رمضان، دليل التغيير في حياة الإنسان

جدد حياتك

رانية سليمان سلامة

يرتبط العيد في حياتنا بفرحة الفوز وجائزة العمل, ويختلط الفرح بمشاعر المشاركة الوجدانية بين غني وفقير وقريب وبعيد جمعتهم حالة إيمانية واحدة في فترة زمنية واحدة تتلاشى معها المسافات المتباعدة فتتجدد وتشرق مفاهيم الحياة أمامنا ونعيش وقفات تدق خلالها قلوب الآخرين داخل قلوبنا وتسقط دموعهم من اعيننا وتبتسم شفاههم على شفاهنا.

ونستقبل لحظة ميلاد العيد الذي ظل رمضان يحتضنه في أحشائه وظللنا نرعاه لنظفر به فائزين, بملابس جديدة ماهي الا رمز يفترض ان يعكس تجديدا اخترنا أن يطرأ على حياتنا او بداية جديدة نستعيد معها نبض الحياة في أيامنا.

وهكذا لابد ان يستخلص الانسان من تجاربه وممارساته ماتخفيه بين طياتها من حكم, فمن رمضان نعرف بلاشك منذ الصغر الحكم الدينية والاجتماعية بينما تبقى الحكمة النفسية أقل حضورا في نفوسنا, تلك الحكمة الالهية التي جاءت لتشبع حاجة الانسان الفطرية للتغيير والتجديد بمختلف صوره حتى لاتصدأ حيويته أو تخفت عزيمته, ولعل من بين تلك الصور وقفة مع النفس وتغيير في نظام الحياة اليومي لكسر الرتابة والروتين الذي يصيب النفس بالملل.

وبسلاسة عجيبة في عشية وضحاها نجد أننا كان بوسعنا في رمضان اعادة برمجة ساعتنا البيولوجية لتتوافق مع برنامج حياة جديد تتغير فيه ساعات العمل والاستيقاظ والنوم والطعام... ونكتشف أننا بامكاننا ان نعطي اكثر ونسعد أكثر, وان نتقن العمل ونلتمس الخيرات فرادى وجماعات... وتتغير العديد من الصور الاجتماعية التي نألفها فنكتشف أن بعضها قد كان سلبيا والآخر ايجابيا الا ان السلبي والايجابي منها قد التصق بحياتنا وقيدنا اليه بحبال الألفة والخشية من التغيير, وندرك بعد رمضان ان هذه الحبال نملك تمزيقها لتتحول من قيود الى عجلة قيادة نحو حياة نكون فيها اكثر ايجابية واقداما على خطوات جديدة.

تجربتنا مع رمضان واعياده اذا اعدنا قراءة فصولها فسنجد انها تضم دليلا عن خطوات التغيير في حياة الانسان اتبعنا ارشاداته عمليا وعشناها لنتعرف من جديد على خصائصنا النفسية التي تؤكد ان تقبلنا السريع لهذا الشهر المختلف بكل المقاييس واقبالنا عليه وتكيفنا معه مؤشر ندرك من خلاله -خلافا لمانعتقد- ان الانسان كائن مرن لديه قدرة كبيرة وسريعة على تغيير نمط حياته وعاداته وممارساته والتكيف مع قالب جديد, شريطة وجود عناصر قد يكون من أهمها الايمان بحكمة (مَن) أو (ما) يدعو الى التغيير, والاقتناع باسبابه, ومعرفة كيفيته, واستيعاب اهميته, وابعاده وانعكاساته, ووجود محفزات... وتكاد هذه العناصر ان تكون مقومات نجاح أي برنامج تغيير ايجابي فيتلاشى مع توفرها الخوف والقلق والتردد والعجز وتتحرك العزيمة.

في هذا العيد وكل عيد علينا ان ننظر كم من الاشياء قد قمنا بتجديدها حولنا دون ان يتجدد شيء بداخلنا... ولعلنا نقدم لانفسنا بطاقة دعوة عنوانها (جدد حياتك) ولتكن مقتبسة من ذلك الكتاب الرائع الذي يحمل نفس العنوان للشيخ محمد الغزالي حيث وضعنا في مواجهة مناظرة فريدة وشيقة بينه وبين (ديل كارنيجي) صاحب كتاب (دع القلب وابدأ الحياة) ليكشف النقاب عن العلاقة الوثيقة بين علم النفس والدين برؤى عميقة تساعد حتما على استيعاب حاجات النفس وقدراتها الكامنة التي بوسعها اذا حررناها ان تحفزنا لبداية صفحات جديدة او الاقدام عى نقلة نحقق من خلالها حلما قديما أو أملاً بعيداً.

اليوم وليس غداً, تستطيع ان تجدد حياتك قبل فوات الأوان دون ان ترهن البداية بموعد مع الاقدار المجهولة... والمفتاح احصل عليه من حكمة الشيخ الغزالي رحمه الله بقوله: (تجدد الحياة ينبع قبل كل شيء من داخل نفسك, وبقواك الكامنة وملكاتك المدفونة والفرص المحدودة المتاحة تستطيع ان تبني الحياة من جديد).

 

رئيسة تحرير مجلة عربيات الالكترونية
[email protected]
المصدر: صحيفة عكاظ