sandbad
08-03-2001, 12:33 PM
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً صلى الله عليه وسلم عبده ورسوله، إن أصدق الحديث كلام الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة، أما بعد:
فحديثنا هذه الليلة حول اعتناء الشريعة بسد ذرائع الفاحشة، ونحتاج بين يدي الحديث إلى التعريف بسد الذرائع وماذا يعنى به؟
التعريف بسد الذرائع:
سد الذرائع قاعدة شرعية معروفة، تجد الحديث كثيراً عنها عند علماء الأصول، وعرف ابن منظور الذرائع بقوله: "الذريعة الوسيلة وقد تذرع به توسل والجمع ذرائع".
وقال شيخ الإسلام: "و الذريعة ما كان وسيلة وطريقاً إلى الشيء، ولكن صارت في عرف الفقهاء يعبر عنها بما أفضى إلى فعل محرم". إذن فالذريعة هي الوسيلة والطريق إلى أي أمر كان، فالذي يسافر ليحصل على مقصود له نعتبر السفر هنا ذريعة لهذا المقصود، لكن هذه الجملة صارت في عرف الفقهاء خاصة في الأمور المحرمة، فعندما يقال سد الذريعة ينصرف الذهن إلى تحريم الأمور التي تكون سبباً في الوقوع بالمعصية.
ويمكن أن نعرفها بأسلوب أكثر وضوحاً فنقول: إن سد الذرائع عبارة عن أحكام حرمها الشارع ومنع منها لا لذاتها وإنما لأنها وسيلة وطريق للوقوع في الحرام، فالشارع مثلاً قد حرم شد الرحال لزيارة القبور لأن هذه وسيلة وذريعة إلى عبادتها من دون الله سبحانه وتعالى، ومنع من تجصيصها وبناء القباب عليها واتخاذ السرج إلى غير ذلك كل هذا إغلاقاً لهذا الباب، حتى لا يكون وسيلة للوقوع في الشرك.
قال ابن القيم رحمه الله: "لما كانت المقاصد لا يتوصل إليها إلا بأسباب وطرق تفضي إليها كانت طرقها وأسبابها تابعةً لها معتبرةً بها، فوسائل المحرمات والمعاصي في كراهيتها والمنع منها بحسب إفضائها إلى غاياتها، وارتباطها بها، ووسائل الطاعات والقربات في محبتها والإذن فيها بحسب إفضائها إلى غاياتها، فوسيلة المقصود تابعة للمقصود وكلاهما مقصود، ولكنه مقصود قصد الغايات، وهي مقصودة قصد الوسائل، فإذا حرم الرب تعالى شيئاً وله طرق ووسائل تفضي إليه فإنه يحرمها ويمنع منها تحقيقاً لتحريمه، وتثبيتاً له، ومنعاً أن يضرب حماة، ولو أباح الوسائل والذرائع المفضية إليه لكان ذلك نقضاً للتحريم، وإغراءً للنفوس، وحكمته تعالى وعلمه يأبيان ذلك كل الإباء، بل ساسة ملوك الدنيا تأبى ذلك، فإن أحدهم إذا منع جنده أو رعيته أو أهل بيته من شيء ثم أباح لهم الطرق والأسباب والذرائع المرسلة إليه لعد متناقضاً، ولحصل من رعيته وجنده ضد مقصوده، وكذلك الأطباء إذا أرادوا حسم الداء منعوا صاحبه من الطرق والذرائع الموصولة إليه، وإلا فسد عليهم ما يرومون إصلاحه، فما الظن بهذه الشريعة الكاملة التي هي في أكمل درجات الحكمة والمصلحة والكمال؟ ومن تأمل مصادرها ومواردها علم أن الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم سد الذرائع المفضية إلى المحارم بأن حرمها ونهى عنها" .
ولن أفيض في الحديث عن هذه النقطة فحديثها له مجالاته المختصة به، ومن أراد التوسع في ذلك بإمكانه أن يرجع إلى كتب أصول الفقه، لكننا نريد جانباً واحداً من هذه القضية وهي عناية الشريعة بسد ذرائع الفاحشة.
