ميلاد أول صروح التعليم النسائي النظامي بالمملكة

بداية وحصاد 1375-1385

رانية سليمان سلامة

المقر الأول 

في عام 1375هـ - 1955م عانق طريق المطار القديم في حي الكندرة بجدة لحظة ميلاد أول صروح التعليم النسائي النظامي بالمملكة (دار الحنان)، في مبنى عبارة عن فيلتين مستأجرتين خُصّصت إحداهما لدار الرعاية، والأخرى للدراسة.

 

افتتاح المرحلة الابتدائية

في عام 1376هـ - 1956م تحوّلت (دار الحنان) إلى مدرسة نظامية تشرف عليها وزارة المعارف، وبدأ تسجيل طالبات الابتدائي (القسم الخارجي). وقد عهدت الأميرة عفت ـ آنذاك ـ  بإدارة المدرسة للسيدة مفيدة الدباغ، واستعانت بمعلمات من الدول العربية لتدريس مناهج وزارة المعارف.

وفي عام 1380هـ - 1960م عانقت (دار الحنان) فرحة خريجاتها اللاتي حصلن على الشهادة الابتدائية، فيما حصلت المدرسة على شهادة سجلها التاريخ، فكانت أول مدرسة أهلية تتخرج منها الفتاة السعودية حاملة للشهادة الابتدائية وفقاً لمناهج وزارة المعارف. وقد تزامن ذلك الحدث مع نقلة هامة في مسيرة تعليم البنات، حيث أصدر الملك سعود بن عبدالعزيز ـ طيب الله ثراه ـ  مرسوماً ملكياً يقضي بتشكيل "الرئاسة العامة لتعليم البنات"  لتكون هيئة حكومية رسمية ترتبط بها مدارس البنات في جميع أنحاء المملكة ابتداءً من عام 1380-1381هـ.


أحد الفصول الدراسية 1383هـ


افتتاح المرحلة التحضيرية

في نفس العام 1380هـ تم افتتاح رياض الأطفال (المرحلة التحضيرية) التي ضمت البنين والبنات لإعدادهم للمرحلة الابتدائية، وقد خاضت (دار الحنان) تلك التجربة في وقت سبق  استحداث الوزارة لتراخيص افتتاح رياض الأطفال بالمدارس، حيث ظل القطاع الأهلي هو المسؤول الوحيد عن رياض الأطفال في المملكة حتى عام 1385هـ حين تولّت وزارة المعارف الإشراف الفني عليها، وتم افتتاح أول روضة حكومية في عام 1386هـ بمدينة الرياض، كما افتتحت الرئاسة العامة لتعليم البنات أول (روضة) في مكة المكرمة عام 1395هـ. (1)


طالبات دار الرعاية 1383هـ/1963م


افتتاح المرحلة المتوسطة

افتتحت (دار الحنان) فصول المرحلة المتوسطة لتواصل خريجات الشهادة الابتدائية مسيرتهن التعليمية في الدار، وفي عام 1380-1381هـ الموافق 1960-1961م تقدمت أول دفعة من طالبات (دار الحنان) إلى جانب جميع طالبات مدارس جدة الأهلية لشهادة الكفاءة في مقر (دار الحنان)، حيث تمت الاختبارات النهائية تحت إشراف لجنة من وزارة المعارف التي ظلت مناهج مدارس البنات الأهلية تتبع لها حتى عام 1383هـ - 1963م، كما ظلت (دار الحنان) مركزاً لاختبارات الكفاءة حتى عام 1385 ـ 1965م، ومن ثم مركزاً لاختبارات الثانوية العامة إلى حين افتتاح الرئاسة العامة لتعليم البنات للمدارس الثانوية.


