها . فلنعش في الصفحات التالية في رحاب طيبة الطيبة .
المدينة المنورة ليست قرية حديثة التكوين , فتاريخها العريق يضرب بجذوره إلى آلاف السنين , إلا أنه بصفة عامة يمكننا أن نقسم عمر المدينة المنورة إلى مرحلتين لكل منهما أهميتها :
المرحلة الأولى : من بداية مولدها الغامض تاريخه , والذي لا يمكن تحديده بدقة , إلى زمن هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم إليها .
المرحلة الثانية : وهي مرحلة ولادتها الجديدة والتي تحققت بهجرته صلى الله عليه وسلم إليها وتستمر إلى وقتنا الحاضر وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها إن شاء الله . وهذه الولادة الثانية لم تكن في الواقع ولادة محلية فحسب بل كانت وبكل أمانة ولادة عالمية , إذ أن إشراقة تاريخها الجديد بحلول المصطفى صلى الله عليه وسلم فيها كانت إشراقة عالمية امتدت خيوط أشعتها على الدنيا حتى أصبحت في حقبة تاريخية مركز ضياء العالم .
ولا يفيدنا كثيرا أن نعرف من هو أول من أسسها ومن سكنها والأحداث التي مرت بها في بداية نشأتها , ولو أن لهذا الأمر أهميته إلا أن الذي يقلل من تلك الفائدة أن الآراء والأقوال التاريخية في تاريخ المدينة الموغل في القدم كلها عليها علامات تساؤل , فهي تتضارب أحيانا وتتداخل مع خرافة أحيانا أخرى , إلا أن هناك نقاط التقاء لبعض المعلومات التاريخية عنها تكاد تكون بمثابة إجماع بين المؤرخين نذكرها بإيجاز دون الحاجة إلى ذكر المراجع المتفرقة فيها لأنها حصيلة لأقوال , وجمع لمتفرق , ولأن هذا الإصدار الذي نحن بصدده ليس كتابا أكاديميا يرجع إليه العلماء في قضايا التحقيق التاريخي في كل محتوياته , فجزء منه ربما يكون كذلك مثل الجزء الذي يخص آخر توسعات للمسجد النبوي الشريف في عهد حكومة الدولة السعودية الثالثة والتي في قمتها توسعة خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز وفقه الله . وكذا توسعة المسجد الحرام والترميم الشامل للكعبة المشرفة . أما النواحي الأخرى من الحديث عن المدينة المنورة فيكفي فيها أن نؤكد للقارئ التزامنا الدقة والأمانة في النقل المتناسقة مع الإيجاز والاختصار المطلوبين لهذا الإصدار , ولكننا أيضا قد نشير إلى مصادر بعض النقاط إذا رأينا الأمر يحتاج إلى ذلك .
وهذه المعلومات العامة التي تكاد تكون موضع اتفاق بين المؤرخين نوجزها في النقاط التالية :
1- يتفق الجميع على أن المدينة المنورة كانت تسمى يثرب قبل الهجرة وذلك بنص القرآن الكريم في قوله تعالى : وإذ قالت طائفة منهم يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا ويستأذن فريق منهم النبي يقولون إن بيوتنا عورة وما هي بعورة إن يريدون إلا فرارا سورة الأحزاب آية 13 كما أن النصوص تثبت نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن الاستمرار في استخدام هذه التسمية حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي يرويه البراء بن عازب : " من سمى المدينة يثرب فليستغفر الله عز وجل هي طابة هي طابة " . 42 ج 1 وأما كون هذه التسمية موجودة في القرآن فهذا كان على سبيل الحكاية من الله عن أقوال بعض المنافقين .
2- تكاد تتفق معظم المصادر العربية على أن اسم يثرب إنما هو اسم رجل من أحفاد نوح عليه السلام وقد يكون هو مؤسسها الأول , ولكن مع الاختلاف في عدد الأجيال بين يثرب ونوح وكذا في الأسماء داخل هذا النسب الموصل إلى سيدنا نوح عليه السلام .
3- يتردد في كتب التاريخ اسم عبيل والعماليق كلما ذكرت نشأة المدينة المنورة على أنهم أول من سكنوها إلا أن الترتيب فيه خلاف , أما قدومهم إلى المنطقة فقد جاء ضمن حركة الهجرات البشرية القديمة التي كانت تعتبر وضعا اعتياديا لأحوال القبائل في التحرك في تلك الحقب عن موطنها إلى مواطن أخرى كلما تجددت ظروف طبيعية أو اجتماعية طاردة .
4- صعل وفالج جاء ذكرهم ضمن من سكن المدينة في بداية نشأتها وأن اليهود جاءوا عليهم .
5- لا شك بين المؤرخين والمحدثين إطلاقا في أن الرسول صلى الله عليه وسلم حين هاجر إلى المدينة كان سكانها من خليط من القبائل العربية واليهودية , وأن أبرزهم الأوس والخزرج من العرب وبنو قنيقاع وبنو قريظة وبنو النضير من اليهود . أما كيف جاء اليهود إلى المدينة وكذا الأوس والخزرج وأنهم أسبق استيطانا فيها وهل كان تأسيسها على أيدي جماعة منهم فهذا هو مالا نجد إجابة شافية عليه في المصادر التاريخية .
6- إن الأوس والخزرج قبيلتان قحطانيتان أصلهما من العرب العاربة جاءتا من سبأ باليمن قبل أو أثر انهيار سد مأرب وكارثة سيل العرم وأن أمهما قيلة بنت الأرقم بن عمرو بن جفنة . وهذا له مدلول إرادي من الله إذ إن والدي الرسول صلى الله عليه وسلم من قريش من العرب المستعربة , وأخوال جده عبد المطلب من بني النجار من العرب العاربة , فهو صلى الله عليه وسلم يجمع في نسبه الشريف العرب العاربة والعرب المستعربة .
7- من المتواتر في كتب التاريخ عن حياة الأوس والخزرج قبل هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة أنها كانت حياة معارك مستمرة , أنهكتهم الحرب أكثر من قرن من الزمان , وهي سلسلة متتابعة من الحوادث تسمى على سبيل التغليب حروب بعاث نسبة لآخر حرب فيها , وهذه الحروب بدأت بما يسمى حرب سمير نسبة إلى رجل من الأوس كان السبب المباشر في إشعالها واسمه سمير بن زيد , وآخرها حرب بعاث التي خمدت قبل الهجرة بخمس سنوات , وبين هاتين الحربين نشبت أكثر من عشرة حروب , منها حرب حاطب والسرارة , وفارع , ويوم الربيع وموقعة الفجار الأولى وغيرها , وفي كل هذه الحروب كان اليهود هم نواة إضرامها بين الأوس والخزرج واستمرت هذه السلسلة من الحروب زهاء مائة وعشرين عاما . إن هذه الحروب كانت بإرادة الله توطئة لتطلع الأوس والخزرج إلى وضع سلمي هادئ , وهذا كان عاملا مهما دفعهم إلى سرعة الاستجابة لرسول الله صلى الله عليه وسلم حينما التقى بأفراد منهم في منى ودعاهم إلى الإسلام في بيعات العقبة الثلاث ففتحوا صدورهم له صلى الله عليه وسلم . هذه النقاط التي ذكرناها هي مكان إجماع تقريبا عند المؤرخين وأصحاب السير , وما عدا ذلك من الأخبار فهي كثيرة ومتشعبة يرجع إليها في مصادرها من لهم ميل لترف القصص التاريخي .
الموقع الفلكي
ويقصد به الموقع بالنسبة لخطوط الطول والعرض , ومعرفة هذا الموقع يفيد في التعرف على الزمن الدولي والمحلي وكذا طبيعة المناخ فيها .
والمدينة تقع على (39ْ) درجة و (36َ) دقيقة وثانية واحدة من خطوط الطول . وعلى (24ْ) درجة و (28َ) دقيقة و (5ََ) ثانية من خطوط العرض , ويتراوح ارتفاعها عن مستوى البحر بصفة عامة بين (597) و (639) متر . 43 ص 17
الموقع الجغرافي : تقع المدينة المنورة في الحجاز (في المنطقة الغربية من المملكة العربية السعودية) , إلى الشمال من مكة حيث تبعد عنها (420) كيلو متر . وتبعد عن مينائها التاريخي (ينبع البحر) بحوالي 220 كيلو متر , أما عن الرياض عاصمة المملكة فتبعد عنها نحو 900 كلم تقريبا .
وهي واحة زراعية تمتد على فسيح من الأرض الخصبة , تكتنفها حرار ذات حجارة سوداء نخرة هي من بقايا الرواسب والطفوحات البركانية , وقد سميت الحرتان تاريخيا بلابتي المدينة جاء في الحديث (ما بين لابتيها حرام) وهي حرة واقم وحرة الوبرة , وتعرف حديثا بالحرة الشرقية والحرة الغربية , وتلتقي هاتان الحرتان ببعضهما البعض في جنوب المدينة ثم تأخذان بالانفراج كلما اتجهنا إلى الشمال حتى تنقطع الحرة الشرقية قرب سيد الشهداء والحرة الغربية عند مسجد القبلتين وهو فيها , وبين هذين الفكين تقع مساكن ومزارع المدينة الآمنة المطمئنة .
وأبرز ظاهرة جغرافية تضاريسية في المدينة هو وجود جبل سلع الذي كان يشرف عليها مباشرة في الجانب الشمالي الغربي منها إذا اعتبرنا المسجد النبوي هو المركز , ولكن الآن وبعد الامتداد العمراني الواسع أصبح جبل سلع في قلب المدينة المنورة .
وإذا أردنا أن نحدد أطرافها بظواهر جغرافية طبيعية فيمكن القول بأنه يحتضنها جبلان وواديان . من الجنوب جبل عير ويحاذيه وادي العقيق لمسافة بسيطة ثم ينحني هذا الوادي باتجاه الشمال ليصبح ممتدا غرب المدينة , ومن الشمال جبل أحد ووادي قناة الذي يمر بمتاخمة سيد الشهداء . ويخترق المدينة مارا بوسطها وادي بطحان ممتدا من الجنوب إلى الشمال ويسمى وادي أبي جيدة , ويلتقي مع وادي العقيق بأسفل المدينة في الجانب الشمالي , وقد عمق مجراه صناعيا مكشوفا من ناحية قربان , إلا أنه بعد ذلك سير بأنابيب ضخمة دفن فوقها مجراه مراعاة لظروف المواصلات إلى منطقة العيون .
وخلف جبل أحد يقع جبيل صغير مستدير أحمر يسمى جبل ثور ويعتبر الحد الشمالي للمدينة وحرمها , وهو يبعد عن المسجد النبوي بنحو (8) كيلو متر , كما أن جبل عير يبعد أيضا عن المدينة (8) كيلو متر , فالمسافة من الحد الشمالي إلى الجنوب (ثور- عير) (16) كيلو متر تقريبا .
وقد ذكرنا أن حرتي المدينة تقع في شرقها وغربها , وجزءا كبيرا منها داخل حدودها , ويمكن أن نعتبر امتداد الحد بين الحرتين من المنطقة التي تسمى عروة وواديه غربا إلى مسجد العريض شرقا , وهو يقع في الداخل إلى اليمين من السائر إلى المطار بمحاذاة ما بعد الجسر الذي بعد مركز البلول التجاري , وقد كانت هذه المنطقة مركز حجر صحي في بداية عهد حكومتنا العزيزة .
الظواهر المناخية في المدينة المنورة
مناخ المدينة صحراوي قاري جاف , ويكسر الغطاء الزراعي بها شيئا من حدة هذا الجفاف , صيفها طويل حار , وتهب عليها رياح السموم بين فترة وأخرى , كما يتميز مناخها بشتاء قصير تتخلله بعض الأيام المطيرة , وقد لا نعدم فيها أمطارا في وسط فصل الربيع ونهايته , إلا أن أمطارها بصفة عامة قليلة , وقد وصفها رسول الله صلى الله عليه وسلم بقلة مطرها . فقد روى الإمام أحمد والطبراني في الأوسط برجال الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إنها أرض قليلة المطر - أي المدينة " وقد ورد حديث آخر فيه شيء من الضعف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من كانت له غنم فليسربها عن المدينة فإن المدينة أقل أرض الله مطرا " رواه الطبراني في الكبير .
أسماء المدينة المنورة
حسب المدينة شرفا أنها دار الإيمان , ومتبوأ الهدى والفرقان , والعاصمة الأولى للإسلام , وحاضنة مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقبره الشريف , اختارها الله لأن تكون معقلا لإعزاز دينه ونصرة نبيه وحمل رسالته , فلذلك كان لها من الشرف ما كثرت معه أسماؤها وكل اسم من أسمائها إنما يحمل صفة إيمانية , وكثرة الأسماء تدل على شرف المسمى . وليس المجال هنا سرد جميع أسمائها التي بلغ عددها في بعض المؤلفات إلى أكثر من تسعين اسما نكتفي بذكر بعضها تمثيلا لا حصرا .
1- فاسمها المعروفة به -المدينة- وهو علم عليها إذا أطلقت كلمة المدينة بدون إضافة , وقد ذكر هذا الاسم في القرآن الكريم في أكثر من موضع كما ذكر في السنة أيضا , ويضاف إليها كلمة المنورة لأنها ضاءت بنور الله +وهدى رسول الله صلى الله عليه وسلم , وأضاءت بهما الخافقين . وسمى حسان بن ثابت مسجدها " المعهد المنير " .
2- ومن أسمائها طابة , لما ورد في البخاري عن سهل بن سعد عن أبي حميد رضي الله عنه قال أقبلنا مع النبي صلى الله عليه وسلم من تبوك حتى أشرفنا على المدينة فقال : " هذه طابة " .
3- طيبة , وذلك لطيبها وحلول الطيب صلى الله عليه وسلم بها ولحديث " كانوا يسمون المدينة يثرب فسماها رسول الله صلى الله عليه وسلم طيبة " .
4- الدار . . لقوله تعالى : والذين تبوءوا الدار والإيمان
5- الحبيبة : لحب رسول الله صلى الله عليه وسلم لها وبحبه لها هي حبيبة إلى المسلمين جميعا .
6- حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أورده الطبراني برجال موثقين , قوله صلى الله عليه وسلم : حرم إبراهيم مكة , وحرمي المدينة
7- دار الهجرة . . لأنها مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام رضي الله عنهم أجمعين .
8- الفتح , وذلك لأن جميع الأمصار فتحت منها .
9- مأرز الإيمان , للحديث الوارد في البخاري ومسلم أنه صلى الله عليه وسلم قال : إن الإيمان ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى حجرها
10- المحفوظة , لأن الله حفظها من الطاعون والدجال .
فضل المدينة المنورة وحرمتها وفضل أهلها وحرمتهم
إن مكانة الشيء إنما تكون من ذاته بما اتصف به من كمال وجمال , أو بما يحيط به أو يجاوره , أو ما ورد عنه .