إن هذه الفاحشة أمرها عظيم وخطبها جسيم، وهي كفيلة بتدمير المجتمعات ونزول الوباء بها ولا أدل على ذلك من أنها عرفت بهذا الاسم، فعندما يقال الفاحشة ينصرف الذهن إلى هذه الجريمة؛ ذلك أن مصطلح الفاحشة في الأصل هو كل ما يستقبح فيقال عنه أنه فاحش، ولهذا كان العرب يسمون البخيل فاحشاً كما قال شاعرهم:
أرى الموت يعتام الكرام ويصطفي عقيلة مال الفحش المتشدد
و في التنزيل يقول سبحانه وتعالى: ((الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء)) أي البخل، وصفة البخل مستقبحة عند العرب غاية القبح، ولشناعتها وقبحها سميت بالفاحشة، وتطلق الفاحشة في الاصطلاح الشرعي على المعصية كما قال الله عز وجل: ((لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة)) فالمقصود بالفاحشة هنا المعصية، وليست قاصرة على جريمة الزنا أو ما شابهها من الفواحش.
لكن لشناعة هذه الجريمة وقبحها صارت"أل" هنا عهدية فعندما يقال الفاحشة ينصرف الذهن إلى هذه الجريمة البشعة والشنيعة، وهذه الجريمة يعاقب فاعلها بعقوبة قاسية لا يعرف لها نظير، فيعاقب بالرجم بالحجارة حتى يموت إن كان ثيباً، وبالجلد إن كان بكراً: ((الزانية والزاني فأجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة و لا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين))، فيأمر الله عز وجل بإعلان العقوبة وينهى المؤمنين بأن تأخذهم رأفة بهم لشناعة هذه الجريمة وقبحها.
ونحن أحوج ما نكون إلىالحديث عن هذه القضايا هذا العصر التي توسعت فيه في أبواب الفتن، فأصبح الشاب في هذا العصر يعيش أسير شهوته؛ وأصبحت المشكلة التي تؤرق الشاب الصغير والكبير، الشاب المستقيم وغير المستقيم، المحافظ والمتجاوز لحدود الله، أصبحت مشكلة الجميع وحديث الجميع هي هذه الشهوة وما تجره على صاحبها من ويلات.
وأما الآخر الذي في قلبه خوف من الله تعالى، و شعور بالإيمان، فيتصارع الدافعان أمامه: دافع الشهوة، ويغذي هذا الدافع ما يراه من صور ومفاتن اجتهد أعداء الله وتفننوا في إثارة غريزة الشباب والفتيات من خلالها، وسخروا كل وسائل العصر وما تفتق عنه العلم المعاصر لأجل الإغراء والفتنة، وساهم كثير من أبناء جلدتنا في ذلك -إما عن غفلة أو عن عمد وسبق إصرار- في إضلال الناس، ثم بعد ذلك يتحدثون عن العفة ويتحدثون عن عقوبة من يقع في ذلك ولسان الحال يقول:
ألقاه في اليم مكتوفاً وقال له إياك إياك أن تبتل بالماء
و سر في أنحاء العالم الإسلامي شرقاً وغرباً فترى مظاهر السفور والإغراء، وترى أنواع الدعوة الصريحة والمغلفة إلى هذه الفاحشة، والدافع الثاني هو: دافع الإيمان والخوف من الله عز وجل والذي يذكره بقول الله سبحانه وتعالى: ((و لا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا)) و قوله تعالى: ((والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما، يضاف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا إلا من تاب وآمن وعملاً صالحاً…))، ويتخيل أمام ناظريه ذلك الوعيد الشديد والمستقبل المظلم الذي يذكره النبي صلى الله عليه وسلم لما يتعرض له الزاني في حياة البرزخ في قبره قبل أن يصير إلى البعث والنشور، عن سمرة ابن جندب - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "رأيت الليلة …..وفيه….قال: فانطلقا بي فإذا بمثل التنور أسفله واسع وأعلاه ضيق وإذا فيه رجال ونساء عراة وإذا هم يأتيهم لهب من أسفلهم فإذا آتاهم اللهب ارتفعوا وضووا وصيحوا فقلت: من هؤلاء فقيل هؤلاء هم الزناة والزواني" وهذا في حياة البرزخ فما بالك بما ينتظرهم عند الله تبارك وتعالى؟
ولست بحاجة إلى أن أحدثك عن ما يجنيه من يتجرأ على الفاحشة في الحياة الدنيا من العقوبات الدنيوية التي أولها وأشدها أن يصرف قلبه عن الله سبحانه وتعالى، فيحرم من لذة عبادة الله والتوجه إليه والإقبال عليه سبحانه وتعالى، وأحري بعد ذلك بهذا القلب أن يعيش حياة النكد ويعيش حياة الخسران، فيحرم أعلى لذة وأعلى نعيم يجده العبد في الحياة الدنيا، وأن يتعلق قلبه ويتوجه لغير الله، وأن يعاقب بمرض جنسي تكون نهايته بسبب هذا المرض كما قال صلى الله عليه وسلم: "خصال خمس إن أدركتموهن وأعوذ بالله أن تدركوهن: ما ظهر الفاحشة في قوم حتى يعلنوا بها إلا ابتلاهم الله عز وجل بالطواعين والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم" وهذه عقوبة دنيوية لمن يتجرأ على هذه المعصية.
