حضارة اليوم بلا قلب

أول لقاء على الانترنت مع الشاعر القدير فاروق جويدة

مي ابراهيم كتبي
صور وفيديو

على مدى التاريخ تميز العرب بابداعاتهم الشعرية وبرز في مختلف العصور عدد من الشعراء الذين وضعوا بصماتهم في ذلك العالم الساحر.. ولكل عصر فرسانه.. ولكل اتجاه من اتجاهات الشعر كتّابه... لكن لو بحثنا عن سادة الشعر الوجداني في العصر الحديث يفرض اسم الشاعر الكبير فاروق جويدة نفسه ويتبوأ مكانه على القمة بقلم تسري حروفه في نبض العروق... ومدرسة شعرية خاصة به نحتار في وصفها فلا يكفي أن نقول أنها تعتمد على الإحساس المرهف والعواطف الجياشة التي تنتقل من حنايا قلبه إلى قلوبنا... ولا نملك أن نقول أن سر تألقه يتجلى في سلاسة أسلوبه والموسيقى العذبه التي تتراقص بين كلماته. (ونتوه ونحتار ونغدو حيارى) ونحن نحاول أن نقدمه في هذا اللقاء، لذا نترك كلماته تقدم نفسها فهي خير رسول يعرف الطريق للوصول إلى قلب القاريء... وبرحابة صدره المعهودة يجيب على اسئلة عربيات واسئلة عشاقه من رواد الإنترنت.

الرحلة من القرية إلى المدينة

الشاعر فاروق جويدة، الإنسان الريفي الذي هاجر إلى المدينة ماذا حمل معه من قريته وكيف تأثر شعره بمرحلة الصبا والنشأة الأولى؟
حملت معي من قريتنا الصغيرة ثلاثة أشياء ..هي هذا العشق الشديد للطبيعة بكل ما فيها من مظاهر الجمال أرضاً و سماء و زرعاً .. وحملت أيضاً شيء من البساطة في الحياة والسلوك وحتى أسلوب الكتابة، لأنني لا أعتقد أن الحياة بحاجة إلى المزيد من التعقيد.. ثم حملت الصدق مع الله والنفس والآخرين.. وكان هذا زادي في رحلتي إلى المدينة. 

أقسى ما في الحب الفراق، وأجمل ما فيه التسامح

(في عينيك عنواني) وفي قصائد شاعرنا الكبير رأينا عين الحب الذي صورته باحساس راقٍ وعميق يعزف على أوتار القلوب بألحان تفردت بها حتى أصبحت تشكل مدرسة بأسلوبك الوجداني المتميز، فماذا تحكي لنا عن علاقة إبداعك بالحب؟
لا شيء أجمل من أن يحب الإنسان.. إنه إحساس جميل  رقيق، ولكن الحب مسئولية.. فيه معاناة و ألم.. وفيه أيضاً سعادة و شقاء.. إذا أردنا الحب علينا أن نتحمل الألم.. كما نبحث عن السعادة .. و أقسى ما في الحب الفراق، وأجمل ما فيه التسامح.

قصائدك شديدة الرومانسية والعذوبة، وبعض القراء يقول أن تحلق بهم بعيداً عن الواقع المرير، والخالي من العاطفة، وتجعله ينعم في عالمك الرائع بنفحات من الحب، والبعض الآخر يقول أنه يتحسّر ويتألم عندما يقرأ لك لأن هذا العالم لا يوجد فيه ما تعبر عنه، فلماذا وصل العالم إلى هذه المراحل من الإحباط في نظرك؟
أنا أكتب من الواقع، لكنني أحلق في السماء.. لا أقبل أن أغرس أقدامي في الطين.. و لست مسئولاً عن غياب الحب عند الآخرين ولكن مسئوليتي أن أضئ كل يوم شمعة حتى لو أطفأتها الرياح.
 

المادة أفقدتنا الرومانسية والإنسانية

هل صحيح أننا في زحمة الحياة فقدنا مشاعرنا، وهل تظن أنه من الطبيعي أن لا نجد عاطفة الحب الحقيقي إلا في سراديب الخيال؟
نعم، فقدنا الكثير من الرومانسية بل فقدنا الكثير من الإنسانية... حضارة اليوم حضارة بلا قلب.. ولهذا أخشى كثيراً من الغد.

في الماضي كنا نلمس الحب والرومانسيةً في كل شئ تقريباً، فلماذا في نظرك اختفى هذا الشئ من أيامنا؟
مادية الحياة أفقدت الإنسان رومانسيته، السبب في ذلك أن المال هو لغة هذا العصر الذي أفقدنا كل شئ .

ماهو السر الذي جعل قلم فاروق جويدة المتحدث الرسمي باسم قلوب المحبين؟
أعتقد أن السبب في تواصلي مع القراء هو صدقي مع نفسي، ومع الكلمة،  فليست في حياتي مواقف مزدوجة لأنني أعيش كما أكتب وأكتب كما أعيش، ولم أمارس يوماً الكذب على الناس، وربما كان ذلك هو السبب في إحساس القراء بشيء من المشاركة معي و هذا شيء أعتز به كثيراً.

