هاوية الفتنة الدينية وتبادل الاتهامات

فوبيا الحجاب

رانية سليمان سلامة

شاع في السنوات الأخيرة مصطلح Islamophobia، و(الفوبيا) بشكل عام هي خوف لا عقلاني يقوض عقل الإنسان دون أن يكون هذا الخوف مبنياً على أساس واقعي، أما ظاهرة Islamophobia فازدهرت على إثر تطرف وعنف تبنته بعض الجماعات الإسلامية التي تخلت عن خُلُق الإسلام فساعدت المروجين لهذه (الفوبيا) على أن يقودوا حملاتهم الترويجية الهادفة إلى بث الرعب في نفوس من لايعرف واقع هذا الدين... يكفي استخدام كلمة (فوبيا) لتوضيح أنه حالة مرضية ويكفي أن نتابع تطورها لندرك أنها قد أصبحت مزمنة وتسير بخطى مرسومة نحو تقويض عقل الإنسان الغربي بالأوهام ليخشى من خطر لايكمن فقط في الفكر المتطرف ولكن يرتبط بكل مظهر إسلامي، ويبدو أن هذه الخطى قد وصلت أخيراً إلى مرحلة (فوبيا الحجاب) لتستهدف الشرقي قبل الغربي.

فالعالم بشرقه و غربه مؤخراً لم يعد يشغله أمر مثل الحجاب الذي طفا على السطح بوصفه قضية ليصطف إلى جانب قضايا أخرى مفتعلة أريد لها أن تشغلنا حيناً لأنها شغلت من لايفهمها وأراد أن يشغلنا معه بها وحيناً آخر لأننا نميل إلى تضخيم الأمور وحلها بتبادل الاتهامات... من حيث نعلم أو لانعلم اكتشف بعض “عباقرة” الغرب أن الحجاب رمز ديني يتضارب مع العلمانية ويضرب الوحدة الوطنية وبالتالي لا بدّ من طمسه حتى لايؤدي إلى تفرقة اجتماعية... ومن حيث لا نعقل انتقلت تلك الحملة من الغرب إلى بعض دول الشرق الإسلامية التي أبت إلا أن تشارك في نكسة دخلتها الحضارة الغربية ذات القدرة على احتواء كل الحريات باستثناء حريات الشعوب الإسلامية، تلك الحضارة التي تقرّ بحقوق المرأة وحريتها في اختيار أسلوب حياتها وعملها ومأكلها وملبسها شريطة ألا يكون لاختيارها علاقة بالعقيدة الإسلامية.

قيل إنه مظهر لا يعبر بالضرورة عن المضمون و إن الأديان تنظر إلى الجوهر لا المظهر وهو قول إذا حاولت أن تتفق معه ستجد قائله يناقض بأول قوله آخره ويحصر تقييمه للمرأة على ردائها فيصفها بالتخلف إذا ارتدت الحجاب وبالتحضر متى ماخلعته. وإن كنت في ما سبق أعتذر للإخوة والأخوات القراء عن الخوض في هذا الموضوع بالرغم مما يتلقاه بريدي من أخبار وصور مؤلمة تعكس معاناة المحجبات تحت وطأة حملة خلع الحجاب الغربية-الشرقية ذلك أنني كنت أراها مسائل داخلية لكل دولة وليس من الحكمة أن نتدخل فيها. غير أن الأمر اختلف تماماً عندما أعدت قراءة بعض التصريحات العربية والإسلامية -مع الأسف- لأدرك أننا قبل أن نخرج من مصيدة تبادل الاتهامات السياسية سقطنا في هاوية الفتنة الدينية وتبادل الاتهامات.

أن تسمح دولة ما بالنقاب و الحجاب أو يمنعه قانونها فهذا شأنها الداخلي ولشعبها كلمته و لإرادته حق الاستجابة على حكومته، أما أن يتم تبرير محاربته في دول عربية وإسلامية بذريعة أن هذا الرداء موجّه ومصدّر من دول عربية أخرى فهذه مغالطة كبيرة تستحق أن نتوقف عندها للرد عليها، وإذا أخذنا مصر الشقيقة كمثال فالمرأة المصرية وفقاً لموقع الهيئة العامة للاستعلامات التابع لوزارة الإعلام المصرية التي تعرّف بنفسها كجهاز الإعلام الرسمي والعلاقات العامة للدولة منذ عام 1954م تسرد تاريخ المرأة المصرية وتستشهد فيه بأن السيدة هدى شعراوي كانت أول من خلعت النقاب وأسفرت عن وجهها في سنة (1340هـ - 1921م)، مما يعني أن المرأة المصرية كانت ترتدي النقاب وقد خلعته دون أن تخلع الحجاب والأقرب إذن عندما يخرج أحد المعارضين للنقاب والحجاب في دولة مصر الشقيقة أن يتهم موروثاته الوطنية بدلاً من رمي الاتهام على دول عربية معتبراً أنها تحاول تصدير ظاهرة غريبة لم تعرفها من قبل المرأة المصرية.

علامات استفهام عديدة برزت أمامي وأنا أراجع مع أحد المحررين أسئلة موجهة للدكتورة الأزهرية سعاد صالح حول تصريحاتها الأخيرة التي اعتبرت فيها أن النقاب عادة اجتماعية وفدت إلى المجتمع المصري من دول عربية وتحديداً من شبه الجزيرة العربية وقد حال بيني وبين ابتلاع ذلك الاتهام صور رسختها السينما المصرية القديمة عن المرأة التي كنا نراها ترتدي النقاب واليشمك والملاية اللف!! و رغم احترامي الشديد للدكتورة وقناعتي بأن النقاب ليس فرضاً بل فضلٌ لمن تختاره إلا أن الإجابة على أولى علامات الاستفهام كانت أشبه بالملاية اللف في التفافها على الخطأ بدلاً من احتواء الفتنة فقد قالت إن البرقع وصل إلى مصر عن طريق تركيا والإسدال من إيران، ولم أعرف منذ متى كانت تركيا وإيران من دول شبه الجزيرة العربية؟.

الواضح أن حملة محاربة النقاب انطلقت من الغرب، والمؤسف أن بعض المتحمسين لها في الشرق قد تبنوا حملة موازية يجمعها مع الحملة الأم قاسم مشترك هو التعبير عن الرفض بالإهانة و كيل الاتهامات للغير، أما المثير للدهشة فهو أن حماس البعض في العالم الإسلامي للمشاركة في هذه الحملة قد دفعهم إلى محاربة الحجاب نفسه –لا النقاب- رغم إجماع علماء الأمة على أن الحجاب فريضة على المرأة المسلمة... وكل ذلك لا أحسبه شرا بل خير، فالحملة قد بدأت في الوقت المناسب بعد أن نجح دعاة العالم الإسلامي في السنوات الأخيرة بتصحيح المفاهيم المغلوطة عن الحجاب لتدرك المرأة المسلمة أن الحجاب ليس مدعاة للاحتجاب والعزلة فهو مظهر يعكس امتثالها لأمر الله ويحمّلها مسؤولية الدفاع عنه بانخراطها في الحياة وتحقيقها للنجاح بمختلف أشكاله وفي شتى الميادين، فإن كان قد تحقق لها ذلك فهي مؤهلة اليوم لخوض الاختبار لقوله تعالى (أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ.وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ).


رئيسة تحرير مجلة عربيات الإلكترونية
[email protected]
المصدر: صحيفة عكاظ