إن الشاب يعيش هذا الصراع وكثيراً ما يتساءل: إني أعيش جحيم الشهوات، فكيف أتخلص منها، وكيف أنجو من هذه الشهوة، فكان لابد من الحديث عن هذا الموضوع من جوانب شتى وزوايا عدة، ومهما تحدثنا عن هذا الموضوع بصورة أو أخرى فأجزم أننا لن نعطيه حقه، والدليل على هذا ما نراه من أسئلة توجه إلينا في مثل هذه اللقاءات، أو رسائل تأتي في البريد أو مشاكل خاصة يفضي بها الشاب إلينا، إن هذا كله دليل على أن الموضوع يحتاج إلى حديث أكثر وإلى طرق أكثر.
ومن ثم كان الحديث عن جانب مهم من جوانب علاج هذه المشكلة وهو سد الذرائع، فنتحدث الآن عن بعض الأحكام الشرعية التي شرعها الله سبحانه وتعالى سدًّا لذريعة هذه الفاحشة، وقد نطيل فهيا قليلاً، ثم بعد ذلك ننطلق إلى النتائج والجوانب التي يجب أن نستخلصها سواءً استخلصها الشاب في نفسه أو المربي الذي ولاه الله سبحانه وتعالى مسؤولية من استرعاه أمانته.
واجبنا تجاه هذه القضية:
يتمثل الواجب علينا تجاه هذه القضية في أمور:
الواجب الأول: يتعلق بالشاب نفسه، فمن أهم ما يجب عليه أن يغلق الباب ابتداءً وكما ذكرنا ونكرر ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم: "من إياكم والجلوس في الطرقات" فليكن حازماً، ولا ينخدع بثقته بنفسه وأنه لن يقع فيما وقع فيه غيره، ثم يفاجأ في النهاية أن الشيطان تمكن منه، وكل إنسان يعلم من نفسه أي الأبواب التي يمكن أن يدخل معها الشيطان لإيقاعة بالمعصية، فليسد هذا الباب، وليعلم أن هذا مقصد من المقاصد الشرعية.
الواجب الثاني: يتعلق بالمربي سواء كان أبا أو أستاذا أو موجهاً، فعلى المربين أن يدركوا مسؤوليتهم تجاه هذا الأمر، وأن يتقوا الله سبحانه وتعالى في هذه الأمانة والمسؤولية التي ولاهم الله إياها .وعلى الآباء والأساتذة أن يدركوا معاناة من يربونه سواءً كان شابًّا أو فتاة، ذلك أن الأب أو الأم اللذين تقدم بهما السن وقد عاشا في عصر يختلف عن هذا العصر، يحاكمان أبناءهم وبناتهم من خلال ذلك العصر الذي عاشوا فيه، فالمغريات والفتن ليست كما هي الآن، فعلى المربي أن يعيش بعقلية المتربي، وأن يفكر في مشكلته ويتصور حجم المشكلة والمعاناة التي يعانيها.
إن من حق من نربيه أن نقدم له النصيحة أن نعينه أن نأخذ بيده أن يشعر أننا معه ونشعر بمعاناته ومشكلته، لكن الجميع يعيشون في وادٍ وهؤلاء في وادٍ آخر.