وهكذا كانت المدينة المنورة , فقد اجتمع لها كل ذلك , وحسبك في مكانتها مئات الأحاديث الواردة في ذلك عن الصادق المصدوق المبلغ عن الله , ولا يسعنا أن نأتي على محامد هذه البلدة المقدسة , وفي الإشارة إلى جزء من ذلك غنية كافية ودليل شاف , ويكفي أن نذكر عنها بأنها حرم آمن , وبلد صدق , حرمها الله , وأحلها بركاته , وأحرسها الملائكة , وجعلها مهاجر حبيبه صلى الله عليه وسلم ومثواه , بها آخر مساجد الأنبياء , اختار الله مكانها , وسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم دعا لها , القلوب تهواها وتهوي إليها , أمن حيوانها فحرم صيده وتنفيره فيها , وأمن نباتها فحرم قطع الشجر فيها , ونهى عن حمل السلاح للقتال فيها , منع الله الدجال من دخولها , ويئس الشيطان أن يعبد فيها , كما منع غير المسلمين من غزوها , للملحد والمحدث فيها أشد العقوبة , ولمن آذى أهلها النكال , مدينة تشرف أهلها برسول الله صلى الله عليه وسلم , واضطربت جبالها تحت قدميه فرحا , وحن الجذع فيها شوقا إليه , ضوعف أجر الصلاة فيها , وشرع شد الرحال إلى مسجدها , تمرها وترابها شفاء , بعض أجزائها من الجنة , أهلها جيران رسوله , من مات فيها كان آمنا , وأهلها أول من يحشر معه صلى الله عليه وسلم على صعيد القيامة ويشفع لهم- مدخل صدق لنبي صدق ولأهل صدق , فتحت المدن بالسيف وفتحت بالقرآن , إن الحديث عنها يحلو بقدر محبة المتكلم عنها وهل لهذه المحبة حدود ؟ كلا فحبها من الإيمان , وحب أهلها من الإيمان , وبغضهم من النفاق , فما بالك بحب من احتوته حشاشتها ؟ ولكيلا نفقد بركة ذكر أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها نجتزئ بعض أحاديث شاملة وهي من بين آلاف الأحاديث فيها .
ففي البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد , اللهم بارك لنا في صاعنا ومدنا وصححها لنا
وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إن الإيمان ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى حجرها
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
أمرت بقرية تأكل القرى , يقولون يثرب , وهي المدينة تنفي الناس كما ينفي الكير خبث الحديد رواه البخاري .
وروى الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : على أنقاب المدينة ملائكة , لا يدخلها الطاعون ولا الدجال
وقد ورد في البخاري وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في سياق حديث طويل : والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون وقد كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول :
" اللهم ارزقني شهادة في سبيلك , واجعل موتي في بلد رسولك صلى الله عليه وسلم " .
ورد في صحيح مسلم عن عامر بن سعد عن أبيه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إني أحرم ما بين لابتي المدينة أن يقطع عضاها أو يقتل صيدها , وقال : المدينة خير لهم لو كانوا يعلمون , لا يدعها أحد رغبة عنها إلا أبدل الله فيها من هو خير منه , ولا يثبت أحد على لأوائها وجهدها إلا كنت له شفيعا أو شهيدا يوم القيامة
وزاد في رواية أخرى : ولا يريد أحد أهل المدينة بسوء إلا أذابه الله في النار ذوب الرصاص أو ذوب الملح في الماء
وفي رواية لعائشة رضي الله عنها : " ولا يكيد أهل المدينة أحد إلا انماع كما ينماع الملح في الماء " .
وفي رواية للبخاري ومسلم " المدينة حرم ما بين عائر إلى كذا . . . , من أحدث فيها حدثا أو أوى محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه صرف ولا عدل . . . " .
وكان أبو هريرة رضي الله عنه يقول " لو رأيت الظباء بالمدينة ترتع ما ذعرتها , قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بين لابتيها حرام " .
حرم المدينة المنورة وحدوده
إننا لسنا بصدد تحقيق دقيق وبحث مستفيض عن حدود حرم المدينة المنورة , فالكلام في هذا الباب يطول ويكفي أن نقدم للقارئ خلاصة ما نراه أنه أقرب إلى الصواب في هذا الباب , وبالقدر الذي يحتاجه الساكن للمدينة المنورة عن هذا الحرم .
فنقول : إن للمدينة المنورة حرمين معروفين عند الفقهاء , حرما أشد حرمة من الآخر وهو الحرم المركزي ويسمى حرم الصيد " وهو الذي يكاد ينحصر فيه معنى فضل السكن فيه , وكثرة البركات فيه , وشديد الوعيد في الإحداث فيه . والحرم الآخر وهو ما يخص حماية المصالح الاقتصادية المتعلقة بالمدينة من حولها , وحفظا لها من احتكار المناطق الرعوية بها . وهذا يسمى حرم الشجر وهو ما يطلق عليه حمى المدينة .
وهذا الحمى حدوده في أبسط أشكاله هو أن نتخذ منطقة مركزية- في داخل المدينة المنورة ووسطها فنجعل منها دائرة قطرها بين 44 إلى خمسين كيلو متر . وعلى هذا فيمكن اعتبار امتداد هذا الحرم من شرق العاقول إلى منطقة شمال المطار فالنقمي ومنطقة الخليل ثم الاتجاه إلى الغرب الجنوبي إلى محاذاة المفرحات ثم النقيع فعودة أخرى من خلف عير بعمق عشرة كيلو مترات والتقاء بشرق العاقول .
والناس في الواقع لا يعيرون اهتماما لهذا الحرم لأنه خارج نطاق اختصاصهم الاجتماعي والاقتصادي اليوم , وإذا ما ظهر سؤال من شخص عن حدود الحرم فالمتبادر إلى الذهن أن يقصد التعرف على الحرم المركزي الذي هو حرم الصيد وفضيلة السكن . وتحديدي للحرم بالذي ذكرته مبني على الحديث الوارد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في سنن أبي داود عن عدي بن زيد قال : حمى رسول الله صلى الله عليه وسلم كل ناحية من المدينة بريدا في بريد لا يخبط شجره ولا يعضد إلا ما يساق به الجمل
والبريد يساوي اثني عشر ميلا بالميل القديم والميل يساوي 1848 متر تقريبا , والبريد أيضا يساوي أربعة فراسخ وبالأميال يساوي ثلاثة , فيكون طول البريد 22176 متر وهو ما يمثل نصف قطر دائرة حمى الشجر , أو حرم الشجر . على أن هذه الأرقام اجتهادية ولكنها لا تبتعد كثيرا عن الحقيقة والخلاف فيها جزئي .
أما حرم الصيد وهو الذي يسأل الناس دائما عنه لأنه يحقق لهم معاني فقهية في أحوالهم السكنية والمعيشية فيعتمد في تحديده على بعض الاحاديث الواردة فيه منها قوله صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم : إني أحرم ما بين لابتي المدينة أي حرتيها , وهي معروفة اليوم بالحرة الشرقية والحرة الغربية , وقديما بحرة واقم والوبرة , ولكن الخلاف في مقدار جزء الحرة الداخل في الحرم , والمتفق بين المحققين أن الحرة الغربية كلها في الحرم , وأن الحرة الشرقية يدخل معظمها في الحرم إلى ما بعد ديار بني حارثه في أعلى الحرة بمنطقة العريض , والعريض من الحرم .
أما امتداد الحرم من الناحية الشمالية والجنوبية فيعتمد فيه على ما رواه مسلم بلفظ "المدينة حرم ما بين عير إلى ثور" .
وعير جبل واضح مستقيم القمة يقع على امتداد جنوب المدينة بينه وبين قلب المدينة , حوالي ثمانية كيلو مترات , وثور عبارة عن جبيل صغير يقع بلا خلاف خلف أحد أو خلف مسامتة أحد حيث يدخل جبل أحد في الحرم , والخلاف قائم في تحديد هذا الجبل بالدقة فربما اختار البعض الجبل الصغير الأحمر المستدير الذي يقع شمال جبل أحد , وربما ارتأى البعض غير ذلك فيما رأيناه عن بعض محققي تاريخ المدينة الذين يرون أنه الجبل القابع مثل الثور في بداية منطقة الخليل على يمين السائر من خط الأسفلت العام متجها إلى بساتين الخليل , وعلى أي حال أنا لا أرى خلافا كبيرا في هذا التحديد إذ إن الجبل الأول محاذ للجبل الثاني من جهة الغرب والجبل الثاني محاذ للأول من جهة الشرق , فيمكن أن يقع كلاهما على محيط الدائرة التي يمكن أن نرسمها من مركز المدينة بنصف قطر طوله ثمانية كيلو مترات تقريبا , وأنا أرى أنه لا مانع هندسيا ولا منطقيا ولا فقهيا أن تتسع دائرة حرم الصيد فتضم الجزء الأدنى والأوسط من وادي العقيق الذي يبدأ بمسجد الميقات والبداية الشرقية للبيداء , وهذا أحوط إلا في شيء واحد وهو فضل السكن والإقامة , وهذه أيضا أراها أنها ضمن الأحوط أيضا توسيعا للناس واستنادا على أن وادي العقيق من بدء منطقة الميقات واد مبارك بصريح قول رسول الله صلى الله عليه وسلم , والبركة لن تتسع لبطن الوادي ثم تضيق عن أطرافه ورحمة الله أوسع من ذلك .
هذا الرأي عن حدود الحرم لا أجزم به كليا ولكنه من باب تيسير الفهم للناس في هذا الموضوع , ونسأل الله أن يعصمنا من الزلل والشطط .
المسجد النبوي الشريف عبر التاريخ
إن موضوع هذا الباب هو مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم - تأسيسه وتوسعاته وتطور بنائه ومدى اهتمام الأمراء والسلاطين والملوك به - وما كتب في بدايته مما يتعلق بالمدينة المنورة بعامة إنما هو مقدمة وتوطئة ضرورية لموضوع الحديث عن مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم , ولا شك أن هذا المسجد الشريف هو من ثمار هجرة المصطفى عليه الصلاة والسلام . ذاك لأن هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة تعني نشأة أول دار إسلام إذ ذاك على وجه الأرض , وقد كان ذلك إيذانا بظهور الدولة الإسلامية بإشراف منشيءها الأول سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام .
ولذا فقد كان أول عمل قام به الرسول صلى الله عليه وسلم , أن أقام الأسس الهامة لهذه الدولة , ولقد كانت هذه الأسس ممثلة في الأعمال الثلاثة التالية :
أولا: بناء المسجد .
ثانيا: المؤاخاة بين المسلمين عامة والمهاجرين والأنصار خاصة .
ثالثا: كتابة وثيقة (دستور) حددت نظام حياة المسلمين فيما بينهم , وأوضحت علاقتهم مع غيرهم بصورة عامة واليهود بصورة خاصة .
وسنقتصر الكلام على الأساس الأول الذي هو بناء المسجد .
عندما وصل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى داخل المدينة بركت ناقته في موضع كان لغلامين يتيمين من الأنصار من بني مالك بن النجار هما سهل وسهيل ابنا رافع بن أبي عمرو بن عائذ بن ثعلبة بن غنم , وكانا تحت كفالة معاذ بن عفراء أو أبو أمامة سعد بن زرارة أو كليهما , وكان أسعد بن زرارة قد اتخذه مصلى قبل هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة , فكان يصلي بأصحابه فيه . فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبنى ذلك الموضع مسجدا , ودعا الغلامين فساوم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه , فقالا : بل نهبه لك يا رسول الله , فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ابتاعه منهما بعشرة دنانير . (2) وكان فيه شجر غرقد ونخل وقبور قديمة لبعض المشركين , فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقبور فنبشت , وبالنخيل والشجر فقطعت , وصفت في قبلة المسجد , وجعل طوله مما يلي القبلة إلى مؤخره 70 ذراعا , وفي الجانبين مثل ذلك أو دونه , ثم بنوه باللبن , وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يباشر البناء مع أصحابه وينقل معهم الحجارة بنفسه , وجعل قبلته إلى بيت المقدس , وجعل عمده الجذوع , وسقفه بالجريد . وقيل له : ألا نسقفه ؟ فقال : (عريش كعريش موسى : خشيبات وثمام - نبت ضعيف قصير - الشأن أعجل من ذلك (27) أما أرضه فقد فرشت بعد ذلك بالرمال والحصباء .
وروى البخاري في صحيحه عن أنس بن مالك , أنه صلى الله عليه وسلم كان يصلي حيث أدركته الصلاة ويصلي في مرابض الغنم , قال ثم إنه أمر ببناء المسجد , فأرسل إلى ملأ من بني النجار فجاءوا , فقال يا بني النجار ثامنوني بحائطكم هذا , فقالوا لا والله لا نطلب ثمنه إلا إلى الله . فقال أنس فكان فيه ما أقول لكم : كانت فيه قبور المشركين , وكانت فيه خرب , وكان فيه نخل . فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقبور المشركين فنبشت ثم بالخرب فسويت وبالنخل فقطع , قال فصفوا النخل قبلة المسجد قال : وجعلوا عضادتيه حجارة وجعلوا ينقلون الصخر وهم يرتجزون ورسول الله صلى الله عليه وسلم معهم وهو يقول : اللهم لا خير إلا خير الآخرة فانصر الأنصار والمهاجرة . (2) ثم وسعه رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد عودته من خيبر وكثر المسلمون فصار مائة ذراع طولا ومثل ذلك عرضا .
وقد ظل مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم على هذا الشكل دون أي زيادة أو تغيير على عهد أبي بكر رضي الله عنه . وقبل أن نتحدث عن التطور العمراني له نود أن نذكر لفتة جوهرية حول بناء المسجد أول كل شيء لنعرف عبر ودلائل هذا الاتجاه .
نأخذ من هذا الذي ذكرناه دلائل هامة نجملها فيما يلي :
1- مدى أهمية المسجد في المجتمع الإسلامي والدولة الإسلامية : فقد أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم بمجرد وصوله إلى المدينة المنورة واستقراره فيها على إقامة مجتمع إسلامي راسخ متماسك . يتألف من هؤلاء المسلمين , الأنصار والمهاجرين الذين جمعتهم المدينة المنورة . فكان أول خطوة قام بها في سبيل هذا الأمر بناء المسجد .
ولا غرو ولا عجب . فإن إقامة المسجد أول وأهم ركيزة في بناء المجتمع الإسلامي , ذلك أن المجتمع المسلم إنما يكتسب صفة الرسوخ والتماسك بالتزامات نظام الإسلام وعقيدته وآدابه . وإنما ينبع ذلك كله من روح المسجد ووحيه .
إن من نظام الإسلام وآدابه شيوع آصرة الأخوة والمحبة بين المسلمين . ولكن شيوع هذه الآصرة لا يتم إلا في المسجد . فما لم يتلاق المسلمون يوميا على مرات متعددة في بيت من بيوت الله وقد تساقطت مما بينهم فوارق الجاه والمال والاعتبار , لا يمكن لروح التآلف والتأخي أن تؤلف بينهم .
إن من نظام الإسلام وآدابه , أن تشيع روح المساواة والعدل فيما بين المسلمين في مختلف شيءونهم وأحوالهم . ولكن شيوع هذه الروح لا يمكن أن يتم ما لم يتلاق المسلمون كل يوم صفا واحدا بين يدي الله عز وجل . وقد وقفوا على صعيد مشترك من العبودية له , وتعلقت قلوبهم بربهم الواحد جل جلاله . ومهما انصرف كل مسلم إلى بيته يعبد الله يركع له ويسجد دون وجود ظاهرة الاشتراك والاجتماع في العبادة , فإن معنى العدالة والمساواة لن يتغلب في المجتمع على معاني الأثرة والتعالي والأنانية .
وإن من نظام الإسلام وآدابه أن ينصهر أشتات المسلمين في بوتقة من الوحدة الراسخة يجمعهم عليها حبل الله الذي هو حكمه وشرعه , ولكن ما لم تقم في أنحاء المجتمع مساجد يجتمع فيها المسلمون على تعلم حكم الله وشريعته ليتمسكوا بها عن معرفة وعلم فإن وحدتهم تئول إلى شتات , وسرعان ما تفرقهم عن بعضهم الشهوات والأهواء , فمن أجل تحقيق هذه المعاني كلها في مجتمع المسلمين ودولتهم الجديدة أسرع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل كل شيء إلى بناء هذا الصرح الشامخ والأساس المتين (المسجد النبوي الشريف) .