مؤشر القياس الاجتماعي

سجل مؤشر (دار الحنان) قراءة اجتماعية جديدة تفيد بأن المجتمع قد نجح باستيعاب أهمية تعليم الفتاة، وتجاوز عقبة المخاوف من تلك الخطوة، وتعززت ثقته فيها مع التوجه الحكومي باحتضان مدارس القطاع الخاص وافتتاح المدارس الحكومية للبنات. وقد أصبح المجتمع في ضوء ذلك مهيأً لاستقبال الشق التربوي الذي يُعتبر صنو الشق التعليمي في المدارس الحديثة. كما سجل مؤشر (دار الحنان) نجاحاً مبدئيًّا لاختبار تقديم الأنشطة التربوية والبدنية، مما استوجب توسيع نطاق التجربة وتطويرها وفقاً لنظام جديد وإدارة جديدة.


الإدارة الجديدة

في صيف عام 1382/1383هـ الموافق 1962/1963م غادرت السيدة مفيدة الدباغ (دار الحنان)، ومنذ بداية العام الدراسي 1383هـ الموافق 1964م انتقلت إدارة المدارس للسيدة سيسيل ابراهيم رشدي*. ولتلك النقلة قصة تروي فصولها السيدة سيسيل، قائلة:

"أخبرني الشيخ عبدالعزيز الثنيان - يرحمه الله - مدير عام رعاية الشباب التابعة ـ آنذاك ـ لوزارة الشؤون الاجتماعية التي كنت أعمل بها أن الأميرة عفت ترغب بمقابلتي في الطائف، فذهبت إليها، وأبلغتني أنها تود أن أستلم إدارة المدرسة مؤقتاً".

وفي اليوم التالي ذهبت السيدة سيسيل برفقة الأميرة لطيفة الفيصل لزيارة المدرسة، أمّا انطباعها فكان باختصار (صدمة).

تلك الصدمة لم يكن يتطلب علاجها أكثر من وقفة تستعيد خلالها خريجة الجامعة الأمريكية بالقاهرة ذات الخمسة والعشرين ربيعاً قراءتها للواقع، وتضع توقعاتها جانباً مدركة أنه ما من شيء يولد مكتملاً، فتقول:"لم أجد سجلات للطالبات، ولا كشوفات، ولم أشعر أن المدرسة تشبه المدارس التي عرفتها قبل انتقالي للمملكة أو حتى التي عملت بها في الرياض. شعرت أن هناك خللاً فعدت إلى الطائف لأناقش ذلك مع الأميرة عفت، إلاَّ أنها بادرتني بقولها: 

"(الوقت قد أزف!)".

هكذا أرادت الأميرة عفت أن تختصر الطريق على مديرتها الجديدة قبل أن تقدم لها عرضاً تفصيلياً عن أهدافها من تأسيس المدرسة، والصعوبات التي واجهتها. ومن ثم بدأت تكشف عن تطلعاتها لتطوير البرامج التعليمية بمدارس دار الحنان. فاستمعت السيدة سيسيل للأميرة عفت باهتمام كما استمعت أنا للرواية، وازداد يقيني بأن خطوات الأميرة عفت كانت تعرف وجهتها منذ البداية.

كانت ـ يرحمها الله ـ  تختار الشخص المناسب للوقت المناسب. كما كان سردها للبدايات واستعراضها للتطلعات كافياً لتصل الرسالة للسيدة سيسيل التي تصف ذلك قائلة:

"رؤاها الواضحة وأهدافها العظيمة كانت كافية لكي تبث بداخلي الحماس والثقة حتى يتجه نظري للأمام، فأرى معها ذلك الحلم البعيد وقد أضحى قريباً بالعزيمة والعمل". وتضيف:"بدأت أعمل 18 ساعة في اليوم لهدف واحد هو (إرساء مفهوم مدرسة) وترسيخه لدى المعلمات والطالبات والإداريات، وقد أثبتت لي التجربة أن المهام الجسام قد تكون صعبة، غير أنها حتماً ليست مستحيلة". 

 

"النظام الإداري هو العمود الفقري للمدرسة".