ثم يسعى بعد ذلك إلى أن يهيئ له البيئة الصالحة والمناخ الصالح .
وعليه أن يجنبه الذرائع كذلك ويغلق عليه أبواب الفتن، خلافاً لبعض الآباء الذي يكون وسيلة لجر الفساد إلى ابنه، فهو الذي يؤمن له أجهزة اللهو، وهو الذي يمكن ابنه من السفر، وهو الذي يدعوه إلى الفاحشة بصورة غير مباشرة وغير صريحة من حيث يشعر أو لا يشعر.
جانب آخر أحب أن أقف عنده قليلاً وهي مشكلة نعاني منها كثيراً وهي :"التوازن بين الخوف والثقة".
قد يتبادر إلى ذهن المربي أن بعض التصرفات إنما تعكس مظهراً من مظاهر عدم الثقة، فيؤدي ذلك إلى التساهل من قبل بعض المربين.
إننا لا ندعو المربي أن يكون الشك هو طبيعته وسجيته، وسوء الظن هو المقدم دائماً عنده، لكن في المقابل لا نريده أن يكون مغفلاً، فالشرع الذي ينهى عن سوء الظن وأخبر أن كثيراً من الظن إثم والأمر بالاجتناب عنه، هو الذي وضع تلك الضمانات سدًّا لذرائع المعصية.
الواجب الثالث: واجبنا تجاه المجامع، فيجب أن نسهم بكل وسيلة في حماية المجتمع من مظاهر الفاحشة و الفساد التي أصبحت تعج بها المجتمعات، مظاهر السفور، ومظاهر التبرج ومظاهر التكسر والمجلات والصور والأفلام إلى غير ذلك، وأن نحاول أن نقف جميعاً صفًّا واحداً ونشعر أن هذا المجتمع مجتمعنا وأننا كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في سفينة وهؤلاء الذين يقعون في هذه المعاصي هم الذين يخرقون السفينة، وقد نغرق جميعاً فعلينا أن نحافظ على المجتمع صيانة بعد ذلك لأبنائنا وأحفادنا.
اسأل الله سبحانه وتعالى أن يحفظنا وإياكم، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ محمد بن دويش
فحديثنا هذه الليلة حول اعتناء الشريعة بسد ذرائع الفاحشة، ونحتاج بين يدي الحديث إلى التعريف بسد الذرائع وماذا يعنى به؟
التعريف بسد الذرائع:
سد الذرائع قاعدة شرعية معروفة، تجد الحديث كثيراً عنها عند علماء الأصول، وعرف ابن منظور الذرائع بقوله: "الذريعة الوسيلة وقد تذرع به توسل والجمع ذرائع".
وقال شيخ الإسلام: "و الذريعة ما كان وسيلة وطريقاً إلى الشيء، ولكن صارت في عرف الفقهاء يعبر عنها بما أفضى إلى فعل محرم". إذن فالذريعة هي الوسيلة والطريق إلى أي أمر كان، فالذي يسافر ليحصل على مقصود له نعتبر السفر هنا ذريعة لهذا المقصود، لكن هذه الجملة صارت في عرف الفقهاء خاصة في الأمور المحرمة، فعندما يقال سد الذريعة ينصرف الذهن إلى تحريم الأمور التي تكون سبباً في الوقوع بالمعصية.
ويمكن أن نعرفها بأسلوب أكثر وضوحاً فنقول: إن سد الذرائع عبارة عن أحكام حرمها الشارع ومنع منها لا لذاتها وإنما لأنها وسيلة وطريق للوقوع في الحرام، فالشارع مثلاً قد حرم شد الرحال لزيارة القبور لأن هذه وسيلة وذريعة إلى عبادتها من دون الله سبحانه وتعالى، ومنع من تجصيصها وبناء القباب عليها واتخاذ السرج إلى غير ذلك كل هذا إغلاقاً لهذا الباب، حتى لا يكون وسيلة للوقوع في الشرك.