تطور التوسعات للمسجد النبوي الشريف
منذ خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه وحتى التوسعة الفهدية الكبرى
قلنا إن مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ظل على شكله دون زيادة أو تغيير فيه على عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه .
أما الزيادات والتوسعات فيه فقد بدأت من عهد الخليفة الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه , واستمرت حتى عصرنا الحاضر .
وإذا أردنا أن نتحدث عن التطور التفصيلي لعمارة المسجد النبوي الشريف خلال هذه الحقبة التاريخية الطويلة فإن الموضوع يحتاج إلى مؤلف ضخم , ثم لن تكون العملية بعد ذلك أكثر من تكرار لما تناثر في الكتب .
لقد تناولنا معظم الكتب التي اهتمت بموضوع عمارة المسجد النبوي الشريف , فوجدنا منها ما هو مطول في فترة وموجز في أخرى بصفة عامة إيجازا يقصر عن تمام الفائدة , أو مطولا إطالة قد لا يحتاج إليها كثير من القراء . لذا وجدت أنه من المفيد جدا أن أختصر الموضوع على شكل مسرد موجز لتاريخ المسجد النبوي الشريف وما يلحقه من عناصر اختصرته من عدة مراجع , كلها آخذة من بعض , فاقتفيت أثر بعضها وقدمته على غيرها والفضل في جميعها يعود للسابقين .
ووصلت بهذا المسرد الموجز إلى بداية التوسعة الفهدية الكبرى فتوسعت في الحديث عنها , ذلك لأن ما قبل التوسعة الفهدية أوسعته الكتب طرحا وإيضاحا وبحثا وتحقيقا , فكان الواجب أن تأخذ التوسعة الفهدية نفس المساحة من الطرح التاريخي والعمراني . وسنوجز هذا المسرد فيما يلي :
حدود المسجد النبوي
الدرابزينات النحاسية الصفر الآخذة من شرق إلى غرب التي تبعد عن المنبر النبوي ذراعا واحدا أو أكثر قليلا هي في موضع جدار المسجد القبلي الذي بناه صلى الله عليه وسلم .
الأساطين الشمالية في عمارة السلطان عبد المجيد العثماني المشرفة على رحبة المسجد النبوي الآخذة من شرق إلى غرب المسامتة لعضادة باب النساء هي موضع الجدار الشمالي الذي بناه الرسول صلى الله عليه وسلم .
موقع الحائط الشرقي هو بعد أربعة أذرع من الأسطوانة الخامسة من يمين المنبر الشريف جهة الشرق داخل شباك الحجرة النبوية الشريفة , أي أن جزءا من الروضة داخل في شباك الحجرة النبوية الشريفة .
أما الحائط الغربي فموقعه في موضع الأساطين الممتدة من الشمال للجنوب المكتوب في علوها (حد مسجد النبي عليه السلام) داخل عقد مذهب منحوت . . . وهذه الأساطين تسامت الأسطوانة الخامسة بعد المنبر الشريف جهة الغرب .
كل ما يزاد في المسجد النبوي هو من المسجد النبوي الشريف .
حين بنى الرسول صلى الله عليه وسلم مسجده لأول مرة كانت القبلة إلى بيت المقدس , وجعل له أبوابا ثلاثة شرقيا وغربيا وجنوبيا . ولما تحولت الصلاة إلى الكعبة المشرفة فتح بابا في الشمال وسد الباب الجنوبي .
الباب الشرقي ويسمى باب آل عثمان , وباب النبي , وباب جبريل , وموضعه عند دخولك من باب جبريل قبل نهاية ضلع الحجرة الشمالي بأربعة أو خمسة أذرع تقريبا في امتداد شمالي جنوبي .
الباب الغربي هذا الباب كان يسمى باب عاتكة قديما ويسمى الآن باب الرحمة , وإذا دخل منه الإنسان من باب الرحمة وسار إلى الشرق مستقيما ووقف بحذاء آخر أسطوانة مكتوب عليها في أعلاها كما تقدم (حد مسجد النبي عليه السلام) كان واقفا في موضع باب عاتكة الذي فتحه رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجده في الجدار الغربي .
الباب القبلي (الجنوبي) اسمه باب آل عمر ويقع في الجدار القبلي في القسم الشرقي منه الواقع بين مصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والحجرة المطهرة , وقد يكون في مكان الزاوية الغربية الجنوبية لشباك الحجرة اليوم كما وصفه المؤرخون .
وقد سد الرسول صلى الله عليه وسلم هذا الباب وفتح بدله بابا في الشمال عند تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة المشرفة .
الباب الشمالي : ذكرت عن الباب القبلي أنه كان في مكان الزاوية الغربية الجنوبية للشباك الدائر على الحجرة النبوية الشريفة , والباب الشمالي فتحه رسول الله صلى الله عليه وسلم بحذاء الباب القبلي في الجدار الشمالي للمسجد الذي سبق وصفه . أي يطل على رحبة الشمسيات الأولى .
المحراب النبوي (مصلى الرسول الكريم إلى الكعبة) :
لا يوجد محراب في المسجد النبوي في عهده صلى الله عليه وسلم ولا في عهد خلفائه الراشدين , وأول من أحدث المحراب المجوف في المسجد النبوي الشريف هو عمر بن عبد العزيز في عمارة الوليد بن عبد الملك للمسجد النبوي سنة 88- 91هـ , كما نقله الجلال السيوطي في أوائله ونقل في نزهة الناظرين للسيد البرزنجي .
والمحراب الموجود الآن هو من عمارة الأشرف قايتباي ومصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم للكعبة , يقع في الطرف الغربي لتجويفه المحراب , فاجعل التجويفة في يسارك وقف بينك وبين المنبر الشريف مقدار 14 ذراعا وشبرا تكن في موقف الرسول صلى الله عليه وسلم في الصلاة .
مصلى النبي إلى بيت المقدس في المسجد النبوي
صلى - عليه الصلاة والسلام - إلى بيت المقدس مدة ستة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرا ثم صرفت القبلة إلى الكعبة المشرفة . وليس في المسجد اليوم موضع يعرف بمصلاه عليه السلام إلى بيت المقدس , ونحرص أن نعين ذلك إن شاء الله : ضع أسطوانة السيدة عائشة خلف ظهرك وسر باستقامة جهة الشمال فإذا حاذيت باب جبريل وكان على منكبك الأيمن فقد وقفت في مصلى النبي الكريم إلى بيت المقدس حسبما ذكره المؤرخون .
مصلى النبي عند أسطوانة السيدة عائشة
قبل أن يتقدم النبي الكريم إلى مصلاه الدائم عند المحراب الذي وصفناه صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد تحويل القبلة إلى الكعبة بالمسلمين إلى أسطوانة السيدة عائشة بضعة عشر يوما , ثم تقدم إلى مصلاه عند المحراب . وسيأتي تعيين موقع أسطوانة السيدة عائشة .
الأساطين المعلومة التي لها تاريخ في المسجد النبوي الشريف
- السواري (الأساطين) التي في المسجد النبوي الشريف في القسم القبلي منه أقيمت في عمارة السلطان عبد المجيد العثماني في مكان السواري التي كانت في عهد النبي صلى الله عليه وسلم من جذوع النخل , فقد تحروا عند البناء مواقعها وإذا أطلق اسم سارية فالمقصود بذلك مكانها .
وفي المسجد النبوي الشريف 8 سواري (اسطوانات) دخلت التاريخ , فقد كان لكل واحدة منها قصة حظيت من رسول الله صلى الله عليه وسلم بنصيب . . وفيما يلي نذكر هذه الأساطين بشيء من الإيجاز :
1- الأسطوانة التي هي علم على مصلاه الشريف وتعرف بالأسطوانة المخلقة (المطيبة المعطرة) وكان سلمة بن الأكوع يتحرى الصلاة عندها , ولما سئل قال إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتحرى الصلاة عندها , وقال مالك : أحب مواضع التنفل حيث العمود المخلق , وأما الفريضة ففي أول الصفوف . وقد جرى تقديم هذه الأسطوانة لجهة القبلة قليلا وإدخال بعضها في المحراب النبوي وكتب عليها الأسطوانة المخلقة .
2- أسطوانة السيدة عائشة وهي الثالثة من المنبر , والثالثة من القبر والثالثة من القبلة وتعرف بأسطوانة المهاجرين . فقد كانوا يجتمعون عندها , وتسمى أسطوانة القرعة لحديث عائشة الذي مفاده لو علم الناس ما لفضل الصلاة عند هذه السارية لاستهموا عليها , ولم تحددها السيدة عائشة لهم ولكن استنبطوها بعد ذلك .
3- أسطوانة التوبة وهي الرابعة من المنبر والثانية من القبر والثالثة من القبلة , وتعرف بأسطوانة أبي لبابة لأنه ربط نفسه فيها بضع عشرة ليلة بعد الذي أفضى به لحلفائه بني قريظة وبعد أن أنبه ضميره على ما فعل من ذنب حتى كاد لا يسمع وكاد بصره يذهب وكانت ابنته تحل رباطه إذا حضرت الصلاة وإذا أراد أن يذهب لحاجة ثم يعود فترده في الرباط , وحلف أن لا يحل نفسه حتى يحله رسول الله صلى الله عليه وسلم وحله رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن نزلت توبته في القرآن الكريم سحرا في بيت أم سلمة , وحلف أن لا يطأ بني قريظة أبدا .
وكان صلى الله عليه وسلم يصلي نوافله إلى هذه الأسطوانة , وينصرف إليها بعد صلاة الصبح ويعتكف وراءها مما يلي القبلة ويسبق إليها الضعفاء والمساكين وضيوف رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤلفة قلوبهم ومن لا بيت له إلا المسجد , فينصرف إليهم النبي من مصلاه ويتلو عليهم ما أنزل عليه ليلته ويحدثهم ويحدثونه .
1 - مقابلة وجه الرسول صلى الله عليه وسلم
2 - مواجهة أبي بكر الصديق رضي الله عنه
3 - مواجهة عمر بن الخطاب رضي الله عنه
4 - المحراب النبوي الشريف
5 - باب السيدة فاطمة رضي الله عنها
6 - باب التوبة
7 - المنبر النبوي الشريف
8 - الأسطوانة المخلقة
9 - أسطوانة السيدة عائشة رضي الله عنها أو أسطوانة المهاجرين
10- أسطوانة التوبة أو أسطوانة أبي لبابة
11- أسطوانة السرير
12- أسطوانة المحرس أو أسطوانة الإمام علي
13- أسطوانة الوفودأو مجلس القلادة
14- أسطوانة مربعة القبر
15- أسطوانة التهجد
16- محراب سيدنا عثمان رضي الله عنه
17- محراب التهجد
18- المكبرية
19- دكة الأغوات
20- المنارة الرئيسية
4- أسطوانة السرير وهي الأسطوانة اللاصقة بالشباك تلي أسطوانة التوبة (أبي لبابه) من جهة الشرق , وقد كان للنبي صلى الله عليه وسلم سرير من جريد فيه سعفه يوضع قرب هذه الأسطوانة يضطجع عليه , وكان السرير يوضع أيضا عند أسطوانة التوبة .
5- أسطوانة المحرس وتقع خلف أسطوانة التوبة من جهة الشمال وتسمى أسطوانة علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقد كان مصلاه إليها , وكان يجلس في صفحتها التي على القبر مما يلي باب بيت رسول الله يحرسه وكان أمراء المدينة يصلون عندها .
6- أسطوانة الوفود وتقع خلف أسطوانة المحرس من الشمال وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجلس إليها لوفود العرب إذا جاءته . . وكانت تعرف بمجلس القلادة يجلس إليها سراة الصحابة وأفاضلهم .
7- أسطوانة مربعة القبر ويقال لها مقام جبريل , وتقع في حائز الحجرة عند منحرف صفحته الغربية إلى الشمال بينها وبين أسطوانة الوفود الأسطوانة اللاصقة بشباك الحجرة الشريفة , وقد روى سليمان بن مسلم أن باب بيت فاطمة رضي الله عنها في المربعة , وقد كان صلى الله عليه وسلم يأتيه حتى يأخذ بعضادتيه ويقول : السلام عليكم أهل البيت إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا .
8- أسطوانة التهجد وموقعها وراء بيت السيدة فاطمة رضي الله عنها من جهة الشمال , وفيها محراب إذا توجه المصلي إليه كانت يساره إلى جهة باب عثمان المعروف بباب جبريل .
المنبر النبوي الشريف
روي في الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة وللبخاري مثله وزاد " ومنبرى على حوضي " . وروى أحمد برجال الصحيح : " منبري على ترعة من ترع الجنة " . وروى النسائي برجال ثقات عن أبي أمامة بن ثعلبة مرفوعا : من حلف عند منبري هذا يمينا كاذبة استحل بها مال امرئ مسلم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا
وفي سنن أبي داوود من حديث جابر مرفوعا : لا يحلف أحد عند منبري هذا على يمين آثمة ولو على سواك أخضر إلا تبوأ مقعده من النار أو وجبت له
كيف كان المنبر وكيف تطور
في مسند الإمام الدارمي كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطب قام فأطال القيام فكان يشق عليه قيامه فأتى بجذع نخلة فحفر له وأقيم إلى جنبه قائما للنبي صلى الله عليه وسلم فكان إذا خطب فأطال القيام استند فاتكأ عليه فبصر به رجل ورد المدينة فقال لمن يليه من الناس لو أعلم أن محمدا يحمدني في شيء يرفق به لصنعت له مجلسا يقوم عليه فإن شاء جلس وإن شاء قام فبلغ ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال : ائتوني به فأتوه به فأمر أن يصنع له هذه المراقي الثلاث أو الأربع فوجد صلى الله عليه وسلم في ذلك راحة فلما فارق الجذع وعمد إلى هذه التي صنعت له جزع الجذع فحن كما تحن الناقة . . وروى أن المنبر صنع من خشب الأثل من الغابة .
حنين الجذع
وفي كتاب يحيى عن أبي سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم لما حن الجذع حنين الناقة إلى ولدها نزل إليه النبي فضمه فسكن وأمر أن يدفن ويحفر له
وفي كتاب ابن زبالة أن الخشبة (الجذع) دفنت تحت المنبر وقال بعضهم دفنت شرقي المنبر .
شكل المنبر المصنوع
في صحيح مسلم ما يدل على أن المنبر الذي صنع لرسول الله من ثلاث درجات , وقال الكمال الديري إن المنبر من ثلاث درجات غير الدرجة التي تسمى المستراح . وكان صلى الله عليه وسلم يقف على الدرجة الثالثة وهو يخطب , فلما ولي أبو بكر رضي الله عنه قام على الدرجة الثانية ووضع رجله على الدرجة السفلى ولما ولي عمر رضي الله عنه قام على الدرجة السفلى ووضع رجليه على الأرض , فلما ولي عثمان رضي الله عنه فعل مثل عمر ست سنوات ثم علا إلى موضع النبي صلى الله عليه وسلم .
ولقد كان للمنبر عبر التاريخ نصيب كبير من اهتمام الخلفاء والسلاطين حيث جدد حوالي ثماني مرات . ولكن في جميع التجديدات لم يفقد موقعه الأساسي , فهو اليوم على بقعة من الأرض كان منبر النبي صلى الله عليه وسلم عليها أو على بعضها .
الروضة المطهرة
ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة حديث شريف روي في الصحيحين . اعتمد المؤرخون واتفق أكثر العلماء في ظاهر كلامهم أن الروضة المطهرة هي البقعة الواقعة بين بيت النبي صلى الله عليه وسلم الذي هو بيت السيدة عائشة أيضا- وبين المنبر الشريف . . ووردت عدة أقوال في تحديدها .
