|
المغرب
تحقيق
– عبدالواحد أستيتو

لم
يكن الحديث عن الإنترنت لسنوات مضت بالكثافة
التي هو عليها الآن . الكثيرون ، خصوصا من
الأشخاص العاديين ، اعتقدوا أن الأمر لا يعدو
كونه ثورة سريعة لن تلبث أن تخمد لتعود الحياة
إلى مسارها الطبيعي العادي المعتمد على
الورقة و القلم .
و
تمر السنوات و تخيب توقعات هؤلاء ، في حين
تصيب توقعات الخبراء و المهتمين الذين
كانوا يؤمنون بأن المستقبل سيكون معلوماتيا
محضا .
أكيد
أن الإنترنت لم يلق في بداياته – سواء كأداة
معلومات أو كأداة ترفيه – ذاك الترحيب
المتوقع . كانت كلمة الإنترنت تبدو في الآذان
غريبة . التوجس كان هو السمة الغالبة على
مشاعر المجتمعات العربية تجاه هذه الأداة
التي قالوا عنها أنها تحمل العالم بين
جوانحها .
أشياء
كثيرة قيلت و كتبت عن الإنترنت ، و شيئا فشيئا
تحول التوجس إلى فضول ، ثم إلى اكتشاف فإقبال
كبير من مختلف الشرائح المجتمعية .
كان
هذا بعد أن ظهرت أول مقهى للإنترنت ثم تبعتها
مقهى أخرى ، فمقاه و مقاه ، فغزو غير متوقع
لهذه المقاهي و إقبال مذهل عليها .
و
لن نكون مجحفين لو قلنا أن النسبة الكبيرة من
روادها هم من الشباب . الشباب الذين وجدوا في
هذه الأداة متنفسا لهم رغم ما أبدوه في بادئ
الأمر من
ارتباك
و حيرة .
لكن
الأسئلة المهمة هي : ماذا يفعل هؤلاء الشباب
هناك ؟ هل يعتبرون الإنترنت
أداة معلومات بالدرجة ؟ أم مجرد أداة
ترفيه لا يتعدى دوره التسلية و تمضية الوقت ؟
يقول
محمد الشاوني ، 21 سنة ، طالب : " بصراحة أحضر
هنا للدردشة ، إنها أمر مسل ّ
،و باعتباري أجيد اللغة الإسبانية فأنا
أحب أن أحاور الإسبان " . لكن محمد يبدو غير
راض تماما عما يفعله ، فقد سألنا قبل أن
نغادره : " هل تعرفون مواقع أفيد من مواقع
الدردشة ؟ "
بعد
أن منحنا محمد ما يريد توجهنا نحو عبد الفتاح
عبد الله ، مجاز في الثالثة
و
العشرين من عمره ، يقول : " لحد اللحظة لا
زلت لم أستسغ هذه الأداة ، لكنني أحضر هنا
للدردشة بالدرجة الأولى
، أحاول أن أفعل أشياء أخرى لكن مشكلة
اللغة تقف حاجزا أمامي لأن المواقع التي
أريدها هي بلغة
أجنبية " .
و
يقوم عبد الرحيم بالرد على شتيمة وصلته قبل أن
يستدير إلينا و يقول : " الدردشة أمر مسلّ ،
تستطيع أن تقول ما تريد و تتحدث في ما تريد دون
خجل أو خوف من ردة فعل الطرف الآخر " .
هذه
نظرة قاصرة جدا بالطبع . إنها المشكلة الأزلية
، نأخذ من الأشياء قشورها تاركين اللب للغرب .
خصوصا إذا علمنا أن الدردشة لا يتعدى كونها
أداة لتبادل السباب
و
الشتائم في الغالب . و نستثني هاهنا بعض
المواقع الجادة التي تطرح مواضيع متميزة
للنقاش .
يقول
سعيد ، تاجر : " أبحث عن مواقع للتعارف و
المراسلة ، بوضوح أبحث عن زوجة من أوروبا ،
حيث يمكن أن أصنع مستقبلي من جديد " .
سعيد
هو نموذج من شباب كثيرين يضعون كل آمالهم في
الإيقاع بزوجة شقراء تضع
حدا لمعاناتهم مع البطالة و تضرب لهم
موعدا مع الثراء و الترف . و لسنا في حاجة لأن
نقول أن هذه مشاريع اتكالية
و لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تنجح .
لكننا
– لحسن الحظ – صادفنا – أيضا – شبابا
أشعرونا بالأمل و نزعوا عنا الإحباط الذي كنا
قد بدنا نشعر به . يقول محمد . م ، 30 سنة : "
أنا مراسل لإحدى الصحف اليومية ، في الماضي
كنت أضطر لاستعمال البريد العادي ، مما يصبح
معه الخبر ( المصور على وجه الخصوص ) مستهلكا ،
و الآن مع البريد
الإلكتروني يمكن أن أوصل الخبر في لحظات
لجريدتي ، و هي نعمة لا تقدر بثمن في عملنا
الصحافي " .
و
يقول يوسف ، 24 سنة : " أنا أستعمل الإنترنت
لمراسلة أصدقائي بالبريد الإلكتروني ، و
أحيانا للحصول على مواضيع تهمني في دراستي
" .
إقبال
طالب مجاز في الخامسة و العشرين من عمره ،
يبدو حائرا أمام شاشة الكمبيوتر
، يقول : " أبحث عن عناوين جامعات
لاستكمال دراستي بالخارج ، لكن معلوماتي
قاصرة في هذا المجال و لا أعرف كيف أقوم
بعملية البحث "
باختصار
، الإنترنت – كما الأدوات الإعلامية الأخرى
– سلاح ذو حدين، يمكن أن يكون مفيدا جدا إذا
عرفنا كيف نستغله أحسن استغلال ، و هو في نفس
الوقت أداة تخريب للنفوس و الأرواح عن طريق
المواقع التافهة و الجنسية التي لا تجدي
فتيلا .
إذن
، بشيء من المراقبة ، و بشيء من التوجيه و
الإرشاد و التوضيح ، يمكن أن يعلم شبابنا
أنهم يمتلكون بين أيديهم كنزا لا يجب أن
يضيعوه في ترهات لا تسمن و لا تغني ، فيجلسوا
أمام شاشات الكمبيوتر ليتلقوا سهام التخريب
التي تكون بردا و سلاما في بادئ الأمر ثم ما
تلبث أن تتحول إلى سموم قاتلة تخرب الجسد و
العقل
معا .
فهل
نجد لندائنا صدى ؟ فلنرجو ذلك .
|