مهموم بالناتج الثقافي لثورات العرب، ويعد لإطلاق رواية جديدة

الدكتور عبدالله الفيفي لـ "عربيات": المثقف "البرج-عاجي" ولى زمانه، والمرأة مدرسة الإبداع الأولى

عربيات: محسن حسن
صور وفيديو

حينما تحاوره، تجذبك قناعاته وتوجهاته الجادة في الحياة والشعر والثقافة، وتحملك رؤيته وبصيرته إلى حيث النقد لإشكاليات الثقافة والمثقفين في عالمنا العربي والإسلامي؛ فهو " الشاعر" حين ترفع رايات الشعر والشعراء، وهو الناقد حين تطل قضايا النقد برؤوسها المشرعة في ثنايا الكم الهائل من منجزات الآخر الإبداعية هنا وهناك، وهو السياسي والبرلماني حين تحتل السياسة مكانها في إطار الشورى والاستشارة الصادقة نحو بناء المجتمع الحاضن والحكومات الناهضة، إنه باختصار الأستاذ الدكتور "عبدالله بن أحمد بن علي الفيفي" أستاذ النقد الحديث بجامعة الملك سعود بالرياض، وعضو مجلس الشورى السعودي لثلاث دورات متتالية، والذي خص "عربيات" بهذا الحوار الذي عبر خلاله عن رؤيته للعديد من القضايا الأدبية والثقافية والسياسية، منتقداً تغييب الجيل الجديد من الشعراء، ومعتبراً أن الرواية العربية لم تتقدم، ومؤكداً أن العالم العربي يعيش أزمة "مصطلحات".


بداية ما القضية التي تشغلك الآن كمثقف شاعر؟
ناتج الثورات العربيَّة على المستوى الثقافي. هل سنصبح أُمَّةً يَحكمها العقل، والعدل، والقانون، والحريَّة، والمساواة؟ أم هي محض انقلابات كسالفاتها؟.  

بين العمل السياسي والإبداع الشعري، كيف تتأتى خدمة الثقافة والمثقفين في المملكة بالنسبة لك؟
المثقَّفُ "البرج-عاجي" وَلَّى أوانه. المثقَّفُ الحيُّ هو الذي يعيش قضايا شعبه، ووطنه، وأمَّته، وإنسانيَّته. ما لم أُقدِّمه في الجامعة، أحاول تقديمه في مجلس الشورى. وما لم يتأتَّ هنا ولا هناك، فالكلمة مِشعلُه. والطموح أكبر دائمًا.


في السياسة، علينا تغليب عدالة المصالح على أنانيَّتها

كيف تقيّم الوجه السياسي لمعطيات الحركة الثقافية في المملكة خاصة وأن هناك إلماحات لاستئثار النخبة المثقفة؟
ما عادت النخبة نخبةً، وما عاد الميدان ميدانها. الآن بات بإمكان المثقَّف -عبر التقنية الحديثة- أن يصل. على الرُّغم من الفوضى القانونيَّة العارمة التي تكتنف تقنيات التواصل العربيَّة.  ما يُؤرِّق المثقف هو بقاء الاحتكار "الإعلا-في"، إذا جاز النحت، أو "الإعلامي- الثقافي"، التقليدي.  لا شكَّ أنه ما زال الفساد الثقافي في الوطن العربي كافَّة، ضاربَ الأَطناب.  وما زالت الجماعات التي تُقصي، وتستأثر، وتسيطر، تفعل ذلك. وهي تُقدِّم نفسها، ومحسوبيها، أحيانًا، باسم الوطن كلِّه. وهذه مسؤوليَّة الأجهزة المعنيَّة في أن تجعل الموضوعيَّةَ والجودةَ معيارَي القُرب والبُعد. وهذا يتطلَّب دائمًا أن تُعطَى القوس باريها، وإلَّا ظلَّت الثقافة دُولةً بين الأدعياء.

مارست عضوية عملية في لجنة السلام وحل الصراعات، فما الذي وجدته غائباً بين شعوب العالم ويؤدي إلى استمرار حالة الكر والفر على المستويين السياسي والعسكري؟
تغليب عدالة المصالح على أنانيَّة المصالح، ذلك هو الغائب المنتظر. وهو منتظر منذ الأزل، وربما إلى الأبد، غير أن تنظيم العلاقات الدوليَّة في العصر الحديث، وقيام هيئة للأمم، والمباهاة بوجود قانونٍ دوليّ، كان يُفترض أن يُنظِّم العلاقات، ويُلجم التجاوزات. لكن ما العمل، إذا كانت هيئة الأُمم نفسها وما نسميه القانون الدولي، هما بدورهما تحت وطأة "أنانيَّة المصالح"، ويُداران بأيادٍ تُطَفِّف في موازينها؟.