وقال صاحب نزهة الناظرين إن الأولى بالاعتماد وظاهر ما عليه غالب العلماء أن (الروضة) وهي فيما يسامت المنبر من مقدم المسجد جهة القبلة (الجنوب) , وإن لم يسامت الحجرة وفيما يسامت المنبر من جهة الشمال وإن لم يسامت الحجرة كما جاء في خلاصة الوفا .
المنائر . . مآذن المسجد النبوي لم يكن للمسجد النبوي في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا عهد خلفائه الراشدين مناير (مآذن) يرقى المؤذن عليها فيؤذن منها .
وأول من أحدث المناير في المسجد النبوي عمر بن عبد العزيز في ولايته على المدينة المنورة من قبل الوليد بن عبد الملك الأموي أثناء عمارته وتوسعته للمسجد النبوي 88- 91هـ , فقد بنى للمسجد أربع مناير في كل ركن من أركانه منارة , ثم فشا بناء المناير في المساجد . روى ذلك المؤرخون والسيد البرزنجي في نزهة الناظرين .
وقد كان في عمارة المسجد النبوي في عمارة السلطان عبد المجيد العثماني قبل العمارة والتوسعة السعودية خمس مآذن هي :
1- المنارة الشامية الغربية وتسمى الشكيلية والخشبية والمجيدية , وموقعها في الركن الشمالي الغربي للمسجد , وقد جددت في عهد السلطان عبد المجيد العثماني , ثم أزيلت في العمارة السعودية مع ما أزيل وبني بدلها على أجمل وأحدث طراز .
2- المنارة الشامية الشرقية وتسمى السنجارية , والعزيزية لعمارة السلطان عبد العزيز العثماني لها زمن سلطنته , وموقعها في الركن الشرقي , وقد أزيلت في العمارة السعودية مع ما أزيل وبني بدلها على طراز حديث وشكل رائع مع القوة والمتانة .
3- المنارة الجنوبية الشرقية وتسمى بالمنارة ية وتحمل هذا الاسم إلى الآن , وهي المنارة المجاورة للقبة الخضراء والتي تظهر دائما في الصورة معها , وموقعها في الركن الجنوبي الشرقي للمسجد . . عمرها الأشرف قايتباي ثلاث مرات سنة 886 وسنة 888 هـ وسنة 892هـ ونزل في أساسها للماء واتخذ لها أحجارا سوداء متقنة وزاد في طولها إلى 120 ذراعا نحو 60 مترا , وهي الآن على عمارة قايتباي , وصورة القبة الخضراء والمنارة ية يتخذها أهل المدينة هذه الأيام كشعار للمدينة المنورة , وأول من اتخذها هو جريدة المدينة المنورة عند صدورها سنة 1356هـ .
وكان المؤذنون في الماضي يسمون الرؤساء نظرا لأن المؤذن لا يعتبر قيده رسميا ضمن المؤذنين إلا إذا أذن في هذه المنارة ولو مرة واحدة فيسمى بعد ذلك ريس ويحق له نصيب من أوقاف المؤذنين .
4- منارة باب السلام الغربية الجنوبية تسمى بمنارة باب السلام وهي الموجودة الآن وهي من عمارة الناصر ابن قلاوون سنة 706هـ كما رواه الطبري , أما ابن فرحون فقد قال : إن الذي أنشأها شيخ الخدام شبل الدولة كافور المظفري المعروف بالحريري من قناديل الذهب والفضة . وأرسل الصناع الأمير بن سلال وبكير بن سكندر وحفر أساسها إلى الماء ووجدوا بعد حفر قامة برنية فخار مزججة ملآنة دراهم مظفرية , ثم وجدوا تحصيب المسجد النبوي أيام مروان بالرمل الأسود يشبه أن يكون من جبل سلع كما رواه السيد البرزنجي ولا تزال المنارة على بنائها الذي بناه شيخ الخدام رحمه الله .
5- المنارة الغربية وتسمى منارة باب الرحمة عمرها الأشرف قايتباي سنة 888هـ , وبنيت خارج جدران المسجد النبوي ضمن الدار الملاصقة للمسجد قرب باب الرحمة , وهي الدار التي كانت مخصصة لسكنى مدرسي المدرسة المحمودية , وقد أزيلت في التوسعة السعودية مع +الدار والمدرسة لتوسعة ما حول المسجد النبوي وعمل الميدان الموجود الآن .
المنائر السعودية
وفي العمارة والتوسعة السعودية أزيلت المنارتان الشرقية الشمالية , والغربية الشمالية ومنارة باب الرحمة كما تقدم وبني بدلهم منارتان عمق أساس كل منارة 17 مترا وارتفاع كل منارة 70 مترا , وأضيئتا بالأنوار الكهربائية المزأبقة وطوقت الأضواء مطاف المنارتين - الموضع الذي يطوف فيه المؤذن عند الأذان - فبدت جميلة جذابة ومنظرها ليلا كأنها أعمدة من نور توغل في السماء , وكان البناء على أحدث طراز وأحسن شكل ، ثم بعد التوسعة الفهدية الكبرى زيد في المسجد النبوي الشريف ست منائر أخرى وبارتفاع أعلى , فأصبح المجموع عشر منائر .
المقصورة النبوية الشريفة
بنى النبي صلى الله عليه وسلم بيته الشريف المتواضع مثل بنائه للمسجد باللبن وجريد النخل , على مساحة صغيرة وسقفه ينال باليد وله بابان غربي شارع في المسجد وشمالي , والباب ذو مصراع واحد وبدون غلق يقفل به .
قبرالنبي صلى الله عليه وسلم في بيته
دفن النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن انتقل إلى الرفيق الأعلى في حجرة بيته المتواضع , وقد جعل رأسه الشريف إلى المغرب ورجلاه إلى المشرق ووجهه الكريم إلى القبلة , وكان بينه وبين جدار البيت +القبلي قدر شبر وقيل بمقدار سوط , وبين الجدار الغربي قدر ذراعين .
وبالقرب منه صلى الله عليه وسلم دفن صاحبه وصديقه ورفيقه في الغار خليفته أبو بكر الصديق رضي الله عنه , وقد جعل رأسه إلى المغرب خلف منكب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجلاه للمشرق ووجهه للقبلة , ولما توفي عمر بن الخطاب رضي الله عنه دفن بجوار صاحبيه , وقد جعل رأسه للمغرب خلف منكب أبي بكر الصديق رضي الله عنهما ورجلاه للمشرق ووجهه للقبلة . وكان دفنه بوصيته رضي الله عنه بعد استئذانه من السيدة عائشة رضي الله عنها وموافقتها على ذلك .
هدم الحجرة وعمارتها في زمن الوليد
كتب الوليد بن عبد الملك لعمر بن عبد العزيز عامله على المدينة - بعد أن اشترى حجرات أمهات المؤمنين رضي الله عنهن - بهدمها وتوسيع المسجد بها , فقعد عمر في ناحية وأمر بهدمها فلما هدم البيت الأول ظهرت القبور الثلاثة وكان الذي عليها قد انهار .
وأراد عمر بن عبد العزيز أن يصلح القبور بنفسه ثم أمر مولاه مزاحما بإصلاحها . وروى عبد الله بن محمد بن عقيل قال : خرجت في ليلة مطيرة حتى إذا كنت عند دار المغيرة بن شعبة لقيتني رائحة لا والله ما وجدت مثلها قط , فجئت المسجد فبدأت بالقبر فإذا جداره قد انهدم من المشرق , فدخلت فسلمت فلم ألبث أن سمعت الحس فإذا عمر بن عبد العزيز قد أمر به فستر بالقباطي .
ولما أصبح دعي وردان البناء فدخل الحجرة وقال لا بد لي من رجل , فكشف عمر بن عبد العزيز ساقه وكشف قاسم بن محمد وسالم بن عبد الله عن سوقهما فقال عمر لهما مالكم فقالوا ندخل معك فقال : لا والله لا نؤذيهم بكثرتنا , وأمر مزاحما مولاه بالدخول لمناولة وردان .
وروى أنه أمر وردان بالكشف عن الأساس , فبينما هو يكشف عنه وإذا به يتنحى واجما , فقام عمر فزعا فقال عبد الله ابن عبيد الله : لا يروعنك , فتانك قدما جدك عمر بن الخطاب رضي الله عنه ضاق البيت عنهما فحفر لهما في الأساس فقال لوردان غط ما رأيت . وروى هشام بن عروة أنه لما سقط الجدار زمن الوليد أخذوا في بنائه فبدت لهما قدم ففزعوا وظنوا أنها قدم النبي صلى الله عليه وسلم فما وجدوا أحدا يعلم ذلك . فقال عروة والله ما هي قدم النبي صلى الله عليه وسلم ما هي إلا قدم عمر . . وتؤيد هذه الرواية ما ورد في صحيح البخاري .
وقد بنى عمر بن عبد العزيز الحجرة المطهرة بالأحجار السوداء المنحوتة يقرب لونها من لون أحجار الكعبة المشرفة على نفس المساحة التي بنى رسول الله صلى الله عليه وسلم بيته عليها , وجعل عرض الجدار في الجوانب كلها ذراعا ونصفا وقيراطين إلا الجدار الشرقي فعرضه ذراع وربع وثمن ذراع وجعل ارتفاع الجدار في السماء خمسة عشر ذراعا .
ثم بنى حول الحجرة المطهرة حظارا وزواه , وجعل له خمسة أضلاع بخمس زوايا فشكل مثلثا في المؤخرة جهة الشام , وذلك خشية أن يشبه الكعبة في تربيعه وخشية أن يتخذ قبلة فيصلى عليه .
ويمكن أن يستنبط القارئ من المخطط الآتي جميع الأبعاد والمعلومات المتعلقة بالحظار .
إحداث المقصورة على الحجرة وعلى دار السيدة عائشة
كان المسلمون عندما يزورون قبر النبي صلى الله عليه وسلم يستطيعون أن يقفوا ليس بينهم وبين الوجه الشريفة إلا ثلاثة أذرع تقريبا , وكانوا يقفون عند جدار حظار عمر بن عبد العزيز مباشرة . وفي سنة 668هـ أحدث الظاهر بيبرس صاحب مصر مقصورة بدرابزين من خشب نصبه بين الأساطين التي تلي الحجرة الشريفة من جهة الشمال , وقد زاد فيه إلى متهجد النبي صلى الله عليه وسلم حيث أدخل في المقصورة بيت السيدة فاطمة رضي الله عنها , وجعل لهذه المقصورة ثلاثة أبواب بابا في القبلة وبابا في الشرق وبابا في الغرب , وجعل ارتفاع الدرابزين نحو قامتين , وقد أخذ مساحة المقصورة بنفسه وقاس ما حولها بيده وبحبال في حج عام 667هـ . وبعد إحداث المقصورة - الشباك - صار الزائر يقف بعد الشباك متجها بوجهه إلى وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم .
أول من أحدث القبة على الحجرة الشريفة
لم يكن على الحجرة الشريفة قبة وكان سطح المسجد على ما يوازي الحجرة حظير من الآجر بمقدار نصف قامة تمييزا للحجرة المطهرة عن بقية سطح المسجد , والسلطان قلاوون الصالحي هو أول من أحدث على الحجرة المطهرة قبة عام 678هـ مربعة من أسفلها مثمنة من أعلاها بأخشاب أقيمت على رءوس السواري المحيطة بالحجرة المشرفة , وسمر عليها ألواحا من الخشب وصفحها بألواح الرصاص وجعل محل حظير الآجر حظيرا من خشب .
وجددت القبة زمن الناصر حسن بن محمد قلاوون , ثم اختلت ألواح الرصاص عن موضعها وجددت وأحكمت أيام الأشرف شعبان بن حسين بن محمد سنة 765هـ , وحصل بها خلل وأصلحت زمن السلطان قايتباي سنة 881هـ .
عمارة القبة بعد الحريق الثاني
وقد احترقت المقصورة الشريفة والقبة في حريق المسجد النبوي الثاني , وفي سنة 886هـ في عهد السلطان قايتباي في سنة 887هـ , جددت القبة وأسست لها دعائم عظيمة في أرض المسجد النبوي وبنيت بالآجر بارتفاع متناه , وقد حصل بين الجدار الشرقي للمسجد وبين الدعائم المحدثة ضيق , فهدم جدار المسجد الشرقي وزحف به إلى البلاط ناحية مصلى الجنائز بمقدار ذراع ونصف , ولم يسقط شيء من حريق القبة على الحجرة المطهرة فقد كانت القبة الصغرى التي بناها قايتباي على الحجرة والقبور الشريفة مانعة لذلك .
أما المقصورة فقد جعلوا لها شبابيك من النحاس من جهة القبلة , وجعلوا في أعلاها شبكة من شريط النحاس كالزرد بين أخشاب متصلة بعقود الحجرة المحيطة بها , وجعلوا لبقية المقصورة من جهة الشمال والشرق والغرب شبابيك من الحديد وبأعلاها أشرطة من النحاس لمنع الحمام .
تصدع القبة وتجديدها
بعد ما تم بناء القبة بالصورة الموضحة تشققت من أعاليها , ولما لم يجد الترميم فيها أمر السلطان قايتباي بهدم أعاليها وأعيدت محكمة البناء بالجبس الأبيض فتمت محكمة متقنة سنة 892هـ .
تجديد القبة زمن السلطان محمود العثماني
بعد عدة قرون ظهرت شقوق في أعلى القبة زمن السلطان محمود بن عبد المجيد العثماني , فأصدر أمره بتجديدها فهدموا أعاليها وأعادوها في غاية الإحكام والاتقان , وكان ذلك سنة 1233هـ ولا تزال على تلك الحال حتى الآن
أول من صبغ القبة الخضراء باللون الأخضر
في سنة 1253هـ صدر أمر السلطان عبد الحميد العثماني بصبغ القبة المذكورة باللون الأخضر , وهو أول من صبغ القبة بالأخضر , ثم لم يزل يجدد صبغها بالأخضر كلما احتاجت لذلك إلى يومنا هذا .
وسميت بالقبة الخضراء بعد صبغها بالأخضر , وكانت تعرف بالبيضاء والفيحاء والزرقاء .
إصلاح في الحجرة في العهد السعودي
ونمى إلى مسامع الملك عبد العزيز آل سعود رحمه الله وجود ما يدعو للإصلاح داخل الحجرة الشريفة فجرى الكشف عليه , وصدر الأمر بإصلاحه ولم يكن الخراب ذا بال فقد كان عبارة عن قشور وتشققات في اللياسة في بعض الأسطوانات وتم الإصلاح ليلا .
توسعات المسجد النبوي الشريف
بعد الزيادة النبوية الشريفة زاد في مساحة المسجد النبوي الخليفتان عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان رضي الله عنهما , ثم الوليد بن عبد الملك ثم المهدي العباسي , ثم الأشرف قايتباي , ثم السلطان عبد المجيد العثماني , ثم الملك عبد العزيز آل سعود ثم خادم الحرمين الشريفين فهد بن عبد العزيز .
وإن تشييد بيوت الله ومساجده عمل عظيم , والأعمال العظام يسخر الله لها العظماء , وهي لا تكون عظاما إلا إذا كانت خدمة لعباد الله استجابة لنداء الله , حتى أن لقب الإيمان منحه الله سبحانه وتعالى لكل من لبى هذا النداء فقال جل وعلا في سورة التوبة إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله فحين نكتب عن مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما نكتب عن الإيمان وعن الشرف وعن العظمة .
ومسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم يقع في المدينة المنورة , وهو مرتبط بها وهي مرتبطة به , ولا نريد أن نجتزئ المسجد النبوي الشريف عن إطاره المتمثل فيه , فنفرده في الكتابة مقصيا , لذا صار من المستحسن أن نسبق الحديث عن المسجد النبوي الشريف بالحديث ولو مختصرا عن المدينة المنورة إطار هذا المسجد وحرمه , نتطرق إلى ولادتها ونشأتها وموقعها وأسمائها وفضلها وبعض جغرافيتها وشيء من النظم والنثر الذي قيل فيها . فلنعش في الصفحات التالية في رحاب طيبة الطيبة .
المدينة المنورة ليست قرية حديثة التكوين , فتاريخها العريق يضرب بجذوره إلى آلاف السنين , إلا أنه بصفة عامة يمكننا أن نقسم عمر المدينة المنورة إلى مرحلتين لكل منهما أهميتها :
المرحلة الأولى : من بداية مولدها الغامض تاريخه , والذي لا يمكن تحديده بدقة , إلى زمن هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم إليها .
المرحلة الثانية : وهي مرحلة ولادتها الجديدة والتي تحققت بهجرته صلى الله عليه وسلم إليها وتستمر إلى وقتنا الحاضر وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها إن شاء الله . وهذه الولادة الثانية لم تكن في الواقع ولادة محلية فحسب بل كانت وبكل أمانة ولادة عالمية , إذ أن إشراقة تاريخها الجديد بحلول المصطفى صلى الله عليه وسلم فيها كانت إشراقة عالمية امتدت خيوط أشعتها على الدنيا حتى أصبحت في حقبة تاريخية مركز ضياء العالم .
ولا يفيدنا كثيرا أن نعرف من هو أول من أسسها ومن سكنها والأحداث التي مرت بها في بداية نشأتها , ولو أن لهذا الأمر أهميته إلا أن الذي يقلل من تلك الفائدة أن الآراء والأقوال التاريخية في تاريخ المدينة الموغل في القدم كلها عليها علامات تساؤل , فهي تتضارب أحيانا وتتداخل مع خرافة أحيانا أخرى , إلا أن هناك نقاط التقاء لبعض المعلومات التاريخية عنها تكاد تكون بمثابة إجماع بين المؤرخين نذكرها بإيجاز دون الحاجة إلى ذكر المراجع المتفرقة فيها لأنها حصيلة لأقوال , وجمع لمتفرق , ولأن هذا الإصدار الذي نحن بصدده ليس كتابا أكاديميا يرجع إليه العلماء في قضايا التحقيق التاريخي في كل محتوياته , فجزء منه ربما يكون كذلك مثل الجزء الذي يخص آخر توسعات للمسجد النبوي الشريف في عهد حكومة الدولة السعودية الثالثة والتي في قمتها توسعة خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز وفقه الله . وكذا توسعة المسجد الحرام والترميم الشامل للكعبة المشرفة . أما النواحي الأخرى من الحديث عن المدينة المنورة فيكفي فيها أن نؤكد للقارئ التزامنا الدقة والأمانة في النقل المتناسقة مع الإيجاز والاختصار المطلوبين لهذا الإصدار , ولكننا أيضا قد نشير إلى مصادر بعض النقاط إذا رأينا الأمر يحتاج إلى ذلك .
وهذه المعلومات العامة التي تكاد تكون موضع اتفاق بين المؤرخين نوجزها في النقاط التالية :
1- يتفق الجميع على أن المدينة المنورة كانت تسمى يثرب قبل الهجرة وذلك بنص القرآن الكريم في قوله تعالى : وإذ قالت طائفة منهم يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا ويستأذن فريق منهم النبي يقولون إن بيوتنا عورة وما هي بعورة إن يريدون إلا فرارا سورة الأحزاب آية 13 كما أن النصوص تثبت نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن الاستمرار في استخدام هذه التسمية حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي يرويه البراء بن عازب : " من سمى المدينة يثرب فليستغفر الله عز وجل هي طابة هي طابة " . 42 ج 1 وأما كون هذه التسمية موجودة في القرآن فهذا كان على سبيل الحكاية من الله عن أقوال بعض المنافقين .
2- تكاد تتفق معظم المصادر العربية على أن اسم يثرب إنما هو اسم رجل من أحفاد نوح عليه السلام وقد يكون هو مؤسسها الأول , ولكن مع الاختلاف في عدد الأجيال بين يثرب ونوح وكذا في الأسماء داخل هذا النسب الموصل إلى سيدنا نوح عليه السلام .
3- يتردد في كتب التاريخ اسم عبيل والعماليق كلما ذكرت نشأة المدينة المنورة على أنهم أول من سكنوها إلا أن الترتيب فيه خلاف , أما قدومهم إلى المنطقة فقد جاء ضمن حركة الهجرات البشرية القديمة التي كانت تعتبر وضعا اعتياديا لأحوال القبائل في التحرك في تلك الحقب عن موطنها إلى مواطن أخرى كلما تجددت ظروف طبيعية أو اجتماعية طاردة .
4- صعل وفالج جاء ذكرهم ضمن من سكن المدينة في بداية نشأتها وأن اليهود جاءوا عليهم .
5- لا شك بين المؤرخين والمحدثين إطلاقا في أن الرسول صلى الله عليه وسلم حين هاجر إلى المدينة كان سكانها من خليط من القبائل العربية واليهودية , وأن أبرزهم الأوس والخزرج من العرب وبنو قنيقاع وبنو قريظة وبنو النضير من اليهود . أما كيف جاء اليهود إلى المدينة وكذا الأوس والخزرج وأنهم أسبق استيطانا فيها وهل كان تأسيسها على أيدي جماعة منهم فهذا هو مالا نجد إجابة شافية عليه في المصادر التاريخية .
6- إن الأوس والخزرج قبيلتان قحطانيتان أصلهما من العرب العاربة جاءتا من سبأ باليمن قبل أو أثر انهيار سد مأرب وكارثة سيل العرم وأن أمهما قيلة بنت الأرقم بن عمرو بن جفنة . وهذا له مدلول إرادي من الله إذ إن والدي الرسول صلى الله عليه وسلم من قريش من العرب المستعربة , وأخوال جده عبد المطلب من بني النجار من العرب العاربة , فهو صلى الله عليه وسلم يجمع في نسبه الشريف العرب العاربة والعرب المستعربة .
7- من المتواتر في كتب التاريخ عن حياة الأوس والخزرج قبل هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة أنها كانت حياة معارك مستمرة , أنهكتهم الحرب أكثر من قرن من الزمان , وهي سلسلة متتابعة من الحوادث تسمى على سبيل التغليب حروب بعاث نسبة لآخر حرب فيها , وهذه الحروب بدأت بما يسمى حرب سمير نسبة إلى رجل من الأوس كان السبب المباشر في إشعالها واسمه سمير بن زيد , وآخرها حرب بعاث التي خمدت قبل الهجرة بخمس سنوات , وبين هاتين الحربين نشبت أكثر من عشرة حروب , منها حرب حاطب والسرارة , وفارع , ويوم الربيع وموقعة الفجار الأولى وغيرها , وفي كل هذه الحروب كان اليهود هم نواة إضرامها بين الأوس والخزرج واستمرت هذه السلسلة من الحروب زهاء مائة وعشرين عاما . إن هذه الحروب كانت بإرادة الله توطئة لتطلع الأوس والخزرج إلى وضع سلمي هادئ , وهذا كان عاملا مهما دفعهم إلى سرعة الاستجابة لرسول الله صلى الله عليه وسلم حينما التقى بأفراد منهم في منى ودعاهم إلى الإسلام في بيعات العقبة الثلاث ففتحوا صدورهم له صلى الله عليه وسلم . هذه النقاط التي ذكرناها هي مكان إجماع تقريبا عند المؤرخين وأصحاب السير , وما عدا ذلك من الأخبار فهي كثيرة ومتشعبة يرجع إليها في مصادرها من لهم ميل لترف القصص التاريخي .
الموقع الفلكي
ويقصد به الموقع بالنسبة لخطوط الطول والعرض , ومعرفة هذا الموقع يفيد في التعرف على الزمن الدولي والمحلي وكذا طبيعة المناخ فيها .
والمدينة تقع على (39ْ) درجة و (36َ) دقيقة وثانية واحدة من خطوط الطول . وعلى (24ْ) درجة و (28َ) دقيقة و (5ََ) ثانية من خطوط العرض , ويتراوح ارتفاعها عن مستوى البحر بصفة عامة بين (597) و (639) متر . 43 ص 17
الموقع الجغرافي : تقع المدينة المنورة في الحجاز (في المنطقة الغربية من المملكة العربية السعودية) , إلى الشمال من مكة حيث تبعد عنها (420) كيلو متر . وتبعد عن مينائها التاريخي (ينبع البحر) بحوالي 220 كيلو متر , أما عن الرياض عاصمة المملكة فتبعد عنها نحو 900 كلم تقريبا .
وهي واحة زراعية تمتد على فسيح من الأرض الخصبة , تكتنفها حرار ذات حجارة سوداء نخرة هي من بقايا الرواسب والطفوحات البركانية , وقد سميت الحرتان تاريخيا بلابتي المدينة جاء في الحديث (ما بين لابتيها حرام) وهي حرة واقم وحرة الوبرة , وتعرف حديثا بالحرة الشرقية والحرة الغربية , وتلتقي هاتان الحرتان ببعضهما البعض في جنوب المدينة ثم تأخذان بالانفراج كلما اتجهنا إلى الشمال حتى تنقطع الحرة الشرقية قرب سيد الشهداء والحرة الغربية عند مسجد القبلتين وهو فيها , وبين هذين الفكين تقع مساكن ومزارع المدينة الآمنة المطمئنة .
وأبرز ظاهرة جغرافية تضاريسية في المدينة هو وجود جبل سلع الذي كان يشرف عليها مباشرة في الجانب الشمالي الغربي منها إذا اعتبرنا المسجد النبوي هو المركز , ولكن الآن وبعد الامتداد العمراني الواسع أصبح جبل سلع في قلب المدينة المنورة .
وإذا أردنا أن نحدد أطرافها بظواهر جغرافية طبيعية فيمكن القول بأنه يحتضنها جبلان وواديان . من الجنوب جبل عير ويحاذيه وادي العقيق لمسافة بسيطة ثم ينحني هذا الوادي باتجاه الشمال ليصبح ممتدا غرب المدينة , ومن الشمال جبل أحد ووادي قناة الذي يمر بمتاخمة سيد الشهداء . ويخترق المدينة مارا بوسطها وادي بطحان ممتدا من الجنوب إلى الشمال ويسمى وادي أبي جيدة , ويلتقي مع وادي العقيق بأسفل المدينة في الجانب الشمالي , وقد عمق مجراه صناعيا مكشوفا من ناحية قربان , إلا أنه بعد ذلك سير بأنابيب ضخمة دفن فوقها مجراه مراعاة لظروف المواصلات إلى منطقة العيون .
وخلف جبل أحد يقع جبيل صغير مستدير أحمر يسمى جبل ثور ويعتبر الحد الشمالي للمدينة وحرمها , وهو يبعد عن المسجد النبوي بنحو (8) كيلو متر , كما أن جبل عير يبعد أيضا عن المدينة (8) كيلو متر , فالمسافة من الحد الشمالي إلى الجنوب (ثور- عير) (16) كيلو متر تقريبا .
وقد ذكرنا أن حرتي المدينة تقع في شرقها وغربها , وجزءا كبيرا منها داخل حدودها , ويمكن أن نعتبر امتداد الحد بين الحرتين من المنطقة التي تسمى عروة وواديه غربا إلى مسجد العريض شرقا , وهو يقع في الداخل إلى اليمين من السائر إلى المطار بمحاذاة ما بعد الجسر الذي بعد مركز البلول التجاري , وقد كانت هذه المنطقة مركز حجر صحي في بداية عهد حكومتنا العزيزة .
الظواهر المناخية في المدينة المنورة
مناخ المدينة صحراوي قاري جاف , ويكسر الغطاء الزراعي بها شيئا من حدة هذا الجفاف , صيفها طويل حار , وتهب عليها رياح السموم بين فترة وأخرى , كما يتميز مناخها بشتاء قصير تتخلله بعض الأيام المطيرة , وقد لا نعدم فيها أمطارا في وسط فصل الربيع ونهايته , إلا أن أمطارها بصفة عامة قليلة , وقد وصفها رسول الله صلى الله عليه وسلم بقلة مطرها . فقد روى الإمام أحمد والطبراني في الأوسط برجال الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إنها أرض قليلة المطر - أي المدينة " وقد ورد حديث آخر فيه شيء من الضعف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من كانت له غنم فليسربها عن المدينة فإن المدينة أقل أرض الله مطرا " رواه الطبراني في الكبير .
أسماء المدينة المنورة
حسب المدينة شرفا أنها دار الإيمان , ومتبوأ الهدى والفرقان , والعاصمة الأولى للإسلام , وحاضنة مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقبره الشريف , اختارها الله لأن تكون معقلا لإعزاز دينه ونصرة نبيه وحمل رسالته , فلذلك كان لها من الشرف ما كثرت معه أسماؤها وكل اسم من أسمائها إنما يحمل صفة إيمانية , وكثرة الأسماء تدل على شرف المسمى . وليس المجال هنا سرد جميع أسمائها التي بلغ عددها في بعض المؤلفات إلى أكثر من تسعين اسما نكتفي بذكر بعضها تمثيلا لا حصرا .
1- فاسمها المعروفة به -المدينة- وهو علم عليها إذا أطلقت كلمة المدينة بدون إضافة , وقد ذكر هذا الاسم في القرآن الكريم في أكثر من موضع كما ذكر في السنة أيضا , ويضاف إليها كلمة المنورة لأنها ضاءت بنور الله +وهدى رسول الله صلى الله عليه وسلم , وأضاءت بهما الخافقين . وسمى حسان بن ثابت مسجدها " المعهد المنير " .
2- ومن أسمائها طابة , لما ورد في البخاري عن سهل بن سعد عن أبي حميد رضي الله عنه قال أقبلنا مع النبي صلى الله عليه وسلم من تبوك حتى أشرفنا على المدينة فقال : " هذه طابة " .
3- طيبة , وذلك لطيبها وحلول الطيب صلى الله عليه وسلم بها ولحديث " كانوا يسمون المدينة يثرب فسماها رسول الله صلى الله عليه وسلم طيبة " .
4- الدار . . لقوله تعالى : والذين تبوءوا الدار والإيمان
5- الحبيبة : لحب رسول الله صلى الله عليه وسلم لها وبحبه لها هي حبيبة إلى المسلمين جميعا .
6- حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أورده الطبراني برجال موثقين , قوله صلى الله عليه وسلم : حرم إبراهيم مكة , وحرمي المدينة
7- دار الهجرة . . لأنها مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام رضي الله عنهم أجمعين .
8- الفتح , وذلك لأن جميع الأمصار فتحت منها .
9- مأرز الإيمان , للحديث الوارد في البخاري ومسلم أنه صلى الله عليه وسلم قال : إن الإيمان ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى حجرها
10- المحفوظة , لأن الله حفظها من الطاعون والدجال .
فضل المدينة المنورة وحرمتها وفضل أهلها وحرمتهم
إن مكانة الشيء إنما تكون من ذاته بما اتصف به من كمال وجمال , أو بما يحيط به أو يجاوره , أو ما ورد عنه .
