وكيل شرعي، غير شرعي

مقابل كل سيدة أعمال رجل عاطل

رانية سليمان سلامة

(التجارب النسائية في استخراج السجلات التجارية) عنوان مثير لكتاب أنصح الناشرين بالعمل على اصداره ذلك أن محتواه يتوفر بالمجان اليوم في جميع المجالس النسائية... وقد لا تكون المرة الاولى ولا أظنها الأخيرة التي سأكتب فيها عن معضلة الوكيل الشرعي الذي يشترط وجوده لتحصل امرأة على سجل تجاري ذلك أن طرح هذه المشكلة يتجدد مع القصص المضحكة والمبكية.... ولعل آخرها عن امرأة ضاقت بها السبل حتى باتت تسأل إن كان بوسعها أن تنشر إعلاناً في صحيفة محتواه: مستثمرة سعودية تطلب رجلاً (عاطلاً) وعلى من يتوفر فيه الشرط أن يتقدم بشهادة تثبت عطالته وبطالته!!.... تلك الشهادة لاتقدمها الجامعات ولكن تقدمها (الخيبة الثقيلة) وتطلبها وزارة التجارة.

بكل ثقة الشرط يقول على السيدة التي ترغب باستخراج سجل تجاري ان تمنح تفويضاً لرجلاً مواصفاته: سعودي، غير موظف حكومي، متفرغ تفرغا تاماً، لا يملك سجلاً تجارياً، لا يقل عمره عن ثمانية عشر عاماً.. أي (عاطل) أو (فاشل) أو ربما (واصل)!!.

وأتوقف في كل مرة وقفة تأمل وتعجب مع نص الوكالة فأجده لا يزال كما عهدته يؤكد على أنه لابد أن يذكر بالوكالة نصاً لدى كاتب العدل أن (الوكيل) مخول بالتوقيع والادارة وتعديل بيانات السجل التجاري وشطبه.

وأجد أنني مضطرة أن اصطحب القارئ معي في لعبة (المتاهة) التي كان يستهويني حلها في الصغر على صفحات المجلات، واستعدت هوايتي بعد أن قضيت ليلتي أمام ذلك النص أحاوره ويحاورني لعله يقنعني... فقلت لا بأس لن يكون هذا الرجل عاطلاً بعد أن اصبح مديرا لمؤسسة سيدة الأعمال... الا أنه اجابني بأن المؤسسة نسائية لا يمكن للرجل الموقر أن يباشر العمل فيها، وبالتالي سيجلس هو في منزله وستقف هي على رأس عمل تملكه.. تدير عملها مع وقف التنفيذ ذلك أن توقيعه مطلوب، ومدير هو مع وقف التنفيذ ذلك أنه يجب أن يبقى بعيداً عن مقر المؤسسة النسائية!!

وأعود بكم الى المتاهة، حيث يطلق عليه (وكيل شرعي) بينما الشرع لم يفرض وصايته عليها، والمدهش أن نص الوكالة لايشترطه محرماً بل المطلوب أن يكون فقط عاطلاً ويظل عاطلاً.... وخلافاً لكل الأمور المختلف عليها في قضايا المرأة الحقوقية لا أذكر أن ثمة اشكالية اجتماعية طرحت على الساحة لنلتمس في ضوئها العذر للمشرع بتأجيل أو التدرج في ازالة هذا الشرط حتى تحظى المرأة بحقها في ادارة ذمتها المالية.

ونأتي عند ذروة المتاهة، حيث أبلغتني احدى السيدات أنها قد سلمت كافة الأوراق المطلوبة لاستخراج السجل التجاري لـ(معقبة) فاستوقفتها بقولي: هذا يعني أنه تم الترخيص للنساء بمزاولة مهنة (التعقيب) فهل ستقوم معقبة (أنثى) بانهاء كافة الاجراءات لك؟ أم أن المعقبة التي منحتها تفويضا ستفوض معقباً (ذكراً) لينهي هذه الاجراءات في الدوائر الحكومية؟... كانت الاجابة عبارة عن نظرة تدل على أن سيدة أعمال المستقبل قد دخلت في المتاهة.... وخلاصة القول إن لدينا معقبات، فهذا يعني أن الدوائر الحكومية أصبحت تضم أقساماً نسائية أو أصبح بوسع المرأة أن تدخل إلى الأقسام الرجالية وبالتالي سقطت ذريعة وجود الوكيل والمدير في السجل التجاري النسائي.... أو ربما نشاط التعقيب الذي منح للنساء لايعدو عن كونه دائرة نسائية بداخل دائرة رجالية للوصول للدوائر للحكومية وهذه مزحة تجارية بالتأكيد!!.

ليس بعد، لم تنته المتاهة... ليس قبل أن أسرد تجربتي الأخيرة إذ اعتبرت نفسي مخضرمة واصطحبت صديقة طموحة لتبدأ خطوتها الأولى على طريق الأعمال وتستخرج سجلاً تجارياً وأعترف للمرة الأولى بأن ماوجدناه من تعاون في فرع وزارة التجارة (القسم النسائي) بجدة كان رائعاً إلا أنني أفسدت روعته بطرح السؤال المروع بعد أن بدا الطريق سالكاً، فقلت: ماذا عن الوكيل الشرعي؟... اجابت الموظفة: لم يعد مطلوباً يكفي أن يكون للمؤسسة مدير؟... بحماس مفتعل قلت لها: رائع وما هي مواصفاته؟... أجابت: سعودي، غير موظف حكومي، متفرغ تفرغاً تاماً، لا يملك سجلاً تجارياً، لا يقل عمره عن ثمانية عشر عاماً.... قلت لها: هذا الوكيل!.... أكدت بنفي قاطع قائلة: لا، لا يوجد وكيل هذا المدير؟... سألتها: وكيف يتم تعيينه؟.... أجابت: تمنحه تفويضاً بالتوقيع والإدارة وتعديل بيانات السجل التجاري وشطبه.... بادرتها متسائلة: هذا المدير؟... أجابت على عجالة: لا، الوكيل.... وضج المكان بالضحك لا يدري من بيننا أحد ما هو الفارق بين الوكيل والمدير!!.... إلا أن الموظفة خففت من وقع المفاجأة وصعوبة المتاهة بقولها إن بوسع سيدة الأعمال أن تحد من صلاحيات المدير كأن تشترط عدم قبول توقيعه إلا بوجود توقيعها.

يبدو أن هناك محاولات لاسقاط شرط لم أعد أرى أية عقبات تحول دون اسقاطه بالضربة القاضية... إلا أنني سأتوقف عن تبني هذه المطالبة من وجهة نظر أنثوية وسأطالب بحق الرجال في أن لا يظلوا عاطلين من أجل أن تعمل النساء... كما سأتوقف عن مطالبة وزارة التجارة وسأناشد وزارة العمل وأقول وفقاً لاحصائية نشرتها الصحف بتاريخ 30/4/2005م بلغت السجلات التجارية النسائية في المملكة نحو 37 ألف سجل، ووفقاً لشروط استخراج هذه السجلات يوجد لدينا 37 ألف رجل عاطل وهذا العدد في ازدياد.. فلا يعقل أن تحارب وزارة العمل البطالة بينما وزارة التجارة تشترطها؟!.. اتمنى أن تتم مناقشة هذه المشكلة بأبعادها المختلفة بين الوزارتين، بل وبين كافة الوزارات المعنية بمنح تراخيص مزاولة العمل للنساء حتى تتسع مساحة الرؤية وتتغلب المصلحة العامة.


رانية سلامة
رئيسة تحرير مجلة عربيات الإلكترونية
المصدر: صحيفة عكاظ