سؤالُ ذكرتهُ الكاتبة أحلام مستغانمي.. (هل ينتهي الحب عندما نقومُ بالضحكِ على الأشياء التي أبكتنا يوماً؟!)
ينتهي الحب عندما نفقد القدرة على أن نتسامح من الأخطاء الكبيرة أو الصغيرة.. التسامح هو مقياس الحب.. والحنان هو أجمل شيء فيه.

هل تؤيد مقولة (الزواج مقبرة الحب)؟
أحياناً... إذا فقد الزوجان الإحساس بالحب.
 

ترجمة القصائد العربية

قصائدك تمت ترجمتها لعدة لغات منها الإنجليزية والفرنسية والصينية فهل شعرت أن الترجمة نجحت بالمحافظة على معاني القصيدة العربية أم أنها تخدم الإنتشار فقط؟
لا أعتقد أن الترجمة يمكن أن تنقل كل شيء لأن الشعر كلمة، هذا يعني أن اللغة أهم عناصر القصيدة وعندما ينتقل الشعر من لغة إلى أخرى فهو يفقد الكثير.. و رغم عشرات القصائد التي ترجمت من شعري إلى لغات عالمية إلا إنني أحب شعري بلغتي العربية التي أعشقها. 

قريباً أنتهي من كتابة مسرحيتي الشعرية الجديدة

- لك تجارب رائعة بكتابة المسرحيات الشعرية وعندما تم تمثيل (الوزير العاشق) على خشبة المسرح لاقت أصداء كبيرة في جميع الدول التي عرضت فيها فلماذا لم تتكرر هذه التجربة؟
كتبت للمسرح القومي ثلاث مسرحيات قدمها المسرح المصري من خلال نجومه الكبار وهي "الوزير العاشق"، "دماء على ستار الكعبة" و"الخديوي".. وأعتقد أن المشكلة الأساسية في مسرحياتي أنني اقتربت كثيراً من الخطوط الحمراء في السياسة وهذا شيء غير مرغوب فيه.. وأستعد الآن للانتهاء من مسرحية رابعة أرجو من الله أن يوفقني فيها.
 

بين الكتابة والإلقاء

هناك رأي يقول أن فاروق جويدة شاعر متميز ولكنه لايجيد إلقاء قصائده بقدر إجادته في كتابتها فهل هذا صحيح؟ وهل من الضروري من وجهة نظرك أن يجيد الشاعر فنون الإلقاء؟
هناك رأي مخالف لذلك.. البعض يرى أنني أجيد قراءة شعري  ولكنني لا أعتمد على فنون الإلقاء بل على صدق إحساسي بالكلمة، فأنا لا أحترف فن الإلقاء ولكنني ألقي قصائدي كما كتبتها.. ولهذا أشعر بإرهاق شديد في الندوات والأمسيات الشعرية.
 

السياسة والإقتصاد

كتبت عن القدس وعن القضايا العربية فمامدى تفاعل قلمك مع الأحداث السياسية؟
ما زلت أكتب عن القدس.. وما زلت ضد التطبيع.. وما زلت ضد عملية السلام مع إسرائيل.. ولو تم فسوف أرفع يدي من القبر محتجاً إذا لم يكن سلاماً عادلاً للجميع.

بدأت حياتك العملية محرراً بالقسم الاقتصادي في جريدة الأهرام، فكيف جمعت بين الاقتصاد والشعر خصوصاً أن الاقتصاد بعيد كل البعد عن الشعر وعالمه؟
الشعر اقتصاد الكلمات.. و لا شيء في العالم الآن ليس فيه اقتصاد.
 
مفردات من قاموس فاروق جويدة:
القدس: مدينة الأنبياء.
الفراق: لحظة قاسية لا أحبها.
السعادة: ضيف عابر.
اللقاء: ما أجمله مع من نحب .
الشوق: أحياناً يصبح شيئاً مؤلماً.
الصداقة: أكبر من الحب إن صدقت .
الغدر: لا أعرفه .
الذكريات: حقيبة نجمع فيها أوراقنا قبل أن تحترق في سراديب النسيان .
الشيخوخة: إحساس بالضجر لا يرتبط بالسن و لكن يرتبط بالإرادة .

 إلى العرب وعربيات

-شاعرنا الكبير فاروق جويدة ماذا تقول لعشاقك في مجلة عربيات وفي كل أرجاء وطننا العربي؟
ما زلت أحلم بأن أعيش حتى أرى عالماً عربياً يليق بنا تاريخاً و حضارة و أمجاداً.

 وماذا تقول لمجلة عربيات هذه الوليدة على شبكة الإنترنت و التي أسعدتها بتواجدك الغالي على صفحاتها؟
أتمنى للمجلة الشابة الجديدة عربيات أن تكون واجهة حقيقية لثقافة عربية أصيلة واعية تمتد حتى الجذور و تحلق حتى آخر نقطة من هذا الكون.


ولايسعنا في نهاية لقاءنا مع شاعرنا الكبير فاروق جويدة إلا أن نتقدم له بالشكر على اتاحة هذه الفرصة لنا ولرواد الإنترنت للتعرف عليه عن قرب وعلى اختياره لعربيات لتكون اطلالته الأولى على الإنترنت عبر نافذتها ونتمنى له المزيد من التألق والإبداع.