وهكذا كانت المدينة المنورة , فقد اجتمع لها كل ذلك , وحسبك في مكانتها مئات الأحاديث الواردة في ذلك عن الصادق المصدوق المبلغ عن الله , ولا يسعنا أن نأتي على محامد هذه البلدة المقدسة , وفي الإشارة إلى جزء من ذلك غنية كافية ودليل شاف , ويكفي أن نذكر عنها بأنها حرم آمن , وبلد صدق , حرمها الله , وأحلها بركاته , وأحرسها الملائكة , وجعلها مهاجر حبيبه صلى الله عليه وسلم ومثواه , بها آخر مساجد الأنبياء , اختار الله مكانها , وسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم دعا لها , القلوب تهواها وتهوي إليها , أمن حيوانها فحرم صيده وتنفيره فيها , وأمن نباتها فحرم قطع الشجر فيها , ونهى عن حمل السلاح للقتال فيها , منع الله الدجال من دخولها , ويئس الشيطان أن يعبد فيها , كما منع غير المسلمين من غزوها , للملحد والمحدث فيها أشد العقوبة , ولمن آذى أهلها النكال , مدينة تشرف أهلها برسول الله صلى الله عليه وسلم , واضطربت جبالها تحت قدميه فرحا , وحن الجذع فيها شوقا إليه , ضوعف أجر الصلاة فيها , وشرع شد الرحال إلى مسجدها , تمرها وترابها شفاء , بعض أجزائها من الجنة , أهلها جيران رسوله , من مات فيها كان آمنا , وأهلها أول من يحشر معه صلى الله عليه وسلم على صعيد القيامة ويشفع لهم- مدخل صدق لنبي صدق ولأهل صدق , فتحت المدن بالسيف وفتحت بالقرآن , إن الحديث عنها يحلو بقدر محبة المتكلم عنها وهل لهذه المحبة حدود ؟ كلا فحبها من الإيمان , وحب أهلها من الإيمان , وبغضهم من النفاق , فما بالك بحب من احتوته حشاشتها ؟ ولكيلا نفقد بركة ذكر أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها نجتزئ بعض أحاديث شاملة وهي من بين آلاف الأحاديث فيها .
ففي البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد , اللهم بارك لنا في صاعنا ومدنا وصححها لنا
وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إن الإيمان ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى حجرها
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
أمرت بقرية تأكل القرى , يقولون يثرب , وهي المدينة تنفي الناس كما ينفي الكير خبث الحديد رواه البخاري .
وروى الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : على أنقاب المدينة ملائكة , لا يدخلها الطاعون ولا الدجال
وقد ورد في البخاري وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في سياق حديث طويل : والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون وقد كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول :
" اللهم ارزقني شهادة في سبيلك , واجعل موتي في بلد رسولك صلى الله عليه وسلم " .
ورد في صحيح مسلم عن عامر بن سعد عن أبيه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إني أحرم ما بين لابتي المدينة أن يقطع عضاها أو يقتل صيدها , وقال : المدينة خير لهم لو كانوا يعلمون , لا يدعها أحد رغبة عنها إلا أبدل الله فيها من هو خير منه , ولا يثبت أحد على لأوائها وجهدها إلا كنت له شفيعا أو شهيدا يوم القيامة
وزاد في رواية أخرى : ولا يريد أحد أهل المدينة بسوء إلا أذابه الله في النار ذوب الرصاص أو ذوب الملح في الماء
وفي رواية لعائشة رضي الله عنها : " ولا يكيد أهل المدينة أحد إلا انماع كما ينماع الملح في الماء " .
وفي رواية للبخاري ومسلم " المدينة حرم ما بين عائر إلى كذا . . . , من أحدث فيها حدثا أو أوى محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه صرف ولا عدل . . . " .
وكان أبو هريرة رضي الله عنه يقول " لو رأيت الظباء بالمدينة ترتع ما ذعرتها , قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بين لابتيها حرام " .
حرم المدينة المنورة وحدوده
إننا لسنا بصدد تحقيق دقيق وبحث مستفيض عن حدود حرم المدينة المنورة , فالكلام في هذا الباب يطول ويكفي أن نقدم للقارئ خلاصة ما نراه أنه أقرب إلى الصواب في هذا الباب , وبالقدر الذي يحتاجه الساكن للمدينة المنورة عن هذا الحرم .
فنقول : إن للمدينة المنورة حرمين معروفين عند الفقهاء , حرما أشد حرمة من الآخر وهو الحرم المركزي ويسمى حرم الصيد " وهو الذي يكاد ينحصر فيه معنى فضل السكن فيه , وكثرة البركات فيه , وشديد الوعيد في الإحداث فيه . والحرم الآخر وهو ما يخص حماية المصالح الاقتصادية المتعلقة بالمدينة من حولها , وحفظا لها من احتكار المناطق الرعوية بها . وهذا يسمى حرم الشجر وهو ما يطلق عليه حمى المدينة .
وهذا الحمى حدوده في أبسط أشكاله هو أن نتخذ منطقة مركزية- في داخل المدينة المنورة ووسطها فنجعل منها دائرة قطرها بين 44 إلى خمسين كيلو متر . وعلى هذا فيمكن اعتبار امتداد هذا الحرم من شرق العاقول إلى منطقة شمال المطار فالنقمي ومنطقة الخليل ثم الاتجاه إلى الغرب الجنوبي إلى محاذاة المفرحات ثم النقيع فعودة أخرى من خلف عير بعمق عشرة كيلو مترات والتقاء بشرق العاقول .
والناس في الواقع لا يعيرون اهتماما لهذا الحرم لأنه خارج نطاق اختصاصهم الاجتماعي والاقتصادي اليوم , وإذا ما ظهر سؤال من شخص عن حدود الحرم فالمتبادر إلى الذهن أن يقصد التعرف على الحرم المركزي الذي هو حرم الصيد وفضيلة السكن . وتحديدي للحرم بالذي ذكرته مبني على الحديث الوارد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في سنن أبي داود عن عدي بن زيد قال : حمى رسول الله صلى الله عليه وسلم كل ناحية من المدينة بريدا في بريد لا يخبط شجره ولا يعضد إلا ما يساق به الجمل
والبريد يساوي اثني عشر ميلا بالميل القديم والميل يساوي 1848 متر تقريبا , والبريد أيضا يساوي أربعة فراسخ وبالأميال يساوي ثلاثة , فيكون طول البريد 22176 متر وهو ما يمثل نصف قطر دائرة حمى الشجر , أو حرم الشجر . على أن هذه الأرقام اجتهادية ولكنها لا تبتعد كثيرا عن الحقيقة والخلاف فيها جزئي .
أما حرم الصيد وهو الذي يسأل الناس دائما عنه لأنه يحقق لهم معاني فقهية في أحوالهم السكنية والمعيشية فيعتمد في تحديده على بعض الاحاديث الواردة فيه منها قوله صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم : إني أحرم ما بين لابتي المدينة أي حرتيها , وهي معروفة اليوم بالحرة الشرقية والحرة الغربية , وقديما بحرة واقم والوبرة , ولكن الخلاف في مقدار جزء الحرة الداخل في الحرم , والمتفق بين المحققين أن الحرة الغربية كلها في الحرم , وأن الحرة الشرقية يدخل معظمها في الحرم إلى ما بعد ديار بني حارثه في أعلى الحرة بمنطقة العريض , والعريض من الحرم .
أما امتداد الحرم من الناحية الشمالية والجنوبية فيعتمد فيه على ما رواه مسلم بلفظ "المدينة حرم ما بين عير إلى ثور" .
وعير جبل واضح مستقيم القمة يقع على امتداد جنوب المدينة بينه وبين قلب المدينة , حوالي ثمانية كيلو مترات , وثور عبارة عن جبيل صغير يقع بلا خلاف خلف أحد أو خلف مسامتة أحد حيث يدخل جبل أحد في الحرم , والخلاف قائم في تحديد هذا الجبل بالدقة فربما اختار البعض الجبل الصغير الأحمر المستدير الذي يقع شمال جبل أحد , وربما ارتأى البعض غير ذلك فيما رأيناه عن بعض محققي تاريخ المدينة الذين يرون أنه الجبل القابع مثل الثور في بداية منطقة الخليل على يمين السائر من خط الأسفلت العام متجها إلى بساتين الخليل , وعلى أي حال أنا لا أرى خلافا كبيرا في هذا التحديد إذ إن الجبل الأول محاذ للجبل الثاني من جهة الغرب والجبل الثاني محاذ للأول من جهة الشرق , فيمكن أن يقع كلاهما على محيط الدائرة التي يمكن أن نرسمها من مركز المدينة بنصف قطر طوله ثمانية كيلو مترات تقريبا , وأنا أرى أنه لا مانع هندسيا ولا منطقيا ولا فقهيا أن تتسع دائرة حرم الصيد فتضم الجزء الأدنى والأوسط من وادي العقيق الذي يبدأ بمسجد الميقات والبداية الشرقية للبيداء , وهذا أحوط إلا في شيء واحد وهو فضل السكن والإقامة , وهذه أيضا أراها أنها ضمن الأحوط أيضا توسيعا للناس واستنادا على أن وادي العقيق من بدء منطقة الميقات واد مبارك بصريح قول رسول الله صلى الله عليه وسلم , والبركة لن تتسع لبطن الوادي ثم تضيق عن أطرافه ورحمة الله أوسع من ذلك .
هذا الرأي عن حدود الحرم لا أجزم به كليا ولكنه من باب تيسير الفهم للناس في هذا الموضوع , ونسأل الله أن يعصمنا من الزلل والشطط .
المسجد النبوي الشريف عبر التاريخ
إن موضوع هذا الباب هو مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم - تأسيسه وتوسعاته وتطور بنائه ومدى اهتمام الأمراء والسلاطين والملوك به - وما كتب في بدايته مما يتعلق بالمدينة المنورة بعامة إنما هو مقدمة وتوطئة ضرورية لموضوع الحديث عن مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم , ولا شك أن هذا المسجد الشريف هو من ثمار هجرة المصطفى عليه الصلاة والسلام . ذاك لأن هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة تعني نشأة أول دار إسلام إذ ذاك على وجه الأرض , وقد كان ذلك إيذانا بظهور الدولة الإسلامية بإشراف منشيءها الأول سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام .
ولذا فقد كان أول عمل قام به الرسول صلى الله عليه وسلم , أن أقام الأسس الهامة لهذه الدولة , ولقد كانت هذه الأسس ممثلة في الأعمال الثلاثة التالية :
أولا: بناء المسجد .
ثانيا: المؤاخاة بين المسلمين عامة والمهاجرين والأنصار خاصة .
ثالثا: كتابة وثيقة (دستور) حددت نظام حياة المسلمين فيما بينهم , وأوضحت علاقتهم مع غيرهم بصورة عامة واليهود بصورة خاصة .
وسنقتصر الكلام على الأساس الأول الذي هو بناء المسجد .
عندما وصل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى داخل المدينة بركت ناقته في موضع كان لغلامين يتيمين من الأنصار من بني مالك بن النجار هما سهل وسهيل ابنا رافع بن أبي عمرو بن عائذ بن ثعلبة بن غنم , وكانا تحت كفالة معاذ بن عفراء أو أبو أمامة سعد بن زرارة أو كليهما , وكان أسعد بن زرارة قد اتخذه مصلى قبل هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة , فكان يصلي بأصحابه فيه . فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبنى ذلك الموضع مسجدا , ودعا الغلامين فساوم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه , فقالا : بل نهبه لك يا رسول الله , فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ابتاعه منهما بعشرة دنانير . (2) وكان فيه شجر غرقد ونخل وقبور قديمة لبعض المشركين , فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقبور فنبشت , وبالنخيل والشجر فقطعت , وصفت في قبلة المسجد , وجعل طوله مما يلي القبلة إلى مؤخره 70 ذراعا , وفي الجانبين مثل ذلك أو دونه , ثم بنوه باللبن , وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يباشر البناء مع أصحابه وينقل معهم الحجارة بنفسه , وجعل قبلته إلى بيت المقدس , وجعل عمده الجذوع , وسقفه بالجريد . وقيل له : ألا نسقفه ؟ فقال : (عريش كعريش موسى : خشيبات وثمام - نبت ضعيف قصير - الشأن أعجل من ذلك (27) أما أرضه فقد فرشت بعد ذلك بالرمال والحصباء .
وروى البخاري في صحيحه عن أنس بن مالك , أنه صلى الله عليه وسلم كان يصلي حيث أدركته الصلاة ويصلي في مرابض الغنم , قال ثم إنه أمر ببناء المسجد , فأرسل إلى ملأ من بني النجار فجاءوا , فقال يا بني النجار ثامنوني بحائطكم هذا , فقالوا لا والله لا نطلب ثمنه إلا إلى الله . فقال أنس فكان فيه ما أقول لكم : كانت فيه قبور المشركين , وكانت فيه خرب , وكان فيه نخل . فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقبور المشركين فنبشت ثم بالخرب فسويت وبالنخل فقطع , قال فصفوا النخل قبلة المسجد قال : وجعلوا عضادتيه حجارة وجعلوا ينقلون الصخر وهم يرتجزون ورسول الله صلى الله عليه وسلم معهم وهو يقول : اللهم لا خير إلا خير الآخرة فانصر الأنصار والمهاجرة . (2) ثم وسعه رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد عودته من خيبر وكثر المسلمون فصار مائة ذراع طولا ومثل ذلك عرضا .
وقد ظل مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم على هذا الشكل دون أي زيادة أو تغيير على عهد أبي بكر رضي الله عنه . وقبل أن نتحدث عن التطور العمراني له نود أن نذكر لفتة جوهرية حول بناء المسجد أول كل شيء لنعرف عبر ودلائل هذا الاتجاه .
نأخذ من هذا الذي ذكرناه دلائل هامة نجملها فيما يلي :
1- مدى أهمية المسجد في المجتمع الإسلامي والدولة الإسلامية : فقد أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم بمجرد وصوله إلى المدينة المنورة واستقراره فيها على إقامة مجتمع إسلامي راسخ متماسك . يتألف من هؤلاء المسلمين , الأنصار والمهاجرين الذين جمعتهم المدينة المنورة . فكان أول خطوة قام بها في سبيل هذا الأمر بناء المسجد .
ولا غرو ولا عجب . فإن إقامة المسجد أول وأهم ركيزة في بناء المجتمع الإسلامي , ذلك أن المجتمع المسلم إنما يكتسب صفة الرسوخ والتماسك بالتزامات نظام الإسلام وعقيدته وآدابه . وإنما ينبع ذلك كله من روح المسجد ووحيه .
إن من نظام الإسلام وآدابه شيوع آصرة الأخوة والمحبة بين المسلمين . ولكن شيوع هذه الآصرة لا يتم إلا في المسجد . فما لم يتلاق المسلمون يوميا على مرات متعددة في بيت من بيوت الله وقد تساقطت مما بينهم فوارق الجاه والمال والاعتبار , لا يمكن لروح التآلف والتأخي أن تؤلف بينهم .
إن من نظام الإسلام وآدابه , أن تشيع روح المساواة والعدل فيما بين المسلمين في مختلف شيءونهم وأحوالهم . ولكن شيوع هذه الروح لا يمكن أن يتم ما لم يتلاق المسلمون كل يوم صفا واحدا بين يدي الله عز وجل . وقد وقفوا على صعيد مشترك من العبودية له , وتعلقت قلوبهم بربهم الواحد جل جلاله . ومهما انصرف كل مسلم إلى بيته يعبد الله يركع له ويسجد دون وجود ظاهرة الاشتراك والاجتماع في العبادة , فإن معنى العدالة والمساواة لن يتغلب في المجتمع على معاني الأثرة والتعالي والأنانية .