 

الجيل الجديد من الشعراء منسيّ وهو جدير بالاحتفاء

وأنت متخصص في النقد الأدبي الحديث، إلى أي مدى تواكب حركة النقد العربية الإبداع بكل أجناسه وفروعه؟
أُفرِّقُ بين النقد التسويقي، والنقد الأكاديمي. فالنوع الأوَّل يسعى مسعاه، لكنه نقدٌ إعلاميٌّ، في الغالب، وتحكمه العلاقات، كما تحكمه التيَّارات المؤدلجة، وليس نزيهًا بإطلاق. أمَّا النوع الآخر، فبطيء؛ لأنه يتبع معايير علميَّة، ويصطفي نماذجه الدالَّه. النقد عِلْم، أو هكذا ينبغي، والأدب كالطبيعة في عطائها وتجدُّدها.  ومهما حاول العِلْم المواكبة فلن يجاري الطبيعة.  أمّا الأديب الذي يكتب لكي يُكتب عنه، فسيطول به الانتظار، وربما أدَّى به إلى الانتحار، كَمَدًا لأن من يَكتب ليُكتب عنه ليس بأديب. ومع هذا، فبشِّره أن حظَّه (ربما) سيكون أوفر إعلاميًّا من الأديب الجادّ.

ما تقييمكم للتجربة الشعريّة الحديثة في المملكة العربيّة السعوديّة؟
التجربة الشِّعريَّة الحديثة في المملكة لا تختلف عن التجربة العربيَّة بصفة عامَّة. مرَّت بمراحل، وبتحوُّلات، فيها المدّ والجزر. الإشكال كما أراه الآن في أننا حين نتحدَّث عن التجربة الشِّعريَّة الحديثة في المملكة نلتفت ثلاثين سنة إلى الوراء أو أكثر.  الجيل الشاب ما زال مغيَّـبًا، والاهتمام ما زال منصبًّا على الشيوخ، أي على التجربة الشِّعريَّة الحديثة (القديمة) في المملكة، إنْ بمعيار الزمن أو بمعيار الشِّعريَّة. الأسماء هي الأسماء، والشِّعر هو الشِّعر؛ لأن الرؤية، وربما العلاقة، ما انفكَّت تدور في فلكٍ مَرَّ.  أزعم أن جيلًا أحدثَ من الشعراء والشواعر، أجدر بالاحتفاء، لكنه منسيّ وهو جدير، لا لأنه أحدث زمنًا، لكن لأن بعضه أنضج شِعريَّة:  

فَما الحَداثَـةُ مِن شِعرٍ بِمانِعَـةٍ  **  قَد يُوجَدُ الشِّعرُ في الشُبَّانِ وَالشِّيبِ!

قد ينكأ هذا القول ما رُمَّ على فساد في نفوس شبَّان بالأمس صاروا شِيبًا اليوم!  وصراع الأجيال سُنَّة عربيَّة مألوفة.  لكن أخشى ما أخشاه أن هذا الجيل الشاب، بدوره، يظلّ يجترّ، وهمًا أو إحباطًا، إنجازات سابقيه، بوصفها نماذج عُليا، لا يُعلَى عليها، بسبب تكريسها في الإعلام والذاكرة الثقافيَّة، بحقٍّ أو بباطل.

 

الحداثة الشعرية الحالية غير منبهرة ولا منقطعة

ماذا عن ملامح الحداثة في النص الشعري لدى شعراء المملكة؟
ملامح الحداثة في النصّ الشِّعري لدى شعراء المملكة قبل القرن الحالي، أي قبل عِقد من السنين، وخلال مشارف هذا القرن، حاولتُ رصدها واستقراءها في كتابي "حداثة النَّص ّالشِّعري ّفي المملكة العربيَّة السعوديَّة: (قراءة نقديَّة في تحوُّلات المشهد الإبداعيّ)، 2005. وهي حداثةٌ تمثِّل طورًا شِعريًّا، لم يَخْلُ من عثرات، بمقدار ما حمل من إضاءات وإنجازات. الحداثة الشِّعريَّة الحاليَّة هي وليدة مرحلةٍ مختلفة. هي وليدة إطلالةٍ أوسع وعيًا على الآخر، غير منبهرةٍ، ولا منقطعة. لا تحمل عُقَد التراث والحداثة، ولا النحن والآخر، ولا الصراع الفكري الأيديولوجي السالف، الذي كان يقسم الثقافة في القرن الماضي إلى "فسطاطين"!  وقد وقفتُ على بعض ملامح شعراء اليوم الآخذة في التشكُّل من خلال بحوث أخرى، مثلًا: حول ما أسمِّيه بـ"النثريلة"، وهي توليفة بين شِعر التفعيلة وقصيدة النثر. هذا في المستوى الإيقاعي. وهناك كذلك في مستوى البناء العامّ ظواهر من التوالج الحميم بين السردي والشِّعري، قاربتها بين القِصَّة القصيرة جدًّا وقصيدة النثر، وبين الرواية والقصيدة الملحميَّة. ما يُبهج في كلّ ذلك أن تجد شعراء الآن يَجمعون: التمكُّن النِّسبي من لغتهم العربيَّة، وشِعريَّتهم الوثَّابة.  إنها مرحلة "ما بعد الحداثة"، وقد "ثقفها" هؤلاء، بعيدًا عن التفلسف والمصطلحات.  