من تلك القناعة اتّجهت السيدة سيسيل إلى صف فقرات العمود الفقري جنباً إلى جنب حتى اكتملت في عام 1397هـ اللائحة الداخلية لمؤسسة (دار الحنان) والتي تضمنت النظام المحاسبي، بالإضافة لشروط القبول، والمناهج، والهيكل الإداري، والكادر التعليمي مع إيجاد مجلس علمي للمدارس من أهدافه متابعة تنفيذ السياسة التعليمية، وتطوير الأسلوب التربوي، والارتقاء بالمستوى العلمي، كما تم وضع النظام الأساسي لمؤسسة (دار الحنان).

علماً بأن بعض الأنظمة كانت قد بدأت تقف على أرض الواقع، وتخرج إلى حيز التطبيق منذ بداية العام الدراسي الذي استلمت فيه المديرة الجديدة المدارس. أو لعلها قد بدأت قبل ذلك، حيث واجه الأهالي للمرة الأولى طلب تقديم شهادة (تسنين)!.

وتبرر السيدة سيسيل ذلك الطلب بقولها:

"منذ أن كنت أعمل في وزارة الشؤون الاجتماعية لمست مشكلة شائعة تتلخص في عدم وجود أوراق ثبوتية لدى بعض البنات، وبالتالي عدم وجود شهادة ميلاد نستطيع من خلالها تحديد عمر الطالبة، فاستدعيت تجربتي السابقة لأبدأ بتوجيه الأهالي إلى آلية استصدار هذه الوثيقة حتى نتحقق من أعمار الطالبات، وقد ساعدني على ذلك وجود مكتب الصحة بجوار المدرسة فاتفقت معهم على إرسال الطالبات لاستخراج شهادة تسنين".

وقد ساعدت تلك العملية على التطبيق المتدرج لآلية تحديد أعمار طالبات كل مرحلة دراسية تجاوزاً لمشكلة التفاوت في الأعمار والتي كانت تعاني منه مدارس البنات في تلك الفترة.

وفي صباح أول أيام الدراسة كانت (دار الحنان) على موعد جديد تلتقي فيه مع بواكير برامجها التعليمية التي ستصحبها خلال رحلة العبور للمستقبل.

وكانت الطالبات كذلك على أعتاب عهد جديد، بدأ منذ أن قطعت السيدة سيسيل رشدي انشغالهم بتبادل السلام في بهو المدرسة بعد الإجازة الصيفية لتعلن للمرة الأولى عن (طابور الصباح)!!.

(طابور الصباح) لم يكن سوى إشارة رمزية لبداية عهد جديد يعتمد على نظام إداري وتعليمي وتربوي حديث؛ ليسهم في إرساء المفهوم المتكامل للمدرسة. وهي مرحلة انتقالية تتطلب مني أن ألجأ إلى ذاكرة شاهدة على التاريخ.

السيدة فائزة كيال - التي كانت طالبة بالمدرسة آنذاك- تروي ملامح مرحلتين، فتقول:

"عندما التحقت بدار الحنان شعرت منذ اللحظة الأولى بدفء العائلة التي سرعان ما تحتضنك لتصبح فرداً منسجماً مع بقية أفرادها، ولقد ظل هذا الإحساس يرافقني حتى اليوم، فلم تنقطع العلاقة بيني وبين زميلات الدراسة منذ ذلك الزمن البعيد. وبالرغم من أن المدرسة كانت تضم طالبات من أسر معروفة ومقتدرة إلاَّ أن شخصية طالبات دار الرعاية كانت الأبرز آنذاك، فـ(عريفات) الصف على سبيل المثال كن دائماً من طالبات دار الرعاية".

كانت السيدة فائزة كيال تشير بحديثها إلى المرحلة التي أدارت خلالها السيدة مفيدة الدباغ المدرسة، وتضيف:

"وجدت في (دار الحنان) مناهج دراسية مختلفة، كما كنا نمارس عددًا من الأنشطة التي كانت محدودة في عددها، وبدائية في آلية تطبيقها". وتضيف:" أذكر كذلك الزى المدرسي الذي كان بوسعنا أن نقوم بتفصيله كيفما نشاء، شريطة أن نلتزم باللونين الكحلي والأبيض".