قال ابن القيم رحمه الله: "لما كانت المقاصد لا يتوصل إليها إلا بأسباب وطرق تفضي إليها كانت طرقها وأسبابها تابعةً لها معتبرةً بها، فوسائل المحرمات والمعاصي في كراهيتها والمنع منها بحسب إفضائها إلى غاياتها، وارتباطها بها، ووسائل الطاعات والقربات في محبتها والإذن فيها بحسب إفضائها إلى غاياتها، فوسيلة المقصود تابعة للمقصود وكلاهما مقصود، ولكنه مقصود قصد الغايات، وهي مقصودة قصد الوسائل، فإذا حرم الرب تعالى شيئاً وله طرق ووسائل تفضي إليه فإنه يحرمها ويمنع منها تحقيقاً لتحريمه، وتثبيتاً له، ومنعاً أن يضرب حماة، ولو أباح الوسائل والذرائع المفضية إليه لكان ذلك نقضاً للتحريم، وإغراءً للنفوس، وحكمته تعالى وعلمه يأبيان ذلك كل الإباء، بل ساسة ملوك الدنيا تأبى ذلك، فإن أحدهم إذا منع جنده أو رعيته أو أهل بيته من شيء ثم أباح لهم الطرق والأسباب والذرائع المرسلة إليه لعد متناقضاً، ولحصل من رعيته وجنده ضد مقصوده، وكذلك الأطباء إذا أرادوا حسم الداء منعوا صاحبه من الطرق والذرائع الموصولة إليه، وإلا فسد عليهم ما يرومون إصلاحه، فما الظن بهذه الشريعة الكاملة التي هي في أكمل درجات الحكمة والمصلحة والكمال؟ ومن تأمل مصادرها ومواردها علم أن الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم سد الذرائع المفضية إلى المحارم بأن حرمها ونهى عنها" .
ولن أفيض في الحديث عن هذه النقطة فحديثها له مجالاته المختصة به، ومن أراد التوسع في ذلك بإمكانه أن يرجع إلى كتب أصول الفقه، لكننا نريد جانباً واحداً من هذه القضية وهي عناية الشريعة بسد ذرائع الفاحشة.
إن هذه الفاحشة أمرها عظيم وخطبها جسيم، وهي كفيلة بتدمير المجتمعات ونزول الوباء بها ولا أدل على ذلك من أنها عرفت بهذا الاسم، فعندما يقال الفاحشة ينصرف الذهن إلى هذه الجريمة؛ ذلك أن مصطلح الفاحشة في الأصل هو كل ما يستقبح فيقال عنه أنه فاحش، ولهذا كان العرب يسمون البخيل فاحشاً كما قال شاعرهم:
أرى الموت يعتام الكرام ويصطفي عقيلة مال الفحش المتشدد
و في التنزيل يقول سبحانه وتعالى: ((الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء)) أي البخل، وصفة البخل مستقبحة عند العرب غاية القبح، ولشناعتها وقبحها سميت بالفاحشة، وتطلق الفاحشة في الاصطلاح الشرعي على المعصية كما قال الله عز وجل: ((لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة)) فالمقصود بالفاحشة هنا المعصية، وليست قاصرة على جريمة الزنا أو ما شابهها من الفواحش.
لكن لشناعة هذه الجريمة وقبحها صارت"أل" هنا عهدية فعندما يقال الفاحشة ينصرف الذهن إلى هذه الجريمة البشعة والشنيعة، وهذه الجريمة يعاقب فاعلها بعقوبة قاسية لا يعرف لها نظير، فيعاقب بالرجم بالحجارة حتى يموت إن كان ثيباً، وبالجلد إن كان بكراً: ((الزانية والزاني فأجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة و لا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين))، فيأمر الله عز وجل بإعلان العقوبة وينهى المؤمنين بأن تأخذهم رأفة بهم لشناعة هذه الجريمة وقبحها.
ونحن أحوج ما نكون إلىالحديث عن هذه القضايا هذا العصر التي توسعت فيه في أبواب الفتن، فأصبح الشاب في هذا العصر يعيش أسير شهوته؛ وأصبحت المشكلة التي تؤرق الشاب الصغير والكبير، الشاب المستقيم وغير المستقيم، المحافظ والمتجاوز لحدود الله، أصبحت مشكلة الجميع وحديث الجميع هي هذه الشهوة وما تجره على صاحبها من ويلات.