ما الذي تراه مهدداً  الشعر في عالمنا العربي الآن؟
التقليد. والتقليد صُوِّر نمطيًّا على أنه (التقليد للتراث). والحقُّ أن حداثتنا العربيَّة في أغلبها، محض (تقليدٍ للآخر). لذلك لم تحقِّق شيئًا، ولن، حتى تغيِّر ما بنفسها.  وإذا كان الضرب الأوَّل من التقليد الشِّعري "تقليدًا أَبويًّا"، فإن تقليد الحداثة العربيَّة "تقليدُ مَوالٍ" محدثين.  لأجل هذا تجد التقليد الأخير أشدَّ بلادة، وأشدَّ تعصُّبًا؛ لأنه ليس بالتقليد الفطري، بل هو ينبثق عن ولاءٍ أيديولوجي أعمى، بأبعاد الأيديولوجيا، الفكريَّة والسياسيَّة. ولك أن تُجرِّب مثلًا إبداء الرأي النقدي حول تجربة أحدهم، أو تجربة أحد تماثيله، لتجده ينقم عليك ذلك بكلّ وسيلةٍ ممكنة؛ لأن القضيَّة لديه ليست أدبًا، أو رأيًا، أو نقدًا، بل هي طعنٌ في انتماء أعمق جذورًا، يوشِك أن يصبح ديانةً، تُقفل العقل، وتستلّ للدفاع عن حياضها كلَّ السيوف. إنَّ أبشع مَن يفتك، لا بالشِّعر وحده، بل بالثقافة والتحضُّر، أمثال هؤلاء.  والشِّعر في عالمنا العربي الآن بلا هويَّة، بسبب هذه الشراذم.  فهم يسعون إلى مسخ الشِّعريَّة العربيَّة، ولا ملامح لوجوههم في العالم. انسلخ غربانهم منذ وقتٍ مبكِّر من الشِّعريَّة العربيَّة، فلا هم طوَّروها، ولا هم حدَّثوها، ولا قِبَل لهم بالبدائل. وفي الوقتِ نفسه هم يُحاربون الشِّعر العربي الأصيل، الحامل للغة والثقافة والهويَّة والانتماء، متخنقدين بالإعلام، وبمنابر السيطرة على الفضاء الثقافي، التي يتيحها لهم الفساد الإداري الثقافي العامّ.

 

الانفتاح ليس مرادفاً للإنسلاخ، ويجب أن يكون بندية

في رأيك هل حققت المملكة العربية السعودية القدر المطلوب من الانفتاح الثقافي على الآخر؟ وماذا عن دور الوسط الثقافي في هذا الإطار؟
أحسب أن مصطلح "الانفتاح" تجاوزته المرحلة. فالآن العالم كلُّه أصبح شاشة حاسوب واحدة.  تبقى المسألة حول ما نعنيه بـ"الانفتاح"؟ هل نعني الإفادة من تجارب العالم، للإضافة، والبناء؟ أم نعني ذلك المفهوم الساذج لـ"الانفتاح"؟  الذي هو أشبه بانفتاح "أَمَة" على سيِّدها، لا انفتاح "أُمَّة" على العالم من حولها. أيْ بندِّيَّة، وبرسوخ قدم، ووفق مشروع حضاريّ، لا وفق "أجندات" سياسيَّة، لرضى هذا الطرف أو ذاك.

