أنفقت 120 مليون ريال على التراب

ذكريات الفن: مع الممثل السعودي مشقاص

صور وفيديو

ذكريات أهل الفن لها مذاق خاص، فهي تحملنا إلى الماضي الجميل وتجسد لنا صور تختلف تماماً عن مانراه على الشاشة... أول ضيوفنا في هذا الباب هو الممثل السعودي (مشقاص) الذي يحكي لنا في حلقات متتالية قصته مع الفن وأهل الفن منذ بدايات التلفزيون والإذاعة السعودية إلى اليوم... ونبدأ في هذه الحلقة مع البداية والسر وراء اختيار الاسم (مشقاص).

التمثيل أثناء الدراسة

اقتحمت مجال الفن وأنا طالب في المدرسة الصناعية التي أنشئت عام 1360هـ حيث التحقت بها عام 1370هـ وكان سبب اختياري لها لوجود قسم داخلي وتعليم مهني فأنا مهنتي الأساسية (السباكة) وهي تقارب مهنة الصياغة التي عملت بها في المدينة المنورة... تخرجت عام1375هـ من المدرسة الصناعية وكنت قد اشتركت أثناء الدراسة في مسرحيات عديدة بمدينة الملك سعود التي كانت تحتوي على مجموعة من المدارس وملعب كرة قدم وملاعب طائرة وسلة وبينج بونج وبلياردو ومسرح كبير... فكان أول دور أشارك به هو دور خادم في مسرحية لجابر عثرات الكرام باللغة العربية... أيضاً قمت بأداء 4 أدوار في مسرحية (عاشق المال) شعرياً بالفصحى، الدور الأول عاشق المال، والثاني (الشحات)، والثالث الواعظ، والرابع الحرامي... فأقوم بالدور الأول وأخرج سريعاً لتبديل الملابس للدور الثاني بينما يجلس مكان الشخصية الأولى (دوبلير) يعطي ظهره للجمهور.

ولأجل خاطركم سأذكر (وصلة) من كل دور.

أولاً عاشق المال وأمامه ذهب (يناغيه ويدلل ماله) ويقول:

أيها المال سلاماً واشتياقاً وهياماً

إنني أفنيت عمري فيك حباً وغراماً

إن لي فيك حياةً وسروراً وابتساماً

عشت لي أيها المال مدىً العمر دواماً

وبعد أن ينتهي عاشق المال من تدليل أمواله يدير ظهره لوضع الذهب في الصندوق وتخفت الأضواء فأخرج ويدخل الدوبلير ثم تعود الإضاءة وأدخل بملابس الفقير فأقول:

سيدي عطفاً واشفاقاً على شيخ فقير

لايراني الناس إلا في الميادين أسير

أعطني لله شيئاً يا أخا المال الكثير

إن من يعطي فقيراً أجره أجراً كبير

ويستمر الشحاذ في شكوى حاله لهذا البخيل إلى أن يهب صارخاً ويخرج من المسرح وتتم نفس العملية بتخفيت الأضواء ودخول الدوبلير حتى أعود بشخصية عاشق المال قائلاً:

إليك يا شيخ عني واذهب بعيداً ودعني

أتدخل الآن بيتي وتطلب المال مني

إذن، طلبت حياتي فاخرج سريعاً

فإني أعددت ألف عقاب للسائل المتمني

وتتكرر عملية تبادل الأدوار لأتقمص شخصية الرجل الصالح الناصح وأقول:

سلاماً عابد الدنيا سلاماً عاشق الذهب

أتيـتــك ناصـحـاً أدعـوك للخـيرات فاستـجـب

فكيف تظن بالأموال تكنزها بلا سبب

وحولك كل محتاج يكاد يموت من سقم ومن عري وفقد أب

فكن للخير فعالاً وجد بالمال واكتسب

وكن بالمال وهـابـاً لتبلغ أرفــــع الرتــبِ

وهكذا كنت أقوم بأدوار المسرحية في الحفل الذي أقيم نهاية عام 1373هـ.... وهنا كانت بداية اقتحامي للفن قبل الإذاعة والتلفزيون ثم عملت موظفاً بعد تخرجي في المكتب الخاص بوزارة المالية في الرياض عام 1375هـ حيث سعى لتوظيفي فاعل خير فأنا يتيم الأب ومحتاج للوظيفة لمساعدة والدتي ولم يقصروا الرجلين الطيبين (حامد محمد) و(إبراهيم مهلهل)... وكنت أستمع للإذاعة وأتابع برنامج(أبوعرام) باللهجة الشعبية يناقش مواضيع إجتماعية فتمنيت أن أكون أنامن يجسد تلك الشخصية وقلت في نفسي (ياريت أنا هو)... هذه الشخصية كان يقوم بها أخي وصديقي (خالد زارع) الفنان والموظف آنذاك في إدارة الهاتف السعودي وكان شاعر ومؤلف للمواضيع الإجتماعية.

خدعني عازف القانون

بعد إنتقالي من الرياض إلى جدة للعمل بقسم إحصاء الجمارك بالتنسيق مع المكتب الخاص بوزارة المالية كان من حسن حظي أن موقع القسم الذي انتقلت للعمل فيه بجوار مبنى الإذاعة في ذلك الوقت التي كانت تدعى مديرية الإذاعة والصحافة والنشر... فتقدمت إلى الأستاذ (عباس فائق غزاوي) وبدأت أتدرب على التمثيل بجمل قصيرة... وبالمناسبة فأنا كنت أرغب بإصرار على أن أكون عازف قانون مثل (محمدعبده صالح) المصري العازف بفرقة أم كلثوم و تعلمت السلم الموسيقي مع الأستاذ (مصطفى حمودة) الذي عرفني به الأستاذ (عبدالقادر حلواني) مدرس موسيقى الحرس الوطني وأتقنت عزف (ياحبيبي يا أخويا) و(يما القمر عالباب)... ولكن عدلت عن هذا عندما ضحك عليّ الأستاذ مصطفى قبل مغادرته المملكة وأخبرني أنه مسافر لإحضار آلات موسيقية للحرس فأعطيته مبالغ لإحضار آلات لتخت كامل وفرقة موسيقية ثم اتضح لي أنه مغادر بدون عودة فشعرت بنوع من الإحباط لعدم وفاء هذا المدرس وقلت (الخيرة فيما اختاره الله) فلقد كان هذا الشيء ممنوع خارج الدائرة الحكومية ولايسمح إلا لأداء السلام الملكي.

سبب اختيار اسم مشقاص

يسألوني دائما عن اسم (مشقاص) ومعناه... هذا أمر شرحه يطول ولكن سأحاول اختصاره قدر الإمكان... في عام 1382هـ بدأ مدير عام مديرية الإذاعة الشيخ (جميل الحجيلان) والشيخ (عبدالله أبالخيل) بعمل مسرح الإذاعة على الهواء ومن ضمن البرنامج كان هناك اسكتش فكاهي إجتماعي بعنوان (عزومة لرحيمي) يحتوي على دور لخادم أرادوا أن أقوم به...كان هذا الخادم ساذج وطيب القلب كلما أراد عمل خير ينقلب إلى شر وقال المخرج الإذاعي الأستاذ (عادل جلال) لابد أن يكون اسم شخصيتي مختلف عن اسمي الحقيقي وعن اسم (جمعان) الذي كان يعتبر اسمي الفني في حلقات إجتماعية حيث كنا جمعان و(حمدان) صديقي وأخي الأستاذ (عبدالرحمن يغمور)... المهم بدأنا نفكر جميعاً في إيجاد اسم مناسب لهذه الشخصية المسرحية فقال رفيق دربي في تلك اللحظة المغفور له بإذن الله (لطفي زيني) أنه يتذكر صبي صغير عند خاله في الطائف يشبه لهذه الشخصية تماماً، فنظر إليه المخرج قائلاً:"هاه قول بسرعة إيه كان اسمه"...أجاب لطفي: "خالي كان يناديه بمشقاص".... صاح المخرج: "جبتها الله يخرب عقلك يالطفي".... ومن يومها وأنا (مشقاص) إلى هذه اللحظة، الشيء الغريب أننا لم نفكر في ذلك الوقت ماذا تعني كلمة (مشقاص) ولكن بعد البحث والتنقيب اتضح لي أنه العود الذي تعلق عليه قربة الماء في البادية... والخشبة التي (تركز) بها الباب تسمى مشقاص... ثم أيام زمان كانت تستخدم في البناء أحجار صغيرة لسد الثغرات بين الحجر عند بناء المنازل تسمى (مشاقص)... ووصلة الزردة أي الحديدة الصغيرة التي تظهر في رأس البندقية لتحديد الهدف وإصابته تدعى (المشقاص).... كما أنني عرفت أن في الربع الخالي توجد قرية نسائها ورجالها أجمل ماخلق الله سبحانه وتعالى اسمها(المشقاص).