وإن من نظام الإسلام وآدابه أن ينصهر أشتات المسلمين في بوتقة من الوحدة الراسخة يجمعهم عليها حبل الله الذي هو حكمه وشرعه , ولكن ما لم تقم في أنحاء المجتمع مساجد يجتمع فيها المسلمون على تعلم حكم الله وشريعته ليتمسكوا بها عن معرفة وعلم فإن وحدتهم تئول إلى شتات , وسرعان ما تفرقهم عن بعضهم الشهوات والأهواء , فمن أجل تحقيق هذه المعاني كلها في مجتمع المسلمين ودولتهم الجديدة أسرع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل كل شيء إلى بناء هذا الصرح الشامخ والأساس المتين (المسجد النبوي الشريف) .
تطور التوسعات للمسجد النبوي الشريف
منذ خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه وحتى التوسعة الفهدية الكبرى
قلنا إن مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ظل على شكله دون زيادة أو تغيير فيه على عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه .
أما الزيادات والتوسعات فيه فقد بدأت من عهد الخليفة الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه , واستمرت حتى عصرنا الحاضر .
وإذا أردنا أن نتحدث عن التطور التفصيلي لعمارة المسجد النبوي الشريف خلال هذه الحقبة التاريخية الطويلة فإن الموضوع يحتاج إلى مؤلف ضخم , ثم لن تكون العملية بعد ذلك أكثر من تكرار لما تناثر في الكتب .
لقد تناولنا معظم الكتب التي اهتمت بموضوع عمارة المسجد النبوي الشريف , فوجدنا منها ما هو مطول في فترة وموجز في أخرى بصفة عامة إيجازا يقصر عن تمام الفائدة , أو مطولا إطالة قد لا يحتاج إليها كثير من القراء . لذا وجدت أنه من المفيد جدا أن أختصر الموضوع على شكل مسرد موجز لتاريخ المسجد النبوي الشريف وما يلحقه من عناصر اختصرته من عدة مراجع , كلها آخذة من بعض , فاقتفيت أثر بعضها وقدمته على غيرها والفضل في جميعها يعود للسابقين .
ووصلت بهذا المسرد الموجز إلى بداية التوسعة الفهدية الكبرى فتوسعت في الحديث عنها , ذلك لأن ما قبل التوسعة الفهدية أوسعته الكتب طرحا وإيضاحا وبحثا وتحقيقا , فكان الواجب أن تأخذ التوسعة الفهدية نفس المساحة من الطرح التاريخي والعمراني . وسنوجز هذا المسرد فيما يلي :
حدود المسجد النبوي
الدرابزينات النحاسية الصفر الآخذة من شرق إلى غرب التي تبعد عن المنبر النبوي ذراعا واحدا أو أكثر قليلا هي في موضع جدار المسجد القبلي الذي بناه صلى الله عليه وسلم .
الأساطين الشمالية في عمارة السلطان عبد المجيد العثماني المشرفة على رحبة المسجد النبوي الآخذة من شرق إلى غرب المسامتة لعضادة باب النساء هي موضع الجدار الشمالي الذي بناه الرسول صلى الله عليه وسلم .
موقع الحائط الشرقي هو بعد أربعة أذرع من الأسطوانة الخامسة من يمين المنبر الشريف جهة الشرق داخل شباك الحجرة النبوية الشريفة , أي أن جزءا من الروضة داخل في شباك الحجرة النبوية الشريفة .
أما الحائط الغربي فموقعه في موضع الأساطين الممتدة من الشمال للجنوب المكتوب في علوها (حد مسجد النبي عليه السلام) داخل عقد مذهب منحوت . . . وهذه الأساطين تسامت الأسطوانة الخامسة بعد المنبر الشريف جهة الغرب .
كل ما يزاد في المسجد النبوي هو من المسجد النبوي الشريف .
حين بنى الرسول صلى الله عليه وسلم مسجده لأول مرة كانت القبلة إلى بيت المقدس , وجعل له أبوابا ثلاثة شرقيا وغربيا وجنوبيا . ولما تحولت الصلاة إلى الكعبة المشرفة فتح بابا في الشمال وسد الباب الجنوبي .
الباب الشرقي ويسمى باب آل عثمان , وباب النبي , وباب جبريل , وموضعه عند دخولك من باب جبريل قبل نهاية ضلع الحجرة الشمالي بأربعة أو خمسة أذرع تقريبا في امتداد شمالي جنوبي .
الباب الغربي هذا الباب كان يسمى باب عاتكة قديما ويسمى الآن باب الرحمة , وإذا دخل منه الإنسان من باب الرحمة وسار إلى الشرق مستقيما ووقف بحذاء آخر أسطوانة مكتوب عليها في أعلاها كما تقدم (حد مسجد النبي عليه السلام) كان واقفا في موضع باب عاتكة الذي فتحه رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجده في الجدار الغربي .
الباب القبلي (الجنوبي) اسمه باب آل عمر ويقع في الجدار القبلي في القسم الشرقي منه الواقع بين مصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والحجرة المطهرة , وقد يكون في مكان الزاوية الغربية الجنوبية لشباك الحجرة اليوم كما وصفه المؤرخون .
وقد سد الرسول صلى الله عليه وسلم هذا الباب وفتح بدله بابا في الشمال عند تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة المشرفة .
الباب الشمالي : ذكرت عن الباب القبلي أنه كان في مكان الزاوية الغربية الجنوبية للشباك الدائر على الحجرة النبوية الشريفة , والباب الشمالي فتحه رسول الله صلى الله عليه وسلم بحذاء الباب القبلي في الجدار الشمالي للمسجد الذي سبق وصفه . أي يطل على رحبة الشمسيات الأولى .
المحراب النبوي (مصلى الرسول الكريم إلى الكعبة) :
لا يوجد محراب في المسجد النبوي في عهده صلى الله عليه وسلم ولا في عهد خلفائه الراشدين , وأول من أحدث المحراب المجوف في المسجد النبوي الشريف هو عمر بن عبد العزيز في عمارة الوليد بن عبد الملك للمسجد النبوي سنة 88- 91هـ , كما نقله الجلال السيوطي في أوائله ونقل في نزهة الناظرين للسيد البرزنجي .
والمحراب الموجود الآن هو من عمارة الأشرف قايتباي ومصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم للكعبة , يقع في الطرف الغربي لتجويفه المحراب , فاجعل التجويفة في يسارك وقف بينك وبين المنبر الشريف مقدار 14 ذراعا وشبرا تكن في موقف الرسول صلى الله عليه وسلم في الصلاة .
مصلى النبي إلى بيت المقدس في المسجد النبوي
صلى - عليه الصلاة والسلام - إلى بيت المقدس مدة ستة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرا ثم صرفت القبلة إلى الكعبة المشرفة . وليس في المسجد اليوم موضع يعرف بمصلاه عليه السلام إلى بيت المقدس , ونحرص أن نعين ذلك إن شاء الله : ضع أسطوانة السيدة عائشة خلف ظهرك وسر باستقامة جهة الشمال فإذا حاذيت باب جبريل وكان على منكبك الأيمن فقد وقفت في مصلى النبي الكريم إلى بيت المقدس حسبما ذكره المؤرخون .
مصلى النبي عند أسطوانة السيدة عائشة
قبل أن يتقدم النبي الكريم إلى مصلاه الدائم عند المحراب الذي وصفناه صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد تحويل القبلة إلى الكعبة بالمسلمين إلى أسطوانة السيدة عائشة بضعة عشر يوما , ثم تقدم إلى مصلاه عند المحراب . وسيأتي تعيين موقع أسطوانة السيدة عائشة .
الأساطين المعلومة التي لها تاريخ في المسجد النبوي الشريف
- السواري (الأساطين) التي في المسجد النبوي الشريف في القسم القبلي منه أقيمت في عمارة السلطان عبد المجيد العثماني في مكان السواري التي كانت في عهد النبي صلى الله عليه وسلم من جذوع النخل , فقد تحروا عند البناء مواقعها وإذا أطلق اسم سارية فالمقصود بذلك مكانها .
وفي المسجد النبوي الشريف 8 سواري (اسطوانات) دخلت التاريخ , فقد كان لكل واحدة منها قصة حظيت من رسول الله صلى الله عليه وسلم بنصيب . . وفيما يلي نذكر هذه الأساطين بشيء من الإيجاز :
1- الأسطوانة التي هي علم على مصلاه الشريف وتعرف بالأسطوانة المخلقة (المطيبة المعطرة) وكان سلمة بن الأكوع يتحرى الصلاة عندها , ولما سئل قال إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتحرى الصلاة عندها , وقال مالك : أحب مواضع التنفل حيث العمود المخلق , وأما الفريضة ففي أول الصفوف . وقد جرى تقديم هذه الأسطوانة لجهة القبلة قليلا وإدخال بعضها في المحراب النبوي وكتب عليها الأسطوانة المخلقة .
2- أسطوانة السيدة عائشة وهي الثالثة من المنبر , والثالثة من القبر والثالثة من القبلة وتعرف بأسطوانة المهاجرين . فقد كانوا يجتمعون عندها , وتسمى أسطوانة القرعة لحديث عائشة الذي مفاده لو علم الناس ما لفضل الصلاة عند هذه السارية لاستهموا عليها , ولم تحددها السيدة عائشة لهم ولكن استنبطوها بعد ذلك .
3- أسطوانة التوبة وهي الرابعة من المنبر والثانية من القبر والثالثة من القبلة , وتعرف بأسطوانة أبي لبابة لأنه ربط نفسه فيها بضع عشرة ليلة بعد الذي أفضى به لحلفائه بني قريظة وبعد أن أنبه ضميره على ما فعل من ذنب حتى كاد لا يسمع وكاد بصره يذهب وكانت ابنته تحل رباطه إذا حضرت الصلاة وإذا أراد أن يذهب لحاجة ثم يعود فترده في الرباط , وحلف أن لا يحل نفسه حتى يحله رسول الله صلى الله عليه وسلم وحله رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن نزلت توبته في القرآن الكريم سحرا في بيت أم سلمة , وحلف أن لا يطأ بني قريظة أبدا .
وكان صلى الله عليه وسلم يصلي نوافله إلى هذه الأسطوانة , وينصرف إليها بعد صلاة الصبح ويعتكف وراءها مما يلي القبلة ويسبق إليها الضعفاء والمساكين وضيوف رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤلفة قلوبهم ومن لا بيت له إلا المسجد , فينصرف إليهم النبي من مصلاه ويتلو عليهم ما أنزل عليه ليلته ويحدثهم ويحدثونه .
1 - مقابلة وجه الرسول صلى الله عليه وسلم
2 - مواجهة أبي بكر الصديق رضي الله عنه
3 - مواجهة عمر بن الخطاب رضي الله عنه
4 - المحراب النبوي الشريف
5 - باب السيدة فاطمة رضي الله عنها
6 - باب التوبة
7 - المنبر النبوي الشريف
8 - الأسطوانة المخلقة
9 - أسطوانة السيدة عائشة رضي الله عنها أو أسطوانة المهاجرين
10- أسطوانة التوبة أو أسطوانة أبي لبابة
11- أسطوانة السرير
12- أسطوانة المحرس أو أسطوانة الإمام علي
13- أسطوانة الوفودأو مجلس القلادة
14- أسطوانة مربعة القبر
15- أسطوانة التهجد
16- محراب سيدنا عثمان رضي الله عنه
17- محراب التهجد
18- المكبرية
19- دكة الأغوات
20- المنارة الرئيسية
4- أسطوانة السرير وهي الأسطوانة اللاصقة بالشباك تلي أسطوانة التوبة (أبي لبابه) من جهة الشرق , وقد كان للنبي صلى الله عليه وسلم سرير من جريد فيه سعفه يوضع قرب هذه الأسطوانة يضطجع عليه , وكان السرير يوضع أيضا عند أسطوانة التوبة .
5- أسطوانة المحرس وتقع خلف أسطوانة التوبة من جهة الشمال وتسمى أسطوانة علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقد كان مصلاه إليها , وكان يجلس في صفحتها التي على القبر مما يلي باب بيت رسول الله يحرسه وكان أمراء المدينة يصلون عندها .
6- أسطوانة الوفود وتقع خلف أسطوانة المحرس من الشمال وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجلس إليها لوفود العرب إذا جاءته . . وكانت تعرف بمجلس القلادة يجلس إليها سراة الصحابة وأفاضلهم .
7- أسطوانة مربعة القبر ويقال لها مقام جبريل , وتقع في حائز الحجرة عند منحرف صفحته الغربية إلى الشمال بينها وبين أسطوانة الوفود الأسطوانة اللاصقة بشباك الحجرة الشريفة , وقد روى سليمان بن مسلم أن باب بيت فاطمة رضي الله عنها في المربعة , وقد كان صلى الله عليه وسلم يأتيه حتى يأخذ بعضادتيه ويقول : السلام عليكم أهل البيت إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا .
8- أسطوانة التهجد وموقعها وراء بيت السيدة فاطمة رضي الله عنها من جهة الشمال , وفيها محراب إذا توجه المصلي إليه كانت يساره إلى جهة باب عثمان المعروف بباب جبريل .
المنبر النبوي الشريف
روي في الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة وللبخاري مثله وزاد " ومنبرى على حوضي " . وروى أحمد برجال الصحيح : " منبري على ترعة من ترع الجنة " . وروى النسائي برجال ثقات عن أبي أمامة بن ثعلبة مرفوعا : من حلف عند منبري هذا يمينا كاذبة استحل بها مال امرئ مسلم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا
وفي سنن أبي داوود من حديث جابر مرفوعا : لا يحلف أحد عند منبري هذا على يمين آثمة ولو على سواك أخضر إلا تبوأ مقعده من النار أو وجبت له
كيف كان المنبر وكيف تطور
في مسند الإمام الدارمي كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطب قام فأطال القيام فكان يشق عليه قيامه فأتى بجذع نخلة فحفر له وأقيم إلى جنبه قائما للنبي صلى الله عليه وسلم فكان إذا خطب فأطال القيام استند فاتكأ عليه فبصر به رجل ورد المدينة فقال لمن يليه من الناس لو أعلم أن محمدا يحمدني في شيء يرفق به لصنعت له مجلسا يقوم عليه فإن شاء جلس وإن شاء قام فبلغ ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال : ائتوني به فأتوه به فأمر أن يصنع له هذه المراقي الثلاث أو الأربع فوجد صلى الله عليه وسلم في ذلك راحة فلما فارق الجذع وعمد إلى هذه التي صنعت له جزع الجذع فحن كما تحن الناقة . . وروى أن المنبر صنع من خشب الأثل من الغابة .
حنين الجذع
وفي كتاب يحيى عن أبي سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم لما حن الجذع حنين الناقة إلى ولدها نزل إليه النبي فضمه فسكن وأمر أن يدفن ويحفر له
وفي كتاب ابن زبالة أن الخشبة (الجذع) دفنت تحت المنبر وقال بعضهم دفنت شرقي المنبر .
شكل المنبر المصنوع
في صحيح مسلم ما يدل على أن المنبر الذي صنع لرسول الله من ثلاث درجات , وقال الكمال الديري إن المنبر من ثلاث درجات غير الدرجة التي تسمى المستراح . وكان صلى الله عليه وسلم يقف على الدرجة الثالثة وهو يخطب , فلما ولي أبو بكر رضي الله عنه قام على الدرجة الثانية ووضع رجله على الدرجة السفلى ولما ولي عمر رضي الله عنه قام على الدرجة السفلى ووضع رجليه على الأرض , فلما ولي عثمان رضي الله عنه فعل مثل عمر ست سنوات ثم علا إلى موضع النبي صلى الله عليه وسلم .