هل يعاني العالم العربي والإسلامي من أزمة مصطلحات بخصوص العلاقة مع الآخر؟
العالم العربي والإسلامي يعاني من أزمة وجود أساسًا!  أمَّا أُولى أزماته، فهي أنه لا يعلم ما هو؟ وأين هو؟ وماذا يريد؟ وماذا يُراد به؟  إنه التِّيه المطلق. ومن هنا تصبح المصطلحات وأزمتها عَرَضًا من مرض أشمل وأعمق. وحينما يتعلَّق الأمر بالعلاقة بالآخَر، فلنأخذ مصطلحَي "انفتاح" و"انغلاق"، الواردين في بعض الأسئلة. إنهما يوظَّفان لدينا غالبًا للقمع، أو للتحلُّل من القِيَم والمبادئ والشخصيَّة الإنسانيَّة. في حين نجد أُمَّة كالأُمَّة الفرنسيَّة تضبط مصطلحاتها واستعمالاتها، كما تضبط حركة المرور في شوارعها، فلا تخلط بين مفهومَي "الانفتاح" و"الانسلاخ". ولذلك تراها شديدة المحافظة على الهويَّة الفرنسيَّة، والثقافة الفرنسيَّة، واللغة الفرنسيَّة.  إلى درجة قد يصوِّرها خصومها تطرُّفًا، لأن ذلك ضدّ مصالحهم الممتدَّة في العالم.  فهل فرنسا منغلقة؟!  أمَّا ثقافتنا، فما زالت "ثقافة تفحيط"، للأسف، في الشوارع والرؤوس.

 

المرأة مدرسة الإبداع الأولى، ولكن..

ما الذي أغفله الخطاب الأدبي عربياً بالنسبة للمرأة ككائن مبدع؟
المرأة في العالم أجمع مدرسة الإبداع الأولى.  وإبداعها لا يتعلَّق بالأدب وحده. إنها مبدعة حياة، بكلِّ ما تعنيه الكلمة. الخطاب الأدبي والفنِّي، العربي وغير العربي –للأسف- لا يحترم المرأة ولا يُحبّها. وإنْ اتَّخذ مدخله إلى قلب المرأة من هذا الباب، متشدِّقًا بحقوق المرأة. إنه يُتاجر بقضاياها، لمتعته الذكوريَّة. والمرأة، في أكثر الحالات، تستجيب لمكره. فما أغفله الخطاب الأدبي العربي هو: المرأة نفسها، بوصفها إنسان، لا متعة كاتبٍ وقارئٍ، وسِلعة لرفع رصيد النشر والتسويق.

 

الحوار حرية واختيار

لماذا اعتبرت أن الثقافة العربيّة تقوم على منظومة قِيَم غير حواريّة؟
هي كذلك. وإذا كان كلامي المشار إليه عن العصر العربي قبل الإسلام، فما زال الحال على ما هو عليه وربما أسوأ. حتى الحِوار -إنْ كان من حِوار-، فهو يأتي قسريًّا ومفروضًا فرضًا من فوق. مع أن الأصل في الحِوار الحريَّة والاختيار. انظر إلى النظام السوري، على سبيل المثال الصارخ، الذي يقتل شعبه، ثم يقول لهم اليوم: تعالوا إلى طاولة الحِوار أو الإصلاح!  أي حِوار مع جلادٍ، سفَّاح؟!  هذا نموذج لم يشهد له التاريخ نظيرًا من ثقافة الوَثَن البشري!  فعن أي حِوارٍ نتحدث؟!. 

هل ترى القارئ العربي مؤهلاً لتلقي العديد من معطيات حركة الإبداع العربي؟ وماذا عن القارئ السعودي؟
القارئ العربي يتلقَّى العديد من معطيات حركة الإبداع من العالم كلّه، ومن باب أَولى وأجدَى الإبداع العربي. ولا يختلف القارئ السعودي عن شقيقه القارئ في الأقطار العربيَّة الأخرى. فقط هاتِ له العمل الجيِّد، والتوزيع المناسب.

هل اختلفت علاقة المملكة العربية السعودية بالأدب والشعر في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله عن ذي قبل؟
للأدب قوانينه الخاصَّة؛ ولا يواكب بالضرورة التطوُّرات السياسيَّة، أو القفزات الاقتصاديَّة، قوَّةً وضَعفًا، وإنْ تأثَّر بتلك التطوُّرات والقفزات. لا شكّ أن عهد الملك عبدالله يشهد ازدياد المنابر المعرفيَّة والثقافيَّة، وسعة الأفق في الحريَّة والنشر، مع ما صاحب ذلك من ثورةٍ معلوماتيَّةٍ وتواصليَّة غير مسبوقة على مستوى العالم.  وبالتأكيد أن لذلك كلّه تأثيره الأفقي في حراك الأدب، وهذا ملموس. وبالتأكيد أن له تأثيره النوعي على بنية الأدب. غير أن هذا لا يقاس إلَّا بالدرس والتقصِّي. وربما بعضه ما بَرِحَ طورَ التشكُّل أو المخاض.  

