هل حقاً القلوب أنواع؟

قراءة لنبضات قلب شاعر

رانية سليمان سلامة

(قلب شاعر)، عنوان قصيدة للشاعر الكبير فاروق جويدة تذكرتها في ليلة قررت فيها أن انفض الغبار عن ذلك الجهاز القابع في زاوية حجرتي، فضغطت على زر التشغيل وكتمت الصوت كالمعتاد بأمر تلقائي يرسله عقلي الباطن إلى إصبعي مؤكدا أن الكثيرمن الصور تبدو أحيانا أجمل من الأصوات المنبعثة من هذا الجهاز، أما وقد التقطت العين صورة ضيف برنامج (القاهرة اليوم) فيحق للقاعدة أن تنكسر، وللعقل أن يستمع بأمر القلب لقلب وفكر وألم شاعر لطالما نثر حروفه في أجوائنا لتنساب بسلاسة، ووصفها صادقاً اذ قال: "اكتب من الواقع ولكنني أحلق في السماء"، فاصطحبنا لنحلق معه في حب الإنسان والوطن والقضية.

في ذلك اللقاء طغت صورة واحدة على غيرها من الصور، وكانت ببساطة صورة قلب بكى ونزف حتى كاد أن يفقد قدرته على النبض، ولم يكن ذلك الوصف مجازيا ولا هو من قبيل مبالغة الشعراء في وصف آلامهم ولكنها حقيقة رأيتها مجسدة أمامي وأنا استمع لتفاصيل الازمة الصحية التي مر بها الشاعر عندما تم استدعاؤه للتحقيق معه حول رسائل غاضبة من القراء نشرها في زاويته، فاصيب بصدمة، تبعتها أزمة أدت الى انسداد أحد شرايين القلب، لينتقل من مكتبه إلى غرفة العناية المركزة ويجري عملية لقلب لم يسبق له أن عانى من مشاكل صحية، ويقر الأطباء بأن السبب صدمة أو موقف حاد تعرض له.

وهي حادثة دفعتني للتساؤل قبل أن أقرأ بقية الصور: هل حقا القلوب أنواع؟ وهل قلب الشاعر يختلف عن قلوب غيره من البشر؟.. والأهم لماذا وكيف وأين يكمن هذا الاختلاف لعضو لا يختلف في شكله أو تكوينه أو دوره أو موقعه في أجساد البشر؟.. الإجابات محيرة خاصة إذا حاولنا تفسيرها بلغة العلم والمنطق، فليس كل من يتعرض لصدمة يُصاب بأزمة من هذا النوع، ودرجة الاحساس تتفاوت من شخص لآخر، وتفاعل القلوب مع ذلك الإحساس يختلف، فمنها على مايبدو (الاسفنجي) الذي يمتص الألم، ومنها (الصخري) الذي ينكسر على جداره الألم، ومنها مايغزوه الألم ليحتله على شكل جلطة تهدد النبضات بالتوقف عن عزف نغمة نشاز لا يحتملها قفص صدري تسكن بداخله.. ويثبت فاروق جويدة مجددا أن حروفه صادقة ولم تكن ابداً كاذبة أو مبالغة عندما أسدى النصيحة ذات يوم قائلا: "لا تشتر قلب شاعر من أسواق بيع الاعضاء الانسانية لأن قلوب الشعراء أرق من أن تتحمل هموم هذا العصر واحباطات هذا الزمان.. وما دمت ستغير قلبك حاول أن تختار قلبا صامدا شديداً".

لم تكن صورة ذلك القلب الحزين وحدها البارزة فكعادته وبذهن حاضر التقط لنا العديد من الصور التي استمتعتُ بقراءتها الواحدة تلو الاخرى:
أولها، صورة التقطها وهو يقلب صفحات الصحف الزاخرة بقضايا ومشاكل محلية تتصدر الصفحات الأولى، وبعد أن علق عليها تساءل بهدوء عاصف هل تم تهميش القضية الفلسطينية التي كانت تتخذ مكانها على الصفحة الاولى من كل صحيفة عربية ومن همومنا ومجالسنا فغرقنا في المشاكل والصراعات والاصلاحات الداخلية لننسى تدريجيا تلك القضية؟، وجدت نفسي وربما الكثيرين غيري ممن تابعوا اللقاء نشارك الكاتب في نفس التساؤل ونطرحه على أنفسنا، ليس لأن القضايا المحلية لكل بلد عربي لا تستحق أن نوليها الاهتمام ولكن لأن (هذا) لا يتطلب منا أن ننسى (ذاك) الذي لا يحتمل أن نضعه على قائمة الانتظار ريثما نفرغ من التفكير في غيره.

ثانيها، في اشارته لحساسية بعض أصحاب المناصب من توجيه الانتقاد لهم وخطورة الاعتقاد السائد في عالمنا العربي والذي يجعلنا نعتبر أن النقد يعني بالضرورة الاهانة والاساءة بينما الواقع يقول أن من لا يعمل لا يخطئ.. فهل من يتحسس من النقد البناء لا يعمل وبالتالي لا يخطئ؟!.

ثالثها، الحس الوطني العميق الذي لا يهتز في لحظة ألم مؤكدا أن علاقة الانسان بوطنه أكبر من ذلك، ويختصرها معتبرا أنه قد أصيب في قلبه وهو أغلى ما يملك إصابة سيعيش ويتعايش معها مدى الحياة ومع ذلك يستدرك قائلا: "مهما عانينا من متاعب سيظل الوطن أكبر منا، ونحن لا نكبر الا به".

رابعها، الأخلاقيات المهنية الراقية التي تجعل الانسان ينأى بنفسه عن الاساءة لصرح احتضنه وإن خذله فالمثل يقول: (لا تبصق في بئر قد تعود لتشرب منها) وجويدة لم يبصق الاجابة على التساؤلات الاستفزازية التي اشارت الى تقصير صحيفته معه.

تظل كلمات فاروق جويدة دائما بالنسبة لي كلمات للقراءة بتعمق لا للاستماع فحسب لانها تُصاغ بلحن خاص لم تنجح بمنافسته بعد أوتار الآلات الموسيقية.

* رئيسة تحرير مجلة (عربيات) الإلكترونية
[email protected]
المصدر: صحيفة عكاظ