تدمير للهوية الثقافية وإعاقة لمؤسسات التعليم والبحث العلمي

معالم الطريق نحو الشرق أوسط الجديد

رانية سليمان سلامة

محمد الراوي «عميد جامعة بغداد»، الدكتور عبداللطيف الماحي»أستاذ العلوم السياسية في جامعة المستنصرية»، الدكتور نافع عبود «أستاذ الأدب العربي في جامعة بغداد»، الدكتور صبري البياتي «أستاذ الجغرافيا في جامعة بغداد»، الدكتور فلاح الضليمي«مساعد عميد جامعة المستنصيرية»، الدكتور حسام شريف «أستاذ بقسم التاريخ في جامعة بغداد»، البروفيسور وجيه محجوب» أستاذ بكلية الفيزياء»، البروفيسور صباح محمود «عميد سابق لجامعة المستنصرية»، البروفيسور عبدالجبار مصطفى «رئيس قسم الدراسات السياسية بجامعة الموصل»، الدكتورة ليلى عبدالجبار «عميدة قسم القانون بجامعة الموصل»، البروفيسور علي عبدالرزاق ناس «محاضر في كلية الإعلام بجامعة المستنصرية»، البروفيسور محسن العجيلي « كلية الزراعة بجامعة بابل»، الدكتور كاظم عوض» أستاذ الكيمياء بجامعة البصرة».

ـ أرجو أن لايكون قد أصابكم الملل من قراءة هذه الأسماء فهي جزء من قائمة طويلة قد يذكرها التاريخ إذا ظلت في مكتباته مستقبلاً أرفف شاغرة لعرض الحقيقة.

ـ هذه القائمة يعرضها موقع «بروكسل تربيونال»... مقره بلجيكا، وهدفه مناهضة الحروب ومواجهة «مشروع القرن الأمريكي الجديد» والعمل على مقاضاة رموزه ورفع الوعي العالمي العام... وهو ينادي الأكاديميين والمثقفين والعلماء والشرفاء في كل مكان للمشاركة في هذه الحملة ولو بتوقيع بسيط، وبينما أقلام العالم العربي لاتجف من التوقيع على بيانات ومعاريض حول توافه الأمور، قلة فقط  شاركت في هذا النداء إلى جانب أكثرية من المنظمات والعلماء والكتاب والمفكرين في الغرب.

ـ ذلك النداء الذي يستصرخ العالم لإنقاذ علماء العراق من التصفية مثل الأسماء السالف ذكرها أعلاه علماً بأن القائمة وفقاً لمجلة أمريكية علمية تضم 461 اسما، كما يُعتقد أن عدد الذين تم اغتيالهم ولم تسجل أسماؤهم يتجاوز الألف... أيٌ منهم لم يلق حتفه عشوائيا في إحدى الغارات أو العمليات الإرهابية كسائر أفراد الشعب العراقي... ولكنهم قد أصيبوا بطلقة رصاص أثناء مغادرة الجامعة أو المنزل... وغيرهم قد تم اعتقالهم قبل العثور على جثثهم مقطعة... وآخرين تعرضوا للخطف من أمام بوابة الكلية... وأخيرين أحالوا أنفسهم للتقاعد أو نجوا بها بعد أن غادروا العراق أو اختفوا وهؤلاء يتجاوز عددهم 2000 من العلماء العراقيين.

ـ وبالرغم من أننا قد سمعنا كثيراً عن اغتيال واعتقال واختفاء العلماء العراقيين الذين قد تكون لهم صلة ببرنامج التسليح للنظام البائد، إلا أن المفاجأة الكبرى هي أن الفئة المستهدفة بشكل أكبر هم أساتذة الحقوق والجغرافيا والتاريخ والثقافة العربية.

ـ أما القواسم المشتركة فهو أن أي من هذه القضايا لم يتم التحقيق فيها ولم يتبناها أحد، وأن جميع هؤلاء كانوا من النوابغ والنخب التي تملك مفاتيح إعادة إعمار وتطوير العراق مرتكزين على حضارته العريقة.

ـ ووفقاً للأمم المتحدة 84% من مؤسسات التعليم العالي بالعراق قد تم حرقها أو نهبها أو تدميرها بعد الاحتلال، كما تشير الوثيقة إلى أن نظام التعليم العراقي كان يعد أحد أفضل أنظمة التعليم في المنطقة وأن الكوادر العراقية المتعلمة تعد أهم ثروة البلاد.

ـ مايجري هو ببساطة تدمير للهوية الثقافية وإعاقة لمؤسسات التعليم والبحث العلمي، والمؤكد أن هذه الإعاقة ستلقي بظلالها على أجيال قادمة.

ـ وإن كنت أقرأ وإياكم هذه المعلومات اليوم، فقد سبق لنا وأن كنا شهود عيان منذ اليوم الأول لسقوط بغداد على عمليات حرق ونهب حوالي ثمان آلاف عام من تاريخ الحضارة العراقية التي كانت تحتضنها المكتبات والمتاحف إلا أننا لم ندرك وقتها أن آلاف الأميال على طريق إعادة رسم الجغرافيا وكتابة التاريخ يبدأ بخطوة طمس الحضارة لتتبعها (فرمتتة) الذاكرة وتدمير أدوات إحياءها.

ـ العلم والعلماء والتاريخ والجغرافيا مستهدفون، وتصطف إلى جانبهم ضحية أخرى هي حرية التعبير التي كبلتها قيود الخوف من ملاقاة نفس المصير فأعجزت الشهود على جرائم اغتيال العلماء والمثقفين عن الإدلاء بشهادتهم أمام المجتمع الدولي لمحاكمة الجناة.

ـ فوضى عارمة تجتاح العراق و كل مواطن عادي أو عالم كبير يكاد أن يحمل مسبقاً شهادة وفاته بين يديه ليتم التوقيع عليها في أي لحظة في ظل عجز قوات الاحتلال عن إحكام سيطرتها على البلاد و حماية المواطنين، بالرغم من أن نفس القوات نجحت بإحكام السيطرة على منابع النفط مع تأمينها ضد أي اعتداءات ريثما تنتهي عملية تصفية ملاكها.

ـ منذ أن تم الإعلان عن الشرق أوسط الكبير متبوعاً ببشرى الشرق أوسط الجديد والجميع يتساءل عن طبيعة هذا المنتج الذي يجري الترويج له دونما إجابة من المصنع الذي يبدو أنه قد راهن على أن اللبيب بالإشارة يفهم... وقد نتمكن من اكتشاف الصورة المنشودة للشرق أوسط الجديد متى ما نجحنا في معرفة سبب اغتيال العلماء وتعمد إحراق الحضارة وصروح التاريخ والتعليم خلال الحروب الأخيرة.

ـ إذا شاهدتم هذه الصورة معي فأتمنى أن تحفزكم لتسجيل توقيعكم على موقع (brusselstribunal.org) فقد لاتجدي مقاومة شعب بمفرده وقد لايكفي وعي أمة بمعزل عن غيرها، بقدر ماقد تحدث وقفة وإرادة و كل الشعوب من كشف وتغيير للسياسات الجائرة.


رئيسة تحرير مجلة عربيات الإلكترونية
[email protected]