وأما الآخر الذي في قلبه خوف من الله تعالى، و شعور بالإيمان، فيتصارع الدافعان أمامه: دافع الشهوة، ويغذي هذا الدافع ما يراه من صور ومفاتن اجتهد أعداء الله وتفننوا في إثارة غريزة الشباب والفتيات من خلالها، وسخروا كل وسائل العصر وما تفتق عنه العلم المعاصر لأجل الإغراء والفتنة، وساهم كثير من أبناء جلدتنا في ذلك -إما عن غفلة أو عن عمد وسبق إصرار- في إضلال الناس، ثم بعد ذلك يتحدثون عن العفة ويتحدثون عن عقوبة من يقع في ذلك ولسان الحال يقول:
ألقاه في اليم مكتوفاً وقال له إياك إياك أن تبتل بالماء
و سر في أنحاء العالم الإسلامي شرقاً وغرباً فترى مظاهر السفور والإغراء، وترى أنواع الدعوة الصريحة والمغلفة إلى هذه الفاحشة، والدافع الثاني هو: دافع الإيمان والخوف من الله عز وجل والذي يذكره بقول الله سبحانه وتعالى: ((و لا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا)) و قوله تعالى: ((والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما، يضاف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا إلا من تاب وآمن وعملاً صالحاً…))، ويتخيل أمام ناظريه ذلك الوعيد الشديد والمستقبل المظلم الذي يذكره النبي صلى الله عليه وسلم لما يتعرض له الزاني في حياة البرزخ في قبره قبل أن يصير إلى البعث والنشور، عن سمرة ابن جندب - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "رأيت الليلة …..وفيه….قال: فانطلقا بي فإذا بمثل التنور أسفله واسع وأعلاه ضيق وإذا فيه رجال ونساء عراة وإذا هم يأتيهم لهب من أسفلهم فإذا آتاهم اللهب ارتفعوا وضووا وصيحوا فقلت: من هؤلاء فقيل هؤلاء هم الزناة والزواني" وهذا في حياة البرزخ فما بالك بما ينتظرهم عند الله تبارك وتعالى؟
ولست بحاجة إلى أن أحدثك عن ما يجنيه من يتجرأ على الفاحشة في الحياة الدنيا من العقوبات الدنيوية التي أولها وأشدها أن يصرف قلبه عن الله سبحانه وتعالى، فيحرم من لذة عبادة الله والتوجه إليه والإقبال عليه سبحانه وتعالى، وأحري بعد ذلك بهذا القلب أن يعيش حياة النكد ويعيش حياة الخسران، فيحرم أعلى لذة وأعلى نعيم يجده العبد في الحياة الدنيا، وأن يتعلق قلبه ويتوجه لغير الله، وأن يعاقب بمرض جنسي تكون نهايته بسبب هذا المرض كما قال صلى الله عليه وسلم: "خصال خمس إن أدركتموهن وأعوذ بالله أن تدركوهن: ما ظهر الفاحشة في قوم حتى يعلنوا بها إلا ابتلاهم الله عز وجل بالطواعين والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم" وهذه عقوبة دنيوية لمن يتجرأ على هذه المعصية.
إن الشاب يعيش هذا الصراع وكثيراً ما يتساءل: إني أعيش جحيم الشهوات، فكيف أتخلص منها، وكيف أنجو من هذه الشهوة، فكان لابد من الحديث عن هذا الموضوع من جوانب شتى وزوايا عدة، ومهما تحدثنا عن هذا الموضوع بصورة أو أخرى فأجزم أننا لن نعطيه حقه، والدليل على هذا ما نراه من أسئلة توجه إلينا في مثل هذه اللقاءات، أو رسائل تأتي في البريد أو مشاكل خاصة يفضي بها الشاب إلينا، إن هذا كله دليل على أن الموضوع يحتاج إلى حديث أكثر وإلى طرق أكثر.
ومن ثم كان الحديث عن جانب مهم من جوانب علاج هذه المشكلة وهو سد الذرائع، فنتحدث الآن عن بعض الأحكام الشرعية التي شرعها الله سبحانه وتعالى سدًّا لذريعة هذه الفاحشة، وقد نطيل فهيا قليلاً، ثم بعد ذلك ننطلق إلى النتائج والجوانب التي يجب أن نستخلصها سواءً استخلصها الشاب في نفسه أو المربي الذي ولاه الله سبحانه وتعالى مسؤولية من استرعاه أمانته.