ولقد كان للمنبر عبر التاريخ نصيب كبير من اهتمام الخلفاء والسلاطين حيث جدد حوالي ثماني مرات . ولكن في جميع التجديدات لم يفقد موقعه الأساسي , فهو اليوم على بقعة من الأرض كان منبر النبي صلى الله عليه وسلم عليها أو على بعضها .
الروضة المطهرة
ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة حديث شريف روي في الصحيحين . اعتمد المؤرخون واتفق أكثر العلماء في ظاهر كلامهم أن الروضة المطهرة هي البقعة الواقعة بين بيت النبي صلى الله عليه وسلم الذي هو بيت السيدة عائشة أيضا- وبين المنبر الشريف . . ووردت عدة أقوال في تحديدها .
وقال صاحب نزهة الناظرين إن الأولى بالاعتماد وظاهر ما عليه غالب العلماء أن (الروضة) وهي فيما يسامت المنبر من مقدم المسجد جهة القبلة (الجنوب) , وإن لم يسامت الحجرة وفيما يسامت المنبر من جهة الشمال وإن لم يسامت الحجرة كما جاء في خلاصة الوفا .
المنائر . . مآذن المسجد النبوي لم يكن للمسجد النبوي في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا عهد خلفائه الراشدين مناير (مآذن) يرقى المؤذن عليها فيؤذن منها .
وأول من أحدث المناير في المسجد النبوي عمر بن عبد العزيز في ولايته على المدينة المنورة من قبل الوليد بن عبد الملك الأموي أثناء عمارته وتوسعته للمسجد النبوي 88- 91هـ , فقد بنى للمسجد أربع مناير في كل ركن من أركانه منارة , ثم فشا بناء المناير في المساجد . روى ذلك المؤرخون والسيد البرزنجي في نزهة الناظرين .
وقد كان في عمارة المسجد النبوي في عمارة السلطان عبد المجيد العثماني قبل العمارة والتوسعة السعودية خمس مآذن هي :
1- المنارة الشامية الغربية وتسمى الشكيلية والخشبية والمجيدية , وموقعها في الركن الشمالي الغربي للمسجد , وقد جددت في عهد السلطان عبد المجيد العثماني , ثم أزيلت في العمارة السعودية مع ما أزيل وبني بدلها على أجمل وأحدث طراز .
2- المنارة الشامية الشرقية وتسمى السنجارية , والعزيزية لعمارة السلطان عبد العزيز العثماني لها زمن سلطنته , وموقعها في الركن الشرقي , وقد أزيلت في العمارة السعودية مع ما أزيل وبني بدلها على طراز حديث وشكل رائع مع القوة والمتانة .
3- المنارة الجنوبية الشرقية وتسمى بالمنارة ية وتحمل هذا الاسم إلى الآن , وهي المنارة المجاورة للقبة الخضراء والتي تظهر دائما في الصورة معها , وموقعها في الركن الجنوبي الشرقي للمسجد . . عمرها الأشرف قايتباي ثلاث مرات سنة 886 وسنة 888 هـ وسنة 892هـ ونزل في أساسها للماء واتخذ لها أحجارا سوداء متقنة وزاد في طولها إلى 120 ذراعا نحو 60 مترا , وهي الآن على عمارة قايتباي , وصورة القبة الخضراء والمنارة ية يتخذها أهل المدينة هذه الأيام كشعار للمدينة المنورة , وأول من اتخذها هو جريدة المدينة المنورة عند صدورها سنة 1356هـ .
وكان المؤذنون في الماضي يسمون الرؤساء نظرا لأن المؤذن لا يعتبر قيده رسميا ضمن المؤذنين إلا إذا أذن في هذه المنارة ولو مرة واحدة فيسمى بعد ذلك ريس ويحق له نصيب من أوقاف المؤذنين .
4- منارة باب السلام الغربية الجنوبية تسمى بمنارة باب السلام وهي الموجودة الآن وهي من عمارة الناصر ابن قلاوون سنة 706هـ كما رواه الطبري , أما ابن فرحون فقد قال : إن الذي أنشأها شيخ الخدام شبل الدولة كافور المظفري المعروف بالحريري من قناديل الذهب والفضة . وأرسل الصناع الأمير بن سلال وبكير بن سكندر وحفر أساسها إلى الماء ووجدوا بعد حفر قامة برنية فخار مزججة ملآنة دراهم مظفرية , ثم وجدوا تحصيب المسجد النبوي أيام مروان بالرمل الأسود يشبه أن يكون من جبل سلع كما رواه السيد البرزنجي ولا تزال المنارة على بنائها الذي بناه شيخ الخدام رحمه الله .
5- المنارة الغربية وتسمى منارة باب الرحمة عمرها الأشرف قايتباي سنة 888هـ , وبنيت خارج جدران المسجد النبوي ضمن الدار الملاصقة للمسجد قرب باب الرحمة , وهي الدار التي كانت مخصصة لسكنى مدرسي المدرسة المحمودية , وقد أزيلت في التوسعة السعودية مع +الدار والمدرسة لتوسعة ما حول المسجد النبوي وعمل الميدان الموجود الآن .
المنائر السعودية
وفي العمارة والتوسعة السعودية أزيلت المنارتان الشرقية الشمالية , والغربية الشمالية ومنارة باب الرحمة كما تقدم وبني بدلهم منارتان عمق أساس كل منارة 17 مترا وارتفاع كل منارة 70 مترا , وأضيئتا بالأنوار الكهربائية المزأبقة وطوقت الأضواء مطاف المنارتين - الموضع الذي يطوف فيه المؤذن عند الأذان - فبدت جميلة جذابة ومنظرها ليلا كأنها أعمدة من نور توغل في السماء , وكان البناء على أحدث طراز وأحسن شكل ، ثم بعد التوسعة الفهدية الكبرى زيد في المسجد النبوي الشريف ست منائر أخرى وبارتفاع أعلى , فأصبح المجموع عشر منائر .
المقصورة النبوية الشريفة
بنى النبي صلى الله عليه وسلم بيته الشريف المتواضع مثل بنائه للمسجد باللبن وجريد النخل , على مساحة صغيرة وسقفه ينال باليد وله بابان غربي شارع في المسجد وشمالي , والباب ذو مصراع واحد وبدون غلق يقفل به .
قبرالنبي صلى الله عليه وسلم في بيته
دفن النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن انتقل إلى الرفيق الأعلى في حجرة بيته المتواضع , وقد جعل رأسه الشريف إلى المغرب ورجلاه إلى المشرق ووجهه الكريم إلى القبلة , وكان بينه وبين جدار البيت +القبلي قدر شبر وقيل بمقدار سوط , وبين الجدار الغربي قدر ذراعين .
وبالقرب منه صلى الله عليه وسلم دفن صاحبه وصديقه ورفيقه في الغار خليفته أبو بكر الصديق رضي الله عنه , وقد جعل رأسه إلى المغرب خلف منكب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجلاه للمشرق ووجهه للقبلة , ولما توفي عمر بن الخطاب رضي الله عنه دفن بجوار صاحبيه , وقد جعل رأسه للمغرب خلف منكب أبي بكر الصديق رضي الله عنهما ورجلاه للمشرق ووجهه للقبلة . وكان دفنه بوصيته رضي الله عنه بعد استئذانه من السيدة عائشة رضي الله عنها وموافقتها على ذلك .
هدم الحجرة وعمارتها في زمن الوليد
كتب الوليد بن عبد الملك لعمر بن عبد العزيز عامله على المدينة - بعد أن اشترى حجرات أمهات المؤمنين رضي الله عنهن - بهدمها وتوسيع المسجد بها , فقعد عمر في ناحية وأمر بهدمها فلما هدم البيت الأول ظهرت القبور الثلاثة وكان الذي عليها قد انهار .
وأراد عمر بن عبد العزيز أن يصلح القبور بنفسه ثم أمر مولاه مزاحما بإصلاحها . وروى عبد الله بن محمد بن عقيل قال : خرجت في ليلة مطيرة حتى إذا كنت عند دار المغيرة بن شعبة لقيتني رائحة لا والله ما وجدت مثلها قط , فجئت المسجد فبدأت بالقبر فإذا جداره قد انهدم من المشرق , فدخلت فسلمت فلم ألبث أن سمعت الحس فإذا عمر بن عبد العزيز قد أمر به فستر بالقباطي .
ولما أصبح دعي وردان البناء فدخل الحجرة وقال لا بد لي من رجل , فكشف عمر بن عبد العزيز ساقه وكشف قاسم بن محمد وسالم بن عبد الله عن سوقهما فقال عمر لهما مالكم فقالوا ندخل معك فقال : لا والله لا نؤذيهم بكثرتنا , وأمر مزاحما مولاه بالدخول لمناولة وردان .
وروى أنه أمر وردان بالكشف عن الأساس , فبينما هو يكشف عنه وإذا به يتنحى واجما , فقام عمر فزعا فقال عبد الله ابن عبيد الله : لا يروعنك , فتانك قدما جدك عمر بن الخطاب رضي الله عنه ضاق البيت عنهما فحفر لهما في الأساس فقال لوردان غط ما رأيت . وروى هشام بن عروة أنه لما سقط الجدار زمن الوليد أخذوا في بنائه فبدت لهما قدم ففزعوا وظنوا أنها قدم النبي صلى الله عليه وسلم فما وجدوا أحدا يعلم ذلك . فقال عروة والله ما هي قدم النبي صلى الله عليه وسلم ما هي إلا قدم عمر . . وتؤيد هذه الرواية ما ورد في صحيح البخاري .
وقد بنى عمر بن عبد العزيز الحجرة المطهرة بالأحجار السوداء المنحوتة يقرب لونها من لون أحجار الكعبة المشرفة على نفس المساحة التي بنى رسول الله صلى الله عليه وسلم بيته عليها , وجعل عرض الجدار في الجوانب كلها ذراعا ونصفا وقيراطين إلا الجدار الشرقي فعرضه ذراع وربع وثمن ذراع وجعل ارتفاع الجدار في السماء خمسة عشر ذراعا .
ثم بنى حول الحجرة المطهرة حظارا وزواه , وجعل له خمسة أضلاع بخمس زوايا فشكل مثلثا في المؤخرة جهة الشام , وذلك خشية أن يشبه الكعبة في تربيعه وخشية أن يتخذ قبلة فيصلى عليه .
ويمكن أن يستنبط القارئ من المخطط الآتي جميع الأبعاد والمعلومات المتعلقة بالحظار .
إحداث المقصورة على الحجرة وعلى دار السيدة عائشة
كان المسلمون عندما يزورون قبر النبي صلى الله عليه وسلم يستطيعون أن يقفوا ليس بينهم وبين الوجه الشريفة إلا ثلاثة أذرع تقريبا , وكانوا يقفون عند جدار حظار عمر بن عبد العزيز مباشرة . وفي سنة 668هـ أحدث الظاهر بيبرس صاحب مصر مقصورة بدرابزين من خشب نصبه بين الأساطين التي تلي الحجرة الشريفة من جهة الشمال , وقد زاد فيه إلى متهجد النبي صلى الله عليه وسلم حيث أدخل في المقصورة بيت السيدة فاطمة رضي الله عنها , وجعل لهذه المقصورة ثلاثة أبواب بابا في القبلة وبابا في الشرق وبابا في الغرب , وجعل ارتفاع الدرابزين نحو قامتين , وقد أخذ مساحة المقصورة بنفسه وقاس ما حولها بيده وبحبال في حج عام 667هـ . وبعد إحداث المقصورة - الشباك - صار الزائر يقف بعد الشباك متجها بوجهه إلى وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم .
أول من أحدث القبة على الحجرة الشريفة
لم يكن على الحجرة الشريفة قبة وكان سطح المسجد على ما يوازي الحجرة حظير من الآجر بمقدار نصف قامة تمييزا للحجرة المطهرة عن بقية سطح المسجد , والسلطان قلاوون الصالحي هو أول من أحدث على الحجرة المطهرة قبة عام 678هـ مربعة من أسفلها مثمنة من أعلاها بأخشاب أقيمت على رءوس السواري المحيطة بالحجرة المشرفة , وسمر عليها ألواحا من الخشب وصفحها بألواح الرصاص وجعل محل حظير الآجر حظيرا من خشب .
وجددت القبة زمن الناصر حسن بن محمد قلاوون , ثم اختلت ألواح الرصاص عن موضعها وجددت وأحكمت أيام الأشرف شعبان بن حسين بن محمد سنة 765هـ , وحصل بها خلل وأصلحت زمن السلطان قايتباي سنة 881هـ .
عمارة القبة بعد الحريق الثاني
وقد احترقت المقصورة الشريفة والقبة في حريق المسجد النبوي الثاني , وفي سنة 886هـ في عهد السلطان قايتباي في سنة 887هـ , جددت القبة وأسست لها دعائم عظيمة في أرض المسجد النبوي وبنيت بالآجر بارتفاع متناه , وقد حصل بين الجدار الشرقي للمسجد وبين الدعائم المحدثة ضيق , فهدم جدار المسجد الشرقي وزحف به إلى البلاط ناحية مصلى الجنائز بمقدار ذراع ونصف , ولم يسقط شيء من حريق القبة على الحجرة المطهرة فقد كانت القبة الصغرى التي بناها قايتباي على الحجرة والقبور الشريفة مانعة لذلك .
أما المقصورة فقد جعلوا لها شبابيك من النحاس من جهة القبلة , وجعلوا في أعلاها شبكة من شريط النحاس كالزرد بين أخشاب متصلة بعقود الحجرة المحيطة بها , وجعلوا لبقية المقصورة من جهة الشمال والشرق والغرب شبابيك من الحديد وبأعلاها أشرطة من النحاس لمنع الحمام .
تصدع القبة وتجديدها
بعد ما تم بناء القبة بالصورة الموضحة تشققت من أعاليها , ولما لم يجد الترميم فيها أمر السلطان قايتباي بهدم أعاليها وأعيدت محكمة البناء بالجبس الأبيض فتمت محكمة متقنة سنة 892هـ .
تجديد القبة زمن السلطان محمود العثماني
بعد عدة قرون ظهرت شقوق في أعلى القبة زمن السلطان محمود بن عبد المجيد العثماني , فأصدر أمره بتجديدها فهدموا أعاليها وأعادوها في غاية الإحكام والاتقان , وكان ذلك سنة 1233هـ ولا تزال على تلك الحال حتى الآن
أول من صبغ القبة الخضراء باللون الأخضر
في سنة 1253هـ صدر أمر السلطان عبد الحميد العثماني بصبغ القبة المذكورة باللون الأخضر , وهو أول من صبغ القبة بالأخضر , ثم لم يزل يجدد صبغها بالأخضر كلما احتاجت لذلك إلى يومنا هذا .
وسميت بالقبة الخضراء بعد صبغها بالأخضر , وكانت تعرف بالبيضاء والفيحاء والزرقاء .
إصلاح في الحجرة في العهد السعودي
ونمى إلى مسامع الملك عبد العزيز آل سعود رحمه الله وجود ما يدعو للإصلاح داخل الحجرة الشريفة فجرى الكشف عليه , وصدر الأمر بإصلاحه ولم يكن الخراب ذا بال فقد كان عبارة عن قشور وتشققات في اللياسة في بعض الأسطوانات وتم الإصلاح ليلا .
توسعات المسجد النبوي الشريف
بعد الزيادة النبوية الشريفة زاد في مساحة المسجد النبوي الخليفتان عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان رضي الله عنهما , ثم الوليد بن عبد الملك ثم المهدي العباسي , ثم الأشرف قايتباي , ثم السلطان عبد المجيد العثماني , ثم الملك عبد العزيز آل سعود ثم خادم الحرمين الشريفين فهد بن عبد العزيز .