مقدمات وجدتها مثيرة عن الملامح الأساسية للواجهة التعليمية والتربوية التي أرادت الأميرة عفت أن تكون عليها مدرستها، ومنها نستنتج أنها اختارت بحكمتها أن ترسّخ المفاهيم تدريجياً.  فهكذا بدأت تنشأ (الروح) التي ميّزت مجتمع (دار الحنان)، ومنذ البداية تم اختبار فكرة تقديم الأنشطة اللامنهجية، دون أن تغفل إحداث نقلة في مفهوم الطالبة للمدرسة التي يختلف الالتحاق بها كصرح تعليمي عن الدراسة في البيت أو الكتاتيب، فكان لفكرة الالتزام بلون الزي دور وانعكاس على تفاعل الطالبة مع المدرسة.

كانت خطوات مدروسة لا عشوائية، وهذا ما يكشف عنه حديث السيدة فائزة كيال وهي تنتقل بنا إلى المرحلة التالية، فتقول:

"عندما تولّت السيدة سيسيل رشدي الإدارة، وافتتحت عهدها معنا بطابور الصباح التزمنا به في اليوم الأول بالشكل المطلوب؛ لأنها أشرفت عليه، ولكن في الأيام التالية أذكر أننا بدلاً من الوقوف في مواجهة المشرفة كنا نقف في مواجهة بعضنا البعض، أو في صفوف غير منتظمة، كما أننا لم نكن نحفظ نشيد (دار الحنان) عن ظهر قلب حتى انتظمنا تدريجياً، وبدأت نظرتنا إلى المدرسة تتغير، وأصبح المكان محكوماً بالنظام، فما كان إرساء مفهوم طابور الصباح سوى مقدمة لعهد جديد، أصبح فيه لكل الصور القديمة أبعاد جديدة، كما بدأت ملامح عديدة لوجه مشرق تتضح أمامنا". 

واستعانت شاهدتي بعدسة من الأمثلة لتقريب الصور القديمة، وتوضيح أبعادها الجديدة، فتقول:

"ظلت روح الأسرة والتآلف تخيم على المكان، ولكن أدركنا أننا أسرة في مدرسة، وليس في البيت. وبالتالي هناك نظام دقيق علينا استيعابه واحترامه والالتزام به، أمّا الأنشطة الجانبية التي كنا نمارسها فبدأت تتحوّل تدريجياً إلى برامج وحصص إلزامية، كما أن الزي أصبح محدداً في تفصيله وألوانه".

أمّا عن الفارق بين المرحلة التي كانت تتبع فيها المدارس لوزارة المعارف، والأخرى التي انتقلت خلالها للرئاسة العامة لتعليم البنات، تقول:

"لا أذكر أنه كانت تزورنا مشرفات أو موجِّهات، وذلك لأن العاملين في الوزارة كانوا من الرجال فقط. أمّا عندما انتقل الإشراف على مدارس البنات للرئاسة العامة بدأت زيارات الموجِّهات للمدرسة".


حفل لطالبات دار الحنان عام 1383هـ 


افتتاح المرحلة الثانوية

في نفس العام الذي تولّت فيه السيدة سيسيل رشدي إدارة المدرسة تم الاستعداد لانتقال الطالبات الناجحات من الصف الثالث الإعدادي إلى الصف الأول الثانوي، غير أن مشيئة الله أرادت أن تسرع بخطى (دار الحنان) لتفتتح كذلك الصف الثاني الثانوي، وعن ذلك تقول السيدة سيسيل:

"فوجئنا بوجود عدد من الطالبات السعوديات العائدات من الدول العربية المجاورة يطلبن الالتحاق بالدار في الصف الثاني الثانوي، وكان معظمهن بالقسم العلمي، وبناء عليه بدأ القسم الثانوي بفصلين: الأول الثانوي، والثاني الثانوي العلمي، حيث ضم 7 طالبات بالإضافة لطالبة واحدة في القسم الأدبي".


المراجع
(1)  كتاب التعليم في المملكة العربية السعودية رؤية الحاضر واستشراف المستقبل – ص87، 89