واجبنا تجاه هذه القضية:
يتمثل الواجب علينا تجاه هذه القضية في أمور:
الواجب الأول: يتعلق بالشاب نفسه، فمن أهم ما يجب عليه أن يغلق الباب ابتداءً وكما ذكرنا ونكرر ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم: "من إياكم والجلوس في الطرقات" فليكن حازماً، ولا ينخدع بثقته بنفسه وأنه لن يقع فيما وقع فيه غيره، ثم يفاجأ في النهاية أن الشيطان تمكن منه، وكل إنسان يعلم من نفسه أي الأبواب التي يمكن أن يدخل معها الشيطان لإيقاعة بالمعصية، فليسد هذا الباب، وليعلم أن هذا مقصد من المقاصد الشرعية.
الواجب الثاني: يتعلق بالمربي سواء كان أبا أو أستاذا أو موجهاً، فعلى المربين أن يدركوا مسؤوليتهم تجاه هذا الأمر، وأن يتقوا الله سبحانه وتعالى في هذه الأمانة والمسؤولية التي ولاهم الله إياها .وعلى الآباء والأساتذة أن يدركوا معاناة من يربونه سواءً كان شابًّا أو فتاة، ذلك أن الأب أو الأم اللذين تقدم بهما السن وقد عاشا في عصر يختلف عن هذا العصر، يحاكمان أبناءهم وبناتهم من خلال ذلك العصر الذي عاشوا فيه، فالمغريات والفتن ليست كما هي الآن، فعلى المربي أن يعيش بعقلية المتربي، وأن يفكر في مشكلته ويتصور حجم المشكلة والمعاناة التي يعانيها.
إن من حق من نربيه أن نقدم له النصيحة أن نعينه أن نأخذ بيده أن يشعر أننا معه ونشعر بمعاناته ومشكلته، لكن الجميع يعيشون في وادٍ وهؤلاء في وادٍ آخر.
ثم يسعى بعد ذلك إلى أن يهيئ له البيئة الصالحة والمناخ الصالح .
وعليه أن يجنبه الذرائع كذلك ويغلق عليه أبواب الفتن، خلافاً لبعض الآباء الذي يكون وسيلة لجر الفساد إلى ابنه، فهو الذي يؤمن له أجهزة اللهو، وهو الذي يمكن ابنه من السفر، وهو الذي يدعوه إلى الفاحشة بصورة غير مباشرة وغير صريحة من حيث يشعر أو لا يشعر.
جانب آخر أحب أن أقف عنده قليلاً وهي مشكلة نعاني منها كثيراً وهي :"التوازن بين الخوف والثقة".
قد يتبادر إلى ذهن المربي أن بعض التصرفات إنما تعكس مظهراً من مظاهر عدم الثقة، فيؤدي ذلك إلى التساهل من قبل بعض المربين.
إننا لا ندعو المربي أن يكون الشك هو طبيعته وسجيته، وسوء الظن هو المقدم دائماً عنده، لكن في المقابل لا نريده أن يكون مغفلاً، فالشرع الذي ينهى عن سوء الظن وأخبر أن كثيراً من الظن إثم والأمر بالاجتناب عنه، هو الذي وضع تلك الضمانات سدًّا لذرائع المعصية.
الواجب الثالث: واجبنا تجاه المجامع، فيجب أن نسهم بكل وسيلة في حماية المجتمع من مظاهر الفاحشة و الفساد التي أصبحت تعج بها المجتمعات، مظاهر السفور، ومظاهر التبرج ومظاهر التكسر والمجلات والصور والأفلام إلى غير ذلك، وأن نحاول أن نقف جميعاً صفًّا واحداً ونشعر أن هذا المجتمع مجتمعنا وأننا كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في سفينة وهؤلاء الذين يقعون في هذه المعاصي هم الذين يخرقون السفينة، وقد نغرق جميعاً فعلينا أن نحافظ على المجتمع صيانة بعد ذلك لأبنائنا وأحفادنا.
اسأل الله سبحانه وتعالى أن يحفظنا وإياكم، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ محمد بن دويش