 

أول عمل في مسرح التلفزيون

أول عمل لي في عام 82 هجري في مسرح التلفزيون منلوج (عازب) الذي يقول:

الله الله لو فكرنا وقدرنا وخلينا المهر ألف ريال
كان كل واحد يتـزوج ويعـيش مرتـاح الـبال

ومن ثم اشتركت في برنامج أسبوعي إذاعي من اخراج الأستاذ الفاضل (عباس فائق غزاوي) بعنوان "دنيا" لمعالجة المواضيع الاجتماعية.... وكانت مشاركتي في بداية إفتتاح التلفزيون السعودي الذي ساهمنا بتأسيسه وإعداد برامجه بمونلوجات واسكتشات اجتماعية ومسارح التلفزيون المنوعة في جدة والرياض.... وكانت مساهمتي من أول مسلسل وطني في التلفزيون بعنوان (مشقاص خدمات عامة) وهو عبارة عن دراما كوميدية بمواضيع إجتماعية... وكان في هذا المسلسل ممثل يقوم بدور ابن لي باسم (شقص)، هذا الطفل النابغة قام بدوره آنذاك (سبأ باهبري) الذي كان يحفظ دوره (صم) مع دوري، وعندما أريد أن أبدع أثناء التمثيل وأحاول إضافة جمل خارج النص المكتوب كان يقول: "ستوب غلط ياعم مشقاص".... ويضطر المخرج (بشير مارديني) إلى إيقاف التصوير وإعادة الحلقة، فأحاول أن أشرح لسبأ وأقول له (يا إبني سبق وفهمتك ما تدخل نفسك في هذه الأمور،إنت مالك إلا مفتاح دخول دورك يعني لما تسمع آخر جملة في كلام دوري تدخل أنت في دورك )... كان يرد دائماً بجملة (حاضر ياعم مشقاص إنت تؤمر)، ونبدأ من أول الحلقة.

ويستطرد العم (مشقاص) قائلاً.... ثم قمنا بمشاركات كثيرة مثل مسرحيات ومسلسلات وفوازير وخلافه حتى عام 1399هـ عندما انشغل كلُ منا بالبحث عن لقمة العيش والمساهمة في نهضة المملكة وفي العقار والزراعة والصناعة واخترت أنا (أبها) لإنشاء مشروع زراعي صناعي باسم (مدينة زهور أبها) لزهور القطف والزينة ومصنع طائفي متطور للزيوت العطرية والمياه العطرية والخضروات والفواكه... أنفقت على هذا المشروع ما يقارب 120 مليون ريال سعودي ذهبت (في التراب والحمدلله) من نضوب وقحط ماء رغم أنني من بداية المشروع قمت بحفر 21 بئر ولكنه أمر الله سبحانه وعليه العوض.


يتبع.... في الحلقة القادمة ذكريات مشقاص مع الفنان محمد عبده والفنان طلال مداح رحمه الله