 

الترجمة يجب أن تكون "منا إليهم" و"منهم إلينا"، والعامية تجرنا إلى عكس اتجاه الوحدة

ماذا عن تقييمك لحركة الترجمة في المملكة في ظل نداءات متكررة بانفتاح سعودي أكبر على الأدب الغربي؟
العالم العربي منفتح استهلاكيًّا منذ أكثر من قرن. فما النتيجة؟  علينا، كما أشرتُ في إجابةٍ سابقة، أن نُحدِّد مفهومنا للانفتاح، وبُغيتنا منه. أمَّا موضوع الترجمة، فجِدُّ مفيد وحيويّ. والدول الحيَّة تُنفق الأموال الطائلة على الترجمة. ولعلّ جائزة الملك عبدالله العالميَّة للترجمة تأتي تتويجًا لاستشعار هذه الأهميَّة الحضاريَّة للترجمة. إن حاجز اللغات لم يعد حاجزًا اليوم بين الشعوب والثقافات. على أنه ينبغي أن لا تظلّ الترجمة في اتِّجاهٍ واحد: (منهم إلينا)، بل (منَّا إليهم) أيضًا.

من وجهة نظرك ما مدى تأثير "اللهجات" على لغتنا العربية؟ وما السبيل لمواجهة مثل هذا التأثير؟
أعتقد أن اللهجات وآدابها العامِّيَّة تجترُّنا القهقرَى إلى عكس اتجاه المشروع النهضوي الذي طالما حلمنا به، على مستوى العِلْم، والثقافة، والمجتمع، والوحدة، بأبعادها الوطنيَّة والقوميَّة.  والذين لا يعرفون من شأن اللغة سوى الاستمتاع بقصيدةٍ أو أغنية، لا يدركون خطورة الأمر، ولو على المدى البعيد. والسبيل لمواجهة هذا الطوفان اللهجوي الراهن، الذي يغمر الإعلام والمنابر الثقافية وحتى التعليم، يتمثَّل في عودة الأمور إلى نصابها، وتقديم الصالح العامّ على القَبَليَّات، والمناطقيَّات، والقُطريَّات، واستشعار المسؤوليَّة العربيَّة المبدئيَّة. الجُثَّة العربيَّة لا ينقصها التفسّخ، ولا مخالب الأعداء، لنُنشب فيها نحن أظفارنا، متذرعين بشعارات مجَّانيَّة، قاصرة الرؤية، لا تنظر إلى أبعد من أرانب أنوفها.

 

الإصدارات الروائية يطغى كمها على كيفها

هل تراجعت الرواية العربية إلى الخلف إبداعياً أم تقدمت؟ ولماذا؟
وهل تقدَّمت قط؟! لقد ظلَّت تحاكي الآخَر الغربي وتدور في فلكه. وعلى الرغم من بعض التجارب البارزة، كتجربة نجيب محفوظ، وعبدالرحمن منيف، والطيِّب صالح، فقد طغى الكَم على الكيف، وضوضاء الإصدارات عددًا على النوع.  وأعني بالنوع تلك الرواية العربيَّة الوجه واليد واللسان، لا التي تعتمر القبَّعة، أو تكشف عن ساقيها، لتلج صرح الرواية الغربيَّة الممرَّد.

أيهما سيسلّم الراية للآخر؛ الرواية أم الشعر؟
لماذا؟ هل أُعلنت الحرب بين العُربان؟!.

ترى ما سبب الجدل القائم عربياً حول قصيدة النثر؟ وهل هي قصيدة شعرية أم لا؟
اسمها قصيدة نثر، لا قصيدة شِعر. لكن التطوُّر الحادث أن يقول لك أحدهم: هي قصيدة نثر، لكن، انتبه، هي: قصيدة شِعر!  إذن لم تعد الأزمة أزمة مصطلحات، بل أزمة مفاهيم. على أن الجدل ليس عربيًّا فقط. بيد أن حِدَّة الجدل تهتاج عربيًّا لأن الشِّعر لدى العرب أبو الفنون، وأُمُّها، وجَدُّها، وابنها وحفيدها!  فأنْ تقول لفلان لست شاعرًا، وهو يظن نفسه كذلك، فستبوء بإثمك وإثمه، هل تتوقع أن يسكت؟!  المسألة مسألة حياةٍ أو موتٍ لدى هؤلاء.

في الختام، ما الجديد في حياة الدكتور الفيفي على مستوى التأليف والكتابة الإبداعية؟
مجموعة شِعريَّة ثالثة، ورواية، وبعض المشاريع الأكاديميَّة.